page 179, entry [141]Open original source
أما قصته مع المعتصم وبيان فضله في صبره وما أثمر له: فإنه لما مات المأمون رد أحمد إلى بغداد، فسجن إلى أن امتحنه المعتصم، وكان أحمد بن أبي دؤاد على قضاء القضاة، فحمله على امتحان الناس بخلق القرآن. قال صالح ابن أحمد: لما كان في شهر رمضان سنة تسع عشرة ومئتين حوَّل أبي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، يوجه إليه كل يوم برجلين أحدهما يقال له: أحمد بن رباح، والآخر أبو سعيد الحجام، فلا يزالا يناظرانه حتى إذا أرادا الانصراف دعيا بقيد فزيد في قيوده، فصار في رجله أربعة أقياد، فلما كان في اليوم الثالث دخل عليه أحد الرجلين، فناظره، فقال له أبي: ما تقول في علم الله؟ قال: علم الله مخلوق. فقال أبي: كفرت. فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحاق بن إبراهيم: إن هذا رسول أمير المؤمنين. فقال أبي: إن هذا قد كفر. فلما كان في الليلة الرابعة وجه المعتصم إلى إسحاق فأمره بحمل أبي إليه، فأدخل إلى إسحاق، فقال: يا أحمد، إنها والله نفسك، إنه لا يقتلك بالسيف، إنه آلى إن لم تجبه أن يضربك ضربًا بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس، أليس قد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أفيكون مجعول إلا مخلوقًا؟ فقال له أبي: قال الله ﷿: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ أفخلقهم؟ فسكت، ثم قال: اذهبوا به. قال أبي: فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أخرجت، وجيء بدابة فحملت عليها وعلي الأقياد، ما معي أحد يمسكني، فكدت غير مرة أن أخرّ على وجهي لثقل القيود، فجيء بي إلى المعتصم، فأدخلت حجرة إلى بيت، وأغلق الباب عليّ، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج، فمددت يدي فإذا أنا بإناء فيه ماء وطشت موضوع، فتوضأت للصلاة وصليت، فلما كان من الغد أخرجتُ تكتي من سراويلي وشددت بها الأقياد أحملها، وعطفت سراويلي، فجاء رسول المعتصم فقال: أجب. فأخذ بيدي، وأدخلني عليه، والتكة بيدي أحمل بها الأقياد، وإذا هو جالس، وابن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع خلقًا من أصحابه، منهم عبد الرحمن الشافعي، فأجلست بين يدي الخليفة، وكانوا قد ضربوا عنق رجلين، فنظرت إلى عبد الرحمن الشافعي فقلت: أي شيء تحفظ عن الشافعي في المسح؟ فقال ابن أبي دؤاد: انظروا رجلًا هو ذا يقدم لضرب العنق يناظر في الفقه. فقال المعتصم: ادنه. فدنوت، فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، فقال: اجلس فجلست، وقد أثقلتني الأقياد، فمكثت قليلًا، ثم قلت: تأذن في الكلام؟ فقال: تكلم. فقلت: إلى ما دعا الله ورسوله؟ فسكت هنيهة ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله. فقلت: أنا أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قلت: إن جدك ابن عباس يقول: لما قدم وفد عبد القيس على النبي ﷺ ثم سألهم عن الإِيمان بالله فقال: "أتدرون ما الإِيمان بالله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا الخمس من المغنم" فقال المعتصم: لولا أني وجدتك في يد غيري ممن كان قبلي ما تعرضتك. ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحاق، ألم آمرك أن ترفع المحنة؟ فقلت: الله أكبر، إن في هذا لفرجًا للمسلمين. ثم قال لهم المعتصم: ناظروه وكلموه، يا عبد الرحمن، كلمه. فقال عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ فقلت له: ما تقول في علم الله ﷿؟ فسكت. فقال بعضهم: أليس قال الله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ والقرآن أليس هو شيء؟ فقلت: قال الله ﷿: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ فدمرت إلا ما أراد الله ﷿. فقال بعضهم: قال الله ﷿: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ أفيكون محدث إلا مخلوقًا؟ فقلت: قال الله ﷿: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولا لام، وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين "إن الله خلق الذكر" فقلت: هذا خطأ، والصواب أن الله تعالى كتب الذكر، واحتجوا بحديث ابن مسعود "ما خلق الله من جنة ولا نار ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي" فقلت: إنما يوقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض، ولم يقع على القرآن. فقال بعضهم: حديث خباب "يا هنتاه، تقرب إلى الله ما استطعت فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه" فقلت: هذا كذا هو فجعل ابن أبي دؤاد ينظر إليّ كالمغضب، وكان يتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد، فيقول: يا أمير المؤمنين، هو والله ضال مضل مبتدع. فيقول المعتصم: كلموه، ناظروه. فيكلمني هذا فأرد عليه، فإذا انقطعوا يقول المعتصم: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله. فقال ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا ما في كتاب الله أو سنّة رسول الله؟ فقلت له: تأولت تأويلًا فأنت أعلم، وما تأولت أتحبس عليه وتقيد؟ فأقبل ابن أبي دؤاد يكلمني، فلم ألتفت إليه، فقال المعتصم: ألا تكلم أبا عبد الله؟ فقلت: لست أعرفه من أهل العلم فأكلمه. وكان ابن أبي دؤاد يقول للمعتصم: والله يا أمير المؤمنين لئن أجابك أحب إليّ من مئة ألف دينار ومئة ألف دينار. فيعذ من ذلك ما شاء الله، فيقول المعتصم: والله لئن أجابني لأطلقن عنه بيدي، ولأركبن إليه بجندي، ولأطأن عقبه. ثم قال: يا أحمد، والله إني عليك لشفيق، وإني أشفق عليك شفقتي على هارون ابني، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنّة رسول الله. فلما طال المجلس ضجر وقال: قوموا. وحبسني، وعبد الرحمن بن إسحاق يكلمني قال: ويحك، أجبني. وقال: أما أعرفك، ألم تكن تأتينا؟ فقال له عبد الرحمن بن إسحاق: يا أمير المؤمنين، أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعتك والجهاد والحج معكم. فقال: والله إنه لعالم، وإنه لفقيه، وما يسؤني أن يكون مثله معي يرد عني أهل الملل. ثم قال لي بالبيت: تعرف صالحًا الرشيدي؟ قلت: قد سمعت باسمه. قال: كان مؤدبي، وكان في ذلك الموضع جالسًا، وأشار إلى ناحية من الدار، فسألته عن القرآن، فخالفني، فأمرت به فوطئ وسحب. ثم قال لي: يا أحمد، أجبني إلى شيء من ذلك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي. فقلت: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنّة رسول الله. فطال المجلس، فقام ودخل، ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه، فلما كان بعد المغرب وجه إليّ برجلين من أصحاب ابن أبي دؤاد يبيتان عندي، ويناظراني، ويقيمان معي حتى إذا كان وقت الإِفطار جيء بالطعام، ويجتهدان في أن أفطر فلا أفعل، ووجه إليَّ المعتصم ابن أبي دؤاد في بعض الليالي فقال: يقول لك أمير المؤمنين، ما تقول؟ فرددت عليه نحوًا مما كنت أرد، فقال ابن أبي دؤاد: والله لقد كتب اسمك في السبعة يحيى بن معين وغيره - يعني يحيى بن معين وأبا خيثمة وأحمد الدَّوْرَقي والقواريري وسعدويه وسجادة وأحمد بن حنبل وقيل خلف المخرمي - ولقد ساءني أخذهم إياك، إن أمير المؤمنين حلف أن يضربك ضربًا بعد ضرب وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس، وإن أجابني جئت إليه حتى أطلق عنه بيدي. ثم انصرف. فلما أصبح - وذلك اليوم الثاني - جاء رسوله فأخذ بيدي حتى ذهب بي إليه، فقال لهم: ناظروه، وكلموه. فجعلوا يناظرونني، ويتكلم هذا من ها هنا فأرد عليه، ويتكلم هذا من ها هنا فأرد عليه، فإذا جاء بشيء من الكلام ليس في كتاب الله ولا سنّة رسول الله ﷺ ولا فيه خبر قلت: لا أدري ما هذا؟ فيقولون: يا أمير المؤمنين، إذ توجهت الحجة له علينا ثبت، وإذا كلمناه بشيء آخر يقول: ما أدري ما هذا؟ فقال: ناظروه. فقال رجل: يا أحمد أراك تذكر الحديث وتنتحله. قلت: ما تقول في ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فقال: خص بها المؤمنين. فقلت: ما تقول إن كان قاتلًا أو عبدًا أو يهوديًا. فسكتَ، فسكتّ، وإنما احتججت عليهم بهذا لأنهم يحتجون بظاهر القرآن، وحيث قال: أراك تنتحل الحديث. فلم يزالوا كذلك إلى قرب الزوال، فلما ضجر قال لهم: قوموا وخلا بي وبعبد الرحمن بن إسحاق، فلم يزل يكلمني، ثم قام ودخل، ورددت إلى الموضع. وقال أحمد: كان قبيل أن أضرب نام بعض من كان معي من أصحابي وبقيت متفكرًا في أمري، فإذا أنا برجل طويل يتخطى الناس، حتى دنا مني فقال: أنت أحمد بن حنبل؟ فسكتُّ، ثم ثانية فسكتُّ، فقال ثالثة: أنت أبو عبد الله أحمد بن حنبل؟ قلت: نعم. قال: اصبر ولك الجنة. فلما مسني حرُّ السوط ذكرت قول الرجل، قال أحمد: وكانت الليلة الثالثة، قلت: خليق أن يحدث غدًا من أمري شيء، فقلت لبعض من كان معي الموكَّل بي: جئني بخيط. فجاءني بخيط فشددت به أقيادي، ورددت التكة إلى سراويلي مخافة أن يحدث من أمري شيء فأتعرى، فلما كان من الغد في اليوم الثالث وجه إليّ فأدخلت، فإذا الدار غاصة، فجعلت أدخل من موضع إلى موضع، وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط وغير ذلك، ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحدٍ من هؤلاء، فلما انتهيت إليه قال: اقعد. ناظروه، كلِّموه فجعلوا يناظروني، فيتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، وجعل صوتي يعلو أصواتهم، فجعل بعض من على رأسه قائم يومئُ لي بيده، فلما طال المجلس نحاني، ثم خلا بهم، ثم نحاهم وردني إليه، وقال: ويحك يا أحمد، أجبني حتى أطلقك بيدي. فرددت عليه نحوًا مما كنت أرد عليه، فقال: عليك .. وذكر اللعن، ثم قال: خذوه، واسحبوه، واخلعوه. فسحبت، ثم خلعت، وقد كان صار إلي شعر من شعر النبي ﷺ، فصررته في كمي، فوجه إليّ إسحاق بن إبراهيم وقال: ما هذا المصرور في كمك؟ فقلت: شعر من شعر النبي ﷺ. وسعى بعض القوم إلى القميص ليخرقه عليّ، فقال لهم المعتصم: لا تخرقوه. فنزع القميص عني، فظننت أنه إنما دُرِئ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه، وجلس المعتصم على كرسي، ثم قال: العُقابين والسياط. فجيء بالعُقابين، فمدت يداي، فقال بعض من حضر خلفي: خذ ناتئ الخشبتين، وشدَّ عليهما. فلم أفهم ما قال، فتخلعت يداي. ولما أحضر للمعتصم العقابين لانَ لأحمد لما علق بالعقابين، ولما رأى من ثبوته وصلابته وتصميمه في أمره حتى أغراه ابن أبي دؤاد وقال له إن تركتَه قيل: إنك تركت مذهب المأمون. فهاجه ذلك على ضربي، ولما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم فقال: ائتوني بغيرها. فأتي بغيرها، فقال للجلادين: تقدموا، فجعل يتقدم إليّ الرجل منهم، فيضربني سوطين فيقول له المعتصم: شدّ، قطع الله يدك. ثم يتنحى، فيتقدم الآخر، فيضربني سوطين، وهو في كل ذلك يقول: شدّ، قطع الله أيديكم. فلما ضربت تسعة عشر سوطًا قام إليّ المعتصم فقال: يا أحمد، علام تقتل نفسك؟ إني والله شفيق عليك. فجعل عجيف ينخسني بسيفه ويقول: تريد أن تغلب هؤلاء كلهم. وجعل بعضهم يقول: ويلك، الخليفة على رأسك قائم. وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين، اقتله ودمه في عنقي، وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين، أنت صائم وفي الشمس قائم. فقال: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنّة رسوله حتى أقول به ثم رجع وجلس، وقال للجلاد: تقدم وأوجع قطع الله يدك، ثم أقام الثانية، فجعل يقول ويحك أجبني. وجعلوا يقبلون عليّ ويقولون: ويلك يا أحمد إمامك قائم على رأسك! وجعل عبد الرحمن يقول: من صنع من أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟ وجعل المعتصم يقول: ويحك أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي. فقلت: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنّة رسوله حتى أقول به. فرجع فجلس، وقال للجلادين: تقدموا. فجعل الجلادون يتقدمون، فيضربني هذا سوطين، ويتنحى، وهو يقول في خلال ذلك: شد، قطع الله يدك. فذهب عقلي، فأفقت بعد ذلك، فإذا الأقياد قد أطلقت عني، فقال لي رجل ممن حضر: إنا كبَبْنَاك على وجهك، وطرحناك على بارِيَّة، ودُسْناك، وما شعرت بذلك. فأتوني بسويق وقالوا لي: اشرب وتقيأ. فقلت: لست أفطر. ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فحضرت صلاة الظهر، فتقدم ابن سَمَاعة فصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليت والدم يسيل في ثوبك فقلت: قد صلى عمر وجرحُه يَثْعَب دمًا. ثم خلي عني فصرت إلى منزلي. فمكث في السجن وكانت مدة ذلك منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخلَّي عنه ثمانية وعشرون شهرًا. قال بعض من كان معه في الحبس: والله ما رأيت أحدًا يشبه أحمد بن حنبل، فلقد جعلت أقول في وقت ما يوجه إلينا بالطعام: يا أبا عبد الله، أنت صائم، وأنت في موضع تعبد. ولقد عطش مرة فقال لصاحب الشراب: ناولني فناوله قدحًا فيه ماء وثلج، فأخذ ونظر إليه هنية، ثم رده عليه ولم يشرب، فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش وهو في ما هو فيه. قال صالح بن أحمد: لقد كنت ألتمس أن أوصل إليه طعامًا ورغيفًا أو رغيفين في تلك الأيام فلم أقدر على ذلك. وتفقده بعض من حضر في هذه الثلاثة الأيام وهم يناظرونه ويكلمونه، فما لحن في كلمة. قال: وما ظننت أن أحدًا يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه. وقال ابن مصعب: ما رأيت أحدًا لم يداخل السلطان ولا خالط الملوك أثبت قلبًا من أحمد يومئذٍ، ما نحن في عينه إلا كأمثال الذباب، وكان عند دار الخليفة خلق من الناس لا يحصي عددهم إلا الله، بأيديهم الصحف والأقلام والمحابر في أذرعتهم، يكتبون ما يقول في المناظرة، فأخبره المروذي، فقال أحمد بن حنبل: هؤلاء كلهم! والله لأقتلن نفسي ولا أضل هؤلاء. فانظر إلى هذا الإِمام، فلقد هانت عليه نفسه في الله فبذلها، وشدةُ ابتلائه دليلٌ على قوة دينه. قال ميمون ابن الأصبغ: كنت ببغداد، فسمعت ضجة، فقلت: ما هذا؟ قيل: أحمد بن حنبل يمتحن. فأتيت منزلي، فأخذت مالًا له خطر، فذهبت به إلى من يدخلني المجلس، فأدخلوني، فإذا بالسيوف قد جردت، والرماح قد ركزت، والتراس قد نصبت، والسياط قد طرحت، فألبسوني قباء أسود ومنطقة وسيفًا، وأوقفوني حيث أسمع الكلام، فأتى أمير المؤمنين، فجلس على كرسي، وأتي بأحمد فقال له: وقرابتي من رسول الله ﷺ لأضربنك بالسياط أو تقول ما أقول. ثم التفت إلى جلاد فقال: خذه. فأخذه، فلما ضرب سوطًا قال: بسم الله. فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق. فلما ضرب الرابع قال: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ فضرب تسعة وعشرين، وكانت تكته حاشية ثوب، فانقطعت، فنزلت سراويله إلى عانته، فقلت: الساعة ينهتك. فرمى أحمد طرفه نحو السماء، وحرك شفتيه، فما كان بأسرع من أن بقي السراويل لم ينزل، فدخلت عليه بعد سبعة أيام فقلت: يا أحمد، رأيتك يوم ضربوك قد انحلت سراويلك، فرفعت طرفك إلى السماء، وحركت شفتيك، فأي شيء قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش، إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي سترًا. وقال غيره: لما ضرب بضعة عشر سوطًا أقبل الدم من أكتافه، وكان عليه سراويل فانقطع خيطه، فنزل السراويل، فلحظته وقد حرك شفتيه فعاد السراويل كما كان، فسألته فقلت: إنك حركت شفتيك فما قلت؟ قال: قلت: إلهي وسيدي، أوقفتني هذا الموقف فلا تهتك لي سترًا على رؤوس الخلائق. فعاد السراويل كما كان. وقال آخر: لما قدم وجرد وبقي في سراويله، فبينما هو يضرب انحل السراويل، فحرك شفتيه، فرأيت يدين خرجتا من تحته وهو يضرب فشدتا السراويل. وقال بعض الجلادين: لقد بطل أحمد الشطار، والله لقد ضربته ضربًا لو برك لي بعير فضربته ذلك الضرب لنقبتُ عن جوفه. وقال آخر: والله لقد ضربته ثمانين سوطًا لو ضربت فيلًا لهدَّتْه. وكان أحمد كثيرًا ما يقول: رحم الله أبا الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم. فسئل عنه فقال: لما أخرجت السياط ومدت يداي إلى العقابين إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي ويقول: أتعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا أبو الهيثم العيَّار اللص الطَّرَّار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضربت ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الله لأجل الدين. فضربت ثم عفي عني، ولقد كنت كلما أحسست بالضرب ذكرت قوله فثبتني. وكان يقول له الموكَّل به: ادع على ظالمك. فيقول أحمد: ليس بصابر من دعا على ظالمه. وكان بشر بن الحارث يوم ضرب أحمد واقفًا على الباب يقول اللهم ثبته. اللهم أعنه. ثم لم يزل كالحيران، ويقول: إن كان أجاب حتى أدخل فأقوم مقامه. فخرج رجل فقال: لم يجبهم. فقال: الحمد لله.