page 629, entry [1032]Open original source
[عيد الأضحى في حصار كيانة]: وجاء عيد الأضحى يوم الجمعة، فركب المنصور إلى المصلّى على فرس ورد بتجافيف مذهب [ة] وعليه ثوب أصفر وعمامة صفراء، والمطارد (١) والبنود والطبول في نواحي العسكر، فصلّى بالناس ثمّ رقي المنبر فخطب (٢). «باسم الله الرحمن الرحيم. «الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلّا الله. «والله أكبر! الله أكبر! ولله الحمد. «الحمد لله المتوحّد بالربوبيّة، المتفرّد بالوحدانيّة، المتعزّز بالقدرة والبقاء، المتجبّر بالعظمة والكبرياء، الأوّل بلا غاية، والآخر بلا نهاية، المتعالي عن تشبيه الجاهلين وتحديد الواصفين وتكييف الناعتين. «وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ [١٩٣ أ] محمّدا عبده ورسوله، أكرمه بالنبوّة، واصطفاه بالرسالة، وحباه بالفضيلة وابتعثه بالنور ساطعا، وبالحقّ صادعا، وبالهدى آمرا، وعن الكفر زاجرا، وعلى الأنبياء مهيمنا، ولما جاءوا به مصدّقا. فبلّغ الرسالة، وهدى من الضلالة، وأنقذ من الهلكة، وأنهج معالم الدين وفرائضه، وبيّن حدوده وشرائعه، وجاهد في سبيل الله حقّ جهاده حتّى أتاه اليقين، صلّى الله عليه في الأوّلين والآخرين، وعلى آله الطيّبين، الأئمّة المهديّين، وسلّم، ورحم وكرّم. «أوصيكم عباد الله بما أوصيت به نفسي، من تقوى الله ومراقبته، والعمل بما يرضيه ويقرّبنا وإيّاكم إليه، ففي تقواه ورضاه الفوز بالجنّة والنجاة من النار: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ [آل عمران: ١٨٥] وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [الحديد: ٢٠]. «ألا وإنّ يومكم هذا يوم حرام في شهر حرام، معظّم على الأيّام: يوم الحجّ الأكبر، افترض فيه على كافّة [أهل] الإسلام الحجّ إلى بيته الحرام الذي جعله مثابة للناس. فتقرّبوا فيه إلى الله بما أمركم: فانحروا إناث الإبل والبقر وفحول الضأن، واجتنبوا ذوات العيوب والمشوّهة بالزيادة والنقصان، فبذلك جرت سنّة نبيّكم ﷺ وعلى الأئمّة من ولده الأطهار الكرام الأبرار ﵈. لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ [الحج: ٣٧]. «تقبّل الله منّا ومنكم، وكتب لنا ولكم حجّ بيته الحرام، والوصول إلى مشاهده العظام، باعتزاز ملكنا، وإتمام أمرنا، وإنجاز متقدّم وعد [هـ] لنا، إنّه لا يخلف الميعاد، ولا يعجزه إذا أراد». والخطبة الثانية بعد الجلوس: «الحمد لله المبدئ المعيد، الكريم المجيد، الفعّال لما يريد، خالق الخلق، وباسط الرزق، منزل القطر، ومدبّر الأمر. «وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له. وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله المرتضى، وأمينه على ما أوحى، المنقذ من الضلالة والردى ﷺ، وعلى آل بيته الكرام المهديّين، الأئمّة الراشدين الطاهرين، وعلى عليّ أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين، وعلى الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة، جبال الدين وسادات العالمين، وعلى الإمام المرتضى، والوليّ المصطفى، عبد الله أبي محمّد الإمام المهديّ بالله أمير المؤمنين، ووارث فضل الأئمّة المهديّين من آبائه الخلفاء الراشدين، وصفو الصفوة من الأوّلين والآخرين، الذي قامت به دولة المؤمنين، وبسيفه ذلّت رقاب المنافقين، فأعاد الإسلام غضّا ناضرا، والدين مشرقا زاهرا، والحقّ مضيئا باهرا، فأحيى الله به من الدين ما اندرس، ومن الحقّ ما التبس، وجمع له شرف الدنيا وفخرها، وفضل الآخرة وذخرها، صلوات الله عليه ورضوانه، ورحمته وحنانه. «وصلّى الله على وليّ عهده، ووارث مجده، وخليفته من بعده، المتقلّد الإمامة، المتوّج بالكرامة، عبد الله أبي القاسم الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين، سليل النبيّين، وبقيّة الأئمّة المهديّين، صلاة يزيده بها كرامة وعلاء، وشرفا وسناء، سامية القدر، عالية الفخر، باقية على الدهر. «اللهمّ، وكما قلّدتني خلافتك التي كرّمتها وشرّفتها، ولعنت مدّعيها، وأخزيت مناوئها، واخترت [لها] الواحد بعد الواحد من آبائي الكرام المصطفين، الخلفاء الراشدين، ثمّ ألبستني ثوب مجدهم، وتوّجتني تاج عزّهم، وطوّقتني إمامتهم، وقلّدتني خلافتهم، وأورثتني مقامهم، وأحييت [١٩٣ ب] بي ذكرهم، وتمّمت بي أمرهم، ونصبتني لما نصبتهم من الاحتجاج على خلقك، والقيام بحقّك، ونصر دينك، وإعزاز ملّة رسولك، ثمّ أيّدتني ونصرتني وأظهرتني، وأعززت بي الأمّة بعد الذلّة، وكثّرتهم بعد القلّة، وجمعتهم بعد الفرقة، وكشفت عنهم مدلهمّ الفتنة، ودياجي المحنة، فأصبح الحقّ مشرقا، والباطل زاهقا، فضلا منك عليّ، ونعمة جدّدتها لديّ، اللهمّ، فألهمني شكر نعمتك، ووفّقني للعمل بما يرضيك، ويزلفني لديك، ويقرّبني إليك، فإنّه لا حول ولا قوّة إلّا بك، عليك توكّلت وإليك أنيب. «اللهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنّك رءوف رحيم». ونزل ونحر ناقته بيده. وانصرف الناس، وقد علموا أنّه الإمام، وأنّ القائم بأمر الله قد توفّي، ففرحوا بخلافته. وكتب أهل العسكر بذلك إلى القيروان والمهديّة، فسرّ الخاصّ والعامّ سرورا عظيما. ووصلت عساكر كتامة في ثاني يوم النحر، فأعرض عنهم وقال: «لا حاجة لي اليوم بكم». فتضرّعوا إليه وسألوه الرضى عنهم، وضمنوا له أنّهم يوافونه بعشرين ألف فارس وراجل. فرضي عنهم وبعث معهم ميسورا (١) الخادم، وأجّل لهم عشرين يوما. فبلغ ذلك أبا يزيد فأيقن بالهلكة، وكتب إلى معبد بن خزر مع ابنه فضل ابن أبي يزيد يسأله النصر، وكان معبد يرى رأي النكّار، فأجابه وحشد الحشود وزحف على بسكرة وطبنة فانصرف مفلولا. ودخلت سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة. فوصل ميسور بعساكر كتامة في يوم الثلاثاء لعشر خلون من المحرّم. وكان المنصور يقول في سفره هذا كلّه: «إن لم آخذ أبا يزيد وأسلخه فلست بابن فاطمة ولست لكم بإمام». ولمّا أمر بعمل القفص قال: «إن لم أدخل أبا يزيد في هذا القفص فلست بابن رسول الله، ولقد ندمت إذ لم أصعد منبر القيروان وأذكر هذا لسائر الناس». وكان يقول هذه، وأبو يزيد في ستّة وثمانين ألف خصّ، في كلّ خصّ جماعة أقلّهم ثلاثة، وكلّ الناس قد يئسوا من بقاء الدولة.