page 491, entry [887]Open original source
فصل في ما وقع له ﵁ بعد انقضاء المحنة قال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: دعا المعتصم بإسحاق عمّ أحمد بن حنبل. ثمّ قال للناس: تعرفونه؟ قالوا: نعم [هو أحمد بن حنبل] (٣). قال: فانظروا إليه، أليس هو صحيح البدن؟ ولولا أنّه فعل ذلك لوقع شرّ لا يقدر على دفعه. فلمّا قال: قد سلّمته إليكم صحيح البدن هدأ الناس وسكتوا. وكان ابن أبي دواد يحاول الخليفة على حبس أبي عبد الله وعدم إطلاقه ويقول: يا أمير المؤمنين، احبسه فإنّه فتنة! فغضب المعتصم وقال لنائبه: يا إسحاق، أطلقه. قال أبو عبد الله: فلم يجد بدّا من أن يخلّي عنّي، ولولا ذلك لكان قد حبسني. وقال المعتصم لهم: ليس هذا كما وصفتم. قال البيهقي: وذلك أنّهم وضعوا من قدره وقلّلوه وصغّروه عنده، فلمّا شاهده ورأى ما عنده عرف له فضله. وقال ميمون بن الأصبغ: أخرج أحمد بعد أن اجتمع الناس وضجّوا حتّى خاف السلطان فخرج. قال البيهقيّ: قال حنبل: وخلع عليه المعتصم مبطّنة وقميصا وطيلسانا وخفّا وقلنسوة، وأخرج على دابّة عند غروب الشمس، فصار إلى منزله ومعه الناس فدخل منزله ورمى بنفسه على وجهه وخلع ما كان خلع عليه فأمر به فبيع وأخذ ثمنه فتصدّق به. وبلغنا أنّ أبا إسحاق- يعني المعتصم- ندم وأسقط في يده، وأمر إسحاق نائبه أن لا يقطع عنه خبره، فكان إسحاق يأتينا كلّ يوم يتعرّف خبره حتّى صحّ وبرأ بعد العلاج وخرج للصلاة والحمد لله. فلمّا مات المعتصم وولي ابنه هارون الواثق أكثر الناس من الأخذ عن الإمام [٥ أ] أحمد فشقّ ذلك على أهل البدع، فكتب الحسن بن علي [بن] الجعد قاضي بغداد (١) إلى ابن أبي دواد أنّ أحمد قد انبسط في الحديث. فلمّا بلغ أبا عبد الله أمسك عن التحديث من نفسه من غير أن يمنع. واستمرّ ابن أبي دواد يحسّن للواثق امتحان الناس بخلق القرآن، ففعل ذلك ولكنّه لم يتعرّض للإمام أحمد. قال الحافظ أبو الفرج: إمّا لما علم من صبره، أو لأنّه خاف على نفسه أن يعرض له شيء ببركته، يعني كما عرض لأبيه، إلّا أنّه أرسل يقول له: لا تساكنّي بأرضي فاختفى إلى أن مات الواثق. قال الحافظ أبو الفرج: وروي أنّ الواثق ترك امتحان الناس بسبب مناظرة جرت [ ... ] رأى بها أنّ الأولى ترك الامتحان. وذكر بسنده إلى طاهر بن خلف قال: سمعت المهتدي بالله محمد ابن الواثق قال: كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلا أحضرنا ذلك المجلس. فأتي بشيخ مخضوب مقيّد فقال أبي ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه- يعني ابن أبي دواد- ثمّ طلب الشيخ فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال له: لا سلّم الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين، بئس ما أدّبك مؤدّبك! قال الله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها [النساء: ٨٦] والله ما حيّيتني بها ولا بأحسن منها. فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين الرجل متكلّم. فقال له: كلّمه! فقال: يا شيخ، ما تقول في القرآن؟ فقال له الشيخ: لم تنصفني، ولّني السؤال! (٢) فقال: سل! فقال له الشيخ: ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق. فقال: هذا شيء عليه النبيّ ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ الخلفاء الراشدون أم شيء لم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه. فقال: سبحان الله! شيء لم يعلمه النبيّ ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت؟ (قال) فخجل. فقال: أقلني. قال: والمسألة بحالها. قال: علموه ولم يدعوا الناس إليه. قال: أفلا وسعك ما وسعهم؟ (قال) ثمّ قام أبي فدخل مجلس الخلوة واستلقى على قفاه ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: هذا شيء لم يعلمه النبيّ ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا عليّ ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت؟ سبحان الله! شيء علمه النبيّ ﷺ والخلفاء الراشدون ولم يدعوا الناس إليه، أفلا وسعك ما وسعهم؟ ثمّ دعا عمّارا الحاجب فأمر أن يرفع عنه القيود ويعطيه أربعمائة دينار ويأذن له في الرجوع، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد ولم يمتحن بعد ذلك أحدا (١). قال الحافظ أبو الفرج: وقد رويت لنا هذه القصّة على صفة أخرى، وساق بسنده إلى صالح بن عليّ الهاشميّ قال: حضرت المهتدي بالله أمير المؤمنين وقد جلس للنظر في أمور المتظلّمين في دار العامّة (٢) فنظرت إلى قصص الناس تقرأ عليه من أوّلها إلى آخرها فيأمر بالتوقيع فيها وينشئ الكتاب عليها ويحرّر (٣) ويختم وتدفع إلى صاحبها بين يديه، فسرّني ذلك واستحسنت ما رأيت. فجعلت انظر إليه ففطن ونظر إليّ فغضضت عنه حتّى كان ذلك منّي ومنه مرارا ثلاثا، إذا نظر غضضت وإذا شغل نظرت. فقال لي: يا صالح! قلت: لبّيك يا أمير المؤمنين! وقمت قائما. فقال: في نفسك شيء تحبّ أن تقوله؟ قلت: نعم. قال: عد إلى موضعك، فعدت حتى إذا قام قال للحاجب: لا يبرح صالح. فانصرف الناس، ثمّ أذن لي فدخلت فدعوت له، فقال لي: اجلس! فجلست، فقال لي: يا صالح، تقول لي ما دار في نفسك أو أقول لك ما دار في نفسي؟ فقلت: ما تأمر به يا أمير المؤمنين، فقال: أقول أنا: إنّه دار في نفسي أنّك استحسنت ما رأيت منّا فقلّت: أيّ خليفة خليفتنا إن لم يقل: القرآن مخلوق! (قال صالح) فورد على قلبي أمر عظيم، ثمّ قلت: يا نفس هل تموتين قبل أجلك، وهل تموتين إلّا مرّة؟ وهل يجوز الكذب في جدّ أو هزل؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما دار في نفسي إلّا ما قلت. فأطرق مليّا ثمّ قال: ويحك، اسمع منّي ما أقول: فو الله لتسمعنّ الحقّ! (قال) فسرّي عنّي وقلت: يا أمير المؤمنين، ومن أولى بقول الحقّ منك وأنت خليفة ربّ العالمين وابن عمّ سيّد المرسلين؟ فقال: ما زلت أقول: القرآن مخلوق صدرا من أيّام الواثق حتّى أقدم ابن أبي دؤاد علينا شيخا من أهل أذنة (٤) أيّام الواثق، فأدخل الشيخ على الواثق، وهو جميل الوجه تامّ القامة حسن الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيى منه ورقّ له، فما زال يقرّبه حتّى قرب منه، فسلّم الشيخ وأحسن، ودعا فأبلغ. فقال الواثق: اجلس! فجلس. فقال: يا شيخ، ناظر أبا عبد الله- يعني ابن أبي دواد- على ما يناظرك عليه. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إنّ ابن أبي دواد يصبأ (٥) ويضعف عن المناظرة. فغضب الواثق وعاد مكان الرقّة له غضبا عليه وقال: ابن أبي دؤاد يصبأ ويضعف عن مناظرتك أنت؟ فقال الشيخ: هوّن عليك يا أمير المؤمنين وائذن في مناظرته. فقال الواثق: ما دعوتك إلّا للمناظرة. فقال الشيخ: إن رأيت أن تحفظ عليّ وعليه ما نقول. فقال أفعل. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن مقالتك هذه: هي مقالة واجبة [٥ ب] داخلة في عقد الدين، فلا يكون الذين كاملا حتّى يقال فيه بما قلت؟ . قال: نعم. قال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن رسول الله ﷺ حين بعثه الله إلى عباده، هل ستر شيئا ممّا أمره الله به في أمر دينهم؟ . قال: لا. قال الشيخ: فدعا رسول الله ﷺ [الأمّة] إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال له الشيخ: تكلّم! فسكت فالتفت الشيخ إلى الواثق فقال: يا أمير المؤمنين، واحدة؟ فقال الواثق: واحدة. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن الله ﷿ حين أنزل القرآن على رسول الله ﷺ فقال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] هل كان الله تعالى الصادق في إكمال دينه وأنت الصادق في نقصانه حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دواد. فقال الشيخ: تكلّم! فسكت. فالتفت الشيخ إلى الواثق فقال، يا أمير المؤمنين، اثنتان؟ فقال الواثق: اثنتان. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن مقالتك هذه، علمها رسول الله ﷺ أم جهلها؟ قال ابن أبي دواد: علمها. قال: فدعا الناس إليها؟ فسكت، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، ثلاث؟ فقال الواثق: ثلاث. فقال الشيخ: يا أحمد، فاتّسع لرسول الله ﷺ أن علمها وأمسك عنها كما زعمت ولم يطالب أمّته بها؟ قال: نعم. قال الشيخ: واتّسع لأبي بكر وعمر بن الخطّاب وعثمان وعليّ ﵃؟ قال ابن أبي دواد: نعم. فأعرض الشيخ [ ... ] على الواثق فقال: يا أمير المؤمنين، قد قدّمت القول أنّ أحمد يصبأ ويضعف عن المناظرة، يا أمير المؤمنين، إن لم يتّسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة بما زعم هذا أنّه اتّسع لرسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، فلا وسّع الله على من لم يتّسع له ما اتسع لهم! فقال الواثق: نعم، إنّ لم يتسع [لنا] من الإمساك عن هذه المقالة ما اتّسع لرسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، فلا وسّع الله علينا! اقطعوا قيد الشيخ! فلمّا قطع القيد ضرب الشيخ بيده على القيد حتّى يأخذه فجاذبه الحدّاد عليه، فقال الواثق: دع الشيخ يأخذه! فأخذه فوضعه في كمّه، فقال له الواثق، يا شيخ، لم جاذبت الحدّاد عليه؟ قال: لأنّي نويت أن أتقدّم إلى من أوصي إليه إذا أنا متّ أن يجعله بيني وبين كفني حتى أخاصم به هذا الظالم- يعني ابن أبي دواد- عند الله يوم القيامة وأقول: يا رب سل عبدك هذا لم قيّدني وروّع أهلي وولدي وإخواني بلا حقّ أوجب ذلك عليّ. وبكى الشيخ وبكى الواثق وبكينا. ثمّ سأله الواثق أن يجعله في حلّ وسعة ممّا ناله. فقال الشيخ: والله يا أمير المؤمنين، لقد جعلتك في حلّ وسعة من أوّل يوم إكراما لرسول الله ﷺ إذ كنت رجلا من أهله. فقال له الواثق: لي إليك حاجة. فقال الشيخ: إن كانت ممكنة فعلت. فقال له الواثق: تقيم عندنا فننتفع بك وفتياننا، فقال الشيخ: إنّ ردّك إيّاي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم أنفع لك من مقامي عندك، وأخبرك بما في ذلك: أصير إلى أهلي وولدي فأكفّ دعاءهم عنك، فقد خلّفتهم على ذلك. فقال له الواثق: فتقبل منّا صلة تستعين بها على دهرك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أنا عنها غنيّ. فقال: سل حاجة. فقال الشيخ: أو تقضيها يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: تأذن لي أن يخلّى لي السبيل الساعة. قال: قد أذنت لك. فسلّم وخرج. قال المهتدي بالله: فرجعت عن هذه المقالة، وأظنّ أنّ الواثق رجع عنها منذ ذلك الوقت. قال الحافظ أبو الفرج: قلت: وقد روي أنّ الواثق رجع عن القول بخلق القرآن قبل موته.