page 441, entry [290]Open original source
أبو المواهب بن عبد الباقي مفتي الحنابلة بدمشق . قال في «سلك الدّرر»: القطب الرّبّانيّ، والهيكل الصّمداني (¬١)، الوليّ الخاشع، التّقيّ، النّورانيّ، شيخ القرّاء والمحدّثين، فريد العصر، وواحد الدّهر، كان إماما، عالما، عاملا، حجّة، حبرا، قطبا، خاشعا، محدّثا، ناسكا، تقيّا، فاضلا، علّامة، فقيها، محرّرا، ورعا، زاهدا، نقيّا، آية من آيات الله سبحانه، صالحا، عابدا، غوّاصا في العلوم، بحر لا يدرك غوره، وكوكب زهد على فلك التّقى دوره. ولد بدمشق في رجب سنة ١٠٤٤، ونشأ بها في صيانة ورفاهية وطواعية في كنف والده، وقرأ القرآن العظيم وحفظه وجوّده على والده، ختمه للسّبع من طريق «الشّاطبيّة»، وختمه للعشر من طريق «الشّاطبيّة» و «الدّرّة»، وقرأ عليه «الشّاطبيّة»، مع مطالعة شروحها، وأخذ العلم عن جماعة كثيرين من دمشق ومصر والحرمين، وأفرد لهم ثبتا ذكر تراجمهم فيه، فمن علماء دمشق: النّجم الغزّي العامريّ، حضر دروسه في «صحيح البخاري» في بقعة الحديث في الأشهر الثّلاثة مدّة مديدة، وقرأ عليه «ألفيّة المصطلح»، وأجازه إجازة خاصّة، وحضر دروسه في المدرسة الشّاميّة (¬١) في «شرح جمع الجوامع» في الأصول، ومنهم: الشّيخ محمّد الخبّاز المعروف ب «البطنينيّ»، والشّيخ إبراهيم الفتّال، والشّيخ إسماعيل النّابلسيّ، والد الأستاذ عبد الغني، والشّيخ زين العابدين الغزّيّ قرأ عليه الفرائض والحساب، والملّا محمود الكرديّ/ نزيل دمشق، والعارف الشّيخ أيّوب الخلوتيّ، والشّيخ رمضان العكّاريّ، والشّيخ محمّد نجم الدّين الفرضي، والشّيخ محمّد الأسطوانيّ، والسّيّد محمّد بن كمال الدّين الحسينيّ المعروف ب «ابن حمزة»، والشّيخ محمّد العيثيّ (¬١)، والشّيخ محمّد الموفيّ، والشّيخ منصور المحلّيّ، والشّيخ محمّد البلبانيّ الصّالحيّ، والشّيخ المحاسنيّ، ومحمّد بن أحمد بن عبد الهادي، ورمضان بن موسى العطيفيّ، ورجب بن حسين الحمويّ الميدانيّ، وعليّ ابن إبراهيم القبرديّ، وأجازه الشّيخ محمّد بن سليمان المغربيّ، والشّيخ يحيى الشّاويّ، وأخذ عن الشّيخ عيسى الجعفريّ نزيل المدينة المنوّرة، والشّيخ أحمد القشايشيّ المدنيّ، والشّيخ محمّد بن علّان البكريّ، والشّيخ غرس الدّين الخليليّ، وإبراهيم بن حسن المورانيّ وغيرهم، وارتحل إلى مصر سنة ١٠٧٢، وأخذ فيها عن جماعة منهم: الشّمس البابليّ، والشّيخ عليّ الشّبراملسيّ، والشّيخ سلطان المزاحيّ، والشّيخ عبد السّلام اللّقّانيّ، وعبد الباقي بن محمّد الزّرقانيّ، ومحمّد بن قاسم البقريّ، ومحمّد بن أحمد البهوتيّ وغيرهم. ومات أبوه في غيبته بمصر، ثمّ عاد إلى دمشق وجلس للتّدريس مكان والده في محراب الشّافعيّة بين العشاءين وبكرة النّهار لإقراء الدّروس الخاصّة، فقرأ بين العشاءين «الصّحيحين»، و «الجامعين» للسّيوطيّ، و «الشّفا»، و «رياض الصّالحين»، و «تهذيب الأخلاق» لابن مسكويه، و «إتحاف البررة بمناقب العشرة» للمحبّ الطّبريّ، وغيرها من كتب الحديث والوعظ. وأخذ عنه القراءات، والحديث، والفقه، والفرائض، ومصطلح الحديث، والنّحو، والمعاني، والبيان، أمم لا يحصون عددا، وانتفع النّاس به طبقة بعد طبقة، وألحق الأحفاد بالأجداد، ولم ير مثله، جلدا على الطّاعة، مثابرا عليها، وله من التّأليف رسالة تتعلّق بقوله تعالى (¬١): ما لَكَ لا تَأْمَنَّا، ورسالة في قوله تعالى (¬٢): فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما، ورسالة في يَعْلَمُونَ (¬٣)، وتَعْلَمُونَ * في جميع القرآن بالتّاء والياء، ورسالة في قواعد القراءات من طريق «الطّيبة»، وله بعض كتابة على «صحيح البخاريّ» بنى فيها على كتابة والده عليه، لم يكمل، وغير ذلك من التّحريرات المفيدة، وكان يستسقى به الغيث حتّى استقي به في سنة ١٠٨١، وكان النّاس قد قحطوا فتقدّم صاحب التّرجمة وصلّى ثمّ نصب له كرسيّ في وسط المصلّى فخطب عليه خطبة الاستسقاء، وشرع في الدّعاء وارتفع الضّجيج والابتهال إلى الله تعالى، وكثر الخلق، وكان الفلّاحون قد أحضروا جانبا كبيرا من البقر والغنم فمسك المترجم لحيته بيده وبكى، وقال: إلهي لا تفضح هذه الشّيبة بين عبادك، فخرج في الحال سحاب أسود من جهة المغرب بعد أن كانت السّماء نقيّة من أوّل الشّتاء، لم ير فيها غيم، ولم يزل الغيم يتراكم، وبعد المغرب انفتحت أبواب السّماء بماء منهمر، ودام المطر ثلاثة أيّام بلياليها بكثرة، وانفرج الكرب. وله كرامات كثيرة، وصدقات سرّيّة على طلبة العلم والصّالحين، وكسبه من الحلال الصّرف في التّجارة، مع التزام العقود الصّحيحة، حتّى في سنة ١١١٥، كان واليا بدمشق محمّد باشا ابن كرد بيرم فأرسل إليه من طرف الدّولة العليّة أن يضبط بعلبكّ والعائد منها ويرسله إلى طرفهم لكونها كانت في يد شيخ الإسلام المولى فيض الله مفتي الدّولة فحين قتل صارت للخزينة السّلطانيّة/ العائد منها، حتّى الحرير فطرحوه على التّجّار بدمشق، ومنهم الشّيخ سليمان أخو المترجم، فذهب جماعة من التّجّار إلى صاحب التّرجمة وترجّوا منه أن يذهب إلى الباشا في رفع هذه المظلمة فأرسل إليه ورقة مع خادمه فوجد عنده محمّد أغا التّرجمان، أحد أعيان دمشق، وباش جاويش وغيرهما فأخبروه بمقام الشّيخ وعرّفوه بحاله من النّسك والعبادة، والعلم والولاية، فلمّا تحقّق ذلك رفعها عن التّجّار، وكان قصده أوّلا أن يأخذ من الشّيخ مالا لما يسمع عنده من الثّروة، ووقع عليه التّجّار مرّة فأرسل إلى الباشا ورقة أخرى وذكر أنّ الرّعيّة لا تحمّل الظّلم فإمّا أن ترفع هذه المظلمة، وإمّا أن نهاجر من هذه البلدة، والجمعة لا تنعقد عندكم، وأيضا الحرير للسّلطان لا لك، وزاد على ذلك في الورقة، فرفع الباشا المظلمة ولم يمكنه مخالفة الشّيخ، وكان لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يهاب الوزراء ولا غيرهم، وأصيب بولده النّبيه النّبيل الشّيخ عبد الجليل قبل موته بسبع سنوات، فصبر واحتسب، ثمّ بولده الشّيخ مصطفى شابا فصبر واحتسب، ولم يزل على حالته الحسنة وطريقته المثلى إلى أن اختار الله له الدّار الباقية، عصر الأربعاء عشري شوّال سنة ١١٢٦، ودفن بتربة مرج الدّحداح.- انتهى-. ونقلت من خطّ تلميذه الفاضل الشّيخ محمّد بن إبراهيم الدّكدكجيّ الدّمشقيّ الشّاذليّ الشّافعيّ ما نصّه: في ليلة السّبت في المدينة المنوّرة كنت نائما في الحرم الشّريف في الرّوضة الشّريفة فاستيقظت في آخر اللّيل فجعلت أذكر القصيدة المشهورة الّتي أولها: * ما للمساكين ..... * فلمّا وصلت إلى قوله (¬١): وما ذكرتك إلّا فرّجت كربي … ولا قصدتك إلّا واشتفت عللي صلّيت على الرّسول ﷺ مرارا ثمّ أخذتني سنة من النّوم فرأيت أنّ باب الحجرة الشّريفة النّبويّة الّذي هو عن جهة الرّوضة قد فتح، فدخلت الحجرة فرأيت مكان الكوكب الدّرّيّ قد فتح طاقة كبيرة والمصطفى ﷺ جالس أمامها، فتقدّمت وقبّلت يده الشّريفة وقلت: يا رسول الله الشّفاعة. فقال: كيف حال من أحيا طريقتي؟ فقلت: ومن هو يا رسول الله؟ فقال لي: محمّد أبو المواهب، فقلت له: أنت أعلم يا رسول الله إنّه ينشر حديثك وسيرتك آناء الليل وأطراف النّهار، وهو بخير ويرتجي شفاعتك. فقال: انت وهو في شفاعتي، فما استتمّ هذا الكلام إلا وقيّم الحرم يوقظ النّاس إلى صلاة الصّبح، والحمد لله على كلّ حال، فلمّا أصبحت قصصت ذلك على شيخنا الملّا إبراهيم الكورانيّ ففرح فرحا شديدا ثمّ بكى وقال: طفح السّرور عليّ حتّى إنّه … من عظم ما قد سرّني أبكاني ودعا كثيرا. ورأيت ليلة دخولي المدينة المنوّرة على ساكنها أفضل الصّلاة والسّلام في عالم المنام حضرة شيخنا العارف بالله تعالى سيدي الشّيخ محمّد أبي المواهب مفتي الحنابلة في الحرم الشّريف عند الحجرة النّبويّة، وصحبته شيخنا الشّيخ مصطفى الشّعّال، فجئت إلى الشّيخ وقبّلت يده وقلت له: يا سيّدي ما رأيتك في مكّة وأنت قد حججت في هذا العام فقال لي: يا محمّد أنت لا تعرف أنّ أرواحنا وأموالنا وأولادنا فداء لرسول الله ﷺ، فقلت له: نعم يا سيّدي، فقال: وإذا كان الأمر كذلك فلا يفارقنا/ النّبيّ ﷺ طرفة عين ولا نفارقه طرفة عين، وكيف يفارقنا وذكره آناء اللّيل وأطراف النّهار على لساننا وفي قلوبنا، فاستيقظت فرحا مسرورا.- انتهى-. قلت: وإنّما ذكرناه في هذا الحرف نظرا لغلبة كنيته؛ لأنّه اشتهر بها، وتبعا ل «سلك الدّرر» وإلّا فاسمه محمّد.