page 1703, entry [2935]Open original source
٢٧٢٢ - (ت ١١٨٨ هـ): محمد بن أحْمد بن سَالِم بن سُلَيْمان، السَّفَارِيْنيُّ الشُّهْرة والمَوْلد، النَّابُلُسِيُّ الحَنْبليُّ . ذكره الغَزِّيُّ (¬١) وقال: هو شَيْخُنا الشَّيْخ الإمام الحَبر، البَحْر الهُمَام، العَامِلُ العَالِمُ النِّحريرُ، الكاملُ المُحقِّق والفَهَّامَةُ المُدَقِّق، صاحب التآليف الكثيرة، والتَّصَانيف الشهيْرة، بَهْجَة الفُقَهاء والمُحَدثين، شمْس الدُّنْيا والدَّيْن، خاتمةُ الحنابلة بالدِّيار النَّابُلُسِيَّة، صاحِبُ الفُتُوحات الإلهية، والعِلُوم اللَّدُنِّيَّة، عُمْدةُ المُنَاظِريْن، مُخَرِّج الفُرُوْع على الأصول، الجَامِعُ بَيْنَ المَعْقُول والمَنْقُول، مَطَرِّزُ أرْدِية الفَتَاوَى بحَرير التَّحرير، مرَجِّل هامات المَبَاحث بتِيْجَان التَّقرير سَيِّد أهل التَّحقِيق على التَّحقِيْق، وسَعْد أرْباب التَّدْقِيق بنَظْرة التَّوفِيْق. وُلِدَ بقرْية سَفارين مِن قُرى نابُلُس، سنةَ أربعَ عَشرةَ ومِئةٍ وألْفٍ، ونشأ بها، وتلا القُرآن العَظِيْم، ثم رَحَل منها إلى دِمَشْق لطَلَب العِلْم، مُشَمِّرًا عنْ سَاقِ الاجْتِهاد، فقَرأ على المُتَصدِّرين بها إذ ذاكَ من الأئِمَّة، كالأسْتَاذ العَارِف الشَّيخ عَبْدِ الغنيَّ النَّابُلُسيِّ الحَنَفيِّ، والشَّمْس محمد بن عَبْد الرَّحمن الغَزِّيِّ الشَّافعيِّ، وأخَذَ الفِقْهَ عن جَمَاعةٍ كالشَّيخ عَبْد القَادِر التَّغلِبِيِّ، والشَّيْخ مُصْطَفى بن عَبْد الحقَّ اللبديِّ، وأخذ التفسير والحَدِيث عمَّن ذُكرَ، وعن العَلَّامة الشِّهاب أحمد بن علي المنينيِّ، والشَّيخ عَبْد الرَّحمن السليميِّ الشَّهِيْر بالمجلد، والشَّيخ مُصْطَفى السِّوارِيِّ خادم المحيا الشريف النَّبَوي بِدِمَشْق، وانْتَفَعَ ونَفَع، وسَادَ وبَرَع، وبعد أنْ امتلأتْ صَدَفَتُه بِجَواهر العُلُوم، وطَفَح حَوْضُه بماء الفُهُومَ، رَجَعَ من دِمَشْق إلى قَرْية سفارِين، واسْتَقَام بها مُدَّةً، ثم ارْتَحَل منها إلى مدينة نابُلُس، وتَوَطَّنها إِلى وَفَاته. وكان ﵀ جَليلًا جَميلًا، صاحب سمْت وَوَقَار، وَمَهَابةٍ واعْتِبارٍ، وكان كَثير العِبَادَة والأوْراد، مُلازِمًا على قِيَام اللَّيْل، يحثُّ الناس دائمًا عَليْه، وكانت مُجَالَسَتُه لا تخلو من فَائدةٍ، وكان يَشْغَل أوقَاتهُ بالإفادَة والإستِفَادَة، ويَطْرَحُ المَسَائل على الطُّلَّاب والأَقْران، وتَدُور بَيْنَهُم وبَيْنَه المُحَاوَرَات المُفِيْدة، وكان صادِعًا بالحَقِّ، لا يُمَاري فيه ولا يَهَاب، بل كان يَهَابُهُ الجَمْيع من أعْيَان بَلَدِهِ وأُمَرَائها، يأمُر بالمَعْرُوْف، ويَنْهى عن المُنْكر، وكان خَيِّرًا جَوادًا، لا يَقْتَني شيئًا من الأمْتِعة والأسْبَاب الدنيويَّة سوى كُتُبِ العِلم، فإنه كان حَرِيصًا على جَمْعها، ويقول دائمًا: أنا فَقِيْر من الكُتُب، وكان يُنْفق كُلَّ ما يَدْخُل يَده من الدُّنيا، وعاش مُدَّةَ عُمُره في بَلدِهِ عَزِيزًا مُوَقَّرًا مُحتَشِمًا. وألَّف التآليف العَدِيْدة، وصَنَّف الأجْوِبَة السَّدِيدَة، فمن تآليفه: "شَرْح ثلاثيَّات مُسْنَد الإمام أحمد" في مُجَلَّد ضَخْم، و"مَعَارج الأَنْوار في سِيْرة النَّبِيِّ المُخْتَار" شَرْحٌ على نُونيَّة الصَّرصَرِيِّ، مُجلَّدان، و"تَحْبِيْر الوَفَا في سِيْرة المُصْطَفى" مُجَلَّد، و"وغِذَاء الألْبَاب شَرْح مَنْظُومة الآداب" مُجَلَّد ضَخْم، و"البُحُور الزاخِرَة في عُلُوم الآخرة" مُجَلَّد ضَخْم، و"كَشْف اللِّثَام شَرْح عُمْدَة الأحْكام"، "نَتَائج الأفْكار شَرْح حَدِيث سَيِّد الاستغفار"، و"الجَواب المُحَرَّر في الكشف عن حَال الخَضِر والإسْكَنْدَر"، و"عَرْف الزَّرنب في شأن السَّيِّدَة زَيْنَبَ"، و"القَوْل العَلي في شَرح أثر أمِيْر المُؤْمِنيْن عَلِي ﵁"، و"شَرْحِ مَنْظُومَةِ الكَبَائر" الواقِعَة في الإقناع، و"شرْح نَظْم الخَصَائص" الواقعة فيه أيضًا، و"الدُّرُّ المُنْظَّمُ في فضل شهر الله المُحَرَّم"، و"قرع السِّيَاط في قَمْع أهْل اللِّوَاط"، و"المِنح الغرَاميَّة شَرْح مَنْظومَة ابن فَرَح اللَّامِية"، و"التَحْقِيقُ في بُطْلان التَّلْفِيْق"، و"لَوَائح الأَفْكار السَّنِيَّة في شَرْح مَنْظُومة أبي بَكْر بن أبي دَاوُد الحَائيَّة" مجَلَّد، و"تُحْفَة النُّسَّاكِ في فَضَل السِّوَاك"، "الدُّرَة المُضْيَّة في عَقْد الفُرْقَة المَرْضِيَّة"، و"لَوَائِح الأَنوار البَهِيَّة وسَوَاطِع الآثار الأَثرِيَّة"، و"شرح الدُّرَّة المُضِيَّة" مُجَلَّد ضَخْم و"تفاضل العمَّال بشرح فضائل الأعْمال"، و"الدُّرُّ المَصْنُوعَات في الأحاديث المَوْضُوعَات"، و"رسالةٌ في بَيَان الثَّلاث وسَبْعين فِرْقِة والكَلَام عَلَيْها"، و"اللُّمْعَة في فضائل الجُمعَة"، و"الأجوبة النجديَّة عنِ الأسئلة النَّجْديَّة"، "الأجوبة الوَّهْبِيَّة عن الأسئلة الزُّعْبِيَّة"، و"شَرْح دَليْل الطَّالِب"، لم يكمل، و"نغْزِية اللَّبيْب بأحَبِّ حَبيْب" وغير ذلك، أما الفَتَاوى التي كَتَب عليها الكُرَّاس والأقل والأكثر، فكثيرةٌ جِدًّا، ولَو جُمِعَتْ لبَلَغَت مجلَّداتٍ، وبالجُمْلَة فَقَد كان غُرَّة عَصْره، وشَامَةَ دهْره ومِصْره، لم يُخَلِّف بَعْده مِثْله، وكان يُدْعَى للمُلِمَّات ويُقْصد لتَفْريْجِ المِهِمَّاتِ، جَسُورًا على رَدْع الظَّالِمِيْن، وزَجر البَاغِين، إذا رَأى مُنْكرًا أخَذَتْه رِغْدةٌ، وعَلَا صَوته من الحِدَّة، وإذا سَكَن غَيْظُه، وبَرَد قَيْظُه، يَقْطُر رِقَّةً ولَطَافةً، وحَلَاوةً وظَرَافَةً، وله البَاعُ الطَويلُ في عِلْم التَّاريخ، وحَفِظَ وقائع المُلُوك والأُمَرَاء، والعُلَماء والأدَبَاءِ، وكان يَحْفَظ من أشعار العَرَب العرباء. والمُوَلَّدين شَيئًا كَثِيرًا، وله في الشَّعر في المُراسَلات، والمَغْزَليَّات، والوَعَظِيَّات، والمَرْثِيَّات شيءٌ كثيرٌ، وكانت وَفَاته في مَدينة نابُلُس في شَوَّال، سنةَ ثمانٍ وثمانين ومِئةٍ وألْفٍ، ودُفِنَ من يَوْمه في تُرْبَتها الشَّمالية، وقَبْره ظاهرٌ يُزَار. انتهى المُرادُ منه، مع حَذْف أشْعارٍ له أوْرَدها هناك. وذكره المُرَاديُّ في "سلْك الدُّرَر" (¬١) بترجمةٍ طويلةٍ جدًّا، وصاحب "السُّحُب" (¬٢) وغَيْرهم.