page 264, entry [551]Open original source
[يقظته إزاء أعدائه]: وكان له صديق بسرّمن رأى. فلمّا استقرّت أحواله بمصر كتب إليه يسأله زيارته، ورغّبه في ذلك. فأجابه: «إنّ السفر ثقل عليّ». فلمّا تباعد ما بين أحمد بن طولون وبين أبي أحمد الموفّق، ورد كتاب صديقه يذكر شوقه ويستأذن في الزيارة، فأذن له. وكتب إلى طيفور خليفته بالحضرة يأمره بالسؤال عن حال الرجل ومنزلته، وإلى من ينقطع. فلم يكن بأسرع من موافاة الرجل. فأخرج إليه عدّة من الوجوه يتلقّونه، ودخل مكرّما مبجّلا، وأنزله في الميدان وأعدّ له جميع ما يحتاج إليه. وتلقّاه، وأخذ يحادثه إلى أن صلّيت العتمة. ثمّ صرفه إلى داره التي أعدّت له، ومعه طائفة من أصحابه وحجّابه. فما بعد عنه حتّى قال لخاقان الطرسوسي: سلّمه إلى مفلح، واقبض على رحله ومن معه بحيث لا يفوت شيء منه، ففعل ذلك. وكان من عادته إذا فعل شيئا يتوهّم فيه إنكار الناس عليه، اعتذر عنه. فقال لأصحابه: استدعيت هذا الرجل، وحاله ضعيفة، وقربه حسنة، فتشاغل عنّي. فلمّا كان في هذا الوقت، سألني الإذن بالشخوص إليّ فأجبته إلى ذلك. فكتب إليّ طيفور أنّه قد حسنت حاله وكثر نشبه وزاد من السلطان محلّه، فاثرت مشاهدته لأنّي قدّرت أنّ الموفّق دسّه إليّ في حسن السفارة فيما بيني وبينه حتّى يصلح ما تشعّث بيننا. فلمّا حضر لم يدع للموفّق حسنة ورماه بكلّ قبيح. ورأيت صورته قد انقلبت إلى الشّر، وما أشكّ أنّ معه ما يصدّق سوء ظنّي فيه. ثمّ أحضر غلامين كانا مع الرجل وتهدّدهما على صدقه في كتب إن كانت معه، فأحضرا سفطا (٢) فيه ثمانون كتابا من الموفّق إلى وجوه القوّاد وإلى غلمانه يعدهم بتقليد البلدان الخطيرة والجوائز السنيّة إن فتكوا به. فقبض الكتب وأهلك الرجل بهذا السبب. ونزل في أيّامه بحارة الخراسانيّين شابّ من أهل بلخ حسن الصورة، فصيح اللسان، حافظ للقرآن والسنن، فأمّ في مسجد ولزمه أهل الحارة في كلّ عشيّة لكثرة فوائده، ورقّة مواعظه، وحسن تلاوته، وتوزّعوا له من بينهم ما يكفيه. فبينا هم جلوس معه في عشيّة إذ طلع عليهم كهل من الخراسانيّة وفي يده خنجر وعليه لباد. فلمّا رآه إمام الحارة قام وهرب. فعدا صاحب اللباد في أثره وقتله بخنجره، فقبض الجماعة عليه وقادوه إلى ابن طولون. فقال له: ما الذي حملك على قتله؟ قال: أصلح الله الأمير: كان هذا جاري ببخارى. فدخلت يوما منزلي فوجدته مفترشا زوجتي ففزعت إلى السيف وقطعتها به، وهرب منّي. وشهر أمري، وطلبه السلطان وأطلق لي قتله فلم أجده. وأخبرت بخروجه من بخارى فتركت كلّ ما أنا بسبيله ببلدي وطلبته. فكنت لا أدخل بلدا إلّا قيللي: «قد رحل»، إلى أن دخلت مصر فوجدته وأخذت بثأري، وما أبالي متى قتلت بعده. فسأل أحمد بن طولون عن المقتول من الجماعة فأخبروه بخبره إلى أن قالوا له: «هرب منه ساعة [٩٣ أ] رآه». فقال للقاتل حينئذ: كثّر الله في الرجال مثلك! انصرف مكلوءا محفوظا. فمضى من عنده إلى بلده.