page 307, entry [452]Open original source
٤٠٦ - علي بن أحمد بن الحسن بن إبراهيم التجيبي، المعروف بالحرالي (١). قال ابن الأبار: أندلسي الأصل ولد بمراكش ونشأ بها، أخذ عن ابن خروف وأبي الحجاج بن نموي وغيرهما، رحل وحج ولقي جماعة من العلماء وناظر معهم فبرع وجال في البلاد وشارك في فنون ومال إلى النظريات وعلم الكلام وأخذ عنه، وتوجه ثانية للشرق، وتوفي فجأة في الشام سنة سبع وثلاثين وستمائة- اهـ. قال غيره: الشيخ الفقيه الإمام المطلق الزاهد الورع، بقية السلف وقدوة الخلف أبو الحسن كان بدء أمره بمراكش ثم تخلى عن الدنيا ورحل للشرق ولقي جلة العلماء شرقًا وغربًا، فمن أهل الغرب ابن خروف وأبو الحجاج بن نموي وأبو عبد اللَّه القرطبي وإمام الحرم الشريف وغيرهم. قال أبو العباس الغبريني في عنوانه: تعلمنا عليه الفاتحة في نحو ستة أشهر يلقي في التعليم قوانين تتنزل في علم التفسير منزلة أصول الفقه من الأحكام، حتى من اللَّه تعالى ببركات ومواهب لا يحصى، وعلى أحكام تلك القوانين ألف كتابه مفتاح اللب (٢) المقفل على فهم القرآن المنزل، وهو ممن جمع العلم والعمل. كان أعلم الناس بالأصلين والمنطق والطبيعيات والإلهيات، صنف فيها تآليف، أخبرنا الفقيه أبو محمد بن عبد الحق قال: كنا نقرأ عليه "النجاة" لابن سينا فينقضه عروة نقضًا نقضًا (٣)، وأعلم الناس بالفقه معقوله ومنقوله، أخبرنا شيخنا عبد العزيز بن مخلوف قال: لما ظهر له في اعتقاد فقهاء وقته قصور باعه في مذهب مالك لاستغراقه في فنون العلم أقرأ التهذيب فبين في كثير من مواضعه مخالفته لأصل المدونة ومغايرته لها فيأمر بالأصل فيساق فيبين المخالفة بينهما، وأما علم التفسير فكان يورده ويناسقه نسقًا بديعًا. وله تفسير سلك فيه سبيل التحرير، تكلم عليه لفظة لفظة، ووقع الكلام بينه وبين الشيخ عز الدين بن عبد السلام إمام مصر في زمنه على التفسير طلب أن يقف على شيء منه فلما وقف عليه قال أين قول مجاهد؟ أين قول ابن عباس؟ أين قول قتادة؟ وكثر القول في مثل هذا ثم قال: يخرج من بلادنا، فلما بلغ كلامه الشيخ قال هو يخرج ويقيم عبد اللَّه فكان كذلك، وله تقدم في علم الحديث وعلو سند، وله تقدم في العربية نحوًا ولغة وأدبًا، له فيه التآليف الحسنة والشعر الرائق، وفي علم الفرائض ما لم يسبق إليه. وأما علم التصوف فهو الإمام فيه ولعمري ما رأيت مثل كتابه الوافي في الفرائض، وكان أحسن الناس خلقًا، قال: أقمت في مجاهدة النفس سبعة أعوام حتى استوى عندي من يعطيني دينارًا أو يزدريني، وكان زهده حقيقًا ظاهرًا وباطنًا، أصبح ذات يوم لا شيء لأهله، وكانت جاريته أم ولده تسمى كريمة سيئة فاشتدّت عليه في الطلب وأن الأصاغر لا شيء لهم قال لها: الآن يأتي من قبل الوكيل ما نتقوت به فبينما هما كذلك إذ الحمال يضرب الباب بشكارة قمح فقال لها يا كريمة ما أعجلك أهذا الوكيل بعث بالقمح فقالت: ومن يصنع؟ فأمر فتصدق به وقال لها: يأتيك ما هو أحسن منه فانتظرت يسيرًا وبدالها فتكلمت بما لا يليق، فبينما هم كذلك فإذا بحمال شكارة سميد فقال لها: هذا سميد أيسر وأسهل من القمح فلم يقنعها ذلك فأمر بصدقته أيضًا، فلما تصدقت به زادت في المقال، وإذا برجل على رأسه كاملي (١) فقال لها: يا كريمة قد كفيت المؤنة علم الوكيل بحالك. ومن كراماته أيضًا أن بعض طلبته اجتمعوا في نزهة وأخذوا حليًا من زينة النساء فزينوا به بعضهم ثم جاءوا بعد لمجلس الشيخ، فتكلم الذي في يده الحلى وأشار بيده، فقال الشيخ: يد يجعل فيها الحلى لا يشار بها في الميعاد. ومنها أنه أصاب الناس جفوف ببجاية فأرسل إلى داره يسوق ماء للفقراء فامتنعت كريمة وانتهرت رسوله فسمع كلامها فقال للرسول قل لها يا كريمة واللَّه لأشربن من ماء المطر الساعة، فرمق السماء بطرفه ودعا ورفع يده به وشرع المؤذن في الأذان، فما ختم أذانه حتى أمطرت كأفواه القرب. توفي بحماة من الشام سنة سبع وثلاثين -اهـ- كلام الغبريني. ويذكر أن بعض تلاميذه كان مولعًا بالخمر فاعتكف عليها ليلة وسقطت على وجهه زجاجة فأثرت فيه، فلما أصبح جاء إلى الشيخ وفي وجهه أثرها فأنشد مكاشفًا: لا تسفكنَّ دَمَ الزُّجاجةِ بَعْدَها ... إِنَّ الجُرُوحَ كَمَا عَلِمْتَ قِصَاصُ فحشم الطالب وتاب. قال الذهبي: أبو الحسن الحرالي أندلسي ولد بمراكش، وحرلة قرية من أعمال مرسية، له تفسير فيه أشياء عجيبة لم أتحقق ما تنطوي عليه العقيدة، غير أنه تكلم في وقت خروج الدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج، ورأيت شيخنا المجد التنسي يتغالى في تفسيره ورأيت غير واحد معظمًا له، وتكلم جماعة في عقيدته، كان من أعلم الناس. وقال لنا شرف الدين البارزي: تزوج بحماة وكانت زوجته تؤذيه وتشتمه وهو يبتسم ويدعو لها، وأن رجلًا راهن جماعة على أن يحرجه فقالوا لا تقدر فأتاه وهو يعظ وصاح قائلًا له: كان أبوك يهوديًا فأسلم، فنزل من الكرسي فظن الرجل أنه غضب وأنه تم له ما رامه فوصل إليه فخلع قرظيه عليه فأعطاها له وقال: بشرك اللَّه بالخير لأنك شهدت لأبي بالإسلام- اهـ. قال بعضهم: ما نقله الذهبي في عقيدته عن بعضهم لا يسلم له لأن الغبريني أعلم به لأن أهل كل قطر أعلم ببعضهم، والموجود من تفسيره من أوله إلى قوله تعالى في آل عمران: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ وهو تفسير حسن، وعليه نسج البقاعي مناسباته، وذكر أن هذا القدر هو الذي وقف عليه منه- اهـ.