page 385, entry [580]Open original source
٥٢٦ - محمد بن يحيى بن عمر بن الحباب (١). وبه عرف، التونسي، أحد معاصري ابن عبد السلام، أخذ عن ابن زيتون وغيره وكان إمامًا بارعًا محققًا علامة أصوليًا جدليًا نحويًا متفننًا، وقع له مع ابن عبد السلام مناظرات، وعنه أخذ ابن عرفة الجدل والمنطق والنحو، ونقل عنه في مختصره وغيره أشياء، وأخذ عنه الإمام المقري والشيخ خالد البلوي. وعرّف به في رحلته، فقال: واحد الزمان وفريد البيان والتبيان العديم النظراء والأقران المرتقي درجة الاجتهاد بالدليل والبرهان، العالم المشاور أبو عبد اللَّه بن الحباب حبر بحر حافظ لافظ ذو أبهة وبهاء وحبوة مملوءة من علم، خالية من ازدهاء وخلقة سمت في مطالع الحسن إلى أنهى كمال انتهاء برع بأحسن الصور وبرع من الجمال أرفع الصورة، انفرد بفنَّي المنقول والمعقول، واتَّحد في علمي اللسان والبيان فما يجاري، في شيء من ذلك ولا يباري، وهو فيما عدا ذلك من الفنون يفوق الصدور، ويفيض على مزاحمة البحور، ويحلي من فرائده النحور، له تآليف وتصانيف فيها من العلوم صنوف؛ وهي من الآذان شنوف تقضي له بالظهور على غيره، وشفوف وقلائد، تتحلى بجمانها الخرائد، وتحسد حسنها نيرات الفراقد، ونثر بل نور، أو أنجم زهر. كان أول طلبه رئيس الإنشاء بتونس فأحرز قصب السبق، ثم عطف إلى تعليم العلوم وعكف على تدريسها، فأفاد الأفراد، وأمتع جهابذة النقاد، وأسمع الأسماع ما اشتهى كل وأراد، إلا أنه مؤثر للرحلة قلّ ما ينضبط للطالب ولا يغتبط، إلا لذي فهم ثاقب وسهم في العلوم مسدد صائب، فمجلسه مجلس علم وإيناس، وتقريب لأناس وإبعاد لأناس، وكنت من الفريق الأول لا بالشك ولا بالتأويل، فأخذت عنه وأجازني -اهـ- ملخصًا. قال ابن عرفة: دخلت مرة عليه داره فسألته عن شيء فقال لي: انظر في ذلك الكتاب وأشار لبعض كتبه قال: فجعلت أنظر كتبه فنهاني فقال: لا ينبغي للشيخ أن يطلع تلميذه على جميع أسراره -اهـ- بنقل السلاوي في إكمال الاكمال. ومن تآليفه تقييد على معرب ابن عصفور نقل عنه فيه الجمال ابن هشام في شرح التسهيل، ويذكر عنه أنه دخل على سلطان وقته بتونس أظنه أبا عصيدة فوجده قد أكل فأنشده: لقد فاتك الجدي يا بن الحباب ... بخبز سميذ كثير اللباب ولم يبق منه سوى عظمة ... وذاك لعمري طعام الكلاب فلما وصل في إنشاده إلى قوله: طعام بادره الفقيه ابن الحباب فقال: به طعامكم طعامكم. قال بعض أصحابنا ففي كلامه تورية عجيبة ولكن لا ينبغي مثل هذا مع الملوك لقول أهل السياسة: إذا داعبت الملك فأجمل الأدب ووفه حق اللعب- اهـ. توفي عام أحد وأربعين وسبعمائة.