page 2970, entry [1799]Open original source
محمد بن محمد بن سهل الوزير العالم الزاهد الأزدي الغرناطي. سمع من ابن الرضي الطبري، وقدِم دمشق، وقرأ الصحيح على الحجّار، وصحيح مسلم على ابن العسقلاني، وقرأ بالسبع في صغره على ابن بشر وابن أبي الأحوص. وبرع في معرفة الاسطرلاب. وكان في بلده وافر الجلالة، غامر الإنالة، سافر الإيالة، تزهّد وحضر الى الديار المصرية، وأعرض عن المناصب العصرية، فما كاد يلحقه ابن أدهم زُهداً، ولا أشهب علماً ورفداً. وكان يبرّ الناس ويتحيّلُ على كتمان أمره، ويفرّق الذهب وهو يتقّد في جمره، والشمس لا تخفى بكل مكان والحرف لا تُعدَم ماهيّته بين التحريك والإسكان: سروا ونجوم الليل زُهرٌ طوالعٌ ... فنمّ عليهم في الظلام التنسم ولم يزل على حاله الى أن نزلت شدة الموت بابن سهل، وبكاه حتى الحزن والسهل. وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الأربعاء ثاني عُشري المحرم سنة ثلاثين وسبع مئة قافلاً من الحج. ومولده سنة اثنتين وستين وست مئة. قال الشيخ تاج الدين أحمد بن مكتوم النحوي يرثيه: مات ابن سهل فماتت ... من بعده المكرماتُ ولم يخلّف مثيلاً ... أمثاله الصِيدُ ماتوا وقلت: أنا فيه لما سمعتُ بموته: مات ابن سهل ومنا قلّت الحيلُ ... وللعفاة فضاق السهل والجبلُ مات الوزير الذي كان الملوك به ... في غبطة ولديه العلم والعمل الزاهد العابد السامي الرفيع ذُرى ... العالم العامل المستأمن البطل عليه مني سلام الله ما صدحت ... ورق لها في حواشي دَوْحها زجلُ وقلت أرثيه: موت ابن سهل قد كان صعباً ... لكل عاف وكل طالب يحق والله أن يُرثى ... من قد حوى هذه المناقب توفي أبوه سنة سبعين، وجده سنة سبع وثلاثين. وحج هو سنة سبع وثمانين وعاد، ثم إنه قدم مصر سنة عشرين وسبع مئة، وحجّ وجاور سنتين. وكان في بلده يرجعون إليه والى رأيه وحُرمة عقله فيمن يولونه المملكة ويلقبونه الوزير، وكان فيه ورعٌ شديد، وتعفّف وصيانة وديانة وكرم ومروّة وحلم وعلم. وأخذ عنه الشيخ قطب الدين عبد الكريم، وكان شيخاً وقوراً حسن الهيئة مليح الشيبة لا يتعمم ويتطيلس على طاقية. ورأيته عند شيخنا العلامة أثير الدين، وأخبرني هو وغيره عنه أنه يتصدق سراً من ماله الذي يحمل إليه من أملاكه في الغرب، وعرفه الناس، وصاروا يقصدونه، فإذا طلب منه أحد شيئاً أنكر ذلك، وقال: ليس ما قيل لك صحيحاً، ثم إنه يتركه بعد يوم أو أكثر ويأتي إليه وهو غافل ويلقي في حجره كاغداً فيه ذهب، ويمر ولا يقف له، ويتصدّق من الستين ديناراً فما دونها، واستنسخ البحر المحيط تفسير القرآن لشيخنا أثير الدين، وشرح التسهيل له وغير ذلك وجهزه الى الغرب.