page 382, entry [578]Open original source
٥٢٤ - محمد بن يحيى بن محمد بن أحمد بن بكر بن سعيد الأشعري المالقي يكنى أبا عبد اللَّه ويعرف بابن بكر من ذرية أبي موسى الأشعري (٢). قال في الإحاطة: كان من صدور العلماء وأعلام الفضلاء سذاجةً ونزاهة ومعرفة وتفننًا، فسيح الدرس أصيل النظر واضح المذهب، مؤثرًا للإنصاف، عارفًا بالأحكام والقراءة، مبرِّزًا في الحديث تاريخًا وإسنادًا، وتعديلًا وجرحًا، حافظًا للأنساب والأسماء والكنى، قائمًا على العربية، مشاركًا في الأصول والفروع، واللغة والعروض والفرائض والحساب، مخفوض الجناح، حسن الخلق عطوفًا على الطلبة، مُحبًا في العلم والعلماء، مطّرح التصنع، عديم المبالاة بالملبس، بادي الظاهر، عزيز النفس نافذ الحكم، تقدم للشياخة بمالقة، ناظرًا في أمور العَقْد والحل ومصالح الكافة. ثم ولي القضاء فأعزّ الخُطة، وترك الهوادة، وأنفذ الحق، ملازمًا للقراءة والإقراء، محافظًا للأوقات حريصًا على الإفادة، ولي القضاء والخطابة بغرناطة محرم سبعة وثلاثين، فقام بالوظائف، وصدع بالحق، و [جرّح] (٣) الشهود فزيف منهم ما ينيف على سبعين، واستهدف بذلك إلى معاداة ومناضلة، خاض ثبجها وصدم تيَّارها، غير مبال بالمغبَّة ولا حافل بالتَّبعة، فناله لذلك من المشقة والكيد العظيم ما نال مثله، حتى كان لا يمشي إلى الصلاة ليلًا ولا يطمئن على حاله، وجرت له في ذلك حكايات إلى أن عزم الأمير أن يرد للعدالة بعض من أحطه فلم يجد في قناته مغمزًا ولا في هوده معجمًا (١). تصدر لبث العلم بالحضرة يقريء فنونًا جمة، فنفع وخرَّج، وأقرأ القرآن ودرس الفقه والأصول والعربية والفرائض والحساب وعقد مجالس الحديث شرحًا وسماعًا على انشراح، صدر وحسن تجمل، وخفض جناح، قال القاضي المؤرخ أبو الحسن ابن الحسن في وصفه: كان شيخنا أبو عبد اللَّه بن بكر صاحب حزم ومضاء، وحكم صادع وقضاء، أحرق قلوب الحسدة وأعزّ الخطة بإزالة الشوائب وذهَّب وفضَّض كواكب الحق، ونفذ في المشكلات، وثبت في المذهلات، واحتج وبكَّت وتفقَّه ونكَّت. قال: حدثنا صاحبنا أبو جعفر الشقوري قال: كنت قاعدًا بمجلس حكمه، فرفعت إليه امرأةٌ رقعةً مضمنها أنها مُحبَّة في مِّطَلَّقها، وتطلب الشفاعة لها في ردِّها، فتناول الرُّقعة، ووقّع لها على ظهرها، بلا مهملة: "الحمد للَّه، من وقف على ما بالقلوب (٢) فليصغ لسماعه إصاغة مُغيث وليشفع للمرأة عند زوجها تأسيًا بشفاعة الرسول ﷺ لبريرة في مغيث، واللَّه تعالى يسلم لنا العقول والدين ويسلك بنا مسلك المهتدين والسلام من كاتبه". قال صاحبنا: فقال لي بعض الأصحاب: هلّا كان هو الشفيع لها؟ فقلت: الصحيح أن الحاكم لا ينبغي أن يباشر ذلك بنفسه على النصوص. قرأ على الأستاذ المتفنن ابن السداد الباهلي القرآن جمعًا وإفرادًا والعربية والحديث ولازمه وتأدب به، وعلى الشيخ الصالح أبي عبد اللَّه بن حريث (٣) كثيرًا من كتب الحديث، سمع عليه جميع صحيح مسلم إلا دولة واحدة. وأخذ عن خاتمة المقرئين أبي جعفر بن الزبير والخطيب ابن رُشيد والولي الصالح أبي الحسن بن فضيلة والأستاذ أبي عبد اللَّه بن الكماد، وأجازه أبو فارس عبد العزيز بن الهواري وأبو إسحاق التلمساني، ومن افريقية أبو المعمر (١) محمد بن هارون ومحمد بن محمد بن سيد الناس والشّرف الدُّمياطي وجماعة من أهل مصر والشام والحجاز. فُقد في المصاب يوم المناجزة بطريف؛ زعموا أنه وقع عن بغلة يركبها وأشار إليه بعض المنهزمين بالركوب فلم يقدر وقال له: انصرف هذا يوم الفرح، إشارة لقوله تعالى في الشهداء: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وذلك ضحى الاثنين سابع جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة- اهـ. قال الحضرمي في مشيخته: شيخنا الفقيه الجليل الخطيب قاضي الجماعة الإمام العدل النزيه العالم المتفنن الصالح الخاشع الشهيد الفاضل أبو عبد اللَّه ابن بكر. توفي شهيدًا بوقيعة طريف مقبلًا غير مدبر، مولده بمالقة في أواخر شهر ذي الحجة عام أربعة وسبعين وستمائة.