page 381, entry [426]Open original source
سهل بن محمد بن عثمان بن القاسم، أبو حاتم السّجستانيّ (٥). كان يؤمّ الناس في المسجد الجامع بالبصرة، وله فيه حلق يقرئ فيها علوم الأدب، وكان حسن الصّوت جهيره، حافظا للقرآن، والقراءات، والعروض، والتفسير. قرأ على الأخفش كتاب سيبويه، وروى عن أبي زيد وأبي عبيدة. ومات في سنة خمس وخمسين ومائتين عن تسعين سنة، ويقال: إنّ أباه وعمّه خلفا له مائة ألف دينار عينا غير الضّياع والمنازل، فأنفقها في طلب العلم. ولما مات بلغت قيمة كتبه عشرة آلاف دينار. حدّث أبو حاتم قال: ولي البصرة رجل من بني هاشم، وكان شيخا فاضلا، فدخلت عليه مسلّما عليه، فقال لي: من علماؤكم بالبصرة؟ قلت: المازنيّ أعلمهم بالنّحو، والرّياشيّ أرواهم لعلم الأصمعي، والزّياديّ/١٠٥/ أعلمهم بأخبار أبي زيد (١)، وهلال الرأي (٢) أعلمهم بالرأي، وابن الكلبيّ أكتبهم للشّروط، والشّاذكونيّ (٣) أرواهم للحديث، وأنا أنسب إلى العلم بالقرآن. فقال لحاجبه: اجمعهم عندي غدا. فلمّا حضروا قال: أيّكم المازني؟ قال: أنا، قال: ما تقول في كفّارة الظّهار، أيجوز فيها عتق عبد أعور؟ قال: ليس علم هذا عندي، بل عند هلال الرأي. فقال لهلال الرأي: ما تقول في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ (١٠٥)﴾ [المائدة] لم نصب أنفسكم؟ قال: علم هذا عند المازني. وقال للمازني: ما العنجر (٤) في كلام العرب؟ فقال: هذا علمه عند الرّياشي. وقال للرّياشي: كيف تكتب وثيقة بين رجل وامرأة إذا اختلعت من زوجها بترك صداقها؟ فقال: علم هذا عند ابن الكلبي. فقال لابن الكلبي: كم رجلا روى عن ابن عون الحديث؟ فقال: علم هذا عند الشّاذكوني. فقال للشّاذكونيّ: من قرأ: «ألا إنّهم تتنوني في صدورهم» (٥)؟ فقال: هذا علمه عند أبي حاتم. فأقبل عليّ وقال: اكتب لي كتابا إلى أمير المؤمنين صف فيه خصاصة أهل البصرة وما نالهم من الآفات في نخلهم. فقلت: أصلح الله الأمير، ما لي بلاغة، ولا أحسن إنشاء الكتب إلى السّلطان. فقال: إنّما أحدكم يبقى في الفنّ الواحد خمسين سنة ثم يقول: أنا عالم. لكنّ عالمنا بالكوفة لو سئل عن هذا أجمع لأجاب فيه، يعني نفسه (٦). وكان أبو حاتم ينسب إلى الميل إلى الأحداث، إلاّ أنه لا يتجاوز المزح. وفي ذلك يقول: [مجزوء الكامل] نفسي فداؤك يا عبيد الله جلّ بك اعتصامي (١) فارحم أخاك فإنّه ... نزر الكرى بادي السّقام وأنله ما دون الحرا ... م فليس يطمع في الحرام (٢) وروى ابن المرزبان أنّ غلاما جميلا من بني الفحتكان كان يغشى مجلس الشيخ أبي حاتم، فكان يديم النظر إليه، فكتب في ذلك أبياتا وحذفها إليه وهي: [الخفيف] أنا ناعم من صنيعة ربّي ... ليس لي في الجمال والحسن ثاني وأرى طرفك المقرّب نحوي ... شاخصا إن حبست حتى تراني فابذلن ما تحبّ إن كنت صبّا ... كي تنال المنى من الفحتكاني فنظر الشيخ فيها وكتب في ظهرها: [الخفيف] ليس يخفى عليك يا قرّة العي ... ن ضميري أو ما طواه لساني أنا عفّ الضّمير من كلّ فحش ... غير أنّي متيّم بالحسان لا تظنّنّ بي فسوقا فما يج ... مل فسق بحامل القرآن ذكره محمد بن إسحاق في كتاب المظهري (٣) وقال: له من الكتب: كتاب ما يلحن فيه العامّة، وكتاب في النّحو على مذهب سيبويه والأخفش، وكتاب المذكّر والمؤنّث (٤)، وكتاب الشجر والنّبات (٥)، وكتاب المقصور والممدود، وكتاب المقاطع والمبادي، وكتاب الفرق (٦)، وكتاب القراءات، وكتاب الفصاحة، وكتاب النّخلة (١)، وكتاب الأضداد (٢)، وكتاب القسيّ والنّبال (٣)، وكتاب السّيوف والرّماح، وكتاب الوحوش، وكتاب الحشرات، وكتاب الهجاء، وكتاب الزّرع، وكتاب خلق الإنسان، وكتاب الإدغام، وكتاب اللّبإ واللّبن (٤)، وكتاب الكرم (٥)، وكتاب الصّيف والشتاء (٦)، وكتاب النّحل والعسل، وكتاب الإبل، وكتاب الشوق إلى الوطن، وكتاب العشب والبقل، وكتاب الإتباع، وكتاب الخصب والقحط، وكتاب اختلاف المصاحف، وكتاب الحرّ والبرد، وكتاب الشمس والقمر، وكتاب اللّيل والنهار، وكتاب الفرق بين الآدميّين، وكتاب ذي روح (٧). سهل بن هارون الهيونيّ، أبو عمرو (٨)، من أهل سماط (٩)، انتقل إلى البصرة. وكان صاحب خزانة الحكمة للمأمون، وكان/١٠٦/ حكيما فصيحا شديد العصبيّة على العرب، وله في ذلك كتب، وكان مبخلا، وله في ذلك أخبار. حدّث دعبل بن عليّ الشاعر قال: كنّا عند سهل بن هارون، فأطلنا القعود حتى جعنا، فقال لغلامه: ويحك! غذّنا، فأتى بقصعة فيها ديك، فتأمّله، وقال: أين الرأس؟ فقال: رميت به، فقال: والله إنّي لأمقت من يرمي برجله فكيف برأسه، ولو لم أكره ما صنعت إلاّ للطّيرة والفأل لكرهته، أما علمت أنّ الرأس رئيس الأعضاء، وبه يصيح، ولولا صوته ما أريد، وفيه فرقه الذي يتبرّك به، وعينه التي يضرب بها المثل في الصّفاء، فيقال: شراب كعين الدّيك، ودماغه عجيب لوجع الكلية، وما رأيت عظما أهشّ تحت الأسنان من عظم رأسه! وهلاّ إذ ظننت أنّي لا آكله تركته للعيال يأكلونه، وإن كان قد بلغ من نبلك أنك لا تأكله فإنّ عندنا من يأكله، أو ما علمت أنه خير من طرف الجناح، ومن رأس العنق؟ انظر أين هو؟ فقال: والله ما أدري أين رميت به. قال: أنا أدري أين رميت به، في بطنك، فالله حسيبك (١). وله من الكتب: كتاب الترغيب في البخل، وكتاب ديوان رسائله، وكتاب ثعلة وعفرة (٢): على مثال كليلة ودمنة، وكتاب الهذليّ والمخزومي (٣)، وكتاب النّمر والثعلب (٤)، وكتاب الروائق والعذراء (٥)، وكتاب ندود ولدود وودود (٦)، وكتاب الضّرير (٧)، وكتاب الغزالين، وكتاب أسباسيوس (٨): في اتخاذ الإخوان، وكتاب أدب أسك بن أسك (٩)، وكتاب شجرة العقل، وكتاب إلى عيسى بن أبان في القضاء، وكتاب تدبير الملك والسياسة.