page 280, entry [408]Open original source
٣٦٥ - عيسى بن محمد بن عبد اللَّه بن الإمام (١). أبو موسى أحد الأخوين المعروفين بأبناء الإمام التلمساني، تقدم كثير من حاله في ترجمة أخيه أبي زيد، قال القاضي أبو عبد اللَّه المقري: سألت أبا موسى بن الإمام آخر فقهاء تلمسان عما يكتب الموثقون في الصحة والطلوع والجواز على ظاهر الأمر الذي لا تفيد ما بنيت عليه الشهادة من اليقين لانكشاف الأمر كثيرًا بخلافه، فقال لي: ذلك غاية ما يمكن الوصول إليه غالبًا من ذلك، فلو كلف بغيره شق عليه وأوشك أن لا يصل إليه وتعطل بسببه حقوق كثيرة، قلت له: فهلا كتبوا ظاهر الصحة والجواز والطلوع فتبرؤا من عهدة ما وراء ذلك فقال لي: أيقام في الشهادة ومبناها على العلم، فإذا تعذر أو تعسر وجب كتبها على ما لا ينافي أصلها حفظًا لرونقها، واعتمد في ظاهر أمرها على ما جرت به العادة أن المعتبر في مثلها ظاهر الحال لتعذر غيره أو تعسره- اهـ. سئل صاحب الترجمة عن ابن القاسم هل هو مجتهد في مذهب مالك [أو] مقلد له؟ فأجاب بأنه مجتهد في المذهب فقط لا مطلقًا، وأما اجتهاده في بعض المسائل فإما على جواز تجزئ الاجتهاد هو اختيارنا، كما أن المجتهد المطلق قد يقلد في بعضها لأمر ما، فلا ينافي عروض اجتهاده في بعضها كونه مقلدًا، كما أن المجتهد المطلق عروض التقليد لا يخرجه عن اجتهاده، والدليل على كونه مقلدًا لمالك أقواله وأقوال الأئمة، وبيانه أن المجتهد إنما يتبع الدليل من حيث هو، والمقلد يقلد شخصًا، واتباع ابن القاسم لقول مالك والتزامه مذهبه واضح لا يفتقر لبيان لمن له أدنى اطلاع، وذلك أن المجتهد إنما يجيب على المسائل باجتهاده في الأدلة، وابن القاسم إنما يجيب حيث سئل بقوله قال مالك: كذا كما في الأسمعة والروايات، وهذا عين التقليد ليس في شيء من الاجتهاد. فإن قلت لعله إنما أجاب به قبل نظره لعجزه. قلت: لا يجوز تقليد قبل النظر على الصحيح لآية ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ومن أمكنه الرد إليه تعالى فتركه عصي، وإنما ينظر ذلك عند العجز وأجوبته هو بقول مالك كثيرة، بل لا يضيف لنفسه إلا عند خروج مالك عن قواعده واختياره هو أحد أقوال مالك وإن لم نقف نحن عليه كما يأتي. فإن قلت: ولعل سائله إنما سأله عن مذهب مالك فقط. قلت: علمنا جوابه بذلك مطلقًا سواء عَينَّ له السائل ذلك أم لا، بدليل إطلاق الأسئلة عارية عن ذلك، ولئن سلم فسؤالهم إياه عن مذهب مالك على اعتقادهم فيه أنه خزانة مذهب مالك وناشر أقواله، فهذا دليل تقليده إذ المجتهد إنما ينظر في الأدلة مطلقًا، وأيضًا فسؤال المجتهد عن مذهب غيره نادر جدًا، وأيضًا فلِمَ لا يسأل عن مذهب غير مالك وما وجه الخصوصية به؟ وأيضًا فعادته في جوابه عن مسائل لا تحصى ثم يقول: لأن مالكًا قال كذا في كذا وقد قال مالك كذا فيحتج لصحة قوله بقول مالك، وأنه جار على مذهبه، وإنما جواب المجتهد بالدليل لا بقول أحد، ويقول لولا ما قاله مالك لقلت كذا، فيترك مقتضى الدليل بقول مالك، وهذا غاية التقليد. وقد نقل صاحب الاستيعاب عن ابن وهب وأحمد بن حنبل أنهما قالا: إذا لم نجد أثرًا قلدنا قول مالك لأن قوله أثر من الآثار، ونقل عن ابن القاسم أنه قال: اخترت مالكًا لنفسي وجعلته بيني وبين النار، ولا معنى لاختياره له إلا تقليده واعتقاده مذهبه، والمجتهد إنما يجعل بينه وبين النار الأدلة لا شخصًا معينًا. فإن قلت: لعل ذلك لتعلمه منه أولًا، لا لتقليده آخرًا حين تبحر. قلت: لا يجعل المجتهد حالة ابتدائه حجة لأنها انتسخت بأكمل منها فصار متبعًا للدليل مطلقًا مع أن ابتداءه لم يتمحض في مالك وإن لازمه أكثر من غيره، فقد أخذ عن الليث وعبد العزيز بن الماجشون وابن أبي حازم وغيرهم أيضًا فقد قال الشرف التلمساني أحد محققي الأئمة المتأخرين: لما مثل مجتهد المذهب الذي يخرج الوجوه على نصوص إمامه قال كابن سريج وأبي حامد في مذهب الشافعي وابن القاسم وأشهب في مذهب مالك وأبي يوسف ومحمد بن الحسن في مذهب أبي حنيفة، فهذا نص منه على تقليده لمالك. ويؤيده قول ابن وهب لابن ثابت: إن أردت هذا الشأن يعني فقه مالك فعليك بابن القاسم فإنه انفرد به وشغلنا عنه بغيره، ولهذا رجح القاضي أبو محمد مسائل المدونة لرواية سحنون لها عن ابن القاسم وانفراده بمالك، وطول صحبته له لم يخلط به غيره، فهذا دليل تقليده له وأنه خزانة علمه. ولا يوصف المجتهد بأنه لم يخلط به غيره، وقد حكى الحارث بن راشد القفصي، وكان ثقة مجاب الدعوة يختم في كل ليلة من رمضان القرآن أنه لما وادع هو وابن القاسم وابن وهب مالكًا أنه قال لابن وهب: اتق اللَّه وانظر عمن تنقل، ولابن القاسم اتق اللَّه وانشر ما سمعت فهذا مالك أصل إفادته يأمره بنشر ما سمع، وناشر ما سمع بمعزل عن الاجتهاد المطلق، وبعيد أن يجهل مالك من حاله ما يعلمه غيره، وقد علم هو بما أوصاه به ووثق الناس بروايته عنه واختياراته وقبلوا منه ما لم يرضوه من نظرائه. قال النسائي: ابن القاسم رجل صالح ثقة ما أحسن حديثه وأصحه عن مالك لا يختلف في كلمة ولم يرو أحد الموطأ عنه أثبت من ابن القاسم، وليس أحد من أصحابه مثله لا أشهب ولا غيره، عجب من العجب زهد وفضل وحسن الحديث- اهـ. ولهذا شرط أهل الأندلس في سجلات قرطبة قطب مدنها علمًا أن لا يخرج القاضي عن قول ابن القاسم ما وجده احتياطًا ورغبة في صحة الطريق الوصل لمذهب مالك الذي قلدوه لصحة روايته وطول صحبته له، لم يخلطه بغيره، ولو كان مجتهدًا مطلقًا لكانوا إنما قلدوه دون مالك، وهو خلاف ما علم من أئمتهم حيث توغلوا في تقليده حتى شفع عنهم ابن حزم أحد حفاظها فقال: قد وصل أهل الأندلس في تقليد مالك حتى يعرضوا كلامه تعالى وكلام رسوله على مذاهب إمامهم فإن وافقاه وإلا طرحوه أخذوا بقول صاحبهم مع أنه غير معصوم، ولا نعلم بعد الكفر باللَّه تعالى معصية أعظم من هذا، فهذا ما وصفهم به من تقليد مالك، وإن كان على كلامه حديث ليس هذا محله. وهم حين فتح الأندلس التزموا مذهب الأوزاعي حتى قدم عليهم الطبقة الأولى ممن لقي مالكًا كزياد بن عبد الرحمن والغازي بن قيس وقرعوس ونحوهم، فنشروا إمامته وفضله فأخذ الأمير هشام الناس حينئذ فالزموا مذهبه من يومئذ وحملوا عليه بالسيف إلا من لا يؤبه به حتى إن الأمير الحكم بن المستنصر، وكان ممن بحث عن أحوال الرجال بحثًا يقصر عنه كثير من العلماء حتى أن خزائن من كتبه في غاية الصحة بحيث إذا اطلع على ما قوبل بأصل منها ولو بوسائط اطلع في غاية الصحة، كتب إلى الفقيه أبي إبراهيم رسالة فيها وكان من زاغ عن مذهب مالك ممن زيد على قلبه وزين له سوء عمله، وقد نظرنا طويلًا في أخبار الفقهاء إلى الآن فلم نر مذهبًا أسلم منه فإن في المذاهب الجهمية والرافضة والمرجئة والشيعة إلا مذهب مالك فما سمعنا عن أحد قلده بشيء من البدعة فالتمسك به نجاة إن شاء اللَّه- اهـ. فهل ترى مع هذا التصميم في هذا الاعتقاد خلفًا عن سلف أن يمنعوا الخروج عن قول ابن القاسم لاجتهاده وتركه قول مالك، بل ذلك لتقليده إياه وطول ملازمته له واطلاعه على مآخذه، وأيضًا فلا ينكر أحد أنه مالكي المذهب وناشره، والمجتهد مطلقًا لا ينسب لأحد سواه لا يقال إنما صدقت النسبة لأجل الاستفادة لأنا نقول يبطل بالشافعي فهو من الطبقة الوسطى من أصحاب مالك وكان يقول: مالك معلمي ومنه تعلمنا العلم، وما أحد أمنّ عليّ من مالك، وعنه أخذت العلم، وشبه هذا ولا يصدق عليه أنه مالكى لاجتهاده وكون مستنده الدليل. فإن قلت: يدل على اجتهاد ابن القاسم مطلقًا مخالفة مالك في مسائل كثيرة وحظ المقلد اتباع مقلده. قلت: إنما تتحقق مخالفته وإن لم يكن لمالك في المسألة إلا الرأي خالفه فيه ولعل له قولًا آخر رجحه ابن القاسم. فإن قلت قوله أرى أو هو رأي إناطة للحكم برأيه فحمله على ما قلت خلاف الظاهر. قلت: ترجيحه ما صار إليه رأى الحقيقة بلا تأويل، يؤيده ما ذكره الباجي في فرق الفقهاء قال: جمع أبو عمر الاشبيلي أقوال مالك في كتاب كبير يزيد على مائة جزء قرأت بعضه، وكان شيوخنا يقولون لا يكاد يوجد قولة لأصحابه إلا وهي لمالك في ذلك الكتاب لأن الحكم بن عبد الرحمن أخرج الأسمعة من خزانته لأبي عمر وأمره بجمع أقواله حيث كان مقول الشيوخ لا يكاد يوجد الخ، دليل لما قلناه ونية بيان لما تقدم من صرفهم الهمة إلى أقوال مالك وتقليده. واختيارهم لابن القاسم لصحة التوصل لمذهبه، ونحو ذلك أيضًا ما ذكره بعض الأئمة أن ابن القاسم وأشهب اختلفا في قول مالك في مسألة "فحلف كل على نفي قول الآخر" فسألا ابن وهب فأخبرهما أن مالكًا قالهما معًا فحجا قضاء ليمينهما، فهما إمامان لازمًا، غاب عليهما قوله، فكيف بمن تأخر عنهما؟! ولو سلمنا عدم وجود مختاره لمالك فلا يدل على اجتهاده لجواز أنه رأى خروج مالك عن أصوله سهوًا فقاسه هو عليها، فلا يخرج بذلك عن تقليده. ذكر أبو إسحاق الشيرازي أن أسدًا أتى إلى ابن وهب وسأله أن يجيبه في مسائل أبي حنيفة على مذهب مالك فتورع، فذهب إلى ابن القاسم فأجابه عنها بما حفظ عن مالك وفي غيره يقول: سمعته يقول في مسألة كذا وكذا ومسألتك مثلها، ومنها ما أجابه على أصول مالك، فهذا يحقق ما قلناه، فهذه الأسدية أصل مدونة سحنون أصلح ابن القاسم منها أشياء على يد سحنون، وأيضًا سلمنا اجتهاده في بعض المسائل لكن لا يخرجه عن التقليد، كما أن تقليد أقواله، وقد قال إسماعيل بن أبي أويس: قيل لمالك قولك في الموطأ: الأمر المجتمع عليه والأمر عندنا وببلدنا وأدركت أهل العلم فقال: أما أكثر ما في الكتاب فرأيي ولعمري ما هو رأي بل سماعي عن غير واحد من أهل العلم المقتدى بهم فكثروا عليّ فغلب رأيي وهو رأيهم ورأي الصحابة أدركوهم عليه وأدركتهم أنا عليه وراثة توارثوها قرنًا عن قرن الى وقتنا، وما كان رأيي فهو هكذا، والأمر المجتمع ما اجتمعوا عليه بلا اختلاف، وقولي: الأمر عندنا فما عمل به الناس عندنا وببلدنا وجرت به الناس وعرفه الجاهل والعالم، وما قلت بعض أهل العلم فشيء استحسنته من قول العلماء، وما لم أسمع منهم اجتهدت على مذهب من لقيت، حتى لا يخرج عن مذهب أهل المدينة وإن لم اسمع شيئًا نسبته إليّ بعد اجتهادي مع السنة، وما عليه أهل العلم والأمر المعمول به عندنا من زمنه ﷺ والأئمة بعد فهو رأيهم ما تركته لغيره. فإن قلت: يلزم على هذا إما تقييد مالك لغيره أو كون ابن القاسم مجتهدًا لتفسيركم رأيه باتباعه قواعد مالك وترجيحه عليها، لأن اتباع شخص إن أوجب تقليده لزم الأول وإلا لزم الثاني. قلت: لا بل اتباع قول مالك ليس بمجرد قول غيره بل لدليل عنده مطلقًا كعمل الصحابة أو إجماع أهل المدينة أو استحسان وافق رأيه وغير ذلك، كما أشار إليه، وهذا حال المجتهد المطلق اتباع الدليل، وابن القاسم إما يرجح أو يخرّج على أصول مالك كما تقدم فهو مقلده، إذ اتباع شخص من حيث هو غير اتباع الدليل المطلق، واللَّه أعلم -اهـ- جوابه ملخصًا. وهذا الذي اختاره هو ما اختاره أخوه الإمام أبو زيد المتقن وغيرهما، وسيأتي له مزيد بعد، إن شاء اللَّه تعالى. فائدة: قال الخطيب ابن مرزوق: سمعت شيخنا الإمام أبو موسى بن الإمام وغيره من شيوخ المغرب يستحسنون ما أحدثه العزفي وولده أبو القاسم بالمغرب في ليالي المولد وهما من الأئمة ويستصوبون قصدهما فيه والقيام به، ونُقل عن بعض علماء المغرب إنكاره، والأظهر عندي ما قاله بعض المغاربة استعمال الصلاة عليه ﷺ في هذه الليلة وإحياء سنته ومعونة آله وتعظيم حرمهم وفعل أنواع البر أفضل مما سواها مما أحدث، إذ لا يخلو من مزاحم في النية أو مفسد للعمل أو دخول شهوة، وطريق الحق والسلامة معروف، فالأفضل تكثير الصلاة عليه ﷺ وأعمال البر -اهـ- ملخصًا.