page 1087, entry [1760]Open original source
١٥٥٣ - (ت ٧٢٨ هـ): أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام بن عبد الله بن الخَضِر بن محمد بن الخَضِر بن علي بن عبد الله بن تيمية، الحَرَّاني، الحنبلي، تقي الدين، الرَّبَّاني . إمامُ الأئمة، ومفتي الأُمة، وبحر العلوم، وسيد الحُفَّاظ وفارس المعاني والألفاظ، وفريد العصر، وقريع الدهر شيخ الإسلام، وقُدوَةُ الأنام عَلَّامَةُ الزَّمان، وتَرْجمان القرآن، عَلَمُ الزُّهَّاد، وأوحد العُبَّاد، قامعُ المبتدعين، وآخر المجتهدين، نزيلُ دمشق، وصاحبُ التصانيف التي لم يُسبَق إلى مثلها، وابن تيمية عُرِفَ به، وهو على ما قيل: إِن جَدَّه محمد بن الخَضِر حَجَّ وله امرأةٌ حامِلٌ، ومرَّ على باب درب تيماء فمر هناك جارية طفلة قد خرجت من خِباء، فلما خَرَج إلى حَرَّان وَجَدَ امرأتَه قد ولدت بنتًا فلمَّا رآها قال: يا تيمية فلقب بذلك، وقال ابن النجار: ذُكر لنا أنَّ محمدًا هذا كانت أمه تسمى تيمية، وكانت واعظة فنسب إليها، وعُرِفَ بها. ولد أحمد هذا، بِحَرَّان يومَ الاثنين عاشر شهر ربيع، وقيل: ثاني عشر ربيع الأَوَّل سنةَ إحدى وستين وست مئة، وقدِمَ مع والده وأهله إلى دمشقَ، وهو صغيرٌ، وكانوا قد خرجوا من بلاد حَرَّان مهاجرين لسبب جَوْرِ التتار فساروا بالليل ومعهم الكتب على عجلة لعدم الدَّواب فكاد العَدُوُّ يلحقهم، ووقعت العجلة فابتهلوا إلى الله تعالى فَنَجَوا، وسَلِمُوا، وقدموا دمشقَ في أثناء سنة سبعٍ وستينَ، فسمعوا من الشيخ زين الدين أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي جزءَ ابنِ عَرَفة وغيره، وسمع تقيُّ الدين الكثيرَ من ابن أبي اليُسْر، والكمال ابن عيد، والشمس الحنبلي، والقاضي الشمس بن عطاء الحنفي، والكمال بن الصَّيْرَفي، والمجد ابن عساكر والنجيب المقداد، وابن أبي الخير، وابن علان، وأبي بكر الهَرَوي، والكمال عبد الرَّحيم، والفخر بن البُخَاري وابن شيبان، والشرف بن القَّوَاس، وزينب بنت مكي والقاسم الإِرْبِلي، وإبراهيم بن الدرجي، وخلق كثير، وشيوخُهُ الذين سَمِعَ مِنهُم أزْيَدُ من مئتي شيخ. وسمع "مسند الإِمام أحمد" مَرَّاتٍ، و"معجم الطبراني الكبير"، والكتب الكبار، والأجزاء، وعُنِيَ بالحديث، وقرأ بنفسه الكثير، ولازم السَّماع مُدَّةَ سنين، وقرأ الغَيلانيات في مجلس، ونَسَخَ، وانتقى، وكتب الطباق والأثبات، وتَعَلَّم الخَطَّ، والحِسَاب في الكتب، واشتغل بالعلوم، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ أيَّامًا في العَرَبِية على ابن عبد القوي، ثم فهمها وأتقنها، وأخذ يتأمَّل "كتابَ سيبويه" حتى فهمه، وبرع في النحو وأقبل على التفسير إقبالًا كُلِّيًا حتى حاز فيه قَصَبةَ السَّبْق، وأخذ الفقه والأصول عن والده وعن الشيخ شمس الدين بن أبي عمر، والشيخ زين الدين بن المُنَجَّا، وبرع في ذلك وناظر، وأحكم أصول الفقه والفرائض وغير ذلك، هذا كله وهو ابن بضع عشرة سنة فابتهر الفضلاء من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه وقوة حافظته، وسرعة إدراكه. نشأ في تَصَوُّفٍ تامٍ، وعفافٍ وتَأَلُّهٍ، واقتصاد في الملبس والمأكل، ولم يزل على ذلك خَلْقًا وخُلُقًا، صالحًا، بَرًّا بوالديه، تقيًا، وَرِعًا، عابدًا، ناسكًا، صَوَّامًا، قَوَّامًا، ذاكرًا لله تعالى في كل أمر، وعلى كل حال، رَجَّاعًا إلى الله تعالى في سائر الأحوال والقضايا، وَقَّافًا عند حدود الله وأوامره ونواهيه، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، لا تكادُ نفسهُ تشبع من العِلْم، ولا تروى من المطالعة، ولا تَمَلُّ من الاشتغال، ولا تكل من البحث، وقلَّ أنْ يدخل في علم من العلوم في باب من أبوابه إلَّا فتح من ذلك الباب أبوابًا، ويستدرك أشياء في ذلك العلم على حُذَّاقِ أهْلِه، وكانَ يحضر المجالس والمحافل في صغره، فيتكلم ويناظر ويفحم الكبار، ويأتي. بما يتحير منه أعيان البلد في العلم، وأفتى وله نحو سبعَ عشرةَ سنة، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، ومات والده وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم، ودَرَّسَ بعده بوظائف، وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر أمرُه، وبَعُدَ صِيْتُهُ في العالَم، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيَّام الجمع على كرسي من حفظه، فكان يُورِدُ ما يقوله من غير توقف ولا تلعثم، وكان يورد الدروس كذلك بتؤدةٍ وصوتٍ جَهْوَرِي فصيحٍ، وحَجَّ سنة إحدى وتسعين، وله ثلاثون سنة، ورجع وقد انتهت إليه الإِمامة في العلم والعمل، والزُّهْد والصَّلاح، والوَرع والشجاعة، والكرم والتواضع، والحلم والأَناة، والجلالة والمهابة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع الصدق والأمانة، والعِفَّةِ والصِّيانة، وحُسْنِ القصد والإِخلاص، والابتهال إلى الله تعالى، وشدة الخوف منه، ودوام المراقبة له، والتمسك بالأثر، والدُّعاء إلى الله تعالى، وحسن الأخلاق، ونفع الخَلْق، والإِحسان إليهم، وكان سَيفًا مسلولًا على المخالفين، وشجىً في حلوق أهل الأهواء والمبتدعة، وإمامًا قائمًا ببيان الحق ونصرة الدين، طَنَّتْ بذكره الأمصار، وضَنَّتْ بمثله الأعصار. قال المِزِّيُّ: ما رأيت مثلَه، ولا رأى هوَ مثلَ نفسهِ، وما رأيت أحدًا أعلمَ بكتاب الله وسُنَّة رسوله، ولا أتبعَ لهما منه. وقال الزَّمَلْكاني: كان إذا سُئِلَ عَنْ فَن من الفُنون ظَنَّ الرائي أو السَّامع أَنَّه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أنَّ أحدًا لا يعرف مثله، وكان الفقهاءُ من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا منه في سائر مذاهبهم ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يُعْرَف أنَّه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العُلوم سواءٌ كان من علوم الشَّرْع أو غيرها إلَّا فاقَ فيه أهْلَهُ والمنسوبَ إليه، وكانت له اليدُ الطُّولى في حُسْنِ التصنيف وجودة العبارة، والترتيب، والتقسيم والتبين. ووقعت مسألة فرعية في قسمةٍ جرى فيها خلافٌ بين المفتين في العصر، فكتب فيها مجلدةً كبيرةً، وكذلك وقعت مسألة في حَدٍّ من الحدود فكتب فيها مجلدةً كبيرة، ولم يخرج في كل واحدة عن المسألة ولا طَوَّلَ في تخليط الكلام والدخول في شيء والخروج من شيء، وأتى في كل واحدة بما لم يكن يجري في الأوهام والخواطر، واجتمعت شروط الاجتهاد فيه على وجهها، وقد أثنى عليه خلقٌ من شيوخه ومن كبار علماء عصره كالشمس ابن أبي عمر، والتاج الفزاري، وابن مُنَجَّا، وابن عبد القوي، والقاضي الجوني، وابن دقيق العيد، وابن النَّحاس، وغيرهم. وقال عمادُ الدين الواسِطيُّ في أثناءِ كلام لهُ فيه: واللهِ ثُمَّ واللهِ لم أرَ تحتَ أديمِ السَّماءِ مِثلَه علمًا وعملًا، وجمالًا وخلقًا، واتباعًا وحلمًا، وكرمًا وقيامًا في حق الله تعالى عند انتهاك حرماته، ثم أطال في الثناء عليه، وقد امتُحِنَ ونصره الله على أعدائه، ولنذكر بعض ذلك، وبعض ما حصل له إلى حينِ وفاتهِ من الأمور والمِحَنِ والتنقلات وذلك يحتاج إلى مجلداتٍ، ولكن نشير إلى المهم من ذلك، كقيامه في نوبة غازان سنة تسعٍ وتسعين وست مئة، وقيامه بأعباء الأمر بنفسه، واجتماعهِ هو بنائبه حالْموْمْشَاه، وبتولاي، وإقدامه وجرأته على المَغُول، وعظيم اجتهاده، وفعله الخير من إنفاق الأموال وإطعام الطعام، ودفنِ الموتى، ثم توجهه بعد ذلك إلى الديار المِصْرية، وسوقهِ على البريد إليها في جمعة لما قدم التتار إلى أطراف البلاد، واشتد الأمر بالبلاد الشامية، واجتماعه بأركان الدولة، واستصراخهِ بهم، وحَضَّهم على الجهاد، وإخبارهِ لهم بما أعَدَّهُ الله للمجاهدين من الثواب وإبدائهم في العذر في رجوعهم وتعظيمهم له، وتردد الأعيان إلى زيارته واجتماعِ ابن دقيق العيد به وسماعهِ كلامَه، وثناؤُه عليه الثَّناءَ العظيم، وتوجهه بعد أيام إلى دمشق، واشتغالهِ بالاهتمام لجهادِ التتار، وتحريضهِ الأمراء على ذلك إلى وُرود الخبر بانصرافهم، وقيامهِ في وقعة شقحب المشهورة سنة اثنتين وسبع مئة، واجتماعهِ بالخليفة والسُّلطان، وأرباب الحَلِّ والعَقْدِ، وأعيان الأمراء وتحريضِه لهم على الجهاد، وموعظته لهم، وما ظهر في هذه الوقعة من كراماته وإجابة دعائه وعظيم جهاده، وقوة إيمانه وشِدَّة نُصْحِه للإِسلام، وفرط شجاعته ثم توجهه بعد ذلك في آخر سنة أربع لقتال الكسروانيين وجهادهم واستئصال شأفتهم، ثم مناظرته للمخالفين في سنة خمس في المجالس التي عُقِدَتْ بحضرة نائبِ السَّلْطَنَة الأفْرَم، وظهوره عليهم بالحُجَّةِ والبيان ورجوعهم إلى قوله طائعين ومكرهين، ثم توجهه بعد ذلك في السَّنَة المذكورة إلى الدِّيار المِصْرِيَّة في صحبةِ قاضي الشافعية، وعقد له مجلسٌ حينَ وصولِه بحضورِ القضاة، وأكابر الدولة، ثم حبسِهِ في الجب بقلعة الجبل ومعه أخواه سنةً ونصفًا، ثم خروجِه بعد ذلك وعقدِ مجلسٍ له لخصومتهم، وظهوره عليهم ثم إقرائهِ للعلم، وبَثَّهِ ونَشْرِه، ثم عُقِدَ له مجلسٌ في شوال سنة سبعٍ لكلامه في الاتحادية، وطعنه فيهم ثم الأمر بتسفيره إلى الشَّام على البريد ثم الأمر بِرَدِّهِ من مرحلة، وسجنه بحبس القضاة سنة ونصفًا، وتعليمه أهل الحَبْسِ ما يحتاجون إليه من أمورِ الدين ثم إخراجه منه، وتوجهِه إلى الإِسْكَنْدَريَّة، وجعلِه في برجِ حُبس فيه ثمانيةَ أشهرٍ يدخل إليه مَنْ شاء، ثم توجهِه إلى مِصْرَ واجتماعه بالسلطان في مجلس حضر فيه القضاة، وأعيان الأمراء، وإكرامه له إكرامًا زائدًا عظيمًا، ومشاورتهِ له في قتل بعض أعدائه، وامتناع الشيخ من ذلك، وجعله كُلَّ من آذاه في حل، ثم سُكْنَاه بالقاهرةِ، وعوده إلى نشر العلم، ونفع الخلق، وما جرى بعد ذلك من قضية البكري وغيرها، ثم توجه بعد ذلك إلى الشام صحبة الجيش المنصور قاصدًا العراق بعد غيبته عن دمشق سبع سنين وسبع جمع، وتوجهِه في طريقه إلى بيت المقدس، ثم ملازمتِه بعد ذلك بدمشق إلى نشر العلم، وتصنيف الكتب، وإفتاء الخلق، إلى أنْ تَكَلَّمَ في مسألة الحَلِفِ بالطَّلاق، وأشار عليه بعضُ القضاة بترك الإِفتاء بها في سنة ثمانِ عشرة، فقبل إشارته، ثم وَرَدَ كتابُ السُّلْطَان بعد أيامٍ بالمنع من الفتوى فيها، ثم عاد الشيخ إلى الإِفتاء بها، وقال: لا يَسَعُنِي كتمانُ العِلْم، وبقي كذلك مُدَّةً إلى أَنْ حَبَسوهُ بالقلعة خمسةَ أشْهُرٍ وثمانيةَ عشر يومًا، ثم أُخرج ورجع إلى عادته من الاشتغال والتعليم، ولم يزل كذلك إلى أن ظفروا له بجوابٍ يتعلقُ بمسألة شد الرَّحال إلى قبور الأنبياء والصَّالحين، كان قد أجاب به من نحو عشرينَ سنة، فشَنَّعُوا عليه بسبب ذلك وكبُرت القضية، ووَرَدَ مرسومُ السُّلْطان في شعبان سنةَ ستٍّ وعشرين بجعله في القلعة فأُخْليت له قاعةٌ حسنةٌ، وأُجريَ بها الماء، وأقام فيها ومعه أخوه يخدمه، وأقبل هذه المدَّة على العبادة والتلاوة وتصنيف الكتب والرد على المخالفين، وكتب على تفسير القرآن جملةً كبيرةً تشتمل على نفائسَ جليلةٍ، ونكتٍ دقيقةٍ، ومعانٍ لطيفةٍ، وأَوْضَح مواضِعَ كثيرة التبست على خلق من المفسرين، وكتب في المسألة التي حُبِسَ من أجْلها مجلداتٍ عديدةٍ، وظهر بعض ما كتبه واشتهر، وآلَ الأمرُ إلى أنْ مُنع من الكتابة والمطالعة، وأخرجوا ما عِنْدَه من الكتب، ولم يتركوا دَوَاةً ولا ورقةً ولا قلمًا، وكتبَ عقيبَ ذلك بفحم يقول: إنَّ إخراج الكتب من عنده من أعظم النِّقم، وبقي أشهرًا على ذلك وأقبلَ على التلاوة، والعبادة، والتهجد، حتى أتاه اليقين، فلم يفجأ النَّاسَ إلا نَعْيُه، وما علموا بمرضه، وكان مرض عشرينَ يومًا فأسِفَ النَّاسُ عليه، وحضر جمعٌ كثيرٌ إلى القلعة، فأُذِنَ لهم في الدخول، وجلس جماعةٌ عنده قبل الغسل، وقرأوا القرآن وتبركوا برؤيته، ثم انصرفوا، وحضر جماعةٌ من النِّساء ففعلن مثل ذلك وانصرفن، واقْتُصِرَ على مَنْ يُغَسِّلُهُ ومَنْ يُعِيْنُ في غسلهِ، ثم أُخرجَ واجتمع النَّاس بالقلعة والطريق إلى جامع دمشق، وامتلأ الجامعُ وصَحْنُه والكلَّاسة، وباب البريد، وباب السَّاعات إلى باب اللبادين والفواره وأحْضِرت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار، ووضعت في الجامع والجندُ يحفظونها من النَّاس من شِدَّةِ الزِّحام، وصلي عليه أولًا بالقلعة، تقدم في الصَّلاة عليه محمد بن تمام، ثم صُلِّي عليه بجامع دمشق عقيبَ صلاةِ الظهر، وحمل من باب البريد واشتد الزِّحام، وألقى النَّاسُ على نعشِه مناديلَهم، وعمائمهم للتبرك، وصار النَّعْشُ على الرؤوس تارةً يتقدم وتارة يتأخر، وخرج الناسُ من الجامع من أبوابه كُلِّها من شِدَّةِ الزِّحَام، وعَظُمَ الازدحام بسوق الخيل، وتقدم للصَّلاة عليه هناك أخوه الزَّين، وحُمِل إلى مقبرة الصوفية، فدفن هناك بجانب أخيه الشرف، وكان دَفْنهُ وقت العصر، وغلق النَّاسُ حوانيتهم، ولم يتخلف عن الحضور إلَّا القليل، وحَضَرَ من الرجال والنِّساء أكثرُ من مئتي ألف، وكان وقتًا مشهودًا، وخُتِمَتْ له ختمٌ كثيرةٌ بالصَّالحية والبلد، وتردَّدَ النَّاس إلى قبره، ورُؤِيَتْ له مناماتٌ حسنةٌ كثيرةٌ، ورثاه النَّاسُ بقصائد جَمَّةٍ، وكانت وفاتُه ليلةَ الاثنين العشرين من ذي القعدة سنةَ ثمانٍ وعشرينَ وسبع مئة ﵀ ورضي عنه. وقد ذكر جميعَ ما تقدم ابنُ عبد الهادي (¬١)، وابن شاكر (¬٢)، ولعلنا أتينا في هذه الترجمة المختصرة بما يكون فيه، بلاغٌ لمحبيه، وحُجَّةٌ على مخالفيه الواقعين فيه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وقد اكتفينا بالإِشارة إلى ذلك كله، فمن أراد شرحَ ما أشرنا إليه، والاطلاع على سيرة هذا الإِمام، فليرجع إلى ما أُلف فيه، فقد أفردَهُ غيرُ واحدٍ من الفضلاء بالتصنيف: كابن عبد الهادي في مجلد، وأبي علي البزار البغدادي في مجلد، وصفي الدين بن البخاري، ومرعي بن يوسف في مجلد، وابن كثير في مجلدين، وابن ناصر وغيرهم، وذكره غيرهم في كتبهم في التراجم مثل الذَّهَبِيُّ، والبِرْزَالِيُّ، وابن رافع، وابن الزَّملَكاني، وابن رجب، وابن العماد، وابن شاكر، وكاتب السِّر محمود في "تاريخه"، وابن سَيِّد النَّاس، وابن حجر وغيرهم، وهذه الكتب أكثرها مطبوعةٌ ومنتشرةٌ، ولذلك أضربنا عن التطويل اكتفاءً بها. أما مصنفاته ﵀ فقال ابنُ عبد الهادي: لا أعلم أحدًا من المتقدمين ولا من المتأخرين جمعَ ولا صَنَّفَ نحو ما صنف، ولا قريبًا من ذلك مع أنَّ تصانيفَه كان يكتب كثيرًا منها من حفظه، وكتب كثيرًا منها في الحَبْس وليس عندَه ما يحتاج إليه ويراجعه من الكتب، وقد ألَّفَ الرِّسالة الحَمَوِيَّة سنة ثمانٍ وتسعينَ في قعدةٍ بين الظُّهر والعصر، وهو جوابُ سؤالٍ وَرَدَ من حَمَاة في الصفات، وقد قيل: إنَّ تصانيفَه تبلغُ ثمان مئة مجلدٍ وقيل: خمس مئة مجلدٍ، وهو المعروف المسمى مما سنذكر بعضه عَدَا ما يكتبه من أجوبةٍ وسؤالاتٍ كان يُسأل عنها فيجيب عنها نثرًا أو نظمًا، وليس هذا محلُّ إيراد ذلك، وأشياء لم تصل إلينا ولم يصل إلينا ذِكْرُها، ولا أسماؤها. فمن تصانيفه التي سارت بها الرُّكْبان منها: "قاعدة في الاستعاذة"، "قاعدة في البسملة"، "الكلام على الجهر بالبسملة"، "قاعدة في إياك نعبد وإيَّاك نستعين"، قطعة كبيرة من سورة البقرة في قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، قطعة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، قطعة في قوله ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، قطعة في آية الكرسي، قطعة في ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، قطعة في ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وغير ذلك من تفسير آل عمران، تفسير المائدة مجلد، قطعة في ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ قطعة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾، تفسير سورة يوسف، تفسير سورة لم يكن، تفسير سورة النور، تفسير سورة القلم، تفسير سورة الكافرون، تفسير سورة تبت، تفسير المعوذتين، تفسير الإِخلاص، كتب الأصول، "الاعتراضات المِصْريَّة على الفتوى الحَمَوِيَّة" أربع مجلدات، "الرَّدُّ على تأسيس التقديس"، "شرح أول المحصول" مجلد، شرح بضع عشرة مسألة من الأربعين للفخر تعارض العقل والنقل أربع مجلدات، جواب ما أوْرَدَ كمالُ الدين بن الشريشي مجلد، "الجواب الصَّحيح في الرَّدِّ على مَنْ بَدَّلَ دينَ المسيح" ردًا على النصارى أربع مجلدات، "منهاج الاستقامة" مجلد، "شرح عقيدة الأَصْفَهَاني" مجلد، "شرح أوَّل كتاب الغزنوي" في أصول الدين مجلد، "الرَّدُّ على المنطق" مجلد، "الزواجر" جزء، "الرَّدُّ على الفلاسفة" أربع مجلدات، "قاعدة في القضايا الوهمية"، "قاعدة في قياس ما لا يتناهى"، "جواب الرِّسالة الصفدية"، "جواب في قول بعض الفلاسفة إنَّ معجزات الأنبياء قوى نفسانية" مجلد كبير، "إثبات المعاد"، و"الرَّدُّ على ابن سينا"، "شرح رسالة ابن عبدوس" في كلام الإِمام أحمد في الأصول "ثبوت النبوات عقلًا ونقلًا"، "المعجزات والنبوات" مجلد، "قاعدة في الكليات" مجلد، "الرِّسالة القبرصية"، "الرسالة الطبرستانية"، "الرَّسالة البَعْلَبَكِّيَّة"، "الرسالة الأزهرية القادية"، "البغدادية"، "أجوبة القرآن والنطق"، "إبطال الكلام النفساني" من ثمانين وجهًا، "مَنْ حلف بالطلاق الثلاث إنَّ القرآن حرفٌ وصَوْتٌ"، "إثبات الصِّفات والعلو والاستواء" مجلدان، "المواكِسِيّة"، "الكمال والضابط" "جواب في الاستواء وإبطال تأويله بالاستيلاء"، "جواب مَنْ قال: لا يمكن الجمع بين إثبات الصِّفَات على ظاهِرها"، "جامع نفي التشبيه"، "أجوبة كون جهة السماء كروية"، "سبب قصد القلوب العلو"، "جواب كون الشيء في جهة العلو مع كونه ليس بجوهر ولا معروض معقول أو مستحيل"، جواب هل الاستواء والنُّزُولُ حقيقةٌ، وهل لازمُ المذهب مذهب" "مسألة أهل الإِرْبِلِيَّة"، "مسألة النُّزُول باختلاف وقته وباختلاف البلدان والمطالع، "شرح حديث النزول" مجلد، "بيان حل إشكال ابن حزم الوارد على الحديث"، "قاعدة في قرب الرَّب من عابديه وداعيه" مجلد، "الكلام على نقض المرشد"، "المسائل الإِسْكَنْدَرية في الرد على الاتحادية والحلولية" "ما تضمنه خصوص الحكم"، "جواب في لقاء الله تعالى"، "جواب في رؤيا النِّساء رَبَّهُنَّ في الجنة"، "الرِّسالة المدنية في إثبات الصِّفات النقلية"، "المهلادونية"، جواب ورد على لسان ملك التتار مجلد، "قواعد في إثبات الرَّد على القدرية والجبرية" مجلد، "الرَّدُّ على الرافضة والإِمامية وعلى ابن المطهر" أربعِ مجلدات، "جواب في خلق إرادة الله تعالى لخلق الخلق وإنشاء الأنام لِعِلَّة أو لغير عِلَة"، "شرح حديث فحج آدم موسى"، "تنبيه الرَّجل العاقل على تمويه المجادل" مجلد، "تنامي الشدائد في اختلاف العقائد" مجلد، "كتاب الإِيمان" مجلد، "شرح حديث جبريل في الإسلام" مجلد، "عصمة الأنبياء فيما يُبَلَّغُونَه"، "مسألة في العقل والرُّوح"، "مسألة في المقربين هل يسألهم منكر ونكير"، "مسألة هل يعذب الجسد مع الرُّوح في القبر"، "الرَّدُّ على أهل الكسروان" مجلد، "تفضيل أبي بكر وعمر على غيرهما" مجلد، "قاعدة في تفضيل معاوية وفي ابنه يزيد"، "كتاب تفضيل صالحي النّاس على سائر الأجناس"، "كتاب في كفر البصرية وفي جواز قتال الرافضة" كتاب "في بقاء الجنة والنَّار وفي فنائهما"، كتب أصول الفِقْه، "قاعدة غالبها أقوال الفقهاء" مجلدان، "قاعدة كل حمد وذم من الأقوال والأفعال لا يكون إلا بالكتاب والسنّة"، "شمول النصوص" للأحكام" مجلد، "قاعدة في الإِجماع وأنه ثلاثة أقسام"، "جواب في الإِجماع والخبر المتواتر"، "قاعدة في كيفية الاستدلال على الأحكام"، "قاعدة في النَّص والإِجماع"، "قاعدة في الرَّدِّ على مَنْ قال: إنَّ النُّصوص اللفظية لا تفيد اليقين"، "قاعدة فيما نصَّ مِنْ تعارض النَّص والإِجماع"، "مؤاخذات على ابن حزم في الإِجماع"، "قاعدة في تقرير القياس"، "قاعدة في الاجتهاد والتقليد في الأحكام"، "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، "قاعدة في الاستحسان في وصف العموم والإِلحاق والإِطلاق"، "قاعدة في أنَّ المخطئ في الاجتهاد لا يأثم"، "قاعدة هل القاضي يجب عليه تقليد مذهب معين"، "جواب في ترك التقليد"، "جواب فيمن يقول مذهبي مذهب النبي ﷺ وليس أنا محتاج إلى تقليد الأربعة"، "جواب مَنْ تَفَقَّه في مذهب ووجد حديثًا صحيحًا هل يعمل به أمْ لا"، "جواب تقليد الحنفي الشافعي في المطر والفتح على الإمام في الصَّلاة"، "تفضيل قواعد مالك وأهل المدينة"، "تفضيل الأئمة الأربعة وما امتاز به كُلُّ واحدٍ منهم"، "قاعدة في تفضيل الإمام أحمد"، "جواب هل كان النبي ﷺ قبل الرِّسالة نبيًا"، "جواب هل كان النبي ﷺ مُتعبَّدًا بشرع مَنْ قبله"، "قواعد أنَّ النهي يقتضي المُضَادَّة"، كتب الفقه "شرح المحرر في الفقه" لم يبيضه عدة مجلدات، "شرح العمدة في الفقه" كتب منه أربع مجلدات، "جواب مسائل وردت من أصْفَهَان"، "جواب مسائل وردت من الصلْت"، "جواب مسائل وردت من بغداد"، "جواب مسائل وردت من زرع"، "جواب مسائل من الرحبة أربعين مسألة"، "الدرة المُضِيَّة في فتاوى ابن تيمية"، "المازدانية"، "الطرابلسية"، "قاعدة في المياه والمائعات وأحكامها"، "طهارة ما يؤكل لحمه"، "قاعدة في حديث القلتين وعدم رفعه"، "قواعد في الاستجمار"، "تطهير الأرض بالشمس والريح"، "جواز الاستجمار مع وجود الماء"، "نواقض الوضوء"، "قواعد في عدم نقضه بلمس النساء"، "التسمية على الوضوء"، "القول بجواز المسح على الخفين المنخرقين والجوربين واللفائف"، "جواب فيمن لا يُعطي أجرة الحَمّام"، "تحريم دخول النساء الحمام بلا مئزر"، "ذم الموسوسين"، "جواز طواف الحائض"، تيسير العبادات لأرباب الضرورات بالتيمم والجمع بين الصلاتين للعذر"، "كراهية التلفظ بالنية وتحريم الجهر بها في الأذكار"، "كراهية تقديم المصلي سجادة تُبْسَط له قبل مجيئه"، "الكَلِمُ الطَّيِّبُ"، "جواب في الرَّكعتين اللتين قبل الجمعة"، "في الصَّلاة بعد الأذان"، "القنوت في الصبح والوتر"، "تارك المثاني وكفره"، "الجمع بين الصلاتين في السفر"، "فيما يختلف حكمه في الحضر والسفر"، "أهل البدع هل يصلى خلفهم"، "صلاة بعض أهل المذاهب خلف بعض"، "الصلاة المبتدعة"، "تحريم السَّماع"، "تحريم الشبابة"، "تحريم اللَّعب بالشطرنج"، "تحريم الحشيشة المغيبة والحدّ عليها وتنجيسها"، "المشاركة في أعياد النصارى واليهود وإيقاد السُّرج في الميلاد ونصف شعبان وما يفعل في عاشوراء من الحُبُوب والنهي عن ذلك"، "قاعدة في مقدار الكَفَّارة باليمين"، "قاعدة في أنَّ المطلقة بالثلاث لا تحل إلّا بنكاح زوجٍ ثانٍ"، "بيان الحلال والحرام في الطلاق"، "جواب مَنْ حَلَفَ لا يفعل شيئًا على المذاهب الأربعة ثم طَلَّقَ ثلاثًا في الحيض"، "الفرق المبين في الطلاق واليمين"، "لمحة المقتطف في الفرق بين اليمين والحلف"، "كتاب التحقيق في الفرق بين الأَيمان والتطليق"، "الطلاق البدعي لا يقع"، "مسائل الفرق بين الطَّلاق البدعي والشرعي"، "مسائل جميع أيمان المسلمين مُكَفَّرَة"، "مناسك الحج"، "حجة النبي ﷺ"، "العمرة المكية"، "شهر السلاح بتبوك وشرب السويق وأكل التمر بالروضة"، "ما يلبس المحرم"، "زيارة الخليل ﵇ عقب الحج، وزيارة بيت المقدس مطلقًا"، "جبل لبنان كأمثاله من الجبال ليس فيه رجال الغيب والأبدال"، كتبه في أنواع شتى جمعت فجاءت ثلاثين مجلدًا سوى المفرد منها مثل "بطلان الفتوة" المصطلح عليها بين العوام وليس لها أصل متصل بعلي "كشف حال المشايخ الأحمدية وأحوالهم الشَّيطانية"، "ما يقوله أهل بيت الشيخ عدي"، "النجوم هل لها تأثير عند القِران والمقابلة وفي المقابلة هل يقبل قول المنجمين فيه ورؤية الأَهِلَّة" مجلد، "تحريم أقسام المعزمين بالعزائم المعجمة" وصرع الصحيح وصفة الخواتيم"، "إبطال الكيمياء وتحريمها ولو صَحَّت وراجت" هذا كلُّه قد ذكره ابنُ شاكر في "فوات الوفيات" (¬١). وذكر ابن رجب (¬٢) زيادة على ذلك منها "تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية" ست مجلدات كبار، "المحنة المصرية" مجلدان، "الرد على البكري في الاستغاثة" مجلد "الصَّارم المسلول في الرَّد على شاتم الرَّسول" مجلد، "بيان الدليل على بطلان التحليل" مجلد، "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم" مجلد، "التحرير في مسألة حفير" مجلد، "الرَّد على الأخنائي في مسألة الزيارة" مجلد، "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرَّعية" مجلد، "الفرقان بين أولياء الرَّحمن وأولياء الشيطان" مجلد، "الفرقان بين الحق والبطلان". وله غير ذلك كتفسير سورة ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ و"جواب أهل العلم والإِيمان فيما أخبر به رسول الرحمن من أنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدِلُ ثلثَ القرآن"، "والجواب الباهر في زُوَّار المقابر"، و"جوامع الكلم في الحديث"، "نصيحة أهل الإِيمان في الرد على منطق اليونان"، وهو غير الأوَّل. وله غير ذلك مما يطول شرحها وتعدادها فرحمه الله رحمةً واسعة آمين.