page 742, entry [1157]Open original source
٨٧٧ - أيدمر القشّاش [- ٧٠٢] (٦) [٢٥٣ أ] أيدمر القشّاش، الأمير عزّ الدين، أحد المماليك [ ... ]. وولي في الأيّام المنصوريّة قلاوون الغربيّة فأرهف حدّه وأكثر من سفك الدماء، فخافه أهل الفساد. فأضيف إليه ولاية الشرقيّة وكشف الوجه البحريّ. فلمّا مات المنصور وقام من بعده ابنه الملك الأشرف خليل واستوزر الصاحب شمس الدين محمد بن عثمان بن السلعوس، تكبّر عليه أيدمر هذا ولم يلتفت إلى مراسيمه، فشكا منه للسلطان شكوى كثيرة حتى كتب بإحضاره. وكانت العادة أن يحضر الولاة كلّ سنة للسلطان تقدمة. فخرق أيدمر العادة و [أ] حضر تقدمة عظيمة في سنة اثنتين وتسعين وستّمائة فيها ستّون حجرة (١) من عتاق الخيل، وعشرون حصانا، ومائة هجين كلّهم بعبى سخبريّة (٢) ومقاود بعضها فضّة وأكوار وسلاح كثير من أسلحة العرب. فأعجب بها السلطان وشكره. فسأل النائب بيدرا أن ينعم عليه بالمثول بين يدي السلطان ليقبّل الأرض فقال: لا، بل يذهب إلى الوزير، فإنّه شكا منه أنّه أخذ لي شيئا كثيرا من مالي. فقال: ونفرض أنّه أخذ؟ فقد أحضر قدر ما أخذ في هذه التقدمة. وأبى إلّا أن يذهب إلى الوزير. فعزّ ذلك على أيدمر وقال: ليفعل السلطان بي كلّ ما يختار! ولا أدخل إلى الوزير، فإنّه كبير النفس وأنا أكبر نفسا منه [٢٣٤ ب]، فيحصل الضرر. فلاطفه بيدرا، وبعث قبله أحد الحجّاب إلى الوزير بالوصيّة عليه فإنّه رجل شيخ له قدر معتبر. ثم بعثه. فلمّا دخل على الوزير لم يعبأ به، وتشاغل عنه ساعة. ثم نظر له وقال: أنت الذي يقال لك القشّاش؟ فاشتدّ حنقه، ونظر إلى الوزير شزرا، وخرج وهو يسبّه بالتركيّ، والحاجب يصيح به فلا يلتفت إليه، والنقباء في طلبه. فسبقهم إلى دار النيابة وقال لبيدرا: ألف ضربة بالسيف، ولا وقوفي قدّام عامّي يهينني! - وحلّ سيفه وألقاه. فسكّن بيدرا الشرّ وأظهر أنّه قد غضب عليه، وأخذ سيفه ووكّل به، وأعلم الوزير بما فعل به. فلمّا دخل إلى السلطان شكا من أيدمر وقوّة نفسه. فقال له السلطان: ما نجد من يقوم مقامه، فإنّه مسلّط على المفسدين فلاطف الأمر معه. فخرج وطلبه من دار النيابة ورسم عليه ليعمل حساب البلاد. فقال: قل للصاحب: أنا ما ولّاني الملك المنصور [٢٥٣ ب] جابيا حتى أعمل الحساب، وإنّما أقامني لأشنق وأوسّط وأسمّر وأحطّ ابن آدم على الخازوق، وما أعرف غير سفك الدماء. فإن كان للوزير حساب [فل] يطلبه من دواوينه! وإن كنت قتلت له أحدا من أقاربه [فل] يطلبني بدمه! - ونهر في شادّ الدواوين وفي المقدّمين. فعادوا إلى الوزير بما قال، فاقشعرّ جلده من شناعة هذا القول. فأقام في الترسيم ثلاثة أيّام [ثم] استدعاه السلطان وخلع عليه وقال له: قد سمعت أنّك قتلت خلقا كثيرا، فكم تبلغ عدّتهم؟ فقال: زيادة على اثني عشر ألف رجل، وما أعتقد أنّ الله أجرى حكمي على غير مفسد. قال: وسمعت أنّك سمّرت ثلاث نساء، منهنّ اثنتان بكران. لم ذلك؟ قال: شكا إليّ تاجر من أهل المحلّة عجوزا وجد معها شيئا من ثياب أخيه، وكان قد غاب مدّة وانقطع خبره. فأنكرت ما قال، ففتّشتها، فإذا معها مصاغ فيه خواتم رجاليّة. فادّعت أنّه من حلي بناتها، فعاقبتها ثلاثة أيّام فلم تقرّ ولا عرّفتني باسم بلدها، حتى ذكر لي بعض الرقّاصين أنّها من ناحية بطشة (٣) بالقرب من المحلّة. فركبت وهجمت بيتها فوجدت فيها كثيرا من ملابس الرجال والنساء، ووجدت لها ابنتين فعاقبت الثلاث (٤) عقوبة الموت، فلم يعترف أحد منهنّ بشيء، فسمّرتهنّ. فكانت العجوز تئنّ من ألم المسامير، فقالت لها ابنتها الصغرى وهي مسمّرة: يا أمّاه، إيّاك أن يعيب علينا باعة المحلّة! موتي وأنت ساكتة! فشكره السلطان وأعاده إلى عمله، فاستمرّ فيه مديدة، إلى أن حدث به مرض المفاصل. فطلب الإعفاء. وأقام بالقاهرة، إلى أن سار الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى قتال التتار. فسار مع العسكر في محفّة حتى التقى الفريقان على شقحب. [ف] لبس آلة حربه وركب فرسه، وبه من ورم رجليه وضربانه [ما] ألم شديد. فقال له بعض أصحابه: يا خوند، أنت رائح ترمي نفسك للموت! فنهره وقال: ويلك! والله لمثل هذا اليوم كنت أنتظر! وإلّا، بأيّ شيء يتخلّص القشّاش من ربّه إلّا بهذا؟ ثمّ اقتحم بفرسه وحمل برمحه على العدوّ، وكأن لم يكن به ألم قطّ. وقاتل حتى قتل في يوم الأحد ثاني شهر رمضان سنة اثنتين وسبعمائة، فوجد فيه عدّة جراحات. وكان ﵀ صاحب حرمة وافرة ومهابة [٢٥٤ أ] زائدة. واقترح في أيّامه نوعا شنيعا من العذاب. فأقام خوازيق في الأرض وجعل محدّدها منتصبا قائما، وبأعلاها عود من خشب طويل ختامه بكرة فيعلّق الرجل من المفسدين بيده في تلك البكرة، وترفعه [٢٣٥ أ] حتى يصل إلى آخر الخشبة، ثم يرخيه بسرعة فيقع على الخازوق فيخرج من جسده بحسب ما يقع عليه. فذعر أهل النواحي منه واشتدّ خوفهم وفزعهم وصاروا بحيث لا يقدر أحد منهم على لبس مئزر أسود (١) ولا يتجاسر أن يتقلّد بسيف ولا يأخذ بيده عصا ولا يركب فرسا في مدّة ولايته. وأقام عدّة جسور وتراع كثر النفع بها، منها جسر بين ملقة سندفا وأرض سمنود عرف بالشقفيّ. فلمّا كان بعد موته بمدّة رآه رجل في نومه وسأله عمّا لقي، فقال: سامحني الله وغفر لي بعمارتي جسر الشقفيّ (٢).