page 526, entry [837]Open original source
٦٣٤ - (ت ٣٨٧ هـ): محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عَنْبَس بن إسماعيل، أبو الحسين المعروف بابن سَمْعُون الحنبلي . قال النابلسي (¬٤): كان أوحد دهره وفريد عصره في الكلام على علم الخواطر والإِشارات، دوّن الناس حكمه، وجمعوا كلامه، قرأ مختصر أبي القاسم الخرقي عليه وسمعه منه جماعة، أحدهم: الشيخ الزاهد أبو الحسن القزويني، وحدث به القزويني لجماعة، منهم: ابن عبد الجبار، وحدث به. وسمع ابن سمعون من عبد الله بن أبي داود السجستاني، ومحمد بن مخلد الدُّوري، وأبي محمد بن صاعد، ومحمد بن جعفر الطبري، وابن زبّان الدمشقي، في آخرين. حدث عنه: القاضي أبو علي بن أبي موسى، وأبو محمد الخلَّال، وعبد العزيز الأَزَجي، وابن حمدويه. وكان يحضر مجلسه أبو حامد الإِسفرائيني، وأبو إسحاق بن شاقلا، وأبو حفص البرمكي. وكان يملي كل يوم ثلاثاء، فإذا فرغ من الإِملاء صعد على الكرسي وتكلم. ولد سنة ثلاث مئة، وتوفي يوم النصف من ذي القعدة سنة سبع وثمانين وثلاث مئة، ودفن بداره في شارع العتابيين، ثم نقل سنة ست وعشرين وأربع مئة، ودفن في مقبرة أحمد بن حنبل. انتهى. وقال ابن العماد (¬١): هو الإِمام القدوة الناطق بالحكمة، الواعظ صاحب الأحوال والمقامات. روى عن أبي بكر بن أبي داود، وجماعة وأملى عدة مجالس. قال ابن خلكان: كان وحيد دهره في الكلام على علم الخواطر وحسن الوعظ وحلاوة الإِشارة ولطف العبارة، أدرك جماعة من المشايخ، وروى عنهم، منهم: الشيخ أيو بكر الشبلي وأنظاره، إلى أن قال: وله كل معنى لطيف، كان لأهل العراق فيه اعتقاد كثير، ولهم فيه غرام شديد، وإياه عنى الحريري صاحب "المقامات" في المقامة الحادية والعشرين، وهي الرَّازية، بقوله: رأيت بها ذات بُكْرة، زُمْرَة إثر زُمْرَةٍ، وهم مُنْتَشرون انتشار الجراد، ومُسْتَنُّون استنان الجِيَاد، ومُتَواصِفُون وَاعِظًا يقصدونه؛ ويُحِلُّون ابن سَمْعُون دونه. ولم يأت في الوعاظ مثله، دفن بداره في شارع العباس، ثم نقل يوم الخميس حادي عشر رجب سنة ست وعشرين وأربع مئة، ودفن بباب حرب، وقيل: إن أكفانه لم تكن بليت بعد رحمه، الله. انتهى ملخصًا. وقال ابن الأَهْدل: هو لسان الوقت المرجوع إليه في آداب الظاهر، يذهب إلى أسد المذاهب مع ما يرجع إليه من صحة الاعتقاد وصحبة الفقراء، وكان الباقلاني والإِسفرائيني يُقبَّلان يده ويُجلَّانه، وكان أول أمره ينسخ بالأجرة، ويبرُّ أمَّه، فأراد الحج فمنعته أمه، ثم رأت النبي ﷺ وهو يقول: دعيه يحج، فإن الخيرة له في حجه في الآخرة والأولى، فخرج مع الحاج، فأخذهم العرب وسلبوه، فاستمر حتى ورد مكة، قال: فدعوت في البيت، وقلت: اللهم إنك بعلمك غني عن إعلامك بحالي، اللهم ارزقني معيشة أشتغل بها عن سؤال الناس، قال: فسمعت قائلًا يقول: اللهم إنه ما يحسن يدعوك، اللهم ارزقه عيشًا بلا مشقة، فأعدت ثلاثًا وهو يعيد ولا أرى أحدًا. وروى الخطيب: أن ابن سمعون خرج من المدينة الشريفة إلى بيت الله ومعه تمر صيحاني، فاشتهى الرُّطب، فلما كان وقت الإِفطار إذا التمر رطبًا فلم يأكله، فعاد إليه من الغد فإذا هو تمر فأكله. انتهى المراد منه. وذكره ابن الجوزي في "صفة الصفوة" (¬١) بترجمة طويلة جدًا، وسأنقل منها ما يحسن نقله مما لم يتقدم. قال ابن الجوزي: قال الحسن بن محمد الخلَّال: قال لي أبو الحسين ابن سَمْعُون: ما اسمك؟ فقلت: حسن. فقال: قد أعطاك الله الاسم فسلْهُ أن يعطيك المعنى. وقال أبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن المظفر: سمعت ابن سمعون يقول: رأيت المعاصي دناءةً فتركتها مروءة، فاستحالت ديانة. وقال علي بن طلحة المقرئ: سمعت ابن سَمْعون يقول: كل مَنْ لم ينظر بالعلم فيما لِلّه عليه، فالعلم حجة عليه ووبال. وسمعته يقول: الصادقون الحُذَّاق هم الذين نظروا إلى ما بذلوا في جنب ما وجدوا، فصغر ذلك عندهم، فاعتذروا. وسمعته يقول: كل داء عرف دواؤه فهو صغير، والذي لم يعرف له دواء كبير. وسمعته يقول: اجهد يا هذا أن يُسرق منك ولا يُسرق لك. وسمعته يقول: احذروا الصغائر، فإن النُّقَط الصغار آثار في الثوب النقي. وسمعته يقول: إن من الوقاحة تمنَّيك مع توانيك، استوف من نفسك الحقوق، ثم وفِّها الحظوظ حسب ما يكفيها لا ما يُطغيها، قِفْها بين الجنة والنار تأباك الجنةُ بكل معنى وتقبلك النارُ بجملتك. وقال أبو بكر البرقاني: قلت لابن سمعون: أيها الشيخ إنك تدعو الناس إلى الزهد في الدنيا والترك، وتلبس أحسن الثياب وتأكل أطيب الطعام، فكيف هذا؟ فقال: كلُّ ما يصلحك فافعله، إذا صلح حالك مع الله، بلُبس ليِّن الثياب وأكل الطعام، فلن يضرك. وقد أطال ابن الجوزي ترجمة هذا الرجل ونقل عنه أشياء يطول شرحها، فنكتفي بهذا القدر، والله أعلم. ولابن سَمْعُون هذا تصانيف منها: "أمالي في الحديث"، و"مجالس في الوعظ"، وغيرها.