page 368, entry [656]Open original source
(٥٤٠) حكيم ويقال حكيم بن جبلة، وهو الأكثر، ويقال ابن جبل، [وابن جبلة] (¬٢)، العبدي، من عبد القيس. أدرك النبي ﷺ، ولا أسلم له عنه رواية ولا خبرا يدل على سماعه منه ولا رؤيته له، وكان رجلا صالحا له دين، مطاعا في قومه، وهو الذي بعثه عثمان إلى السند فنزلها، ثم قدم على عثمان فسأله عنها، فقال: ماؤها وشل، ولصها بطل، وسهلها جبل، إن كثر الجند بها جاعوا، وإن قلوا بها ضاعوا، فلم يوجه عثمان إليها أحدا حتى قتل. ثم كان حكيم بن جبلة هذا ممن يعيب عثمان من أجل عبد الله ابن عامر وغيره من عماله. ولما قدم الزبير، وطلحة، وعائشة، البصرة، وعليها عثمان بن حنيف واليا لعلي ﵁، بعث عثمان بن حنيف حكيم بن جبلة العبدي في سبعمائة من عبد القيس، وبكر بن وائل، فلقى طلحة والزبير بالزابوقة (¬٣) قرب البصرة، فقاتلهم قتالا شديدا، فقتل ﵀، قتله رجل من بني حدان. هذه رواية في قتل حكيم بن جبلة، وقد روي أنه لما غدر ابن الزبير بعثمان بن حنيف بعد الصلح الذي كان عقده عثمان بن حنيف مع طلحة والزبير أتاه ابن الزبير ليلا في القصر، فقتل نحو أربعين رجلا من الزط على باب القصر، وفتح بيت المال، وأخذ عثمان بن حنيف فصنع به ما قد ذكرته في غير هذا الموضع، وذلك قبل قدوم علي ﵁، فبلغ ما صنع ابن الزبير بعثمان بن حنيف حكيم بن جبلة، فخرج في سبعمائة من ربيعة فقاتلهم حتى أخرجهم من القصر، ثم كروا عليه فقاتلهم حتى قطعت رجله، ثم قاتل ورجله مقطوعة حتى ضربه سحيم الحدانى العنق (¬١) فقطع عنقه، واستدار رأسه في جلدة عنقه حتى سقط وجهه على قفاه. وقال أبو عبيدة: قطعت رجل حكيم بن جبلة يوم الجمل، فأخذها ثم زحف إلى الذي قطعها فلم يزل يضربه بها حتى قتله، وقال: يا نفس لن تراعى … رعاك (¬٢) خير راعى إن قطعت كراعى … إن معى ذراعي قال أبو عبيدة: وليس يعرف في جاهلية ولا إسلام أحد فعل مثل فعله. وقال أبو عمر ﵁: كذا قال أبو عبيدة، قطعت رجله يوم الجمل، وهذا منه على المقاربة، لأنه قبل يوم الجمل بأيام، ولم يكن علي ﵁ لحق حينئذ، وقد عرض لمعاذ بن عمرو بن الجموح يوم بدر في قطع يده من الساعد قريب من هذا، وقد ذكرنا ذلك في بابه من هذا الكتاب. وذكر المدائني عن شيوخه عن أبى نضرة العبدي، وابن شهاب الزهري وأبي بكر الهذلي، وعامر بن حفص، وبعضهم يزيد على بعض: أن عثمان بن حنيف لما كتب الكتاب بالصلح بينه وبين الزبير، وطلحة، وعائشة أن يكفوا عن الحرب، ويبقى هو في دار الإمارة خليفة لعلى على حاله حتى يقدم على ﵁ فيرون رأيهم قال عثمان بن حنيف لأصحابه: أرجعوا وضعوا سلاحكم. فلما كان بعد أيام جاء عبد الله بن الزبير في ليلة ذات ريح وظلمة وبرد شديد، ومعه جماعة من عسكرهم، فطرقوا عثمان بن حنيف في دار الإمارة فأخذوه، ثم انتهوا به إلى بيت المال فوجدوا أناسا من الزط يحرسونه، فقتلوا منهم أربعين رجلا، وأرسلوا بما فعلوه من أخذ عثمان وأخذ ما في بيت المال إلى عائشة يستشيرونها في عثمان، وكان الرسول إليها أبان بن عثمان. فقالت عائشة: اقتلوا عثمان بن حنيف. فقالت لها امرأة: ناشدتك الله يا أم المؤمنين في عثمان بن حنيف وصحبته لرسول الله ﷺ! فقالت: ردوا أبانا، فردوه، فقالت: احبسوه ولا تقتلوه. فقال أبان: لو أعلم أنك رددتني لهذا لم أرجع، وجاء فأخبرهم. فقال لهم مجاشع بن مسعود: اضربوه وانتفوا شعر لحيته. فضربوه أربعين سوطا ونتفوا شعر لحيته وحاجبه وأشفار عينه، فلما كانت الليلة التي اخذ فيها عثمان بن حنيف غدا عبد الله بن الزبير إلى الزابوقة، ومدينة الرزق وفيها طعام يرزقونه الناس، فأراد أن يرزقه أصحابه، وبلغ حكيم ابن جبلة ما صنع بعثمان بن حنيف فقال: لست أخاه إن لم أنصره. فجاء في سبعمائة من عبد القيس وبكر بن وائل، وأكثرهم عبد القيس، فأتى ابن الزبير في مدينة الرزق، فقال: مالك يا حكيم؟ قال: تريد أن نرزق من هذا الطعام، وأن تخلوا عثمان بن حنيف فيقيم في دار الإمارة على ما كنتم كتبتم بينكم وبينه حتى يقدم على علي ما تراضيتم عليه، وأيم الله لو أجد أعونا عليكم ما رضيت بهذا منكم حتى أقتلكم بمن قتلتم، ولقد أصبحتم وإن دماءكم لحلال بمن قتلتم من إخواننا، أما يخافون الله؟ بم تستحلون الدماء؟ قالوا: بدم عثمان. قال: فالذين قتلتموهم قتلوا عثمان أو حضروا قتله، أما تخافون الله؟ فقال ابن الزبير: لا نرزقكم من هذا الطعام، ولا نخلى عثمان حتى نخلع عليا. فقال حكيم: اللهم اشهد. اللهم اشهد. وقال لأصحابه: إني لست في شك من قتال هؤلاء، فمن كان في شك فلينصرف، فقاتلهم فاقتتلوا قتالا شديدا، وضرب رجل ساق حكيم فقطعها، فأخذ حكيم الساق فرماه بها فأصاب عنقه، فصرعه ووقذه (¬١)، ثم حجل إليه فقتله، وقتل يومئذ سبعون رجلا من عبد القيس.