page 1, entry [1]Open original source
مقدمة التحقيق ﷽ وبه نستعين الحمد والعظمة والكبرياء لمن له الأسماء الحسنى، الحىّ الدائم الباقى الذى لا يبيد ولا يفنى، الخالق البارئ المصوّر الذى خلق فسوّى، الربّ العزيز الحكيم الذى أضحك وأبكى، القادر الجبّار القهّار الذى أمات وأحيا، المبدئ المحيى المميت إليه المنتهى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله فى الأرض وإله فى السماء، شهادة أدّخرها أطلب بها الفوز يوم اللقاء. وأشهد أن محمدا عبد الله (¬١) ورسوله المسمّى بخير الأسماء، أحمد ومحمد والماحى والحاشر والعاقب آخر الأنبياء، صلّى الله عليه وعلى آله خصوصا أهل الكساء (¬٢)، ورضى الله عن أبى بكر وعمر وعثمان وعلى والحسن آخر الخلفاء، ورضى الله عن بقيّة الصحابة وأزواجه وعمّيه العباس وحمزة سيّد الشهداء، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم طىّ السماء. يا رب، وتغمّد النّعمان بعفوك، واجعل (¬٣) زللنا و (¬٣) زَلَلَه فى سعة رحمتك؛ فقد كان يدعو فى حياته بهذا الدعاء. يا رب وأنجز له ما وعد به أصحابه، ومن تبعه وكان على مذهبه إلى يوم الجزاء، على ما روى ذلك عنه الأئمة الثّقات من أصحابه النبلاء. يا رب (¬١) وعبيدك ومسيكينك (¬١) جامع هذا الكتاب لا تجعله من الأشقياء، واغفر له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات، واجعلنا أجمعين من السعداء. أما بعد؛ فقد قال الله العظيم فى كتابه الكريم: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (¬٢) قال جماعة من السلف: هو ذكر أصحاب رسول الله صلّى الله عليه (¬٣) وسلم. وإنما حصل لهم هذا الشرف من وجوه: أعظمها رؤية النبىّ ﷺ، ولهذا اختلف فى حدّ الصحابىّ، على ما عرف. الثانى: ما اكتسبوه من العلم. الثالث: حسن الاتّباع لرسول الله ﷺ. إلى غير ذلك من الوجوه. ولما كان ذلك (¬٤) كذلك فالتابعون مشاركون لهم فى ذلك، فكان ذكرهم تطمئنّ به القلوب، وكذلك من بعدهم ممّن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وقد رأيت مقاصد العلماء مختلفة فى ذكرهم، فمنهم من أفرد الصحابة بالجمع كأبى عمر ابن عبد البرّ وغيره، ومنهم من أفرد التابعين على طبقاتهم كالواقدىّ وغيره، ومنهم من أفرد الزّهّاد كأبى عبد الرحمن السّلمىّ وغيره. وأرباب المذاهب المتبوعة كلّ منهم أفرد أصحاب إمام مذهبه، ولم أر أحدا جمع (¬١) طبقات أصحابنا، وهم أمم لا يحصون. فقد ذكر فى كتاب «التعليم» (¬٢) أنه روى عن أبى حنيفة ونقل مذهبه نحو من أربعة آلاف نفر، ولا بد من (¬٣) أن يكون لكلّ واحد منهم أصحاب وهلمّ جرّا. وهذا السّمعانىّ يقول: إن بخيزاخزى (¬٤) من بخارى خلقا من أصحاب أبى حفص الكبير (¬١) لا يحصون، وهذا فى قرية من قرى بخارى. وقال أيضا فى ترجمة أبى حفص الكبير: روى عنه خلق لا يحصون. وقال أيضا فى ترجمة القدورىّ (¬٢): صنّف «المختصر» المشهور. قال: فنفع الله به خلقا لا يحصون (¬٣). وأبو نصر العياضىّ (¬٤) من أصحابنا يقال إنه لما استشهد خلّف بعده أربعين رجلا من أصحابه، كلّ واحد منهم من أقران أبى منصور الماتريدىّ (¬٥). وأصحاب الأمالى (¬٦) الذين رووها عن أبى يوسف لا يحصون. ومن يحصى أيضا مشايخ ما وراء النّهر. ومن يحصى أيضا علماء سمرقند من أصحابنا، فقد ذكر (¬٧) لى الثّقة (¬٧) من أصحابنا ممن طاف البلاد، أن بجاكرديزة (¬٨) من بلاد سمرقند تربة يقال لها تربة المحمّدين، دفن فيها نحو (¬١) من أربعمائة نفس، كل واحد منهم يقال (¬٢) له محمد، صنّف وأفتى، وأخذ عنه الجمّ الغفير. وزادنى غيره أن كلّ واحد (¬٢) يسمّى بمحمد بن محمد، جمعهم أهل سمرقند بهذه التربة. ولما مات الإمام الجليل صاحب «الهداية» (¬٣) حملوه إلى هذه التربة، وأرادوا دفنه بها، فمنعوا من ذلك، فدفن بالقرب منها. ومقبرة (¬٤) الصّدور معروفة بظاهر باب كلاباذ (¬٥). فيها أمم لا يحصون من الحنفيّة. وكذلك مقبرة القضاة السّبعة (¬٦)، قريبة من بخارى، فيها أمم لا يحصون وأحدهم أبو زيد الدّبوسىّ (¬٧). وفى شونيز (¬٨) مقبرة تعرف بمقبرة أصحاب أبى حنيفة، فيها خلق لا يحصون. ومن يحصى بيوت الدّامغانيّة، والصّاعديّة، فقد ذكر صاعد بن محمد بن أحمد أبو العلا عماد الإسلام (¬٩)، فى كتاب «الاعتقاد» له، عن عبد الملك ابن أبى الشّوارب، أنه أشار إلى قصرهم العتيق بالبصرة، وقال: قد خرج من هذه (¬١) الدار سبعون قاضيا على مذهب أبى حنيفة. وسيأتى فى ترجمته إن شاء الله تعالى. وقد تولى القضاء أيضا من بيت قاضى القضاة أبى عبد الله الدّامغانىّ (¬٢) جماعة لا يحصون، سترى منهم خلقا كثيرا (¬٣) فى هذا (¬٤) المجموع، إن شاء الله تعالى. ورأيت «مصنّفا» ضخما للهمذانىّ (¬٥) من أصحابنا، ذكر فيه أصحاب أبى عبد الله الدّامغانىّ (¬٦)، والإمام الصّيمرىّ (¬٧)، الذين أخذوا عنهما. وبيت الصّفّاريّة (¬٨) بيت مشهور بالعلم والقضاء والزهد. وبيت النّوحيّة (¬٩) أيضا بيت مشهور، فيهم كثرة، (¬١٠) علماء فضلاء (¬١٠). قال السّمعانىّ فى ترجمة النّوحىّ (¬١): نسبة إلى الجدّ. وذكر إسحاق ابن محمد بن إبراهيم، إلى أن قال: (¬٢) وإخوته أهل بيت كلهم يقال لهم النّوحىّ، وهم علماء فضلاء (¬٢). وقال ابن خلّكان فى «تاريخه» فى ترجمة المعزّ بن باديس (¬٣): وكان مذهب أبى حنيفة رضى الله عنه بإفريقيّة أظهر المذاهب، فحمل المعزّ المذكور جميع أهل المغرب على التمسّك بمذهب مالك بن أنس رضى الله عنه، وحسم مادّة الخلاف فى المذاهب، واستمرّ الحال فى ذلك إلى الآن. قلت: وكان ولادة المعزّ بالمنصوريّة، من أعمال إفريقيّة، سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، وتوفّى بالقيروان سنة أربع وخمسين وأربعمائة. وبيت اللّمغانيّة (¬٤) فيهم كثرة (¬٥)، علماء فضلاء. ومذ طلبت العلم، ونفسى متشوّقة (¬٦) إلى جمع كتاب أذكر فيه طبقات أصحابنا، فيمنعنى من ذلك العجز عن الإحاطة ببعض هذا الجمّ الغفير، وتتبّع الكتب المصنّفة فى ذلك. فأول من حثّنى على ذلك قديما شيخنا العلّامة قطب الدين عبد الكريم (¬٧)، وأمدّنى بتواريخ وتعاليق وفوائد عزيزة، من فوائد الإمام أبى العلاء البخارىّ، وانتفعت به نفعا كثيرا فى هذا الباب، مما جمعه وأرشدنى إليه. وكذلك شيخنا الإمام العلّامة الحجّة الأستاذ أبو الحسن السّبكىّ (¬١)، وأمدّنى بكتب وفوائد، ك «تاريخ نيسابور» للحاكم، وغيره، وتلقّيت أشياء حسنة من فيه. وأعظمهم علىّ منّة فى ذلك، وأكثرهم لى مددا شيخنا العلامة الأوحد الأستاذ أبو الحسن علىّ الماردينىّ (¬٢)، وكنت فى كل وقت أعرض عليه ما وقع لى من التراجم، ويرشدنى إلى أشياء حسنة. ثم خلفه فى ذلك الخلف الصالح ولده الإمام جمال الدين (¬٣)، قاضى قضاة الحنفية ومحدثها ﵀ ورحم سلفه، ونفع بعلومه وبركته. وأنا أسأل الله العظيم إتمام ما قصدته، آمين. واعلم (¬٤) أن فى ذكر تراجم العلماء فوائد نفيسة، ومهمّات جليلة؛ منها ما تقدّم من البحث فى قوله تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. الفائدة الثانية؛ معرفة مناقبهم وأحوالهم، فنتأدّب بآدابهم، ونقتبس من محاسن آثارهم. الفائدة الثالثة؛ معرفة مراتبهم وأعصارهم، فينزّلون منازلهم، ولا (¬١) نقصّر بالعالى (¬١) فى الجلالة عن درجته، ولا نرفع غيره عن مرتبته، وقد قال الله تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (¬٢) وثبت فى «صحيح مسلم»: «ليلنى منكم أولو الأحلام والنّهى» (¬٣)، وعن عائشة رضى الله عنها، قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزّل الناس منازلهم. قال الحاكم أبو عبد الله: هو حديث صحيح (¬٤). الفائدة الرابعة؛ أنهم أئمّتنا وأسلافنا كالوالدين لنا، وأجدى (¬٥) علينا فى مصالح آخرتنا، التى هى دار قرارنا، وأنصح لنا فيما هو أعود علينا، فيقبح (¬٦) علينا أن نجهلهم وأن نهمل معرفتهم. الفائدة الخامسة؛ أن يكون العمل والتّرجيح بقول أعلمهم وأورعهم، إذا تعارضت أقوالهم. الفائدة السادسة؛ بيان مصنفاتهم، وما لها من الجلالة. وقد رتبت هذا الكتاب على الحروف، وكذلك فى اسم الآباء والأجداد؛ تيسيرا على كاشفه، وأتبعته بكتاب فى الكنى، ثم بكتاب الذّيل على الكنى، ثم بكتاب النّساء، ثم بكتاب فى الأنساب، ثم بكتاب فى الألقاب، ثم بكتاب فيمن عرف بابن فلان، ثم ختمته بكتاب الجامع، على عادة علماء المدينة، أذكر فيه فوائد جمّة، ونفائس مهمّة. وأقدّم فى أول كتابى هذا مقدمة تشتمل على ثلاثة أبواب، كل باب يشتمل على فصول: الأول فى بيان عدد أسماء الله الحسنى. الثانى فى بيان أسماء رسول الله ﷺ، وغير ذلك. الثالث فى الملتقط من مناقب أبى حنيفة. ثم أشرع بعد ذلك فيما قصدت، وعلى الله توكلت وإليه أنيب، وعليه اعتمادى، وإليه تفويضى واستنادى، ولا حول ولا قوة إلا بالله (¬١) العزيز الحكيم (¬١). وسميته: «الجواهر المضيّة فى طبقات الحنفية». وهذا حين الشروع فيما أردت تقديمه، وبالله التوفيق. المقدمة وتشتمل على ثلاثة أبواب: