Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

٥٥٤ - محمد بن أحمد بن علي بن يحيى بن علي بن محمد بن القاسم بن محمود بن ميمون بن علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب

أحمد بابا التنبكتي - نيل الابتهاج بتطريز الديباج · page 416, entry [608]

نيل الابتهاج بتطريز الديباج — أحمد بابا التنبكتي

page 416, entry [608]Open original source
٥٥٤ - محمد بن أحمد بن علي بن يحيى بن علي بن محمد بن القاسم بن محمود بن ميمون بن علي بن عبد اللَّه بن عمر بن إدريس بن عبد اللَّه بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (١). هكذا وجدته بخط ولده، عفا اللَّه عنه، الشريف أبي عبد اللَّه التلمساني، قال ابن خلدون: يعرف بالعلوني نسبة لقرية من أعمال تلمسان تسمى العلونين، ونسبة بيته لا يدافع فيه، وربما غمص فيه بعض الفجرة ممن لا يزعه دينه ولا معرفته بالأنساب، فيعد من اللغو- اهـ. ويعرف أيضًا بالشريف التلمساني، علّامة تلمسان بل إمام المغرب قاطبة الإمام ابن مرزوق الحفيد شيخ شيوخنا، أعلم أهل عصره بإجماع- اهـ. وقال السراج في فهرسته: شيخنا الفقيه الإمام العالم العلامة الشهير الكبير الصدر القدوة الشريف نسبًا العظيم قدرًا ومنصبًا أبو عبد اللَّه ابن الشيخ الفقيه الجليل الوجيه العاقل العدل المبرز أبي العباس. كان أحد رجال الكمال علمًا وذاتًا وخُلقًا وخَلقًا، عالمًا بعلوم جمة من المنقول والمعقول، بلغ رتبة الاجتهاد أو كاد، بل هو أحد العلماء الراسخين وآخر الأئمة المجتهدين. نشأ بتلمسان وقرأ القرآن على الشيخ أبي زيد بن يعقوب، وأخذ عن الإمامين ابني الإمام والقاضي أبي عبد اللَّه بن هدية الرشي والولي الصالح عبد اللَّه المجاصي والقاضي التميمي وأبي عبد اللَّه محمد بن محمد البروني وعمران المشذالي والقاضي ابن عبد النور والقاضي أبي العباس بن الحسن والقاضي علي بن الرماح وابن النجار، ولازم الإمام الابلي كثيرًا وانتفع به، وأخذ أيضًا عن ابن عبد السلام التونسي والعالم السطي بمدينية فاس وغيره. حضرت عليه الأحكام الصغرى لعبد الحق والتهذيب وبعض الموطأ والصحيحن لما قدم رسولًا لفاس عام سبعة وستين وسبعمائة- اهـ. قلت: وممن صرح ببلوغه درجة الاجتهاد عصريه الإمام الخطيب ابن مرزوق الجد في رسالته التي ردّ فيها على أبي القاسم الغبريني وأثنى عليه كثيرًا، قال ابن خلدون: أخذ العلم بتلمسان عن مشيختها واختص بأولاد الإمام وتفقه عليهما في الأصول والكلام، ثم لزم شيخنا الابلي وتضلع من معارفه واستبحر، وتفجرت ينابيع العلوم من مداركه، ثم رحل لتونس سنة أربعين فلقي شيخنا ابن عبد السلام وأفاد منه واستعظم رتبته في العلم، وكان ابن عبد السلام يصغي إليه ويؤثر محله ويعرف حقه حتى زعموا أن عبد السلام يخلو به في بيته فيقرأ عليه أي على الشريف فصل التصوف من إشارات ابن سينا لأن الشريف قد أحكم الكتاب على الابلي وقرأ عليه ابن عبد السلام أيضًا فصل التصوف من شفاء ابن سينا ومن تلاخيص أرسطو لابن رشد، ومن الحساب والهندسة والهيئة والفرائض، علاوة على ما كان الشريف يحمله من الفقه والعربية وسائر علوم الشريعة، وله اليد الطولى في الخلافيات وقدم عالية، فعرف له ابن عبد السلام ذلك كله وأوجب حقه، فرجع لتلمسان وانتصب للتدريس وبث العلم فملأ المغرب معارف وتلامذ إلى أن اضطرب المغرب بعد واقعة القيروان، ثم ملك أبو عنان تلمسان بعد مهلك أبيه سنة ثلاث وخمسين فاختار الشريف لمجلسه العلمي مع من اختار من المشيخة ورحل به لفاس فتبرم الشريف من الغربة واشتكى، فغضب السلطان لذلك ثم بلغه أن عثمان بن عبد الرحمن سلطان تلمسان أوصاه على ولده وأودع مالًا له عند بعض الأعيان من التلمسانيين وأن الشريف عالم بذلك، فسخط على الشريف واعتقله ثم سرحه عام أول ست وخمسين وأقصاه. ثم أعتبه بعد فتح قسنطينة فرده لمجلسه ثم هلك أبو عنان وملك أبو حمو بن عبد الرحمن تلمسان فاستدعى الشريف من فاس فسرحه الوزير القائم بالأمر عمر بن عبد اللَّه فرجع لتلمسان فتلقاه أبو حمو براحتيه وأصهر له في بنته فزوجها له وبنى له مدرسته، فقام يدرس حتى هلك سنة إحدى وسبعين، وأخبرني أن مولده عام عشرة- اهـ. قال الونشريسي: هذا هو الصحيح في ولادته، وأما وفاته فرابع ذي الحجة من عام إحدى وسبعين، وكان شيخًا حبرًا إمامًا محققًا نظارًا، شرح جمل الخونجي وألف كتاب المفتاح في أصول الفقه- اهـ. وممن أخذ عنه ولده أبو محمد والإمام الشاطبي وابن زمرك وإبراهيم الثغري أبو عبد اللَّه القيسي وابن خلدون وابن عباد وابن السكاك والفقيه ابن محمد ابن علي الميروفي والولي إبراهيم المصمودي وغيرهم، وذكر أبو زكريا السراج والسيلي أن مولده عام ستة عشر، وما تقدم أصح. وبعد أن كتبت ما تقدم وقفت على جزء لبعض التلمسانيين عرف صاحبه بالشريف وولديه فلخصته في جزء سميته القول المنيف في ترجمة الإمام أبي عبد اللَّه الشريف، فلنذكر هنا بعض ما تيسر منه، قال صاحب الجزء المذكور: وكان آخر الأئمة المجتهدين ولد عام عشرة وسبعمائة فنشأ عفيفًا صينًا فتعلم العلم في صغره بأخلاق مرضية نسيج وحده وفريد عصره، انتهت إليه إمامة المالكية بالمغرب وضربت إليه آباط الإبل شرقًا وغربًا، فهو علم علمائها ورافع لوائها. أحيا السنة وأمات البدعة وأظهر من العلم ما بهر العقول، نجب في القرآن على ابن يعقوب فلما ظهرت نجابته أحبه خاله عبد الكريم فكان يلازمه في مجالس العلم صغيرًا، حضر يومًا مجلس أبي زيد ابن الإمام في تفسير القرآن فذكر نعيم الجنة فقال له الشريف، وهو صبي، هل يقرأ فيها العلم؟ قال له: نعم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فقال له: لو قلت: لا لقلت لك: لا لذة فيها، فعجب منه الشيخ ودله. ثم قيض اللَّه له الابلي بما عنده من العلوم الجزيلة والتحقيق التام فانتفع به انتفاعًا عظيمًا واعتمد عليه، ثم استفرغ وسعه في طلب العلم حتى حدث لبعضهم أنه لازمه أربعة أشهر فلم يره نزع ثوبه ولا عمامته لشغله بالنظر والبحث، فإذا غلبه النوم نام نومًا خفيفًا، فإذا أفاق لم يرجع إليه أصلًا ويفول: أخذت النفس حقها فيتوضأ، والوضوء من أخف الأشياء عليه ثم رجع للنظر، ابتدأ الإقراء وهو ابن احدى عشرة سنة. أخذ عن ابني الإمام وكانا من أجلة العلماء، لم يكن في زمانهما أعظم منهما قدرًا ولا أعلى قدرًا، ولا أوقع عند الملوك نهيًا وأمرًا فتضلع وأخذ عن غيرهما، فذكر من تقدم وشهد له شيوخه كلهم بوفور العقل وحضور الذهن، فاتسع في العلم باعه وعظم قدره، فأقرأ العلوم في زمن شيوخه وأقبل عليه الخلق، مع سلامة العقل، جاريًا على نهج السلف، عالمًا بأيام اللَّه، مائلًا للنظر والحجة أصوليًا متكلمًا جامعًا للعلوم العقلية القديمة والحديثة. لقي بتونس ابن عبد السلام فلازمه وانتفع به، وذكر ولده أبو محمد عبد اللَّه أنه لما حضر مجلس ابن عبد السلام جلس حيث انتهى به المجلس فتكلم الشيخ في الذكر هل هو حقيقة في ذكر اللسان؟ فقال له أبو عبد اللَّه: يا سيدي الذكر ضد النسيان ومحل النسيان القلب لا اللسان وتقرر أن الضدين يجب اتحاد محلهما فعارضه ابن عبد السلام بأن الذكر ضد الصمت والصمت محله اللسان فيجب كون اللسان محل ضده الذي هو الذكر، فيكون حقيقة فيه، قال أبو عبد اللَّه: فسكت عن مراجعته تأدبًا معه، وقد علمت أن الصمت إنما ضده النطق لا الذكر، فلما جاء في الغد جلس في موضعه فقام نقيب الدولة فأجلسه بجنب ابن عبد السلام بأمره بذلك، فلما فرغ من القراءة قال: أنت أبو عبد اللَّه الشريف؟ قال نعم فأكرمه، فكان يجلس بجنبه وكان يقرأ على الشيخ في داره، ولقي أكابر التونسيين بمجلسه فتعجبوا منه فكل يوم يزداد عندهم جلالة، ثم رجع لبلده فدرس العلوم وأحيا الشريعة. كان من أحسن الناس وجهًا وقورًا مهيبًا، ذا نفس كريمة وهمة نزيهة رفيع الملبس بلا تصنع، سري الهمة بلا تكبر، حليمًا متوسطًا في أموره قوي النفس مؤيدًا بطهارة، ثقة عدلًا ثبتًا سلم له الأكابر بلا منازع، أصدق الناس لهجة وأحفظهم مروءة، مشفقًا على الناس رحيمًا بهم يتلطف في هدايتهم ويعينهم بجهده، حسن اللقاء كريم النفس طويل اليد، يعطي نفقات عديدة ذا كرم واسع وكنف لين وصفاء قلب. دخل عليه طالب فصيح فأعطاه وفرًا، ثم دخل عليه مرة بفاس فسأله عن حاله، فذكر له أنه قرأ القرآن بالقرويين فما أعطاه أحد شيئًا فتأسف الشيخ لحاله، ففي الغد بعث أربعة من طلبته بأربعة قراطيس دراهم وقال لهم احضروا مجلسه فإذا قرأ فارموا القراطيس بين يديه ففعلوا فأخذها الطالب ودعا لهم، فعرف الناس حاله فانثالت عليه العطايا. وسأله السلطان يومًا عن مسألة ابن الحاجب الأصلي فقال له: إنما يفهم هذه المسألة الطالب الفلاني وكان محتاجًا، فطلبه السلطان فقيل: إنه بسجلماسة فوجه لعاملها أن يعطيه نفقة وكسوة ويوجهه فوصل في أسرع وقت، فبين المسألة بين يدي السلطان، فسئل عمن استفادها فقال: من سيدي أبي عبد اللَّه الشريف. وكان الطلبة في وقته أعز الناس وأكثرهم عددًا وأوسعهم رزقًا، فنشروا العلم واستعانوا بحسن إلقائه وسهولة فيضه وحلاوته، مع بشاشة لا يؤثر على الطلبة غيرهم، يحملهم على الصدق ويبث لهم الحقائق يرتب كلًا في منزله ويحمل كلامهم على أحسن وجوهه؛ يبرزه في أحسن صورة يترك كل أحد وما يميل إليه من العلوم ويرى الكل من أبواب العادة، ويقول: من رزق في باب فليلازمه، مع كرم أخلاق قائمًا بالعدل لا يغضب، وإذا غضب قام وتوضأ. جميل العشرة بسامًا منصفًا يقضي الحوائج، سمحًا متورعًا يوسع في نفقته أهله ويصل رحمه للَّه، ويواسيهم بجرايات كثيرة من ماله، يكرم ضيفه ويقرب له ما حضر ويطعم الطلبة طيب الأطعمة، وبيته مجتمع العلماء والصلحاء. كان أشياخه يجلونه حتى قال ابن عبد السلام: ما أظن أن في المغرب مثل هذا، وكان الابلي يقول: هو أوفر من قرأ عليّ عقلًا وأكثرهم تحصيلًا، وقال أيضًا: قرأ عليّ كثير شرقًا وغربًا فما رأيت فيهم أنجب من أربعة أبو عبد اللَّه الشريف أنجحهم عقلًا وأكثرهم تحصيلًا، وإذا أشكلت مسألة على الطلبة عند الابلي وأظهر بحث دقيق يقول: انتظروا أبا عبد اللَّه الشريف، قال له الشيخ ابن عرفة: غايتك في العلم لا تدرك، ولما سمع بموته قال: لقد ماتت بموته العلوم العقلية. وحضر بفاس في بدايته مجلس عبد المؤمن الجناتي فاتفق بحث بأبدى فيه وجهًا بديعًا، فنظر إليه الشيخ عبد المؤمن فقال: ما ذكرته من عندك أو من نقل؟ فقال: من عندي، فسأله عن بلده ونسبه ولأي شيء جاء فقال: جئت للقراءة على الابلي فقال له: الحمد للَّه الذي وفقك ودعا له، وبحث يومًا مع أبي زيد ابن الإمام في حديث وتجاذبا فيه الكلام جوابًا واعتراضًا حتى ظهر فأنشد الشيخ: أعلّمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني قال الشيخ أبو يحيى المطغري: لما اجتمع العلماء عند أبي عنان أمر الفقيه العالم المقري بإقراء التفسير فامتنع منه وقال الشريف أبو عبد اللَّه أولى مني بذلك، فقال له السلطان: تعلم أنت علوم القرآن وأهل تفسيره فأقرأه قال له: إن أبا عبد اللَّه أعلم بذلك منّي، فلا يسعني الإقراء بحضرته، فعجبوا من انصافه، ففسر أبو عبد اللَّه بحضرة العلماء كافة في دار السلطان ونزل عن سرير ملكه وجلس معهم على الحصير فأتى بما أدهش الحاضرين حتى قال السلطان عند فراغه: إني لأرى العلم يخرج من منابت شعره. وجاء إليه القاضي الفشتالي بعد خروجهم فطلب منه تقييد ما صدر منه ذلك اليوم فقال: إنه من كتاب كذا وكذا وذكر كتبًا معروفة عندهم، فعلم القاضي أن الحسن للشنب وأن الأمر غير مكتسب. قال الخطيب ابن مرزوق: لما سافر أبو عبد اللَّه لتونس كرهت مفارقته ولكن حمدت اللَّه على رؤية أهل افريقية مثله من المغرب، وكان الفقيه الكبير الصالح موسى العبدوسي كبير فقفاء فاس يبحث عما يصدر من أبي عبد اللَّه من تقييد أو فتوى فيكتبه وهو أسن من أبي عبد اللَّه، وكان الفقيه المحدث القاضي أبو علي منصور بن هدية القرشي يقول: كل فقيه قرأ في زماننا هذا أخذ ما قدر له من العلم إلا أبا عبد اللَّه الشريف فإن اجتهاده يزيد، واللَّه أعلم حيث ينتهي أمره، وسمعت أبا يحيى المطغري يقول: حضرت مجلس كثير من كبار العلماء فما رأيت مثل أبي عبد اللَّه وولييه- اهـ. ووصل في التفنن في العلوم إلى الغاية، جمع بين الحق والحقيقة، لا يشق غباره بل حظ العلماء السماع منه، فسر القرآن خمسًا وعشرين سنة بحضرة أكابر الملوك والعلماء والصلحاء وصدور الطلبة لا يتخلف منهم أحد، عالمًا بقراءته ورواياته وفنون علومه، من بيان وأحكام وناسخ ومنسوخ وغيرها، مع إمامته في الحديث وفقهه وغريبه ومتونه ورجاله وأنواع فنونه إلى الإمامة في أصول الدين قائمًا بالحق صحيح النظر، كثير الذب عن السنة وإزاحة الاشكال، متدربًا في تعليم غوامضها، حسن البسط في التأليف، ألف كتابًا في القضاء والقدر وحقق فيه مقدار الحق بأحسن تعبير عن تلك العلوم الغامضة، وإليه يفزع علماء المغرب في حل المشكلات، وجه العالم المحقق يحيى الرهوني من بلاد توزر أسئلة فأوضع مشكلها، وكان من أئمة المالكية ومجتهديهم فقيه النفس، قائمًا على الفروع والأصول ثبتًا وتحصيلًا، عالمًا بالأحكام واستنباطها، قوي الترجيح سريع النظر متورعًا في الفتوى متحريًا في مسائل الطلاق يدفعها عن نفسه ما استطاع، يدرس الفقه في كثير أوقاته وغالبها يقرأ المدونة بعد التفسير حتى مات، لم ينتفع الطلبة بأحد في مصر من الأمصار ما انتفعوا به في زمانه. وذكر بعض فقهاء فاس للسلطان أبي عنان أنه غير متبحر في الفقه حسدًا، فبعث السلطان حينئذ للفقهاء فحضروا وأمره بقراءة حديث "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم" يختبر به حاله في الفقه، فأخذ فيها من غير نظر فأول ما قال: في هذا الحديث خمس وعشرون فرقة فسردها، ثم تكلم على أخذها من الحديث وترجيح ما رجح كأنه يمليها من كتاب، فلما رأى السلطان ذلك أقبل على الطاعنين وقال لهم: هذا الذي قلتم أنه قاصر في الفقه، وكان لكلامه حلاوة ورونق وطلاوة، قوة علمه فيه ظاهرة وأنواره باهرة. ألف في أصول الفقه مفتاح الأصول في بناء الفروع على الأصول طبق منه مسائل الفقه مع الأصول، من أعلم الناس بالعربية وعلوم الأدب نحوًا وبيانًا، حافظًا للغة والغريب والشعر والأمثال وأخبار الناس ومذاهبهم وأيام العرب وسيرها وحروبها وأخبار الصالحين وسيرهم، وإشارات الصوفية ومذاهبهم، حسن المجلس كثير الحكايات ممتع المحضر عذب الكلام منصفًا في البحث والمناظرة، كثير البسط بلا عار ولا سرف، خبيرًا بأخبار النفس وتزكيتها وتطهيرها مذللًا صعاب الأمور إمامًا في العلوم العقلية كلها منطقًا وحسابًا وفرائض وتنجيمًا وهندسة وموسيقًا وتشريحًا وفلاحة وكثيرًا من العلوم القديمة. شرح جمل الخونجي من أجل كتب الفن، انتفع به العلماء قراءة ونسخًا وتأليفًا في المعاوضات، وكان قليل التأليف أكثر اعتنائه بالإقراء تخرج به من صدور العلماء وأعيان الفضلاء ونجباء الأولياء من لا يحصى، وكان مهيبًا محببًا، جعل اللَّه محبته في القلوب، من رآه أحبه وإن لم يعرفه، يجله الملوك فيقدمونه في مجالسهم يلاطفهم تارة ويفصح بالحق تارة وينصر المظلوم ويقضي الحوائج. وقال لبعض اللوك، وقد أمر بضرب فقيه: إن كان عندك صغير فهو عند الناس كبير، وإنه من أهل العلم، فنجا الفقيه وسرح مكرمًا، ودخل بعض المرابطين على السلطان أبي حمو في أول أمره فلم يقبل يده ولا بايعه بل سلم وانصرف، فاشتد عليه غضبه فقال: ما له لا يبايعني وهم بشر فقال له أبو عبد اللَّه: هذه عادته مع من تقدم من الملوك وهو من أهل اللَّه فانكسر غضبه وأكرم المرابط وولاه قبيلة كلها، وكان يجلسه الملوك في أرفع المجالس ينصتون له فيقيم الحق، لا يخدمهم بدينه ولا يسألهم حوائج نفسه ولا يخاطبهم إلا بما يسوغ شرعًا، يعظم أهل الحق في قلوبهم ولا ينتصر لنفسه ويدفع حاسده بالتي هي أحسن يلتمس لأولي الفضل في عثراتهم أحسن الوجوه، ويتغافل عن غيره، مع ما له من جميل الذكر وبعد الصيت وعلو المنصب، لا يماري العلماء في مجالس الملوك ولا يرد على أحد ولا يخطئ المفسرين ولا ينصر العامة ولا يجرئهم على المعاصي بل يعظم منصب العلم. مجلسه مجلس نزاهة ودراية وتحقيق، إذا تكلم في مسألة أوضحها نهاره كله بين إقراء ومطالعة وتلاوة، يقسم الوقت على الطلبة بالرملية ينام ثلث الليل وينظر ثلثه ويصلي ثلثه، يقرأ كل ليلة ثمانية أحزاب في صلاته ومثله في أول النهار ويواظب قراءة الحزب دائمًا، ويقرأ من التفسير نحو ربع حزب كل يوم مع البحث، وإذا طال بحث الطلبة أمرهم بالتقييد في المسألة ثم يفصل بينهم. يطالع كتبًا كثيرة حدثني بعضهم أنه وجد بين يديه سبعين كتابًا، قوي اليقين بعيد النفس عن الطمع لا يشغله أمر الرزق، ارتاض نفسه للطلب حتى سهل عليه فنال خيرات الدنيا والآخرة، وكان علماء الأندلس أعرف بقدره وأكثرهم تعظيمًا له، حتى إن العالم الشهير لسان الدين ابن الخطيب صاحب الأنباء العجيبة والتآليف البديعة إذا ألّف تأليفًا بعثه إليه وعرضه عليه، وطلب منه أن يكتب عليه بخطه، وكان الشيخ الإمام الصدر المفتي أبو سعيد بن لب شيخ علماء الأندلس كلما أشكل عليه شيء كاتبه ليبين له ما أشكل، مقرًا له بالفضل. وأما زهده ومروءته ودينه فمعلوم، كان غني النفس بربه ساكن الجاش كثير النفقة لا يهتم في أمرها حتى ذكره ولده عبد اللَّه أنه بقي بعض الأزمنة ستة أشهر مشتغلًا بالعلم لم ير فيها أولاده لأنه يقوم صبحًا وهم نائمون ويأتي ليلًا وهم نائمون، وذكر أنه لم يأخذ مرتبًا في مدرسته ولا غيرها في زمن طلبه وإنما ينفق من مال أبيه، وربما وضع له طيب الطعام ليفطر به في رمضان وغيره فيشتغل عنه بالنظر حتى لسحوره فيتركهما حتى يصبح ويواصل الصوم بالنظر، مصون العرض منزهًا عن الريب، اتفق العدو والصديق على نزاهة وصدق لهجته، وتساوى في محبته البر والفاجر، مواظبًا على الفكرة، واقفًا مع الحدود، مسلمًا للعبودية كثير الجد في الأمر والنهي، لا تعدل الدنيا عنده شيئًا، يتباعد عن الملوك مع إقبالهم عليه وحرصهم على قربه ورفعته، ما تولى أمرًا من أمور الدنيا بل يقف مع العلم حيث وقف، مع تمكنه، وكان السلطان أبو سعيد يحبه حبًا عظيمًا ويخاطبه بسيدي فلما انحل ملكه عرض عليه مالًا وديعة فامتنع بالكلية فأودعه عند غيره وأشهده، ثم رفع الأمر لأبي عنان بعد ملكه وأخبر به، فوجه فيه وعاتبه شديدًا حين لم يرفع الأمر إليه وأمن عليه بتقريبه ورفعه على العلماء فأجابه، وقال: إنما عندي شهادة لا يجب عليّ رفعها بل سترها، وأما تقريبك إياي فقد ضرّني أكثر مما نفعني ونقص به ديني وعلمي، وشدد القول عليه أي على السلطان فغضب لذلك وسجنه، ثم ورد اثر ذلك يعقوب بن علي شيخ أعراب افريقية على السلطان فسأله عما يقول الناس فيه بافريقية فقال خيرًا، غير أنهم سمعوا بسجنك عالمًا شريفًا كبير القدر فلامك فيه الخاصة والعامة، فأمر بإطلاقه والإحسان إليه بلا تسبب منه ولا معرفة، وهي أعظم محنة امتحن بها، ومازال السلطان يعتذر له عنها حتى مات. وكان أمينًا مأمونًا حافظًا لسره مالكًا لنفسه مقبلًا على شأنه، يركن إليه أهل الدين والدنيا من القريب والبعيد، وكان قاضي قسنطينة حسن بن باديس وضع عنده أمانة في قرطاس فوضعها في بيته، فلما طلبه صاحبه أخرجها فوجد مكتوبًا على ظاهر القرطاس مائة ذهب، فحله وعدها فإذا خمس وسبعون ذهبًا فزاد فيها خمسة وعشرين فأعطاه له، فمكث عنده يومين فرجع إليه وقال: يا سيدي وجدت في الأمانة زيادة خمس وعشرين فقال: إني لم أعدها عند أخذها منك فلما وقع بصري على الخط اختبرتها فلم أجد العدد فكملتها ظانًا ضياعها عندي فقال: يا سيدي لم أعط إلا خمسة وسبعين فرد الزيادة وشكره وحمد اللَّه على وجود مثله، وكان متمسكًا في أموره بالسنة راكبًا لأهلها كثير الاتباع شديدًا على أهل البدع ذا بأس وقوة في نصر الحق، لا تشاهد في فطره بدعة ولا أشرار الشريعة في غير محلها ولا يشوش على أحد ويزجر من أخذ فوق قدره، سأله بعض مفقهة عن تفضيل أبي بكر على عمر فزجره. وكان يحضر مجلسه كبير وزراء الدولة فمال يومًا على بعض الأئمة فنظر إليه نظرة غضب وعنفه فسكت الوزير ولم يقطع المجلس، وقرأ عليه بعض الطلبة كتب الغزالي على وجه التجمل بها، فرأى الشيخ في المنام كأنه يضع كتبه في موضع قذر فتركه ولم يعد لتعليمه، وكان كثير التدبر للآيات والنظر في الملكوت بعبرة وفكرة، له كرامات كثيرة. منها: أنه اشتد الغلاء بقسنطينة في محلة أبي عنان حتى بلغ الفول ثمانية بدرهم وعظم الحال فكانت تصله الكتب وفي عنوانها تدفع لسيدي أبي عبد اللَّه فإذا فتحها وجدها بيضاء فيها ذهب لا يعرف من أين هي فيستعين بها على شأنه حتى خلصه اللَّه. ومنها: أنهم أتوا في واد حامل لا يجوزه إلا الفرسان، وكانت معه حمارة يحمل عليها فجازت مع الفرسان سالمة فنزلت المحلة قرب الوادي فاتفق ضرب خبائه بموضع مرتفع هناك، ففي نصف الليل جاء سيل عم المحلة وطلع في أخبيتهم وانهدت أبنية السهلطان فباتوا في أسوأ حال وهو في منزله لم يصله الماء، فكان السلطان ينظر إليه في تلك الحال ويقول: كيف علم بما يتفق الليلة ولم يعلمنا به، ولما وصل في تفسيره الأخير إلى قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ مرض ثمانية عشر يومًا ثم مات ليلة الأحد رابع ذي الحجة متم عام أحد وسبعين، وحدّث الخطيب الصالح علي بن مزية والفقيه راشد وغيرهما أنهم رأوه حين موته كأنه يجلس من يدخل عليه فكانوا يظنونه الملائكة، وذكر ولده أبو يحيى أنه في مرضه قبّل المصحف ومسح به وجهه وقال: اللهم كما عززتني به في الدنيا فاعززني به في الآخرة، ورآه بعض الصلحاء بعد موته فقال له أين أنت؟ فقال في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وتأسف لموته السلطان، وقال لولده عبد اللَّه ما مات من خلفك وإنما مات أبوك لي لأني أباهي به الملوك، ثم أعطاه الدرسة ورتب له جميع مراتبه -اهـ- ملخصًا من الجزء المذكور. فائدة: سئل ﵀ عن غرناطة عن قول الإمام المرجوع عنه وما نقله أهل المذهب عنه في مسألة واحدة قولين مختلفين وثلاثة يقولون: وقع له في المدونة كذا وفي الموازية كذا ويعتقدونها خلافًا فيفتون بها من غير تعيين للمتأخر منها يجب الأخذ به من المتقدم الذي يترك مع التقليد لصاحبها وهو واحد مع اتفاق أهل الأصول على أنه إذا صدر القولان عن عالم لم يعلم المتأخر منهما لا يؤخذ بواحد منهما لاحتمال كون المأخوذ المرجوع عنه، فصارا كدليلين نسخ أحدهما فلم يعلم بعينه لا يعمل بمقتضى واحد منهما، وأما المجتهد فيأخذ برأيه من حيث اجتهاده، وقد وقعت هذه عندنا وتردد النظر فيها أيامًا فلم يوقف إلا أن الضرورة داعية إلى ذلك وإلا ذهب معظم فقه مالك ومستند الأخذ مع الضرورة أن مالكًا لم يقل بالأول إلا بدليل وإن رجع عنه فيأخذ به من حيث الدليل وأيضًا غالب أقواله قال بها أصحابه، فيعمل بها من حيث اجتهادهم، وأيضًا فجميع المصنفين سطروا هذه الأقوال وأفتوا بها من غير تعرض لهذا الاشكال فبعيد اجتماعهم على الخطأ، هذا ما ظهر لنا. وقد أجاب القرافي عن هذا الأخير في شرح التنقيح بما في علمهم، فأجاب ﵀ اعلموا أن المجتهد إما مطلق وهو من اطلع على قواعد الشرع وأحاط بمداركها ووجوه النظر فيها، فهو يبحث عن حكم نازلة بنظره في دلالتها على المطلوب فينظر في معارض المسند والتخصيص والتقييد والترجيح وغيرها إن لم يعلم المتأخر فيعمل بالراجح أو الناسخ حيث ظهر، ويصير المتقدم لغوًا كأنه لم يذكر البتة هذا نظره. وأما مجتهد في مذهب معين وهو من اطلع على قواعد إمامه وأحاط بأصوله ومآخذه وعرف وجوه النظر فيها ونسبته إليها كالمجتهد المطلق في قواعد الشريعة كابن القاسم وأشهب في المذهب والموني وابن سريج في مذهب الشافعي وقد كان ابن القاسم وأشهب والشافعي قرؤوا على مالك، فأما الشافعي فترقى للاجتهاد المطلق فكان ينظر في الأدلة مطلقًا بما أداه إليه اجتهاده وابن القاسم فيقول: سمعت مالكًا يقول كذا أو بلغني عنه كذا وقال في كذا كذا، ومسألتك مثلها، فهذه رتبة الاجتهاد المذهبي. وقد قال في غصب المدونة في الغاصب والسارق يركبان المغصوبة أو المسروقة بعد حكايته قول مالك ولولا ما قاله مالك، لجعلت على الغاصب والسارق كراء ركوبة إلى، فأنت ترى شدة اتباعه لمالك وتقليده له. وأما مخالفته له في بعض المسائل كقوله: يتعين ثلاث بنات لبون في مائة وإحدى وعشرين من الإبل كقول ابن شهاب ومالك يخيره في ذلك أو حقتين، وفيمن قال لعبده أنت حر بتلا وعليك مائة دينار فقال مالك: هو حر ويتبع بها وابن القاسم لا يتبع بشيء كقول ابن المسيب وفي الغرماء يدعون على الوصي التقاضي يحلفهم مالك في القليل وتوقف في الكثير، ويحلفهم ابن القاسم مطلقًا كقول ابن هرمز وغيرها، فيحتمل أنه رأى أن ما قاله هو في هذه المسائل هو الجاري على قواعد مالك فلذا اختاره فلم يخرج عن تقليده فيها، ويحتمل أنه اجتهد فيها مطلقًا بناء على جواز تجزي الاجتهاد، وأما أصبغ فقال: أخطأ ابن القاسم لما رآه خالف فيها مالكًا أما لأنه رآه خارجًا عن أصوله وصريح قوله، وأما أشهب فالمحققون على أنه مقلد لمالك غير مجتهد، وقوله في مسألة من حلف بعتق أمته أن لا يفعل كذا فولدت بعد اليمين وقبل الحنث لا يعتقون معها قيل له: إن مالكًا قال: يعتقون معها قال: وإن قاله مالك فلسنا له بمماليك يقتضي اجتهاده، كما قال ابن رشد خلاف ما قاله الجمهور أنه مقلد له، فإذا تقرر هذا فالقولان لمالك الذي لم يعلم المتأخر منهما، ينظر مجتهدًا لذهب أيهما أجرى على قواعد إمامه وتشهد له أصوله فيرجحه ويفتي به. وإذا علم المتأخر من قولي الإمام فلا ينبغي اعتقاد أنهما كأقوال الشارع بحيث يلغى الأول البتة لأن الشارع واضع ورافع لا تابع، فإذا نسخ الأول رفع اعتباره أصلًا وإمام المذهب لا واضع ولا رافع بل هو في اجتهاده طالب حكم الشرع متبع لدليله في اعتقاده، وفي اعتقاده ثانيًا أنه غالط في اجتهاده الأول، ويجوز على نفسه في اجتهاده الثاني من الغلط ما اعتقده في اجتهاده الأول ما لم يرجع لنص قاطع، وكذلك مقلدون يجوزون عليه في كلا اعتقاديه ما جوزه هو على نفسه من غلط ونسيان، فلذلك كان لمقلده اختيار أول قوليه إذا رآه أجرى على قواعده إن كان مجتهدًا في مذهبه، وإن كان مقلدًا صرفًا تعين عليه العمل بآخر قوليه لأغلبية إصابته على الظن، فهذا سر الفرق بين صنفي الاجتهاد وفصل القضية فيهما. وحاصله أن أقوال الشارع إنشاء وأقوال المجتهد أخبار، وبهذا يظهر غلط من اعتقد من الأصوليين أن حكم القول الثاني من المجتهد حكم الناسخ من قولي الشارع، ويظهر صحة ما ذكره ابن أبي جمرة في "اقليد التقليد" أن المجتهد إذا رجع عن قول أو شك فليس رجوعه عنه مما يبطله، ما لم يرجع لقاطع قال: لأنه رجع من اجتهاد لاجتهاد عند عدم النص فيرجح أصحابه فيأخذ بعضهم بالأول قال: وفي المدونة من ذلك مسائل هذا كلامه، ولم أر من اعترض عليه بأن من أخذ بالقول المرجوع عنه فإن ذلك لقوة مداركه عنده لا أنه قلد مالكًا فيها، كما أشير إليه في السؤال، وإنما لم يصب لأن نظر من أخذ بالقول الأول من أصحابه نظر مفيد بقواعده لا نظر مطلق كالمجتهد، فلذا كان مقلدًا له لتمسكه بأصول مذهبه وقواعده. وإن خالف نص إمامه ففي العتبية في سماع عيسى فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن كلمتني حتى تقولي: أحبك، فقالت: غفر اللَّه لك إني أحبك فقال حانث لقولها: غفر اللَّه لك قبل قولها: أحبك، ولقد اختصمت أنا وابن كنانة لمالك فيمن قال: إن كلمتك حتى تفعلي كذا فأنت طالق، ثم قال لها نسقًا: فاذهبي فقلت: حانث، وقال ابن كنانة: لا يحنث فقضى لي مالك عليه، فمسألتك أبين من هذا وصوّب أصبغ قول ابن كنانة. ولما تكلم ابن رشد على هذه المسائل وشبهها اختار قول ابن كنانة ثم قال: يوجد في المذهب مسائل ليست على أصوله تنحو لمذهب أهل العراق فأنت ترى ابن رشد اختار خلاف قول ابن القاسم كما اختاره أصبغ جريًا على أصل المذهب ولم يبالوا بقضاء مالك لابن القاسم لما رأوه خارجًا عن أصول مذهبه حتى قال ابن رشد: إن في المذهب مسائل ليست على أصوله، أترى من خالف في تلك المسائل جريًا منه على قواعد المذهب ومداركه يعد شاقًا لإمام تلك المذهب؟ كلا بل هو أولى بالاتفاق وأحق بالتقليد، وقولكم: اتفق أهل الأصول على عدم العمل بمقتضى الولين المتضادين اللذين لا يعلم المتأخر منهما، فلا أعرف في كتبهم إلا في المقلد تفريعًا على أن أحدهما مرجوع عنه، قالوا: لا يعمل بواحد حتى يظهر المتأخر وقد قدمنا أن مجتهد المذهب لا ينظر في ترجيح أحدهما فيعمل بما يوافق المذهب كفعل المجتهد في أقوال الشارع. وبينا أن قولي الإمام ليسا كنسب الناسخ والمنسوخ بما لا مزيد عليه، وقولكم: إن الضرورة داعية إلى العمل بمثله ذلك وإلا بطل معظم الفقه قلنا: كان ماذا وأين هذه الضرورة من وجوب التوقف في أقوال الشارع إذا لم يعلم المتأخر؟ إذ لا يعمل بواحد منهما قبل التبين وقولكم في مستند الأخذ بها إن مالكًا لم يقل بكل إلا بدليل، فلنأخذ به من حيث ذلك الدليل. قلنا: لا يصح هذا المسند عند من يقول إن القولين كدليلين نسخ أحدهما الآخر ولم يعلم الناسخ ولا اعتبار للدليل مع نسخه، نعم إنما يتم ذلك المستند على ما أصلناه من أن الشارع رافع وواضع، والإمام بان على دليله وتابع. وقولكم: إن غالب أقوال مالك أخذ بها أصحابه فنعمل بها من حيث اجتهادهم فأين هذا من قولكم أولا أنهم يعملون بها مع تقليد صاحبها اللهم إلا أن يحقق بما ذكرنا من عمل أصحابه بأول أقواله، بناء على اعتقادهم جريه على قواعده وأصوله، فلم يزالوا في ذلك التقليد وإن اجتهدوا في المذهب، وأما إن عملوا به بناء على الاجتهاد المطلق فقد بطلت وحدة الإمام ولزم الخروج عن مذهبه، وقولكم: إن الصنفين سطروا الأقوال إلى قولكم بعيد أن يجمعوا على الخطأ فهو رد إجمالي ما تبين فيه نكتة مستندها الإجماع السكوتي وهي ما أشرنا إليه، وأما جواب القرافي فضعيف عند التأمل واللَّه أعلم، انتهت فتواه ملخصة فتأملها مع ما فيها من التحقيق، فبعض الشيء يؤذن بكله وربك الفتاح العليم.
Parsing and provenance details
Local passage ID
939634
Book record
shamela-14197
Source record
1012132
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain
٥٥٤ - محمد بن أحمد بن علي بن يحيى بن علي بن محمد بن القاسم بن محمود بن ميمون بن علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب — shamela-14197 · Hadith Research Library