page 6022, entry [2554]Open original source
خَطِيْرُ المُلْكِ ابن الوَزِير اليَازُوْرِيّ أبي مُحَمَّد، وَزِير المُسْتَنْصِر الفَاطِميّ (¬١) توجَّه من الدِّيَار المِصْرِيَّة إلى حَلَب في حَيَاةِ أبيهِ لتَرْتيب أُمُورها وإصْلَاح أحْوَالها. قَرَأتُ في كتاب جِنَان الجِنَان وريَاضِ الأذْهَان، تأليفُ ابن الزُّبَيْر، قال بعد حِكايَةٍ ذَكَرَها (¬٢): ومثْل ما ذَكَرْتُه من اخْتِلَال أحْوَال ذَوي الجاهِ والمَال، ما حَدَّثَني بهِ القَاضِي إبْرَاهيم بنُ مُسَلَّم الفُوِّيّ بمِصْر، وقد جَرَى مثْلُ هذا الحَدِيْث، قال: شَاهَدْتُ خَطِيْرَ المُلْك، وَلَدَ الوَزِير اليَازُوْرِيّ أبي مُحَمَّد، وَزِير المُسْتَنْصِر باللهِ بمِصْرَ، وكان من أعْظَمِ وُزَرَاء الدَّوْلَةِ الفَاطِميَّةِ خَطَرًا، وأوْفَاهُمْ قَدْرًا، ووَلِيَ ابنُه خَطِيْرُ المُلْك المَذْكُور قَضَاءَ القُضَاةِ بسَائر أعْمَالِ الدَّوْلَةِ، والمَظَالِم، ونَاب عن وَالدِه في الوِزَارَة، وسار إلى حَلَب وغَيْرها من أعْمَالِ الشَّام لتَمْهيدِ أُمُورها، وإصْلَاحِ أحْوَالها، وتَقْرِيرها. وآلتْ به الحالُ بعدَ قَتْلِ أبيهِ إلى الفَقْرِ المُدْقِع، والحاجَةِ الشَّدِيدَةِ إلى أنْ جَلَسَ للخَيَّاطةِ بالأُجْرَة في بَعْضِ مَسَاجِدِ فُوَّة. قال ابنُ مُسَلَّم: فرَأيْتُهُ في بعضِ الأيَّام يُطَالِبُ رَجُلًا بأُجْرَة خَيَّاطة خَاطَهَا له، والرَّجُلُ يُدَافِعُه ويُماطلُهُ وهو يَلَجُّ في الطَّلَب، ولا يُرَخِّصُ له في الإنْظَار والمُهْلَة، فلمَّا ألَحَّ عليه، قال: يا سَيِّدنا، اجْعَل هذا المِقْدَارَ اليَسِيْر من جُمْلَةِ ما ذَهَبَ منكَ في السَّفْرَة الشَّامِيَّةِ، فقال: دَعْ ذِكْرَ ما مَضَى. قال ابنُ مُسَلَّم: فسَألتُه عمَّا قَصَدَهُ الرَّجُل، فلم يُفْصح عنه إلى أنْ عَلِمْتُ من غيره أنَّهُ كان أنْفَق برَسْم مَائِدَة في سَفَره ستَّة عَشر ألف دِيْنارٍ، وأنَّهُ كان لا يَمُدّ سِمَاطَهُ في الطَّريق، الّتي يُعْدَمُ فيها الماءُ للشُّرْب فَضْلًا عن غيره، إلَّا وعليه ما جَرَتْ عَادَة الرُّؤَسَاء بتَقْدِيمِهِ من الخُضَر والطَّعَام في الحَضَرِ، وذلك أنَّهُ كان اتَّخذ حيَاضًا من الخَشَبِ مَمْلوءةً من الطِّيْن، وزَرَع فيها من البَقْل ما يُجْنى منه الّذي يُحْتاج برَسْمِ مَائدتهِ في كُلّ يَوْم.