page 1, entry [1]Open original source
مقدمة ﷽ قال الشيخ الإمام العالم العامل الأوحد عماد الدين أبو الفدا إسماعيل بن عمر بن كثير الخصلي الشافعي أمتع الله بفوائده آمين. الحمد لله الذي رفع قدر العلماء، وجعلهم بمنزلة النجوم فِي السماء، وخصهم بميراث الأنبياء فيما خلفوه من محكم الأوامر والنواهي وصادق الأنباء، أحمده على ما أسبغ من النعماء، وأجزل من العطاء، وأسبل من الغطاء، وكشف من البلاء وأتاح من السراء، وأزاح من الضراء، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه يملأ أرجاء الأرض والسماء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المنفرد بالعظمة والكبرياء الواحد الأحد، الفرد الصمد، والمنعوت بالصفات الحسنى والأسماء، الأول الآخر، الظاهر الباطن، العالم بجميع الأشياء، المنزه عن الصاحبة، والأولاد، والأضداد، والأنداد، والشركاء، والنظراء، شهادة موقنة خالصة ما لقي الله بها عبد يوم الجزاء إلا أوجب له بها الخلود فِي دار البقاء والسلامة من عذاب دار الشقاء، وأشهد أن محمدا عبده، ورسوله، وحبيبه، وخليله المصطفى من صميم العرب العرباء، المبعوث بالشريعة الكاملة التامة الشاملة العامة الناسخة الخاتمة إلى جميع من يستقل على الغبراء، ويستظل بالخضراء، صلوات الله وسلامه عليه دائما مستمرا ما اختلط الظلام بالضياء، وما انفلق الإصباح عن غرة النهار وأعلن الداعي بالنداء، ورضي الله عن أصحابه أجمعين الذين حازوا قصب السبق إلى أعلى مراتب الشرف والسناء، وفازوا بالقدح المعلى من سهام السعداء. وبعد، فقد تطابقت دلالة الكتاب والسنة على شرف العلم وفضله ومدح حامليه وأهله، والتنبيه على ما خصوا به من التقديم ومعاملتهم بالإكرام والتعظيم كما قال تعالى فِي محكم كتابه الكريم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] ، فقرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة المقربين، وهذه مزية عظيمة اختصوا بها فِي العالمين. ولما كان الشافعي، ﵁، من أعظمهم قدرا وأجلهم خطرا، وأغزرهم علما، وأكثرهم حلما، أحببت أن أذكر شيئا من أحواله، وأن أنبه على مكارمه، وصالح أعماله، وأترجم بعد ذلك أصحابه ومتبعيه إلى زماننا هذا، وبالله المستعان. فهو الإمام العالم أحد أئمة الإسلام وفقهاء الأنام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان القرشي المطلبي، يجتمع مع رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِي عبد مناف بن قصي، هكذا نَسَبَهُ الربيع بن سليمان وغيره، قال: وهو ابن عم رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وهو ممن تحرم عليه الصدقة من ذوي القربى الذين لهم سهم مفروض فِي الخمس وهم بنو هاشم وبنو المطلب. قال الحافظ أبو بكر الخطيب: سمعت القاضي أبا الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، يقول: شافع بن السائب الذي ينسب إليه الشافعي، ﵁، قد لقي النبي، ﷺ، وهو مترعرع، وأسلم أبوه السائب يوم بدر، فإنه كان صاحب راية بني هاشم، فأسر وفدى نفسه ثُمَّ أسلم، فقيل له: لِمَ لَمْ تسلم قبل أن تؤدي فداك؟ فقال: ما كنت أحرم المؤمنين طعما لهم. قال القاضي أبو الطيب: قال بعض أهل العلم بالنسب: الشافعي ابن عم رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وابن عمته؛ لأن المطلب عم رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، والشفا بنت الأرقم بن هاشم بن عبد مناف أم السائب بن يزيد هي أخت عبد المطلب بن هاشم وأم الشافعي، ﵁، أزدية، وفي الحديث: الأزد جرثومة العرب، وقد روى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي بسنده، عن ابن عبد الحكم، قال: لما حملت أم الشافعي، ﵁، به رأت كأن المشترى خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثُمَّ وقع فِي كل بلد منه شظية، فتأول أصحاب الرؤيا أنه يخرج عالم يخص علمه أهل مصر، ثُمَّ يتفرق فِي سائر البلدان.