page 1854, entry [3169]Open original source
٢٩٥٤ - (ت ١٣٣٩ هـ): الشيخُ عبد الله بن الشيخ عبد اللَّطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ حسن بن الشيخ الكبير شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهَّاب ، النَّجديُّ، الحنبليُّ، العالمُ العلَّامة، البحر الزَّاخِر الذي لا يُلْحَقُ له قرارٌ، شيخُ الإسلام والمسلمين، ومَرْجِعُ فِرَقِ الموحِّدين، وقائد أهل هذه الدَّعوة أجمعين، النَّجيبُ الأرِيبُ، العالمُ الأديبُ، الفَطِنُ النَّبيهُ، المحدِّثُ، المفسِّرُ، الفقيهُ. ولد في بلد الرِّياض، ونشأ بها نشأةً حسنةً على أكمل تربيةٍ، وأحسنِ أدبٍ، وحفظِ القرآن عن ظهر قلبِهِ، ثم أخذَ في طلبِ العلمِ، فقرأ على والدِهِ الشَيخ عبد اللَّطيف، وعلى جدِّه الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ورَحَل إلى الأفلاج للقراءةِ على الشيخِ حَمَد بن عَتِيق، فقرأ عليه، وقرأ على غيرهم من علماء نَجْد البارِزينَ، فمَهَر في الفقهِ والفرائضِ، والحديثِ، والتفسيرِ، وشارك في غيرِها، وظهرَ أمرُه، ونَبُلَ قَدْرُه، وبَعُدَ صِيْتُه حتى صار مَرجِعَ جميعِ أهل نَجْدٍ في الأصول والفُروعِ، والتَّوحيدِ، وغيرِ ذلك من العُلوم، ورحل إليه الطَّلبةُ من شتى البُلدان، ونعم الشيخ كان علمًا وعملًا وكرمًا وأدبًا، وعقلًا وخُلقًا، وبِرًا ووَرَعًا، وزُهدًا وتقشفًا، وتواضُعًا وعُزوفًا عن الدُّنيا، وانجماعًا عن الناس، وصيانةً وديانةً، وكان يُضرب به المثلُ في كل ذلك، ولو أردنا ذكرَ بعضِ سيرَته ﵀ لأفردنا ترجمَتهُ في مجلَّدٍ كبيرٍ، وكان ﵀ مَهِيبًا وَقُورًا، قويًّا في دين الله، جَسُورًا لا تأخذُه في الحقَّ لومةُ لائمٍ، وكان لا يهابُ الملوكَ والعُظماءَ، أمَّارًا بالمعروف، نهَّاءً عن المنكر، صدَّاعًا بالحق، ذا هَيْبةٍ ووقارٍ، وإجلالٍ، لَيِّن الجانبِ، متوددًا إلى الناس كافةً على اختلافِ طبقاتِهِم، لا يَغضَبُ إلا لله، ولا ينتَصِرُ لنفسِهِ، وكان لا يخلُو بيتُه من عشرة أنفسٍ إلى خمسين نَفْسًا من الغُرباء الَّذِين يَفدون لطلبِ العلم، وكلُّهم يُطعِمُهم ويتفقَّدُ أحوالَهُم، ويقومُ بمصالِحِهِم بنفسهِ، وكأنَّهم جميعًا أبناؤه لصلبه، وتولَّى القضاءَ في بلد الرِّياض إلى حين وفاته، فقامَ به خيرَ قيام بسيرةٍ محمودةٍ هي المَثَلُ الأعلى للعَدْلِ والإنصافِ والأناةِ في الحكم، وتوخَّى الحقَّ والصَّوابَ، وكان جليسُه لا يملُّ حديثه، ويسبق من لقيَه بالسَّلام، ويعرِضُ نَفسه لقضاءِ الحاجات، قبل أن تُعرَضَ عليه، فيُبادِرُ في قضاءِها بمالهِ وجاهِهِ، وبالجملة فهو شيخُ الإسلام في عصره بلا منازِع، وفريدُ دهره بلا مُدافِع، وجميع علماء نجد اليوم، الذين يُرجع إليهم، تلامِذَتُه، وتوفي في عشري ربيع الأول، سنةَ تسع وثلاثينَ وثلاث مئة وألف، وافتجعَ الناسُ لموتِهِ، وصُلِّي عليه في جامع الرِّياض بحفل لا يُعهد لكثرتهِ نظيرٌ وحُملت جنازته، واغتصَّت الأسواقُ بالناس المشيِّعين له، ودُفن بمقبرة العود، انهالت التعازِي والمراثي إلى أبناء الشيخ من كلِ بلدٍ. ﵀ وبارك في ذُرِّيته إنه على كل شيءٍ قديرٌ. وأخبرني من أثقُ به أنه قد أحصي من تولَّى القضاءَ من تلامذَته فبلغوا ثمانين رجلًا، وذكر لي أنه وقع اختلافٌ بينه وبين رجلٍ يقال له: ابن عجيبان في مِلْكٍ هو وكيلَه، فترافَعَا إلى الشيخ سعد بن عتيق، فحكمَ الشيخُ سعدُ لابن عجيبان المذكور، ثم كتب الشيخُ سعد إلى الشيخ عبد الله بالدَّليل على الحكم، فأجابه الشيخُ عبد الله: إنه قد ظهر لي ما ظَهَر لك قبل المرافعة، ولكن بصفتي وكيلًا، لا يَسعُني إلا المرافعة حتى يَعلَم أهلُ الحقَّ أني تركتُه بالحكم الشَّرعي، ولم أفرِّط أو أقصِّر، ثم أراد جلالةُ الملك أن يهدِّد ابن عجيبان على محاكمة الشيخ، فذهب الشيخُ إلى الملكِ، وقال له: إني أردتُ ذلك، وهذا هو الواجبُ لي وعليَّ، ولي الفخرُ بالرُّضوخ إلى أحكام الشرع، وليس في هذا نقصٌ، بل أرجو بذلك الثَّوابَ، لأن هذا ما ندعُو الناسَ إليه، فيجبُ علينا العمل به نحن أولًا. وكان الملكُ عبد العزيز يَتَبَادلُ معه الزِّيارة في كل أُسبُوع، في يوم الخميس يَزُورُ الشيخُ جلالةَ الملك، وفي الخميس الثاني يزُورُه جلالةُ الملكِ، ويتبادلان الحديث، ويتشاوران، ويسأله جلالَتُه عما يُشكِلُ عليه من الأمور الدِّينيَّة، فرحمه الله رحمةً واسعةً. وقال في "زهر الخمائل": إنه قَدِمَ حائل سنةَ سبعٍ وثلاث مئة وألف، وجَلَس فيها للتدريس، فأخذَ عنه العقائد والتَّوحيد، والحديث، والتفسيرَ، غالبُ علمائها، وانتفعوا به، ولَازَمُوه ملازمةً تامَّةً، ولا سيما علُماء لبدة، ومنهم الشيخُ صالح السَّالم، ثم غادَرَ حائل إلى الرِّياض، سنةَ ثمانٍ وثلاث مئة وألف.