Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

٢٠٤ - شعيب بن الحسن الأندلسي

أحمد بابا التنبكتي - نيل الابتهاج بتطريز الديباج · page 185, entry [233]

نيل الابتهاج بتطريز الديباج — أحمد بابا التنبكتي

page 185, entry [233]Open original source
٢٠٤ - شعيب بن الحسن الأندلسي (١). شيخ المشايخ سيدي أبو مدين سيد العارفين وقدوتهم، الإمام المشهور، عرف به جماعة بل ألف ابن الخطيب القسنطيني في تعريفه وأصحابه جزء قال هو وغيره كان من أفراد الرجال، ومن صدور الأولياء الأبدال، جمع بين الشريعة والحقيقة، أقام هاديًا وداعيًا للحق قصدت زيارته من جميع الأقطار وشهر بشيخ المشايخ، وذكر التادلي وغيره: أنه تخرج به ألف شيخ من الأولياء أولي الكرامات، وقال أبو الصبر كبير مشايخ وقته: كان أبو مدين زاهدًا فاضلًا عارفًا باللَّه تعالى، خاض بحار الأحوال ونال أسرار المعارف خصوصًا مقام التوكل لا يشق غباره، ولا تجهل آثاره. قال التادلي: كان مبسوطًا بالقبض مقبوضًا بالمراقبة كثير الالتفات بقلبه لربه حتى مات وهو يقول في آخر الزمان اللَّه الحق، وكان من أعلام العلماء وحفاظ الحديث خصوصًا جامع الترمذي قائمًا عليه رواه عن شيوخه عن أبي ذر، يلازم كتاب الأحياء وترد عليه الفتاوى في مذهب مالك فيجيب عنها في وقتها، له مجلس وعظ يتكلم فيه على الناس، وتمر به الطيور وهو يتكلم فتقف تسمع، وربما مات بعضها وكثيرًا ما يموت بمجلسه أهل الحب، تخرّج به جماعة من العلماء والمحدثين وأرباب الأحوال، كان شيخه أبو يعزى يثني عليه ويعظمه بين أصحابه. ولما قدم من الأندلس قرأ على الحافظين أبي الحسن بن حرزهم والفقيه العلامة ابن غالب، وذكر عنه أنه قال: كنت في ابتدائي إذا سمعت تفسير آية أو حديث قنعت به وانصرفت لموضع خارج فاس أتخذه للعمل بما فتح اللَّه عليّ به، فإذا خلوت تأتيني غزالة تؤنسني وأمرّ في طريقي بالكلاب فيبصبصوا لي ويدوروا حولي، فبينا أنا يومًا بفاس إذا رجل أندلسيّ من معارفي سلّم عليّ فقلت وجبت ضيافته فبعث ثوبًا بعشرة درهم فطلبته لأدفعها له فلم أجده هنالك فحملتها معي وخرجت لخلوتي، على عادتي، فتعرض لي الكلاب فمنعوني الجواز حتى جاء رجل حال بيني وبينهم، ولما وصلت قريتي جاءتني الغزالة، على عادتها، فشمتني ونفرت عني وأنكرت عليّ، فقلت ما أوتي عليّ ألد من هذه الدراهم التي معي فرميتها عني فسكنت الغزالة وعادت لحالها معي، ولما رجعت لفاس رفعتها معي ولقيت الأندلسيّ فدفعتها له ثم خرجت للخلوة فدار بي الكلاب فبصبصوا على عادتهم، وجاءت الغزالة فشمتني وأتت كعادتها وبقيت كذلك مدة، وأخبار أبي يعزى ترد عليّ وكراماته يتداولها الناس فملأ قلبي حبه فقصدته مع الفقراء فلمّا وصلنا إليه أقبل عليهم دوني وإذا حضر الطعام منعني من الأكل معهم، فبقيت ثلاثة أيام فأجهدني الجوع وتحيرت من خواطر ترد عليّ وقلت في نفسي إذا قام الشيخ من موضعه مرغت فيه وجهي فلما قام مرغته فإذا أنا لا أبصر شيئًا فبكيت ليلتي فلما أصبح دعاني وقربني فقلت: يا سيدي قد عميت فمسح بيده على عيني فبصرت ثم على صدري فزالت عني تلك الخواطر وفقدت ألم الجوع، وشاهدت في الوقت عجائب بركاته ثم استأذنته في الانصراف للحج فأذن لي وقال لي ستلقى في طريقك الأسد فلا يرعبك فإن غلب عليك خوفه فقل له: بحرمة آل النور إلا انصرفت عني، فكان الأمر كما قال. وتوجه للمشرق وأنوار الولاية عليه ظاهرة فأخذ عن أعلام علمائها، واستفاد من زهادها وأوليائها وتعرف في عرفة بالشيخ عبد القادر الجيلاني فقرأ عليه بها الحرم كثيرًا من الحديث وألبسه الخرقة وأودعه كثيرًا من أسراره وحلاه بملابس أنواره فكان أبو مدين يفتخر بصحبته ويعده أفضل مشايخه الأكابر. وعن بعض الأولياء قال: رأيت في النوم قائلًا يقول: قل لأبي مدين بث العلم ولا تبال ترتع غدًا مع العوالي فإنك في مقام آدم أبي الذراري قال فقصصتها عليه فقال لي: عزمت على الخروج للجبال والفيافي وأبعد عن العمران، ورؤياك هذه تأمرني بالجلوس وترك العزم، فقولك: ترتع غدًا مع العوالي إشارة لحديث حلق الذكر مراتع أهل الجنة والعوالي أصحاب عليين، ومعنى قوله أبي الذراري أنه أعطى قوة النكاح وأمر به، ولم يجعل له قوة على كونهم مطيعين ونحن أعطينا العلم وأمرنا ببثه وتعليمه، ولا قدرة لنا على كون أتباعنا موفقين. وكان يقول: كرامات الأولياء نتائج معجزاته ﷺ وطريقتنا هذه أخذناها عن أبي يعزى بسنده إلى الجنيد بسنده للحسن البصري عن علي عن النبي ﷺ وعن العارف عبد الرحيم المغربي قال سمعت أبا مدين يقول: أوقعني ربي ﷿ بين يديه وقال لي: يا شعيب ماذا عن يمينك فقلت يا رب عطاؤك قال وماذا عن شمالك فقلت يا رب قضاؤك، قال: يا شعيب قد ضاعفت لك هذا وغفرت لك هذا طوبى لمن رآك أو رأى من رآك. وعن أبي العباس المرسي قال: جلت في الملكوت فرأيت سيدي أبا مدين متعلقًا بساق العرش وهو يومئذ رجل أشقر أزرق فقلت له: وما علومك وما مقامك؟ فقال علومي أحد وسبعون علمًا ومقامي رابع الخلفاء ورأس السبعة الأبدال. وسئل عما خصه اللَّه به فقال: مقامي العبودية وعلومي الألوهية، وصفاتي مستمدة من الصفات الربانية، ملأت عظمته سري وجهري وأضاء بنوره بري وبحري فالمقرب من كان به عليمًا، ولا يسمو إلا من أوتي قلبًا سليمًا يسلم من سواه، ولا يكون في الدعاء إلا ما جعل فيه مولاه فقلب العارف يسرح في الملكوت بلا شك "وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحب". وسئل في مجلسه عن الحب فقال: أوله دوام الحب ووسطه الأنس بالمذكور وأعلاه أن لا ترى سواه، واختلف أهل مجلسه هل الخضر ولي أو نبي فرأى رجل صالح منهم معروف بالولاية تلك الليلة النبي ﷺ فقال له: الخضر نبيّ وأبو مدين وليّ. وذكر التادلي وغيره أن رجلًا جاء ليعترض عليه فجلس في حلقته فقرأ صاحب الدولة، فقال له أبو مدين: أمهل قليلًا ثمَّ التفت للرجل وقال له لم جئت؟ فقال لأقتبس من نورك فقال له: ما الذي في كمك؟ فقال مصحف فقال له افتحه واقرأ في أول سطر يخرج لك، ففتحه وقرأ أول سطر فإذا فيه ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ الآية، فقال أبو مدين: أما يكفيك هذا فاعترف الرجل وتاب وصلح حاله. وذكر صاحب الروض عن الشيخ الزاهد عبد الرزاق أحد خواص أصحابه قال: مرّ الشيخ في البلاد الغرب فرأى أسدًا افترس حمارًا وصاحبه جالس بالبعد على غاية الحاجة والفاقة وجاء أبو مدين وأخذ بناصية الأسد فقال له الشيخ: امسك الأسد واستعمله في الخدمة بموضع حمارك فقال: يا سيدي أخاف منه فقال: لا تخف لا يستطيع أن يؤذيك فمرّ بالأسد يقوده والناس ينظرون، فلما كان آخر النهار جاء الرجل معه الأسد للشيخ وقال: يا سيدي هذا الأسد يتبعني أينما ذهبت وأنا خائف منه لا طاقة لي بعشرته، فقال الشيخ للأسد: اذهب ولا تعد ومتى آذيتم بني آدم سلطتهم عليكم. ومن مشهور كراماته أنه كان ماشيًا يومًا على الساحل فأسره العدو وجعلوه في سفينة فيها جماعة من الأسارى، فلما استقر في السفينة توقفت عن السير ولم تتحرك مع قوة الريح ومساعدتها، وأيقن الروم أن لا يقدروا على السير فقال بعضهم: أنزلوا هذا المسلم فإنه قسيس ولعله من أصحاب السرائر عند اللَّه تعالى فأشاروا إليه بالنزول فقال: لا إلّا إن أطلقتم كل من فيها من الأسارى فعلموا أن لا بدّ لهم من ذلك فأنزلوهم كلهم وسارت السفينة في الحال. ومنها انه لما اختلفت طلبة بجاية في الحديث "إذا مات المؤمن أعطي نصف الجنة" فأشكل عليهم ظاهره إذ يموت مؤمنان يستحقان كل الجنة فجاؤوه وهو يتكلم على رسالة القشيري فقال لهم بلا سؤال: المراد يعطى نصف جنته هو فيكشف له عن مقعده ليتنعم به وتقر عينه ثم النصف الآخر يوم القيامة، وكان يأتيه الأولياء من البلدان للاستفتاء فيما يعرض لهم من المسائل. وذكر تلميذه عبد الخالق التونسي عنه أنه قال: سمعت رجلًا يسمى موسى الطيّار يطير في الهواء ويمشي على الماء، وكان رجل يأتيني عند طلوع الفجر فيسألني عن مسائل الناس فوقع لي ليلة أنه موسى الطيار الذي أسمع به، فلما طلع الفجر نقر البابَ رجلٌ فإذا هو الذي يسألني فقلت له: أنت موسى الطيار؟ فقال نعم ثم سألني فانصرف، ثم جاءني مع آخر فقال لي: صليت الصبح ببغداد وقدِمْنا مكةَ فوجدناهم في الصبح فأعدنا معهم وبقينا حتى صلينا الظهر فجئنا القدس فإذا هم في الظهر، فقال صاحبي هذا نعيد معهم فقلت لا فقال لي: أعدنا الصبح بمكة فقلت له: كذلك كان شيخي يفعل وبه أمرنا فاختلفنا فقال أبو مدين: فقلت لهم: أما إعادة الصبح بمكة فإنها عين اليقين وببغداد علم اليقين وعين اليقين أقوى من علمه، وصلاتكم بمكة وهي أم القرى فلا تعاد في غيرها فقال فقنعا به وانصرفا. وفي حقائق المقري عن أبي زيد البسطامي أنه قال: يظهر آخر الزمان رجل يسمى شعيبًا لا تدرك له نهاية قال وهو أبو مدين- اهـ. وكان استوطن بجاية وبفضلها عن كثير من المدن ويقول: إنها تعين على طلب الحلال، وما زال حاله يزداد رفعة وترد عليه الوفود من الآفاق ويخبر بالغيوب حتى وشى به بعض علماء الظاهر عند يعقوب المنصور وخوفوه منه على الدولة وأنه يشبه الإمام المهدي قد كثر أتباعه في كل بلد فوقع في قلبه وأهمّه شأنُه فبعث إليه في القدوم عليه ليختبره. ووصى صاحب بجاية به وأن يحمله خير محمل فلما أخذ في السفر شق على أصحابه وتغيروا فسكنهم وقال إن منيتي قربت وبغير هذه المكان قُدَّرت ولا بد منه وقد كبرت وضعفت، لا أقدر على الحركة فبعث اللَّه لي من يحملني إليه برفق وأنا لا أرى السلطان ولا يراني، فطابت نفوسهم وعدوه من كراماته فارتحلوا به على أحسن حال حتى وصلوا حوز تلمسان فبدت لهم رابطة العباد فقال لأصحابه ما أصلحه للرقاد فمرض فلما وصل وادي يسر اشتد مرضه ونزلوا به هناك فكان آخر كلامه اللَّه حق، فتوفي سنة أربع وتسعين وخمسمائة فحمل للعباد مدفن الأولياء الأوتاد وخرج أهل تلمسان لجنازته فكانت مشهدًا عظيمًا. وفي ذلك اليوم تاب الشيخ أبو عمر الحباك وعوقب السلطان فمات بعده بسنة أو أقل، والدعاء عند قبره مستجاب مجرَّب، كما حققه سيدي محمد الهواري في كتابه التنبيه. ومن كلامه: إذا رأيت من يدّعي مع اللَّه تعالى حالًا وليس على ظاهره شاهد فاحذروه، وقال: "حسن الخلق معاشرة كل شخص بما يؤنسه ولا يوحشه، فمع العلماء يحسن الاستماع والافتقار، ومع أهل المعرفة بالسكون والانتظار، ومع أهل المقامات بالتوحيد والانكسار" وقال: "الحق تعالى مطلع على السرائر والضمائر في كل نفس وحال فأي قلب رآه مؤثرًا له حفظه من الطوارق والمحن وفضلات الفتن"، وسئل عن التسليم فقال: "إرسال النفس في ميدان الأحكام وترك الشفقة عليها من الطوارق والآلام"، وقال: "من رزق حلاوة المناجاة زال عنه النوم، ومن اشتغل بطلب الدنيا ابتلي فيها بالذل، ومن لم يجد من قلبه زاجرًا فهو خراب" وقال: "بفساد العامة تظهر ولاة الجور، وبفساد الخاصة تظهر دجاجلة الدين الفتانون"، وقال: "من عرف نفسه لم يغتر بثناء الناس عليه ومن خدم الصالحين ارتفع ومن حرمه اللَّه احترامهم ابتلاه اللَّه بالمقت من خلقه، وانكسار العاصي خير من صولة المطيع"، وقال: "علامة الإخلاص أن يغيب عنك الخلق في مشاهدة الحق"، وسئل عن الشيخ فقال: "الشيخ من شهدت له ذاتك بالتقديم وسرك بالتعظيم، والشيخ من هذبك بأخلاقه وأدبك بإطراقه وأنار باطنك بإشراقه" إلى غير هذا من حكمه. وقد ذكرت منها طائفة من غير هذا الموضع، نفعنا اللَّه به آمين.
Parsing and provenance details
Local passage ID
939260
Book record
shamela-14197
Source record
1011944
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain