page 990, entry [1510]Open original source
[خروجه لمحاربة القرامطة بالشام] واستخلف بعده ابنه العزيز بالله أبو منصور نزار، فانتدبه إلى الخروج إلى الشام وحمل إليه خزائن السلاح والأموال. وسار من القاهرة في عسكر لم يخرج إلى الشام قبله مثله، بلغت عدّتهم عشرين ألفا. فبلغ هفتكين الشرابيّ وهو على عكّا مسير جوهر، والقرامطة على الرملة، فولّت القرامطة منهزمين عجزا عن مقاومته، وسار هفتكين من عكّا إلى طبريّة، ونزل جوهر الرملة. فدخل هفتكين إلى دمشق، وجوهر في إثره إلى أن نزل بين داريا وبين الشماسيّة ظاهر دمشق يوم الأحد لثمان بقين من ذي القعدة سنة خمس وستّين وثلاثمائة، وحفر على عسكره خندقا عظيما وجعل له أبوابا وبنى البيوت من داخل الخندق، وكان قد انضمّ إليه ظالم بن مرهوب العقيليّ، فأنزله خارج الخندق. وجمع هفتكين الدعّار وحمّال السلاح من عوامّ دمشق، وقدّم عليهم قسّام النّسّاط الترّاب (٢)، وأجرى له الأرزاق وأخرجه إلى قتال جوهر، فاستمرّت الحرب بين جوهر وهفتكين من يوم عرفة، فجرى بينهم اثنتا عشرة وقعة إلى سلخ ذي الحجّة [سنة ٣٦٥]، ولم تزل الحرب إلى يوم الخميس حادي عشر ربيع الأوّل سنة ستّ وستّين وثلاثمائة، فانهزم هفتكين وعزم على الفرار إلى أنطاكية (٣). ثم ثبت عند ما بلغه قدوم الحسن بن أحمد القرمطي إليه، فاستظهر. وبلغ ذلك جوهرا فدعا إلى الصلح، وكان الشتاء قد هجم عليه، وهلك أكثر ما معه من الكراع، وصار معظم أصحابه رجّال [ة] بغير خيل، وقلّت العلوفات عنده واشتدّ وقوع الثلوج [٣٦٦ ب]. فامتنع هفتكين من إجابته ثمّ أذعن وأنفذ إلى جوهر بجمال. ورحل عن دمشق بعد ما أحرق ما عجز عن حمله من الخزائن والأسلحة. وسار يوم الخميس ثالث جمادى الأولى مجدّا لخوفه أن يدركه القرمطيّ، فهلك كثير من عسكره لشدّة الثلج، وأخذ القرمطيّ يسير خلفه من طبريّة إلى الرملة فتحصّن جوهر بزيتون الرملة، وخرج هفتكين من دمشق ولحق بالقرامطة واجتمعوا على قتال جوهر. فجرت بينهم حروب طويلة شديدة آلت إلى التجاء جوهر إلى عسقلان، وقد فني معظم عسكره ونهبت أثقاله. فنزل هفتكين عليه وحصره حتى بلغمنه الجهد الشديد، وغلت عنده الأسعار بعسقلان، فبلغ قفيز القنح أربعين دينارا، وتنكّر عليه من معه من الكتاميّين واحتقروه وتنقّصوه وشتموه. وكانوا قبل ذلك قد تخاذلوا ولم يصدقوا في القتال، وكايدوا القائد جوهرا، فضاقت بجوهر ومن معه الأرض ولاذ إلى الصلح. فبعث إليه هفتكين: إن أردت الخروج بمن معك فأنا أؤمّنك حتى تنصرف إلى صاحبك. فتعاقدوا على ذلك، وصالح هفتكين على مال، وخرج وقد، علّق هفتكين سيفه على باب عسقلان حتى يخرج جوهر ومن معه من تحت سيفه، فسار [٣١١ ب] إلى القاهرة، وقد بلغ العزيز ما هو فيه من الجهد، فبرز يريد السفر إلى الشام، فسار معه. وكانت مدّة قتال القرامطة وهفتكين لجوهر على الزيتون ظاهر الرملة وعلى عسقلان سبعة عشر شهرا. فلمّا قدم جوهر على العزيز وبلغه تخاذل الكتاميّين غضب من ذلك غضبا شديدا، وعذر جوهرا وأظهر أنّه قد تنكّر له وعزله عن الوزارة، وصيّر مكانه يعقوب بن كلّس. فلمّا فرغ العزيز من قتال هفتكين وعاد إلى القاهرة، لم يزل جوهر بها إلى أن مات يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت- وقيل بل مات لسبع بقين- من ذي القعدة سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. فبعث العزيز بالله إليه بالحنوط والكفن، وبعث إليه الأمير منصور ابن العزيز وبعثت إليه السيّدة العزيزيّة أيضا. فكفّن في سبعين ثوبا ما بين مثقل ووشي مذهب، وصلّى عليه العزيز. وكان له من الولد حسين، وحسن، وأبو أحمد جعفر. فأمّا الحسين بن جوهر، فإنّ العزيز خلع عليه وجعله في مرتبة أبيه، وله ترجمة كبيرة في هذا الكتاب (١). وأمّا حسن، فإنّه مات بالمغرب وصلّى عليه المعزّ لدين الله في سنة ستّين وثلاثمائة. وأمّا أبو أحمد جعفر، فبعثه أبوه من القاهرة إلى المغرب بهديّته، وله ترجمة أيضا (٢). ولمّا مات جوهر لم يبق شاعر بمصر من أهلها، ولا طارئ غريب، إلّا رثاه ووصف ما أثره وما فتحه من البلاد شرقا وغربا.