page 343, entry [619]Open original source
(٥٠٧) حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدى بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الشاعر، يكنى أبا الوليد. وقيل: يكنى أبا عبد الرحمن. وقيل: أبا الحسام، وأمه الفريعة بنت خالد بن خنيس (¬١) بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن كعب ابن ساعدة الأنصارية كان يقال له شاعر رسول الله ﷺ. روينا عن عائشة ﵂: أنها وصفت رسول الله ﷺ فقال: كان والله كما قال فيه شاعره حسان بن ثابت ﵁ (¬٢): متى يبد في الداجي البهيم جبينه … يلح مثل مصباح الدجى المتوقد فمن كان أو من قد يكون كأحمد … نظام لحق أو نكال لملحد وروينا عن حديث عوف الأعرابي وجرير بن حازم عن محمد ابن سيرين، ومن حديث السدى عن البراء، ومن حديث سماك بن حرب وأبى إسحاق - دخل حديث بعضهم في بعض: أن الذين كانوا يهجون رسول الله ﷺ من مشركي قريش: عبد الله بن الزبعري، وأبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب، وعمرو بن العاص، وضرار بن الخطاب، فقال قائل لعلى بن أبى طالب: اهج عنا القوم الذين يهجوننا. فقال: إن أذن لي رسول الله ﷺ فعلت. فقالوا: يا رسول الله، ائذن له. فقال رسول الله ﷺ: إن عليا ليس عنده ما يراد في ذلك منه، أو: ليس في ذلك لك. ثم قال: ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله ﷺ بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟ فقال حسان: أنا لها، وأخذ بطرف لسانه وقال: والله ما يسرنى به مقول (¬١) بين بصرى وصنعاء. وقال رسول الله ﷺ: كيف تهجوهم وأنا منهم؟ وكيف تهجو أبا سفيان وهو ابن عمى؟ فقال: والله لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين. فقال له: ايت أبا بكر، فإنه أعلم بأنساب القوم منك. فكان يمضى إلى أبى بكر ليقف على أنسابهم، فكان يقول له: كف عن فلانة وفلانة، واذكر فلانة وفلانة، فجعل حسان يهجوهم. فلما سمعت قريش شعر حسان قالوا: إن هذا الشعر ما غاب عنه ابن أبى قحافة، أو: من (¬٢) شعر ابن أبى قحافة. فمن شعر حسان في أبى سفيان بن الحارث (¬٣): وإن سنام المجد من آل هاشم … بنو بنت مخزوم ووالدك العبد ومن ولدت أبناء (¬١) زهرة منهم … كرام ولم يقرب عجائزك المجد ولست كعباس ولا كابن أمه … ولكن لئيم (¬٢) لا تقام له زند وإن امرأ كانت سمية أمه … وسمراء - مغمور إذا بلغ الجهد وأنت هجين (¬٣) نيط في آل هاشم … كما نيط خلف الراكب القدح الفرد فلما بلغ هذا الشعر أبا سفيان قال: هذا كلام لم يغب عنه ابن أبى أبى قحافة. قال أبو عمر: يعنى بقوله بنت مخزوم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم فيما ذكر أهل النسب، وهي أم أبي طالب، وعبد الله، والزبير، بنى عبد المطلب. وقوله: ومن ولدت أبناء زهرة منهم، يعنى حمزة وصفية، أمهما هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة والعباس، وابن أمه شقيقه ضرار بن عبد المطلب، أمهما نتيلة امرأة من النمر بن قاسط، وسمية أم أبى سفيان وسمراء أم أبيه. ومن قول حسان أيضا في أبى سفيان (¬٤): هجوت محمدا فأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجزاء هجوت مطهرا (¬٥) برا حنيفا … أمين الله شيمته الوفاء (¬٦) أتهجوه ولست له بكفء … فشركما لخير كما الفداء فإن أبى ووالدتي (¬١) وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء وهذا الشعر أوله (¬٢): عفت ذات الأصابع فالجواء … إلى عذراء منزلها خلاء قال مصعب الزبيري: هذه القصيدة قال حسان صدرها في الجاهلية وآخرها في الإسلام. قال: وهجم حسان على فتية من قومه يشربون الخمر، فعيرهم في ذلك، فقالوا: يا أبا الوليد، ما أخذنا هذه إلا منك، وإنا لنهم بتركها ثم يثبطنا عن ذلك قولك: ونشربها فتتركنا ملوكا … وأسدا ما ينهنهنا اللقاء فقال: هذا شيء قتله في الجاهلية، والله ما شربتها منذ أسلمت. قال ابن سيرين: وانتدب لهجو المشركين ثلاثة من الأنصار: حسان ابن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، فكان حسان وكعب ابن مالك يعارضانهم بمثل قولهم في الوقائع والأيام والمآثر، ويذكران مثالبهم، وكان عبد الله بن رواحة يعيرهم بالكفر وعبادة ما لا يسمع ولا ينفع، فكان قوله يومئذ أهون القول عليهم، وكان قول حسان وكعب أشد القول عليهم، فلما أسلموا وفقهوا كان أشد القول عليهم قول عبد الله ابن رواحة. وروينا من وجوه كثيرة عن أبى هريرة وغيره: أن رسول الله ﷺ كان يقول لحسان: اهجهم - يعنى المشركين - وروح القدس معك. وإنه ﷺ قال لحسان: اللهم أيده بروح القدس لمناضلته عن المسلمين. وقال ﷺ: إن قوله فيهم أشد من وقع النبل. ومر عمر بن الخطاب ﵁ بحسان وهو ينشد الشعر في مسجد رسول الله ﷺ، فقال: أتنشد الشعر؟ أو قال: مثل هذا الشعر في مسجد رسول الله ﷺ؟ فقال له حسان: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك - يعنى النبي ﷺ. فسكت عمر. وروي عن عمر رضي الله أنه نهى أن ينشد الناس شيئا من مناقضة الأنصار ومشركي قريش، وقال: في ذلك شتم الحى والميت، وتجديد الضغائن، وقد هدم الله أمر الجاهلية بما جاء من الإسلام. وروى ابن دريد عن أبى حاتم عن أبى عبيدة قال: فضل حسان على الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﷺ في [أيام] النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام. قال أبو عبيدة: واجتمعت العرب على أن أشعر أهل المدر أهل يثرب، ثم عبد القيس، ثم ثقيف، وعلى أن أشعر أهل المدر حسان بن ثابت. وقال أبو عبيدة: حسان بن ثابت شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر أهل اليمن في الإسلام، وهو شاعر أهل القرى. وعن أبى عبيدة وأبي عمرو بن العلاء أنهما قالا: حسان بن ثابت أشعر أهل الحضر. وقال أحدهما: أهل المدر. وقال الأصمعي: حسان بن ثابت أحد فحول الشعراء، فقال له أبو حاتم: تأتى له أشعار لينة. فقال الأصمعي: تنسب إليه أشياء لا تصح عنه. وروى ابن أخى الأصمعي عن عمه قال: الشعر نكد يقوى في الشر ويسهل، فإذا دخل في الخير ضعف ولان، هذا حسان فحل من فحول الشعراء في الجاهلية، فلما جاء الإسلام سقط شعره. وقال مرة أخرى: شعر حسان في الجاهلية من أجود الشعر. وقيل لحسان: لان شعرك أو هرم شعرك في الإسلام يا أبا الحسام. فقال للقائل: يا بن أخي، إن الإسلام يحجز عن الكذب، أو يمنع من الكذب، وإن الشعر يزينه الكذب، يعنى إن شأن التجويد في الشعر الإفراط في لوصف والتزيين بغير الحق، وذلك كله كذب. وقال الحطيئة: أبلغوا الأنصار أن شاعرهم أشعر العرب حيث يقول (¬١): يغشون حتى ما تهر كلابهم … لا يسألون عن السواد المقبل وقال عبد الملك بن مروان: إن أمدح بيت قالته العرب بيت حسان هذا. وقال قوم في حسان: إنه كان ممن خاض في الإفك على عائشة ﵂، وإنه جلد في ذلك وأنكر قوم أن يكون حسان خاض في الإفك أو جلد فيه، ورووا عن عائشة ﵂ أنها برأته من ذلك ذكر الزبير بن بكار، قال: حدثني إبراهيم بن المنذر، عن هشام بن سليمان، عن ابن جريج، عن محمد بن السائب ابن بركة، عن أمه، أنها كانت مع عائشة في الطواف، ومعها أم حكيم بنت خالد بن العاصي، وأم حكيم بنت عبد الله بن أبى ربيعة، فتذاكرتا (¬١) حسان بن ثابت [فابتدرناه] (¬٢) بالسب، فقالت عائشة: ابن الفريعة تسبان؟ إني لأرجو أن يدخله الله الجنة بذبه عن النبي ﷺ بلسانه، أليس القائل (¬٣): هجوت محمدا فأجبت عنه … وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبى ووالدتي وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء فبرأته من أن يكون افترى عليها، فقالتا: أليس ممن لعنه الله في الدنيا والآخرة بما قال فيك؟ فقالت: لم يقل شيئا، ولكنه الذي يقول (¬٤): حصان رزان ما تزن بريبة … وتصبح غرثى من لحوم الغوافل (¬١) فإن كان ما قد قيل عنى قلته … فلا رفعت سوطي إلي أناملى وقال أكثر أهل الأخبار والسير: إن حسانا كان من أجبن الناس، وذكروا من جبنه أشياء مستشنعة أوردوها عن الزبير أنه حكاها عنه، كرهت ذكرها لنكارتها. ومن ذكرها قال: إن حسانا لم يشهد مع رسول الله ﷺ شيئا من مشاهده، لجبنه، وأنكر بعض أهل العلم بالخبر ذلك، وقالوا: لو كان حقا لهجي به. وقيل: إنما أصابه ذلك الجبن منذ ضربه صفوان بن المعطل بالسيف. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي: إن رسول الله ﷺ أعطى حسانا عوضا من ضربة صفوان الموضع الذي بالمدينة، وهو قصر بنى جديلة، وأعطاه سيرين أمة قبطية، فولدت له عبد الرحمن ابن حسان. وقال أبو عمر ﵁: أما إعطاء رسول الله ﷺ سيرين أخت مارية لحسان فمروى من وجوه، وأكثرها أن ذلك ليس لضربة صفوان، بل لذبه بلسانه عن النبي ﷺ في هجاء المشركين له، والله أعلم. ومن جيد شعر حسان ما ارتجله بين يدي النبي ﷺ في حين قدوم وفي بنى تميم، إذا أتوه بخطيبهم وشاعرهم، ونادوه من وراء الحجرات أن اخرج إلينا يا محمد، فأنزل الله فيهم (¬١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ، ولَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ .. ﴾. الآية. وكانت حجراته ﷺ تسعا، كلها من شعر مغلقة (¬٢) من خشب العرعر (¬٣). فخرج رسول الله ﷺ إليهم، وخطب خطيبهم مفتخرا، فلما سكت أمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس بن شماس أن يخطب بمعنى ما خطب به خطيبهم، فخطب ثابت بن قيس فأحسن، ثم قام شاعرهم، وهو الزبرقان ابن بدر فقال: نحن الملوك (¬٤) … فلا حي يقاربنا فينا العلاء وفينا تنصب البيع (¬٥) ونحن نطعمهم في القحط ما أكلوا … من العبيط (¬٦) إذا لم يؤنس القزع (¬٧) وننحر الكوم عبطا (¬٨) في أرومتنا … للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا تلك المكارم حزناها مقارعة … إذا الكرام على أمثالها اقترعوا ثم جلس. فقال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت: قم، فقام وقال (¬١): إن الذوائب من فهر وإخوتهم … قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بها كل من كانت سريرته … تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم … أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة … إن الخلائق فاعلم شرها البدع لو كان في الناس سباقون بعدهم … فكل سبق لأدنى سبقهم تبع لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم … عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا ولا يضنون عن جار (¬٢) بفضلهم … ولا يمسهم (¬٣) في مطمع طبع أعفة ذكرت للناس (¬٤) عفتهم … لا يبخلون ولا يرديهم طمع خذ منهم ما أتوا عفوا إذا (¬٥) عطفوا … ولا يكن همك الأمر الذي منعوا فإن في حربهم فاترك عداوتهم … شرا يخاض إليه الصاب والسلع أكرم بقوم رسول الله شيعتهم … إذا تفرقت الأهواء والشيع فقال التميميون عند ذلك: وربكم إن خطيب القوم أخطب من خطيبنا، وإن شاعرهم أشعر من شاعرنا، وما انتصفنا (¬٦) ولا قاربنا. وتوفي حسان بن ثابت ﵀ قبل الأربعين في خلافة على ﵁ وقيل: بل مات حسان سنة خمسين. [وهو ابن مائة عشر بن سنة] (¬١) وقيل أن حسان بن ثابت توفي سنة أربع وخمسين، ولم يختلفوا (¬٢) أنه عاش مائة، وعشرين سنة، منها ستون في الجاهلية وستون في الإسلام، وأدرك النابغة الذبياني، وأنشده من شعره، وأنشد الأعشى وكلاهما قال له: إنك شاعر.