page 339, entry [503]Open original source
٤٥٦ - عمران بن موسى المشذالي البجائي الأصل، نزيل تلمسان أبو موسى، صهر ناصر الدين المشذالي (٢). كان فقيهًا حافظًا علامة محققًا كبيرًا، أخذ عنه العلامة المقري وغيره، قال المقري: رأيته إذا دخل المسجد بعد المغرب قبل الإقامة يثبت قائمًا إلى أن تقام الصلاة وأنا لا أدري ذلك بل يركع الداخل لانتهاء وقت المنع بالغروب، وما وقع في المذهب في ذلك فللمبادرة للصلاة وهو لم يفعل، فإن كان ترك الركوع حسمًا للذريعة فلا فرق بين قيامه وجلوسه ألا ترى أن داخل المسجد إذا تحدث قائمًا حتى انصرف أو بدا في المسجد بغير صلاة ولم يجلس ما امتثل الأمر على ما مر، والمراد بحديث لا يجلس داخل المسجد حتى يصلي ركعتين افتتاحه بالصلاة وذكر الجلوس خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، فله صلاة التحية جالسًا والجلوس إن لم يتمكن من الصلاة- اهـ. قال المقري فرّ صاحب الترجمة من حصار بجاية إلى الجزائر، فبعث إليه فيه صاحب تلمسان وقربه وأحسن إليه فدرس بها الحديث والفقه والأصلين والفرائض والمنطق والجدل، وكان كثير الاتساع في الفقه والجدل، مديد الباع في غيرهما مما ذكر، سألته عن قول ابن الحاجب في السهو: فإن أخال الاعراض فيبطل عمده فقال معناه: إن أخال غيره أنه معرض فحذف المفعول الأول وأقام المصدر مقام المفعولين كما يقوم مقامهما ما في معناه من أن نحو أحسب الناس أن يتركوا المقري وأقوى من هذا كون المصدر هو المفعول الثاني وحذف الثالث اختصارًا لدلالة المعنى أي أخال الاعراض كقولهم خلت ذلك، وقد أعربت الآية بالوجهين وهذا عندي أغرب، ومنه قول القضاة أعلم باستقلاله أي أعلم الواقف عليه بأنه مستقل فحذفوا الأول وصاغوا المصدر مما بعده. المقري، شهدت مجلس أبي تاشفين صاحب تلمسان ذكر فيه أبو زيد بن الإمام أن ابن القاسم مقلد لمالك ونازعه أبو موسى عمران المذكور، وادعى أنه مطلق الاجتهاد، واحتج بمخالفته لمالك في كثير، وذكر منه نظائر قال: فلو قلده لم يخالفه لغيره، فاحتج أبو زيد بنصر الشرف التلمساني أنه مثل مجتهد المذهب بابن القاسم في مذهب مالك والمزني في مذهب الشافعي ومحمد بن الحسن في مذهب أبي حنيفة، فأجابه عمران بأنه مثال والمثال لا يلزم صحته فصاح عليه أبو موسى ابن الإمام وقال لأبي عبد اللَّه بن عمر تكلم، فقال: لا أعرف ما قاله هذا الفقيه والذي ذكره أهل العلم أنه لا يلزم من فساد المثال فساد الممثل فقال أبو موسى للسلطان: هذا كلام أصولي محقق قال المقري: فقلت لهما، وأنا يومئذ حديث السن، ما انصفتماه فإن المماثلة كما تؤخذ على جهة التحقيق تؤخذ أيضًا على جهة التقريب، ومن ثم جاء ما قاله ابن أبي عمرو كيف لا وهذا سيبويه يقول: وهذا مثال ولا يتكلم به فإذا صح أن المثال يكون تقريبًا لم يلزم صحة المثال ولا فساد المثل بفساده فالقول من أصل واحد -اهـ- بنقل ابن الخطيب في الإحاطة. قلت: وبنحو ما استدل به عمران على اجتهاد ابن القاسم من مخالفته لمالك استدل ابن عبد السلام لذلك، وتعقبه ابن عرفة بأنه مزجي البضاعة في الحديث، ونكت ابن غازي على تعقبه بأنه كيف يثبت الاجتهاد لشيوخه كابن عبد السلام وغيره وينفيه عن شيخ هداية المالكية بعبارة فظيعة. قلت: ولا ريب في إمامة ابن القاسم في الحديث وناهيك بثناء النسائي عليه فيه، كما تقدم، والعجب من الإمام ابن عرفة كيف يثبت الاجتهاد لابن دقيق العيد ونظرائه ثم يقول وفي المازري نظر هل لحقه أم لا ومعلوم أن ابن عبد السلام وابن دقيق العيد لا يبلغان درجة المازري في تفقهه وإمامه. قال بعض شيوخ العصر: من الأدلة القطعية عندي أن ابن دقيق العيد والسبكي ما بلغوا رتبة الاجتهاد المطلق فأحرى الجلال السيوطي وأضرابه الذين ادعوا هذه المرتبة، وأين مرتبتهم من مرتبة الغزالي وإمام الحرمين في الفقه والإمامة وقوة الذهن؟! تاللَّه لا نسبة بينه وبينهما في شيء من ذلك- اهـ. قلت: والذي يظهر أن الاجتهاد المذهبي مرتبة متسعة تتفاوت بقوة التمكن وضعفه، فالاتصاف بأدنى درجاتها يدعيها مدعيها، ومع الاتساع الحفظ ومعرفة الأحاديث، بل الوقوف على الأحاديث وبما يخيل لصاحبها مع ذلك وصول درجة الاجتهاد المطلق مع كون من فوقه في تمكن النظر وقوة التفقه ومعرفة المذهب ومداركه لا يدعي تلك الرتبة لعدم اتساعه في الحفظ ومعرفة الأحاديث، فتأمل ذلك فهذا قاسم العقباني والمسناوي والبجائي من أهل المائة التاسعة يصرحون ببلوغ درجة الاجتهاد، والإمام الشاطبي والحفيد ابن مرزوق ينفون ذلك عن أنفسهما، ومعلوم أنهما أقوى علمًا وأوسع باعًا من الذين ادعوها، واللَّه أعلم فتأمل ذلك. مولد عمران المشذالي سنة سبعين وستمائة، وتوفي سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وله مقالة مفيدة في اتخاذ الركاب من خالص الفضة، نقل عنه في المعيار في مواضع.