page 850, entry [1307]Open original source
[اقتسام الحكم بينه وبين سلّار]: فلمّا قدم الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك وأعيد إلى السلطنة، استقرّ بيبرس أستادارا، وسلّار نائب السلطنة، وقاما بتدبير سائر الأمور، وقدّم كلّ منهما حاشيته، ولم يجعلا للناصر من الأمر سوى مجرّد الاسم فقط. وقوي مع ذلك جانب البرجيّة وصارت لهم حمايات كثيرة، وتردّد الناس إليهم في الأشغال، والقائم بذلك كلّه بيبرس [٣١١ ب]. فوقع التحاسد بينهم وبين الصالحيّة أتباع سلّار. وعظم بيبرس عن مباشرةالأستاداريّة، فاستناب فيها عنه الأمير علم الدين سنجر الجاوليّ وحكّمه في جميع أمورها، واشتغل هو بتدبير الأمور، إلّا أنّه يتأدّب مع الأمير سلّار النائب، ويركب بين يديه. ولمّا تحرّك غازان محمود ملك التتار لأخذ بلاد الشام، خرج هو وسلّار بالناصر من القاهرة في عساكر مصر إلى غزّة، فثار به الأويراتيّة وضربه برنطاي [ف] جرح بوجهه، وكانت الفتنة التي ذكرت في ترجمة الناصر محمد بن قلاوون (٣). فلمّا سكنت الفتنة، أخذ البرجيّة في إغراء بيبرس بسلّار، وأنّه قد وافق السلطان على إمساك بيبرس. فدارى سلّار الحال حتى رضي بيبرس، وساروا جميعا إلى الحرب، فوافاهم غازان على وطأة حمص. فعند ما توافق الفريقان عرض لبيبرس حمّى حادّة وأخذه إسهال مفرط لم يقدر معه أن يثبت على الفرس. فركب المحفّة واعتزل القتال. فلمّا كان من الكسرة على حمص ما كان وعادت العساكر إلى مصر في ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وستّمائة وتجهّزت لحرب غازان مرّة ثانية، سار بيبرس وسلّار بالعساكر إلى دمشق في شعبان منها، وبعثا النوّاب إلى الممالك وقتلا من بقي من التتر بعد رحيل غازان، بحلب، وقرّرا أمور الشام [و] عادا إلى القاهرة في ثالث شوّال. ثم خرجا مرّة ثانية بالملك الناصر إلى جهة الشام في صفر سنة سبعمائة لحرب غازان، وعادوا جميعا من العوجاء في جمادى الأولى. فقام بيبرس في أمر النصارى قياما يشكره الله عليه: وذلك أنّهم كانوا قد تزايد ترفهم وكثر طغيانهم وصاروا يفتّنون في ركوب الخيول المسوّمة والبغلات الرائعة بحلي الفضّة والذهب، ويتأنّقون في جودة الملابس الفاخرة، وإليهم سائر أعمال الدولة يتصرّفون فيها برأيهم كيف أحبّوا. فاتّفق أنّ بعض المغاربة (١) رأى أحد المتعمّمين راكبا وحوله عدّة من المسلمين يمشون في ركابه ويسألونه ويتضرّعون له ويقبّلون رجله، وهو لا يعبأ بهم ولا يلتفت إليهم ويصيح فيهم وينهرهم ويسبّهم سبّا قبيحا ويطردهم غلمانه. فلمّا أنكر ذلك قيل له: وهو مع ما ترى نصرانيّ! فلم يتمالك نفسه وصعد من فوره إلى الأمير بيبرس، ودخل عليه وهو يبكي، وأخبره بما رأى، وشنّع في القالة عليه، وقال: كيف ترجون النصر على أعدائكم، [٣١٣ أ] وأنتم تعزّون من أذلّ الله، فتركبون النصارى الخيول، وتمكّنونهم من زيّ أهل الإسلام، حتى أذلّوا المسلمين واستهانوا بهم؟ - ونحو ذلك من القول.