page 216, entry [165]Open original source
وأما المنامات التي رآها أحمد، أو رئي فيها، أو رئيت له: فقال عبد الله، قال أبي: رأيت ربَّ العزة ﷿، فقلت: يا رب، ما أفضل ما تقرب به المتقربون إليك؟ فقال: كلامي يا أحمد. قال قلت: يا رب بفهم أو بغير فهم؟ قال: بفهم وبغير فهم. وقال صدقة بن الفضل: أقبلت من الكوفة أريد بغداد، وليس معي نفقة، فلما بلغت نهر (صرصر) اشتدَّ بي الجوع، فدخلت مسجدًا فنمت، فإذا برجل يحركني برجله، فانتبهت، فإذا أحمد بن حنبل ومعه حمال معه خبز وغيره، فقال: إني أُتيت البارحة في المنام، فقيل لي: صديقك صدقة بن الفضل أقبل من الكوفة وهو بحال فأَدْرِكْه. أما المنامات التي رئي فيها أحمد فهي كثيرة جدًا، وسأذكر منها البعض: فمن ذلك: قول مِهْران الحمال: رأيت أحمد بن حنبل في المنام، وكأنَّ عليه بردًا مخططًا أو معينًا، وكأنه بالري يريد المصير إلى الجامع يوم الجمعة، فاستعبرت بعض أهل التعبير، فقال: هذا يشتهر بالخير، فما أتى عليه إلا قريب حتى ورد ما ورد من أمر المحنة. وقال أبو حاتم الرازي: رأيته في المنام أفخم ما كان، وأحسن وجهًا، فجعلت أسأله الحديث وأذاكره. ورأى رجل كأن ملكًا نزل من السماء ومعه سبعة تيجان، فأول من توَّج من الدنيا أحمد بن حنبل. وقال زكريا بن يحيى السمسار: رأيته في المنام، وعلى رأسه تاج مرصع بالجوهر، في رجليه نعلان، وهو يخطو بهما، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأدناني من نفسه، وتوَّجني بيده، وقال: هذا بقولك: "القرآن كلام الله غير مخلوق". فقلت: ما هذه الخَطْرَة التي لم أعرفها في دار الدنيا؟ قال: هذه مِشْيَة الخَدَّام في دار السَّلام. وقال محمد بن خزيمة: لمَّا مات أحمد بن حنبل اغتممت غمًّا شديدًا، فبتُّ من ليلتي فرأيته في المنام وهو يتبختر في مشيته، فقلت له: أيُّ مِشْيَةٍ هذه؟ فقال: مِشية الخدام في دار السلام. فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وتوَّجني وألبسني نعلين من ذهب، وقال لي: يا أحمد هذا بقولك: القرآن كلامي، ثم قال لي: يا أحمد ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان الثَّوري كيف تدعو بهن في دار الدنيا. فقلت: يا ربَّ كلِّ شيء، لا تسألني عن شيء، اغفر لي كلَّ شيء. فقال لي: يا أحمد هذه الجنة فقم فادخل إليها فدخلت فإذا أنا بسفيان الثَّوري، وله جناحان أخضران يطير بهما من نخلة إلى نخلة، وهو يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ قال: فقلت: ما فعل عبد الوهاب الورَّاق؟ قال: تركته في بحر من نور، في زلال من نور، يزور ربَّه الملك الغفور. فقلت: ما فعل بِشْر؟ قال: بخ بخ، ومن مثل بشر؟! تركته بين يدي الجليل، وبين يديه مائدة من الطعام، والجليل يقول وهو مقبل عليه: كل يا مَنْ لم يأكل، واشرب يا من لم يشرب، وانعم يا من لم ينعم. ورويت هذه الحكاية من وجه آخر، وفيها زيادة: قال أحمد: قال الله لي يا أحمد: لم كتبت عن حريز بن عثمان؟ فقلت: يا رب كان ثقة. فقال: صدقت، ولكنه كان يبغض عليًا أبغضه الله … إلى آخر الحكاية. قال: فلما أصبحت تصدقت بعشرة آلاف درهم. ورويت أيضًا من وجه آخر بزيادة: فقلت يا أحمد: ما فعلت مِسْكينةُ الطُّفَاوِيَّة؟ قال لما سألت عنها، فإذا هي ورائي تقول: هَيْهات هَيْهات ذهبت المَسْكَنَة اليوم وجاء الغنى. وقال بعضهم: رأيت كأن القيامة قد قامت، وإذا برجل جاء على فرس به من الحُسْن ما الله به عليم. ومنادٍ ينادي ألا لا يتقدمَنَّ اليوم هذا أحد. قلت من هذا؟ قالوا: أحمد بن حنبل. وقال عبد الله: رأيت أبي في النَّوم، فقلت: يا أبتِ ما فعَل الله بك؟ قال: وقفني بين يديه، وقال: يا أحمد بسببي ضُربتَ، ومن أجلي امتُحنت، هذا وجهي قد أبحتك النظر إليّ. ورأى أحمد بن محمد الكندي مثل ذلك. وقال علي بن الموفق: رأيت كأني أدخلت الجنة، فإذا أنا بثلاثة نفر: رجل قاعد على مائدة، قد وكل الله به ملكين: ملك يطعمه، وملك يسقيه. وآخر واقف على باب الجنة، ينظر إلى وجوه قوم فيدخلهم. وآخر واقف في وسط الجنة شاخص ببصره إلى السماء، ينظر إلى الرب. فجئت إلى رضوان، فقلت: مَنْ هؤلاء؟ فقال: أما الأول: فبشر الحافي: خرج من الدنيا وهو جائع عطشان. وأما الثاني الواقف في وسط الجنة: فمعروف الكرخي عَبَدَ الله شوقًا منه للنظر فقد أعطي. وأما الواقف على باب الجنة: فأحمد بن حنبل أمره الجبار أن ينظر إلى وجوه أهل السُّنَّة فيأخذ بأيديهم فيدخلهم الجنة. وهذا باب واسع جدًا.