page 1137, entry [2134]Open original source
(١٨٧٨) عمر بن الخطاب - أمير المؤمنين ﵁ ابن نقيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب القرشي العدوي، أبو حفص أمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم. وقالت طائفة في أم عمر: حنتمة بنت هشام بن المغيرة. ومن قال ذلك فقد أخطأ، ولو كانت كذلك لكانت أخت أبى جهل بن هشام، والحارث بن هشام بن المغيرة، وليس كذلك، وإنما هي ابنة عمهما، فإن هاشم بن المغيرة وهشام بن المغيرة أخوان، فهاشم والد حنتمة أم عمر، وهشام والد الحارث وأبى جهل، وهاشم بن المغيرة هذا جد عمر لأمه، كان يقال له ذو الرمحين. ولد عمر ﵁ بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة. وروى أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت عمر يقول: ولدت بعد الفجار الأعظم بأربع سنين. قال الزبير: وكان عمر بن الخطاب ﵁ من أشراف قريش، وإليه كانت السفارة في الجاهلية، وذلك أن قريشا كانت إذا وقعت بينهم حرب وبين غيرهم بعثوا سفيرا. وإن نافرهم منافر، أو فاخرهم مفاخر رضوا به بعثوه منافرا ومفاخرا. قال أبو عمر ﵀: ثم أسلم بعد رجال سبقوه. وروى ابن معين عن أبى إدريس، عن حصين، عن هلال بن يساف. قال: أسلم عمر بن الخطاب ﵁ بعد أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة. قال أبو عمر: فكان إسلامه عزا ظهر به الإسلام بدعوة النبي ﷺ، وهاجر، فهو من المهاجرين الأولين، وشهد بدرا وبيعة الرضوان، وكل مشهد شهده رسول الله ﷺ، وتوفى رسول الله ﷺ، وهو عنه راض، وولى الخلافة بعد أبى بكر، بويع له بها يوم مات أبو بكر ﵁ باستخلافه له سنة ثلاث عشرة، فسار بأحسن سيرة وأنزل نفسه من مال الله بمنزلة رجل من الناس، وفتح الله له الفتوح بالشام، والعراق، ومصر، وهو دون الدواوين في العطاء، ورتب الناس فيه على سوابقهم، كان لا يخاف في الله لومة لائم، وهو الذي نور شهر الصوم بصلاة الإشفاع فيه، وأرخ التاريخ من الهجرة الذي بأيدي الناس إلى اليوم، وهو أول من سمى بأمير المؤمنين، لقصة نذكرها هنا إن شاء الله تعالى. وهو أول من اتخذ الدرة، وكان نقش خاتمه «كفى بالموت واعظا يا عمر» وكان آدم شديد الأدمة، طوالا، كث اللحية، أصلع أعسر يسر، يخضب بالحناء والكتم (¬١)، [وقال أنس: كان أبو بكر يخضب بالحناء والكتم، وكان عمر يخضب بالحناء بحتا. قال أبو عمر: الأكثر أنهما كانا يخضبان. وقد روى عن مجاهد - إن صح - أن عمر بن الخطاب كان لا يغير شيبته] (¬٢). هكذا ذكره زر بن حبيش وغيره، بأنه كان آدم شديد الأدمة [وهو الأكثر عند أهل العلم بأيام الناس وسيرهم وأخبارهم]، ووصفه أبو رجاء العطاردي، وكان مغفلا، فقال: كان عمر بن الخطاب طويلا جسيما أصلع شديد الصلع، أبيض شديد حمرة العينين، في عارضه خفة، سبلته (¬٣) كثيرة الشعر في أطرافها صهبة. قد ذكر الواقدي من حديث عاصم بن عبيد الله، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: إنما جاءتنا الادمة من قبل أخوالى بنى مظعون، وكان أبيض، لا يتزوج لشهوة إلا لطلب الولد. وعاصم بن عبيد الله لا يحتج بحديثه ولا بحديث الواقدي. وزعم الواقدي أن سمرة عمر وأدمته إنما جاءت من أكله الزيت عام الرمادة. وهذا منكر من القول. وأصح ما في هذا الباب - والله أعلم - حديث سفيان الثوري، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال: رأيت عمر شديد الأدمة. قال أنس: كان أبو بكر يخضب بالحناء والكتم، وكان عمر يخضب بالحناء بحتا. قال أبو عمر: إنهما كانا يخضبان. وقد روى عن مجاهد - إن صح - أن عمر بن الخطاب ﵁ كان لا يغير شيبة. قال شعبة، عن سماك، عن هلال بن عبد الله: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ رجلا آدم ضخما، كأنه من رجال سدوس في رجليه روح (¬١). ومن حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ ضرب صدر عمر ابن الخطاب ﵁ حين أسلم ثلاث مرات، وهو يقول: اللهم أخرج ما في صدره من غل، وأبدله إيمانا - يقولها ثلاثا. ومن حديث ابن عمر أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، ونزل القرآن بموافقته في أسرى بدر، وفي الحجاب، وفي تحريم الخمر، وفي مقام إبراهيم. وروى من حديث عقبة بن عامر وأبى هريرة عن النبي ﷺ إنه قال: لو كان بعدي نبي لكان عمر. وروى سعد بن إبراهيم، عن أبى سلمة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في هذه الأمة أحد فعمر بن الخطاب. ورواه أبو داود الطيالسي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، عن النبي ﷺ: مثله. وروى ابن المبارك، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن، فشربت حتى رأيت الري يخرج من أظفارى، ثم أعطيت فضلي عمر. قالوا: فما أولت يا رسول الله ذلك؟ قال: العلم. ورواه معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: كنا نحدث أن النبي ﷺ قال: بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت .... وذكر مثله سواء. وروى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر - أن رسول الله ﷺ قال: دخلت الجنة فرأيت فيها دارا - أو قال قصرا - وسمعت فيه ضوضأة (¬١)، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من قريش. فظننت أنى أنا هو، فقلت: من هو؟ فقيل: عمر بن الخطاب. فلولا غيرتك يا أبا حفص لدخلته. فبكى عمر، أعليك يغار؟ أو قال: أغار يا رسول الله! وروى أبو داود الطيالسي، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: رأيتني في المنام والناس يعرضون علي، وعليهم قمص منها إلى كذا ومنها إلى كذا، ومر علي عمر ابن الخطاب يجر قميصه. فقيل: يا رسول الله، ما أولت ذلك؟ قال: الدين. هكذا رواه إبراهيم بن سعد فيما حدث به عنه الطيالسي. حدثنا الحسن بن حجاج الزيات الطبرانى، حدثنا الحسن بن محمد المدني، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا الليث بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبى سعيد الخدري - أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: بينا أنا نائم والناس يعرضون علي، وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ إلى الثدي، ومنها دون ذلك، وعرض علي عمر ابن الخطاب وعليه قميص يجره. قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله! قال: الدين. وقال على بن أبى طالب ﵁: خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر ﵄. وقال ﵁: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. وروى أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبى صالح، عن مالك الدار قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا. قال: فأتاه النبي ﷺ في المنام، وقال: ايت عمر فمره أن يستسقى للناس، فإنهم سيسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس (¬١). فأتى الرجل عمر فأخبره، فبكى عمر، وقال: يا رب، ما آلو إلا ما عجزت عنه، يا رب، ما آلو إلا ما عجزت عنه. وقال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. وقال حذيفة: كان علم الناس كلهم قد درس في علم عمر. وقال ابن مسعود: لو وضع علم أحياء العرب في كفة ميزان، ووضع علم عمر في كفة لرجح علم عمر. لقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم، ولمجلس كنت أجلسه مع عمر أوثق في نفسي من عمل سنة. وذكر عبد الرزاق، عن معمر، قال: لو أن رجلا قال: عمر أفضل من أبى بكر ما عنفته، وكذلك لو قال: علي أفضل من أبى بكر وعمر لم أعنفه إذا ذكر فضل الشيخين وأحبهما وأثنى عليهما بما هما أهله. فذكرت ذلك لوكيع فأعجبه واشتهاه. قال: يدل على أن أبا بكر ﵁ أفضل من عمر ﵁ سبقه له إلى الإسلام. وما روى عن النبي ﷺ أنه قال: رأيت في المنام كأنى وزنت بأمتي فرجحت، ثم وزن أبو بكر فرجح، ثم وزن عمر فرجح. وفي هذا بيان واضح في فضله على عمر. وقال عمر ﵁: ما سابقت أبا بكر إلى خير قط إلا سبقني إليه، ولوددت أنى شعرة في صدر أبى بكر. وذكر سيف بن عمر، عن عبيدة بن معتب، عن إبراهيم النخعي، قال: أول من ولى شيئا من أمور المسلمين عمر بن الخطاب، ولاه أبو بكر القضاء، فكان أول قاض في الإسلام. وقال: اقض بين الناس، فإني في شغل، وأمر ابن مسعود بعس المدينة. وأما القصة التي ذكرت في تسمية عمر نفسه أمير المؤمنين: فذكر الزبير، قال: قال عمر لما ولى: كان أبو بكر يقال له خليفة رسول الله ﷺ، فكيف يقال لي خليفة خليفة رسول الله، يطول هذا! قال: فقال له المغيرة بن شعبة: أنت أميرنا، ونحن المؤمنون. فأنت أمير المؤمنين. قال: فذاك إذن. قال أبو عمر: وأعلى من هذا في ذلك ما حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا أبو أحمد ابن الحسين بن جعفر بن إبراهيم، حدثنا أبو زكريا يحيى بن أيوب بن بادى (¬١) العلاف، حدثنا عمر بن خالد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن الزهري: أن عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن أبى خيثمة، لأى شيء كان أبو بكر ﵁ يكتب: من خليفة رسول الله؟ وكان عمر يكتب: من خليفة أبى بكر؟ ومن أول من كتب عبد الله أمير المؤمنين؟ فقال: حدثتني الشفاء - وكانت من المهاجرات الأول - أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عامل العراق أن ابعث إلي برجلين جلدين نبيلين، أسألهما عن العراق وأهله. فبعث إليه عامل العراق لبيد بن ربيعة العامري، وعدي بن حاتم الطائي، فلما قدما المدينة أناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد، فإذا هما بعمرو بن العاص، فقالا له: استأذن لنا على أمير المؤمنين يا عمرو؟ فقال عمرو: أنتما والله أصبتما باسمه، نحن المؤمنون وهو أميرنا. فوثب عمرو، فدخل على عمر، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال عمر: ما بدا لك في هذا الاسم؟ يعلم الله لتخرجن مما قلت أو لأفعلن. قال: إن لبيد بن ربيعة وعدى بن حاتم قدما فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد، وقالا لي: استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين، فهما والله أصابا اسمك، أنت الأمير، ونحن المؤمنون. قال: فجرى الكتاب من يومئذ. قال أبو عمر: وكانت الشفاء جدة أبى بكر، وروينا من وجوه: أن عمر ابن الخطاب ﵁ كان يرمى الجمرة، فأتاه جمر فوقع على صلعته، فأدماه، وثمة رجل من بنى لهب، فقال: أشعر أمير المؤمنين، لا يحج بعدها. قال: ثم جاء إلى الجمرة الثانية، فصاح رجل: يا خليفة رسول الله. فقال: لا يحج أمير المؤمنين بعد عامه هذا. فقتل عمر بعد رجوعه من الحج. قال محمد بن حبيب: لهب - مكسورة اللام: قبيلة من قبائل الأزد، تعرف فيها العيافة والزجر. قال أبو عمر: قتل عمر ﵁ سنة ثلاث وعشرين من ذي الحجة، طعنه أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة لثلاث بقين من ذي الحجة - هكذا قال الواقدي. وغيره قال: لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين. وروى سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبى الجعد، عن معدان بن أبى طلحة اليعمري، قال: قتل عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر. وقال أبو نعيم: قتل عمر بن الخطاب يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين ونصفا. أخبرنا عبد الوارث، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا ابن أبى عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: قتل أبو لؤلؤة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فطعن معه اثنا عشر رجلا، فمات ستة، وقال: فرمى عليه رجل من أهل العراق برنسا، ثم برك عليه، فلما رآه أنه لا يستطيع أن يتحرك وجأ نفسه (¬١) فقتلها. ومن أحسن شيء يروى في مقتل عمر ﵁ وأصحه ما: حدثنا خلف بن قاسم بن سهل، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن شعبان، قال: حدثنا أحمد بن شعيب النسائي، قال: حدثنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عمرو ابن ميمون، قال: شهدت عمر يوم طعن، وما منعني أن أكون في الصف المقدم إلا هيبته، وكان رجلا مهيبا، فكنت في الصف الذي يليه، فأقبل عمر ﵁، فعرض له أبو لؤلؤة - غلام المغيرة بن شعبة - ففاجأ عمر ﵁ قبل أن تستوي الصفوف، ثم طعنه ثلاث طعنات، فسمعت عمر وهو يقول: دونكم الكلب، فإنه قتلني، وماج الناس وأسرعوا إليه، فجرح ثلاثة عشر رجلا، فانكفأ عليه رجل من خلفه فاحتضنه، فماج الناس بعضهم في بعض، حتى قال قائل: الصلاة عباد الله، طلعت الشمس، فقدموا عبد الرحمن بن عوف، فصلى بنا بأقصر سورتين في القرآن: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾. و ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾. واحتمل عمر ودخل عليه الناس، فقال: يا عبد الله بن عباس، اخرج فناد في الناس إن أمير المؤمنين يقول: أعن ملأ منكم هذا! فخرج ابن عباس فقال: أيها الناس. أعن ملأ منكم هذا؟ فقالوا: معاذ الله! والله ما علمنا ولا أطلعنا. وقال: ادعوا لي الطبيب، فدعى الطبيب، فقال: أي الشراب أحب إليك؟ قال: النبيذ، فسقى نبيذا، فخرج من بعض طعناته، فقال الناس: هذا دم صديد. قال: اسقوني لبنا، فخرج من الطعنة، فقال له الطبيب: لا أرى أن تمسى، فما كنت فاعلا فافعل. وذكر تمام الخبر في الشورى، وتقديمه لصهيب في الصلاة، وقوله في علي ﵇: إن ولوها الأجلح سلك بهم الطريق الأجلح المستقيم - يعنى عليا. وقوله في عثمان وغيره. فقال له ابن عمر: ما يمنعك أن تقدم عليا؟ قال: أكره أن أحملها حيا وميتا. وذكر الواقدي، قال: أخبرنى نافع، عن أبى نعيم، عن عامر بن عبد الله ابن الزبير، عن أبيه، قال: غدوت مع عمر بن الخطاب ﵁ إلى السوق وهو متكئ على يدي، فلقيه أبو لؤلؤة - غلام المغيرة بن شعبة - فقال: ألا تكلم مولاي يضع عنى من حراجى! قال: كم خراجك؟ قال: دينار. قال: ما أرى أن أفعل، إنك لعامل محسن، وما هذا بكثير. ثم قال له عمر: ألا تعمل لي رحى؟ قال: بلى. فلما ولى قال أبو لؤلؤة: لأعملن لك رحى يتحدث بها ما بين المشرق والمغرب. قال: فوقع في نفسي قوله. قال: فلما كان في النداء لصلاة الصبح خرج عمر إلى الناس يؤذنهم للصلاة. قال ابن الزبير: وأنا في مصلاى وقد اضطجع له عدو الله أبو لؤلؤة، فضربه بالسكين ست طعنات إحداهن تحت سرته وهي قتلته، فصاح عمر: أين عبد الرحمن بن عوف؟ فقالوا: هو ذا يا أمير المؤمنين. قال: تقدم فصل بالناس، فتقدم عبد الرحمن فصلى بالناس، وقرأ في الركعتين ب «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ». و ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ﴾. واحتملوا عمر فأدخلوه منزله، فقال لابنه عبد الله: اخرج فانظر من قتلني. قال: فخرج عبد الله بن عمر فقال: من قتل أمير المؤمنين؟ فقالوا: أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، فرجع فأخبر عمر، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل قتلى بيد رجل يحاجنى بلا إله إلا الله، ثم قال: انظروا إلى عبد الرحمن بن عوف، فذكر الخبر في الشورى بتمامه. حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا الحسن بن رشيق، حدثنا الدولابى، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا على بن مجاهد، قال: اختلف علينا في شأن أبى لؤلؤة، فقال بعضهم: كان مجوسيا، وقال بعضهم: كان نصرانيا، فحدثنا أبو سنان سعيد بن سنان، عن أبى إسحاق الهمداني، عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: كان أبو لؤلؤة أزرق نصرانيا، وجأه بسكين له طرفان، فلما جرح عمر جرح معه ثلاثة عشر رجلا في المسجد، ثم أخذ، فلما أخذ قتل نفسه. واختلف في سن عمر ﵁ يوم مات، فقيل: توفى وهو ابن ثلاث وستين سنة كسن النبي ﷺ وسن أبى بكر حين توفيا، روى ذلك من وجوه، عن معاوية، ومن قول الشعبي. وروى عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: توفى عمر وهو ابن بضع وخمسين سنة. وقال أحمد بن حنبل، عن هشيم، عن على بن زيد، عن سالم بن عبد الله -: أن عمر قبض وهو ابن خمس وخمسين. وقال الزهري: توفى وهو ابن أربع وخمسين سنة. وقال قتادة توفى وهو ابن اثنين وخمسين. وقيل: مات وهو ابن ستين. وقيل: مات وهو ابن ثلاث وستين. حدثنا عبد الله، حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا على بن المديني، حدثنا حسين بن على الجعفي، عن زائدة ابن قدامة، عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثنا أبو بردة، عن عوف ابن مالك الأشجعي: أنه رأى في المنام كأن الناس جمعوا، فإذا فيهم رجل فرعهم، فهو فوقهم بثلاثة أذرع، فقلت: من هذا؟ فقالوا: عمر. قلت: لم؟ قالوا: لأن فيه ثلاث خصال، إنه لا يخاف في الله لومة لائم. وإنه خليفة مستخلف، وشهيد مستشهد. قال: فأتى إلى أبى بكر فقصها عليه، فأرسل إلى عمر فدعاه ليبشره. قال: فجاء عمر، فقال لي أبو بكر: اقصص رؤياك. قال: فلما بلغت «خليفة مستخلف» زبرني (¬١) عمر، وانتهرني، وقال: اسكت، تقول هذا وأبو بكر حى! قال: فلما كان بعد، وولى عمر مررت بالمسجد، وهو على المنبر. قال: فدعاني، وقال: اقصص رؤياك، فقصصتها. فلما قلت: إنه لا يخاف في الله لومة لائم. قال: إني لأرجو أن يجعلني الله منهم. قال: فلما قلت: خليفة مستخلف. قال: قد استخلفني الله، فسله أن يعينني على ما ولانى. فلما ذكرت: شهيد مستشهد قال: أنى لي بالشهادة وأنا بين أظهركم تغزون ولا أغزو! ثم قال: بلى يأتى الله بها أنى شاء. أنبأنا سعيد بن سيد، حدثنا عبد الله بن محمد بن على، حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا أبو يعقوب الديرى، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ رأى على عمر قميصا أبيض، وقال: جديد قميصك أم غسيل؟ قال: بل غسيل. قال: البس جديدا، وعش حميدا، ومت شهيدا، ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة، قال: وإياك يا رسول الله. وروى معمر، عن الزهري قال: صلى عمر على أبى بكر ﵁ حين مات، وصلى صهيب على عمر ﵄. وروي عن عمر ﵁: أنه قال في انصرافه من حجته التي لم يحج بعدها: الحمد لله ولا إله إلا الله، يعطي من يشاء ما يشاء، لقد كنت بهذا الوادي - يعنى ضجنان (¬١) - أرعى إبلا للخطاب، وكان فظا غليظا يتعبنى إذا عملت، ويضربني إذا قصرت، وقد أصبحت وأمسيت، وليس بيني وبين الله أحد أخشاه، ثم تمثل: لا شيء مما ترى تبقى بشاشته … يبقى الإله ويودي المال والولد لم تغن عن هرمز يوما خزائنه … والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان إذ تجرى الرياح له … والجن والإنس فيما بينها برد أين الملوك التي كانت لعزتها … من كل أوب إليها وافد يفد حوض هنالك مورود بلا كذب … لا بد من ورده يوما كما وردوا وروينا عن عمر ﵁: أنه قال في حين احتضر ورأسه في حجر ابنه عبد الله: ظلوم لنفسي غير أني مسلم … أصلي الصلاة كلها وأصوم حدثنا عبد الوارث، حدثنا قاسم بن جعفر بن محمد الصائغ، حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا إبراهيم بن سعد الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى ربيعة، عن أم كلثوم بنت أبى بكر - أن عائشة حدثتها: أن عمر ﵁ أذن لأزواج النبي ﷺ أن يحججن في آخر حجة حجها عمر - قالت: فلما ارتحل من الخطمة أقبل عليه رجل متلثم، فقال، وأنا أسمع: أين كان منزل أمير المؤمنين؟ فقال قائل - وأنا أسمع: هذا كان منزله، فأناخ في منزل عمر، ثم رفع عقيرته يتغنى: عليك سلام من أمير وباركت … يد الله في ذاك الأديم الممزق فمن يجر أو يركب جناحي نعامة … ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها … بواثق في أكمامها لم تفتق قالت عائشة: فقلت لبعض أهلي: أعلمونى من هذا الرجل؟ فذهبوا فلم يجدوا في مناخه أحدا قالت عائشة: فوالله إني لأحسبه من الجن. فلما قتل عمر قال الناس هذه الأبيات للشماخ بن ضرار، أو لأخيه مزرد. قال أبو عمر ﵀: كانوا إخوة ثلاثة كلهم شاعر. وروى مسعر، عن عبد الملك بن عمير، عن عروة، عن عائشة قالت: ناحت الجن على عمر قبل أن يقتل بثلاث فقالت: أبعد قتيل بالمدينة أظلمت (¬١) … له الأرض تهتز العضاة بأسوق جزى الله خيرا من إمام وباركت … يد الله في ذاك الأديم الممزق فمن يسع أو يركب جناحي نعامة … ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها … بوائق في أكمامها لم تفتق فما كنت أخشى أن يكون وفاته (¬١) … بكفى سبتني أزرق العين مطرق (¬٢) ويروى بكفى سبنت، والسبنتى: النمر الجريء. وقد تمد السبنتاء. والمطرق: الحنق، قال الملتمس: فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى … مساغا لنابيه الشجاع لصمما (¬٣)