page 309, entry [191]Open original source
أحمد بن عيسى بن عبد الله النّابلسيّ السّيليّ . قال ابن طولون: هو الشّيخ الإمام المتفنّن، المفيد، الرّحلة، الصّالح، الزّاهد، الورع، شهاب الدّين، أبو العبّاس المعروف ب «الذّويب» - تصغير ذيب بغير همز-، وكان يقول: لا تهمز الذّيب يأكلك، اشتغل قديما على التّقي بن قندس وعني بتجويد القرآن فأخذه أخيرا عن الشّيخ محمّد العجميّ، قدم دمشق فمهر فيه، وصار له خبرة بمخارج الحروف وصفاتها، وقرأ بعدّة روايات من السّبعة على جماعة من المقادسة، وتردّد إلى الصّالحيّة مرارا، وقرأ بمدرسة الشّيخ أبي عمر، وكانت جماعته الحنابلة تعظّمه كثيرا، اجتمعت به قبل أن أنزل اسمه على شخصه عند شيخنا ناصر الدّين بن زريق في خلوته بمدرسة جدّه المذكور، وكنت جئته لأقرأ عليه في «سنن ابن ماجه» فلمّا أن جلست رأيتهما يتذاكران في مخارج الحروف، ثمّ انجرّ الكلام إلى معرفة مخرج الضّاد ففهم شيخنا من كلام الذّويب أن ما ثمّ من يخرج الضّاد صحيحا إلّا هو، ومن اتّبع طريقته فنقل له شيخنا ما قاله العلّامة فخر الدّين الرّازي ما يخرج الضّاد صحيحا إلّا الرّسول ﷺ ولكن يجب على التّالي أن يجتهد ما استطاع من مخرجها؛ لأنّها حرف فصاحة، والمكّاويّون يعانون مخرجها. - انتهى-. فسألتهما: هل بين مخرج الحرف ومقطعه فرق أم هما مترادفان؟ فأجابا بأنّ الظّاهر عدم الفرق بينهما، فقلت: بل بينهما فرق؛ إذ المخرج محلّ خروج الحروف، والمقطع حرف مع حركة، أو حرفان ثانيهما ساكن، على ما صرّح به ابن سينا في «الموسيقى»، والفارابي في كتاب «الألفاظ»، لكن قد يطلق ذا على ذاك مجازا، من إطلاق الحال على المحلّ، فقال لي شيخنا، كيف تلفظ بالضّادين من الضَّالِّينَ (¬١)، فقلت له: أمّا الأولى فاض، وأمّا الثّانية فضه؛ لأنّك إذا سئلت عن التّلفّظ بحرف من كلمة وكان ساكنا حكيته بهمزة الوصل وإن كان متحرّكا حكيته بهاء السّكت، كذا أفاده أبو الخير ابن الجزريّ وغيره، ثمّ قال لي الذّويب: كم معنا في الحروف حرف له مخرجان؟ فقلت: ثلاثة أحرف: الواو والياء- إذا كان قبلهما حركة من جنسهما بأن كان ما قبل الواو ضمّة، وما قبل الياء كسرة يخرجان من الجوف على الصّحيح، ويقال لهما: حرفا مدّ ولين، كيدعو ويرمي، وإذا كان ما قبلهما حركة من غير جنسهما بأن كان ما قبلهما فتحة فتخرج الواو من الشّفتين، والياء من وسط اللّسان، ويقال لهما: حرفا لين فقط، كخوف وقريش- والثّالث: النّون إن كانت متحرّكة تخرج من طرف اللّسان ومحاذيه من اللّثّة، وإن كانت ساكنة فمن الخيشوم ك (نسفعن) (¬١)، فاستحسنا ذلك منّي، ثمّ قال لي شيخنا: / اقرأ في كتابك. فشرعت في القراءة في كتاب «السّنن» المذكور وافتتحت بكتاب الصّلاة إلى أن انتهى المجلس وهو جالس يسمع، فقال لي: نعم ما تقرأ، لكن في نطقك بالثّاء المثلثة والتّاء المثنّاة فوق بعض لكنة، فأنشدته قول الشّمس بن الجزريّ: وشخص من القرّاء أضحى منازعي … ويزعم جهلا أنّه شيخ إقراء ينازعني في الثّاء وصفا ومخرجا … فقلت له مولاي أخبر بالثّاء وقول بعضهم: من أمور لك شتّى … صيّف القلب وشتّى كم ليال مع غزال … يا محبّ الدّين بتّا فقام من المجلس مغضبا، ثمّ لا طفته بعد ذلك ثمّ حلّيت عليه «الواضحة في تجويد الفاتحة»، ثمّ قرأت عليه الفاتحة بمضمونها، ثمّ أنشدني كثيرا، فمن ذلك لنفسه: والضّاد مخرجه عسير جدّا … من أوّل احدى الحافتين يبدا مع ما يلي الأضراس مستطيل … رخو ومن يقرأ كذا قليل قارئه بالصّفة المقرّره … سبحان من عسّره ويسّره إلى آخرها. توفّي يوم الجمعة حادي عشر جمادى الآخرة سنة ٩٠٩، ودفن بمقبرة الشّيخ أبي عمر بالسّفح. ١١٠ -