page 1726, entry [2971]Open original source
٢٧٥٧ - (ت ١٢٠٦ هـ): شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهَّاب بن سُليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بُرَيد بن محمد بن بُرَيد بنِ مشرف النَّجْدي ، الحنبلي، شيخُ الإسلام، ومجدِّد القرن الثاني عشر، ناصِر السُّنَّة، وقامِعُ البدعَةِ، العلَّامةُ المحققُ الفهَّامة، المدقِّق، شيخ الإسلام والمسلمين، ومفتي فِرَق الموحِّدين، مَنْ طار صِيْتُه فوق السُّها، وأذعنَ لفضلِهِ العلماءُ، وذوي النُّهى. ذكرَهُ العلَّامة المؤرخ ابن غَنَّام الأَحْسائي في "تاريخه" وقال: وُلِدَ سنةَ خمس عشرة بعد المئة وألف في بلد العُيَيْنَةِ من البلدان النَّجدِيَّة، فأنبتَهُ اللهُ نباتًا حسنًا، وجلى به عن طَرْف الدَّهر وَسَنًا، وبقي بعدَ سِن الطُّفولة زمنًا، يتعلَّمُ في تلك القرآنَ، معتزلًا في غالب الأوقاتِ لعبَ الصِّبيانِ، ولهوَ الجُهَّال والغِلْمان، حتى حَفِظ القرآنَ عن ظهر قَلْبِهِ قبل بُلوغ العشر، وكان حادَّ الفهم سِريعًا وقَّاد الذِّهن ذكيًا، سريعَ الحفظِ، فصيحَ اللَّفظِ، ألمعي الفِطْنَةِ، اشتغَلَ في العلم على أبيه، وجدَّ في الطَّلب، وأَدْرَك بعضَ الأَرَب، وهو في بلد العُيَيْنَة في تلك الحال، قبلَ رِحْلته لطلبِ العِلمِ والارتِحال، وتَطْوافِهِ له في كثيرٍ من البلاد، حتى نالَ منه المرادَ، وفازَ بالسعدِ والإسعاد، وحازَ الرُّشدَ والإرشاد، وكان والده قد توسَّم ذلك فيه، ويُحدِّث بذلك ويُبْدِيه، ويؤمِّلُه منه ويَرْجُوه، كما حدَّث به سُليمانُ أخوه، قال: كان عبد الوهَّاب أبوه يتعجَّبُ من فهمه وإدراكه قبل بُلُوغِهِ وإدرَاكِهِ، ومناهَزَتِهِ الاحتلامَ وإفراكه، ويقول أيضًا: لقد استفدتُ من وَلَدي محمد فوائدَ من الأحكام، أو قريبًا من هذا الكلام، وقد كتبَ والِدُه إلى بعض إخوانِهِ رسالةً نوَّه فيها بشأنه، يُثْني فيها عليه، وأن له فهمًا جيدًا أو لديه، ولو يلازمُ الدَّرسَ سنة على الولايةِ، لظَهَر في الحِفْظِ والإتقان آية، وقد تحقَّقت أنه بلغَ الاحتلام قبل إكمال اثنتي عشرة سنة على الإتمام، ورأيته أهلًا للصلاة بالجماعة والإئتمام، فقدَّمتُهُ لمعرفتهِ بالأحكام، وزوَّجْتُه بعد البلوغ في ذلك العام، ثم طلب مني الحجَّ إلى بيتِ اللهِ الحرام، فأجبته في الإسعاف لذلك المَرام، فَحجَّ وقضى رُكنَ الإسلام، وأدى المناسكَ على التمام، ثم قصدَ مدينَتَه ﵊، وأقامَ فيها شهرين، ثم رَجَع بعد ذلك فائزًا بأجر الزِّيارة والمناسك، وأخذ في القراءة على والِدِهِ في الفقه على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل، ورُزِقَ مع الخط سرعةَ الكتابةِ، فكان يحيَّر أصحابه بحيث إنه يخطُّ بالخطِّ الفصيحِ في المجلس الواحد كُراسًا من غير تعب ولا نَصَب ولا التباسٍ، ثم بعد ذلك رَحل في العِلم، وسار وجدَّ في الطَّلب إلى ما يَليهِ من الأمصار، وما يُحاذِيه من الأقطار، فزاحمَ فيه العلماءَ الكبار، وأشرق طالِعُه، واستنارَ وصار لِهِلالِهِ أقمار، فوطئَ الحجازَ والبصرةَ لذلك مرارًا، والأَحْساء لتلك الأوطار، وأخذ العلمَ عن جماعةٍ، منهم الشيخُ عبد الله بن إبراهيم النَّجدي ثم المَدِيْني، وأجازه من طريقين أوَّل حَدِيثٍ سمِعَهُ منه الحديث المشهور المسلسل بالأولية، وقد سمع الفقهَ والحديثَ من جماعةٍ بالبَصْرة كثيرةٍ، وقرأ بها النَّحو وأتقن تحريره، وكتبَ الكثيرَ من اللُّغة والحديث في تلك الإقامة، وحثَّ على طريق الهُدى والاستقامة، وكان أكثر لُبته لأخذ العلم بالبَصْرة، ومقامه، ثم رجعَ بعد ذلك السَّفر، فإذا والد عبد الوهَّاب قد رفَض سُكنى العيينة، وهَجَر واختار سُكنى حريْملا، فأقام بها، واستقرَّ، فأقام فيها مع أبيه يُعلن بالتَّوحيد ويُبْدِيه، وينادي بإبطال دعوةِ غيرِ الله ويُفْشِيهِ، ويَنْصَحُ مَنْ عَدَل عن الحق والرَّشاد ويَسْلُك في ذلك سبيلَ السَّداد. انتهى المراد من تلك الترجمة الحافلة. وذكره صدَّيق القنوجي في "أبجد العلوم" (¬١) وقال: وُلِد في بلاد نَجْد ونشأ بها، وقرأ القرآنَ، وسمع الحديثَ، وأخذ عن أبيه، وهم بيتُ فقه حنابلة، ثم حج وقصد المدينةَ المنوَّرة، ثم انتقلَ مع أبيه إلى حريملا قريةٍ من نَجْد أيضًا، ولما مات أبوه رجع إلى العُيَيْنَة وأراد نشرَ الدَّعوةِ، فرضِي أهلها بذلك، ثم خرَجَ منها بسبب إلى الدَّرْعِيَّة وأطاعه أميرُها محمد بن سعود من آل مقرن ويُذكر أنه من بني حَنِيْفة ثم من رَبِيْعة، وذلك في حدود سنةِ تسعٍ وخمسين ومئة وألف، فانتشرت دعوتُه في نَجْد، وشرقي بلادِ العرب إلى عُمان، ولم يخرج عنها إلى الحجازِ واليَمَن إلا في حدود سنة مئتين وألفَ، وكانت وفاتُه سنةَ ستٍ ومئتين وألف، وله مؤلَّفات منها: كتاب فيه "نبذة في معرفة الدِّين الذي معرفته والعملُ به سببٌ لدخولِ الجنة، والجهل به وإضاعته سببٌ لدخول النَّار"، وكتاب "التوحيد" المشتمل على مسائل من هذا الباب، وكتاب في فضائل الإسلام، وكتاب في "مسائل خالفَ فيها رسول الله ﷺ ما عليه أهل الجاهلية من أهل الكتاب وغيرهم"، وهو مختصر في نحو كراسة، وكتاب "كشف الشُّبهات في بيان التوحيد وما يخالفه والرَّد على المشركين"، ورسالة في "أربع قواعد من قواعد الدِّين" في نحو ورقة، وكتاب "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وكتاب "تفسير شهادة أن لا إله إلا الله"، وكتاب في تفسير الفاتحة، ورسالة في "معرفة العبد ربه ودينه ونبيه"، ورسالة في بيان التَّوجُّه في الصَّلاة، ورسالة في معنى الكلمة الطَّيبة، ورسالة في تحريم التقليد، وهذا جُلُّ ما وقفت عليه من تآليفه، وفيها ما يُقبل ويُردُّ، وعلى كتابه "التوحيد" شرحٌ مبسوط مفيد لحفيدهِ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب سماه "فتح المجيد لشرح كتابِ التوحيد"، ولأتباعه أيضًا رسائل، وبالجملةِ فهو ممن اختلفَ النَّاسُ في اعتقادِهم فيهِ، فمنهم مَنْ أثنى عليه في كلِّ ما وَضعه ونَشَرهُ ودعا إليه وقاتَل عليه، فانتصرَ له وافتخرَ بالانتسابِ إليه وإلى طريقتهِ، ومنهم من أساء الظنَّ به كل الظنِّ، فردَّ عليه كل نَقِيرٍ وقِطْمير اختاره، وذهب إليه، وكفَّرهُ وبدَّعه، ومنهم مَنْ سَلَك سبيلَ الإنصافِ، فقبل من أقوالهِ ما كان صوابًا، وردَّ ما خالف منها سنةً وكتابًا، ولَعْمري هذا هو الطَّريق السَّوِي، والصِّراط المُسْتَوي. انتهى. وذكره المحقق ابن بَدْران في "مدخله" (¬١) وقال: هو العالم الأَثَري، والإمامُ الكبير محمد بن عبد الوهَّاب بن سُليمان بن علي، يتَّصلُ نسبهُ بعبد مناة بن تميم التميمي، رَحَل إلى البَصْرة والحجازِ لطلبِ العلم، وأخذ عن الشيخ علي أفندي الطَّاغِسْتَاني، وعن المحدِّث الشيخ إسماعيل العجلوني، وغيرهما من العَلماءِ، وأجازوه بكُتُبِ الحديث وغيرِها على اصطلاح أهل الحديث من المتأخَّرين، ولما امتلأ وِطابُه من الآثار وعلم السُّنَّة، وبرع في مذهب أحمد أخذ يَنْصُرُ الحقَّ ويُحارِب البِدَع، ويقاوم ما أدخله الجاهِلون في هذا الدين الحنيفي، والشريعة السَّمحاء، وأعانَهُ قومٌ أخلصوا العبادة لله وحده، على طريقته التي هي إقامة التَّوحيد الخالص، والدَّعاية إليه، وإخلاصُ الوحدانيَّةِ والعبادة كُلِّها بسائر أنواعِها لخالقِ الخَلْقِ وَحْدَه، فحبا إلى معارضته أقوام ألِفُوا الجمودَ على ما كان عليه الآباءُ، وتدرَّعوا بالكسل عن طلبِ الحقَّ، وهم لا يزالون إلى اليوم يضرِبُون على ذلك الوتر، وجنودُ الحق تُكافحُهم، فلا تُبْقي منهم ولا تَذَرَ وما أحَقهُم بقولِ القائلِ: كناطِح صخرة يومًا ليُوهِنَها … فلم يَضِرْها وأَعْيا قَرْنَهُ الوَعِلُ ولم يزل مثابرًا على الدَّعوة إلى دين الإسلام، حتى توفاه الله تعالى سنة ستٍ ومئتين وألف. انتهى. وذكره صاحب "مجلة الزَّهراء" (¬١)، و"حاضر العالم الإسلامي" (¬٢) بما ملخصه: هو إمام حَنَابِلَةِ نَجْدٍ، ومؤسِّسِ الدَّعوة الوهَّابية في جزيرة العَرَب، وُلِدَ ونشأ في العُيَيْنَة بنَجْد، ورَحَل مرَّتين إلى الحجاز، فمكثَ في المدينة مرةً قرأ بها على بعض أعلامها، وانتقل إلى البَصْرة فأُوذِي فيها، فعاد إلى نَجْد، وسكن حريملا، ثم انتقل إلى العيينة، وارتاح أميرها عُثمان بن حمد بن مَعْمر إلى دعوته، وناصره، ثم خَذَله، فقَصَد الدَّرْعِيَّة بنَجْد سنةَ سبعٍ وخمسين ومئة وألف، فتلقَّاه أميرها محمد بن سعود بالإكرام، وقبلَ دعوتَهُ، وآزَرَهُ كما آزَره مَنْ بعده ابنهُ عبد العزيز ثم ابنُه سعود بن عبد العزيز، وقاتَلوا مَنْ خالفه، فاتَّسع نطاقُ مُلكِهم، واستولَوا على شَرْقِ الجزيرةِ كلِّه، ثم كان لهم جانبٌ عظيمٌ من اليَمَن وملَكُوا مكةَ والمدينةَ وقبائلَ الحجازِ، وقارَبُوا الشَّام بِبُلُوغِهم المزيريب، وتوفي صاحب الترجمة في الدَّرْعِيَّة، وأبناؤه اليوم يُعرفون بأبناء الشيخ، ولهم المقام الرَّفيع عند صاحِب نَجْدِ والحجاز، وكان إظهار ابن عبد الوهاب دعوتَه إلى إخلاص التَّوحيد، سنةَ ثلاثٍ وأربعين ومئة وألف، وله مصنَّفات منها كتاب: "التوحيد"، و"كشف الشبهات"، و"تفسير الفاتحة"، و"أصول الإيمان"، و"فضل الإسلام"، و"نصيحة المؤمنين"، و"تفسير شهادة أن لا إله إلا الله"، و"معرفة العبدُ ربَّه ودينَهُ ونَبِيَّهُ"، و"معنى الكلمة الطيِّبة"، و"الأمر المعروف والنَّهي عن المنكر"، و"مفيد المستفيد"، ورسالة في التقليد وأنه جائز لا واجب، وكتاب "الكبائر"، وكتاب "الاستنباط"، وكتاب "مختصر الشَّرح الكبير والإنصاف"، و"مختصر السيرة"، وغير ذلك من الرَّسائل إلى أهل البلاد النَّجْدِيَّة والأقطار الإسلامية، التي أثبتَ بعضَها ابنُ غنَّام الأَحْسائي، انتهى. وذكره محمود شكري الألوسي في "تاريخ نَجْدِ" بترجمة حسنة، وابن بشر في "تاريخ نجد" (¬١)، وابن غنَّام، وغيرهم، وأثنوا عليه بما هو أهله، فرحمه الله رحمةً واسعةً، وجَزاهُ عن المسلمين أفضلَ ما جزى به مَنْ دعا إلى كتابه، وسُنَّة نبيه، وجعل البركةَ في أبنائه إنه جوادٌ كريم.