page 195, entry [148]Open original source
(ذكر قصة خروجه إلى العسكر بعد انقضاء التهمة وما جرى بينه وبين المتوكل بعد عوده من العسكر) قال صالح بن أحمد: ورد كتاب علي بن الجهم: إن أمير المؤمنين قد وجه إليك يعقوب المعروف بقَوْصرة، ومعه جائزة، ويأمرك بالخروج، فالله الله أن تستعفي أو ترد المال فيتسع القول لمن يبغضك. فلما كان من الغد ورد يعقوب، فدخل إليه فقال: يا أبا عبد الله، أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول: قد صح عندنا نقاء ساحتك، وقد أحببت أن آنس بقربك وأن أتبرك بدعائك، وقد وجهت إليك عشرة آلاف درهم معونة على سفرك. وأخرج بدرة فيها صرة نحو من مئتي دينار، والباقي دراهم صحاح، فلم ينظر إليها، فشدها يعقوب وقال له: أعود غدًا حتى أنظر ما تعزم عليه. وقال له: يا أبا عبد الله، الحمد لله الذي لم يشمت بك أهل البدع. وانصرف، فجئت بإجَّانة خضراء فكببتها على البدرة، فلما كان عند المغرب قال: يا صالح، خذ هذا صيّره عندك. فصيرتها عند رأسي فوق البيت، فلما كان سحرًا إذا هو ينادي: يا صالح، فقمت، فصعدت إليه، فقال: ما نمت ليلتي هذه. فقلت: لم يا أبتِ؟ فجعل يبكي، وقال: سلمت من هؤلاء حتى إذا كان في آخر عمري تلبثت بهم، قد عزمت على أن أفرق هذا الشيء إذا أصبحت. فقلت: ذلك إليك. فلما أصبح جاءه الحسن البزار والمشايخ، فقال: جئني يا صالح بميزان. فقال: وجه إلى أبناء المهاجرين والأنصار. ثم قال: وجه إلى فلان. حتى يفرق في ناحية. وإلى فلان، فلم يزل حتى فرقها كلها، ونفضت الكيس، ونحن في حالة الله بها عليم، وكتب صاحب البريد: إنه قد تصدق بالدراهم من يومه، حتى تصدق بالكيس. قال علي بن الجهم: فقلت له: يا أمير المؤمنين، قد علم الناس أنه قبل منك، وما يصنع أحمد بالمال، فإنما قوته رغيف. فقال: صدقت يا علي. قال صالح: ثم أخرجنا ليلًا معنا حراس معهم النفَّاطات، فلما أضاء الفجر قال لي: يا صالح، معك دراهم؟ قلت: نعم. قال: أعطهم. فأعطيتهم درهمًا درهمًا، فلما صرنا إلى الحنّاطين قال يعقوب: قفوا ها هنا، ثم وجه إلى المتوكل يعلمه بمصيرنا، فدخلنا العسكر وأبي منكس الرأس، ثم جاء وصيف يريد الدار، فلما نظر إلى الناس وجمعهم قال: ما هؤلاء؟ قالوا: هذا أحمد بن حنبل، فوجه إليه بعدما جاز يحيى بن هَرْثَمة فقال: الأمير يقرئك السلام ويقول: الحمد لله الذي لم يشمت بك أهل البدع، قد علمت ما كان حال ابن أبي دؤاد، وينبغي أن تتكلم بما يحب الله ﷿، ثم أنزل دار إيتاخ، فجاء علي بن الجهم فقال: أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكان التي فرقها، وأمر أن لا يعلم بذلك أحمد فيغم. ثم جاءه أحمد بن معاوية فقال: إن أمير المؤمنين يكثر ذكرك، ويشتهي قربك وأن تقيم ها هنا تحدث، فقال: أنا ضعيف، ثم وضع أصبعه على أسنانه، فقال: إن بعض أسناني يتحرك وما أخبرت بذلك ولدي، ثم وجه إليه: ما تقول في بهيمتين انتطحتا، فعقرت إحداهما الأخرى فسقطت فذُبحت؟ فقال: إن كان طرفَ بعينه أو مصعَ بذنبه وسالَ دمُه فيؤكل: ثم صار إلى يحيى بن خاقان فقال: يا أبا عبد الله قد أمرني أمير المؤمنين أن أسيرَ إليك لتركبَ إلى أبي عبد الله ولدِه، وأمرني أن أقطع لك سوادًا وطيلسانًا وقلنسوة، فأي قلنسوة تلبس؟ فقلت: ما رأيته لبس قلنسوة قط، وقال: إن أمير المؤمنين أمر أن نصير لك مرتبة في أعلى، ويصير أبو عبد الله في حِجرك، ثم قال لي: قد أمر أمير المؤمنين أن يجري عليكم وعلى قراباتكم أربعة آلاف درهم، ثم عاد يجيء من الغد، فقال: يا أبا عبد الله تركب؟ فقال: ذاك إليك، فقال: استخر الله ﷿، فلبس إزاره وخفيه، وكان خفُّه قد أتى عليه نحو من خمسة عشر سنة مرقوعًا برقاع عدة، فأشار يحيى أن يلبس قلنسوة فقلت: ما له قلنسوة، ولا رأيته لبس قلنسوة، فقال: كيف يدخل حاسرًا وطلبنا له دابة يركبها؟ قال يحيى: فصلى فجلس على التراب وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ثم ركب بغلَ بعض التجار فمضينا معه، حتى إذا دخل دار أبي عبد الله أُجلس في بيت في الدهليز، ثم جاء يحيى فأخذ بيده، حتى أدخله ورفع الستر ونحن ننظره، فقال له: يا أبا عبد الله إن أمير المؤمنين جاء بك ليتبرك بقربك، ويصيِّر أبا عبد الله في حجرك. قال بعض الخدام: وكان المتوكل قاعدًا وراء الستر، فلما أدخل أحمد الدار قال لأمه: قد أنارت الدار، ثم جاء خادم بمنديل، فأخذ يحيى المنديل، وأخرج مبطنة فيها قميص، فأدخل يده في جيب القميص والمبطنة، ثم أخذ بيده فأقامه حتى أدخل جيب القميص والمبطنة في رأسه، ثم أدخل يده فأخرج يده اليمنى وكذا اليسرى وهو لا يحرك يده، ثم أخرج قلنسوة فوضعها على رأسه، وألبسه طيلسانًا، ولم يجيؤوا بخف، فبقي الخفُّ عليه، ثم انصرف، فلما صار إلى الدار نزع الثياب عنه وجعل يبكي، ثم قال: سلمتُ من هؤلاء منذ ستين سنة، حتى إذا كان في آخر عمري بُليت بهم! ما أحسبني سلمتُ من دخولي على هذا الغلام، فكيف بمن يجب عليّ نصحه من وقت أن تقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده؟ ثم قال يا صالح وجِّه هذه الثياب إلى بغداد تباع ويتصدق بثمنها، ولا يشتري أحد منكم شيئًا، فبيعت وفرق ثمنها. قال صالح: فأخبرناه أن الدار التي هو فيها لإِيتاخ. فقال: اكتب رقعة، إلى محمد بن الجراح استعف لي من هذه الدار، فكتبنا رقعة فأمر المتوكل أن يُعفى منها، ووجه إلى قوم أن يخرجوا من منازلهم، فسأل أن يُعفى من ذلك، فاكتُرِيَتْ لنا دار بمئتي درهم، فصار إليها، وأجريت لنا مائدة وثلج، وضرب الخيش وفرش الطبري، فلما رأى الخيش والطبري تنحى عن ذلك الموضع، وألقى نفسه على مضربة له، واشتكت عينه ثم برأت بسرعة. قال أبو بكر المروذي: قال لي أحمد ونحن بالعسكر: لي اليوم ثمان منذ، لم آكل ولم أشرب إلا أقل من ربع سويق. وكان يمكث ثلاثًا لا يطعم، فإذا كانت الرابعة أضع بين يديه قدر نصف ربع سويق، فربما شربه، وربما ترك بعضه. وقال صالح: جعل أبي يواصل في العسكر، يفطر في كل ثلاث على تمر شهريز، فمكث بذلك خمسة عشر يومًا، يفطر في كل ثلاث، ثم جعل بعد ذلك يفطر ليلة وليلة لا يفطر إلا على رغيف، وكان إذا جيء بالمائدة توضع في الدهليز لكي لا يراها، فيأكل من حضر، وكان إذا جهده الحر تُلقَى له خرقة فيضعها على صدره، وفي كل يوم يوجه المتوكل بابن ماسَويْهِ ينظر إليه ويقول: يا أبا عبد الله، أنا أميل إليك وإلى أصحابك، وما بك من علة إلا الضعف وقلة الرِّزّ، وإن عبادنا ربما أمرناهم بأكل دهن الحل فإنه يلين، وجعل يجيئه بالشيء ليشربه فيصبه. وجعل يعقوب وعتاب يصيران إليه فيقولان له: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول في ابن أبي دؤاد وفي ماله؟ فلا يجيب في ذلك شيئًا، وجعلا يخبرانه بما يحدث من أمر ابن أبي دؤاد في كل يوم، ثم أصدر ابن أبي دؤاد إلى بغداد بعد ما أشهد عليه ببيع ضياعه، وكان ربما صار إليه يحيى وهو يصلي، فيجلس في الدهليز حتى يفرغ ويجيء علي بن الجهم فينزع سيفه وقلنسوته ويدخل عليه. وأمر المتوكل أن يُشترى لنا دار فقال لي: يا صالح. قلت: لبيك. قال: لئن أقررت لهم بشراء دار لتكونن القطيعة بيني وبينك، إنما يريدون أن يصيروا هذا البلد لي مأوى ومسكنًا، فلم يزل يدفع شراء الدار حتى اندفع، وصار إليّ صاحب المنزل فقال: أعطيك كل شهر ثلاثة آلاف درهم مكان المائدة، فقلت: لا وجعلت رسل المتوكل تأتيه يسألونه عن خبره فيصيرون إليه فيقولون له: هو ضعيف، وفي خلال ذلك يقولون: يا أبا عبد الله لا بدّ له من أن يراك، فيقول: وما علمهم من أنه لا بدّ أن يراني. وجاء يعقوب فقال: يا أبا عبد الله أمير المؤمنين مشتاق إليك، ويقول: انظر اليوم الذي تصير إليّ فيه: أي يوم هو حتى أعرفه؟ فقال: ذلك إليكم، فقال: يوم الأربعاء يوم خالٍ، ثم خرج يعقوب، فلما كان من الغد جاء فقال: البشرى يا أبا عبد الله أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول: قد أعفيتك عن لبس السواد والركوب إلى ولاة العهد وإلى الدار، فإن شئت فالبس القطن، وإن شئت فالبس الصوف، فجعل يحمد الله ﷿ على ذلك، ثم قال له يعقوب: لي ابن وأنا به معجب، وله من قلبي موقع، فأحب أن تحدثه بأحاديث، فسكت، فلما خرج قال: أتُراه ما يرى ما أنا فيه، لو بلغ أنفه السماء ما حدثته، لا أحدث حتى يوضع الحبل في عنقي. وقال صالح: كان أبي يختم من جمعة إلى جمعة، فإذا ختم يدعو ونؤمِّنُ على دعائه، فلما فرغ جعل يقول: أستخير الله، مرارًا، فجعلت أقول ما يريد؟ قال: أُعطي الله عهدًا إنَّ عهدَه كان مسؤولًا وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أني لا أحدث حديثًا تامًا أبدًا حتى ألقى الله ﷿، ولا أستثني منكم أحدًا. وجاء علي بن الجهم: فأخبرناه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وأخبر المتوكل بذلك. وقال أبي: تريدون أن أحدث فيكون هذا البلد حبسي، وإنما كان سبب الذين أقاموا بهذا البلد أنهم أُعطوا فقبلوا، وأُمروا فحدَّثوا. وكان يدخل عليه يحيى ويعقوب وعتاب وغيرهم، فيتكلمون وهو مغمض العين يتعلل، وضعف ضعفًا شديدًا، فكانوا يخبرون المتوكل فيتوجع لذلك، ويوجه إليه في كل وقت يسأله عن حاله، وفي خلال ذلك يأمر لنا بالمال، فيقول: يوصل إليهم ولا يُعلم شيخهم، ويقول: ما يريد منهم إن كان هو لا يريد الدنيا؟ فلا يمنعهم. وقالوا للمتوكل: إنه لا يأكل من طعامك ولا يجلس على فراشك، ويحرم هذا الشراب الذي تشرب، فقال: لو نُشر المعتصم فقال فيه شيئًا لم أقبله. قال صالح: ثم انحدرت إلى بغداد وخلفت عبد الله عنده، فإذا عبد الله قد قدم وجاء بثيابي التي كانت عنده فقلت: ما حالك؟ فقال: قال لي: انحدر وقل لصالح لا يجيء، فأنتم كنتم آفتي، والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أخرجت واحدًا منكم معي، ولولا مكانتكم لمن كانت توضع هذه المائدة؟ ولمن كانت تفرش هذه الفرش؟ ويجرى له هذا الشيء؟ فكتبتُ أُعلمه بما قال عبد الله، فكتب بخطه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أحسن الله عاقبتك، ودفع عنك السوء برحمته، كتابي إليك وأنا بأنعم من الله ﷿ متظاهرة، وأسأله تمامها، والمعونةَ على أداء شكرها، قد انفكت عنا عقد إنما كان حبس من كان ها هنا لمّا أُعطوا فقبلوا، وأجري عليهم فصاروا في الحدّ الذي صاروا إليه، وحدَّثوا فدخلوا عليهم، فنسأل الله ﷿ أن يعيذنا من شرهم، وأن يخلصنا، فقد كان ينبغي لكم لو فديتموني بأموالكم وأهليكم لهان ذلك عليكم للذي أنا فيه، ولا يكبر عليكم ما أكتب به إليكم، فالزموا بيوتكم لعل الله أن يخلصنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم ورد عليّ غير كتاب بنحو من هذا، فلما خرجنا رُفعت المائدة والفرش وكل ما كان أقيم لنا، وأوصى وصية: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أوصى به أحمد بن حنبل، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا الله ﷿ في العابدين، ويحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين، وأوصى أني رضيت بالله ﷿ ربًا وبالإِسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا، وأوصي أن لعبد الله بن محمد المعروف بفوران عليه نحو من خمسين دينارًا، وهو مصدق فيما قال، فيُقضى ماله عليه من غلة الدار إن شاء الله، فإذا استوفى ما كان له أعطي ولد صالح، وكل ذكر وأنثى، عشرة دراهم عشرة دراهم بعد وفاء مال أبي محمد، شهد أبو يوسف، وصالح، وعبد الله ابنا أحمد بن حنبل.