page 5698, entry [2043]Open original source
أبو سَعدٍ الحَرَشِيُّ القَاضِي (¬١) له ذِكْرٌ ومُرُوءَة، وكان من أهْلِ بَالِس، وسَكَنَ حَلَبَ، وأدْرَكتُ بحَلَب شَيْخًا من ذُرِّيته أو من أقَاربه، وكان شَيْخًا حَسَنًا، وقَف رَبْعات كَثِيْرة على المَشَاهِد بحَلَب، وكان له اخْتِلَاطٌ بوَالدِي ﵀. وهذا أبو سَعْد من أرْبَاب الفَضْل، وَجَدْتُ ذِكْرَهُ في تاريخ جَمَعهُ أبو المُغِيْث مُنْقِذ بن مُرْشِد بن عليِّ بن مُنْقِذ، وذَيَّلَ به تاريْخ أبي غَالِب هَمَّام بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ (¬٢)، قال فيه: في سَنَة إحْدَى وثَلاثين وخَمْسِمائَة ماتَ القَاضِي أبو سَعد الحَرَشِيِّ بالرَّقَّة، ﵀، وكان من أفَاضِل المُسْلمِيْن، قد جَمَعَ الدِّين والأمَانَة والصِّدْق والصِّيَانة والرَّأفَهَ والكَرَم. وحَدَّثَني بعضُ الأصْدِقَاء، قال: رَأيتُه بالرَّقّةِ وقد نَصَبَ ثَلاث خَشَبات، وقد أحْضَر قَوْمًا يُدَلُّونَهُ في زَنْبِيلٍ إلى رَكيَّةٍ مَحْفُورة، قُلتُ: يا سَيِّدِي، لَمَ تَفْعَل هذا؟ قال: هَا هُنا قَوْمٌ أُسَرَاءُ وقَوْم حُبِسُوا من الفِرِنْج والمُسْلمِيْن، ومعهم مَرَضُ، أنْزلُ أُدَاوِيْهم، فلُمْتُه على ذلك، فقال: هُمْ من خلْقَة اللَّهِ ﷿. وما عَمِلَ شَيئًا قَطّ بأُجْرَة، وكان يُدَاوِي الضُّعَفَاء، ويُعْطيهم الحَوَائِج، ويَمْشِي إليهم، ويَغْرم عليهم من مَالهِ. قال ابنُ مُنْقِذ: وكان حَسَن الخُلُق، طَيِّب العِشْرة، وضَحُوك السِّنِّ. حَدَّثَني أخي مُؤَيَّد الدَّوْلَةِ قَال: شَكَوْتُ إليهِ بعضَ حَالي وما أعَانيه من شَقَاءِ (a) السَّفَرِ، فقال: اصْبِرْ على ما تَكْرَهُ وإلَّا بُلِيْتَ بما لا تُطِيْقُ. وحَدَّثَني عنهُ جَمَاعَةٌ، قالُوا: أمَرَنا أتَابِكُ بجَمْلِهِ (a) من حَلَب إلى المَوْصِل ليُشَاهد البِرْكَة المَعْرُوفة بالقَلْعَة، فحُمِلَ من حَلَب على جَمَل في مَحَارة، وجَعَلُوا معه صَحبِيَّةً أرْمَنِيَّةً مأسُورة، فكان يَلْطُف بها ويُطْعِمُها (b)، فقال لها يَوْمًا يا صَبِيَّة، من أين أَسَرُوك أنت؟ قالت: من بَلَد كَذَا وكذا، ثمّ قالت له: فباللَّهِ يا عَمِيِّ من أين أسَرُوك أنتَ؟ قال: من الشَّرْقيَّة الّتي في جَامِع حَلَب. قَرأتُ بخَطِّ أبي عَبْد اللَّه القَيْسَرَانِيّ في دِيْوان شِعْره (¬١) أبْيَاتًا رَثَى بها القَاضِي أبا سَعد الحَرَشِيّ، وأخْبَرَنا بها أبو اليُمْن الكِنْدِيَّ وغيره، إجازةً عنه: [من الطويل] تَوَخَّاكَ يُسرُ اللَّهِ جَارَ ابنِ يَاسِرِ … أخا الصَّلَحات والتُّقَى والمَآثِرِ يُريدُ بابن يَاسِر: عَمَّار بن يَاسِر لأنَّهُ مَدْفُون بالرَّقَّة. أبا سَعْدٍ انحلَّتْ على ذلكَ الثَّرَى … سَماءٌ تُحَلَّى بالسُّعُودِ الزَّوَاهِرِ وإمِّا تَجَافى عَن صَدَى تُرْبِكَ الحَيَا … فجادَتْكَ أنْوَاءُ الجفُونِ المَوَاطِرِ (c) مَتَى هَجَرِتهُ لا تَرَى غَيرَ عَاذِلٍ … وإنْ وَاصَلتُهُ لا تَرى غَيْرَ عَاذِرِ لقد صَدَرتْ عَنْكَ القُلُوبُ صَوَادِيًا … منَ الوَجْدِ فاعْجَبْ للصَّوَادِي الصَّوَادِرِ غَدَاةَ ثَنى منك السّحُوليُّ كِسْرَهُ … على ذي خِلَالٍ طَيِّبَاتِ المَكَاسِرِ ومَدَّ الأَسَى بَاعًا إلى كُلِّ مُهْجةٍ … وألْقَى البُكَا سترًا على كُلِّ نَاظِرِ بنَفْسِي غَرِيْب الجارِ والدَّارِ طَوَّحَتْ … بآمَالهِ إحْدَى اللَّيالِي الجَوَائِرِ أقامَ على شَطِّ الفُرَات وجُهِّزَتْ … إليهِ الدُّمُوعُ بينَ سَارٍ وسَائِرِ قَرِيبًا إلى دَاعي الخُطُوب يُجِيْيْبُا … بَعِيدًا على ذي خُلَّة ومَعَاشِرِ فإنْ تُمْسِ في مَثْواكَ لا في عَشِيرةٍ … فقَدْ كُنْتَ مِن (d) تَمْهِيْدِهِ في عَشَاِئِرِ مِنَ البِرِّ في الأبْرَار والدِّين والتُّقَى … وهَجْرِ الدَّنَايَا واجْتِنَابِ الكَبَائِرِ كذَاكَ العُرَب الفَضْلِ والبَذْلِ إنْ يَمُت … يَمُتُّ بقُرْبى في العُلَى وأوَاصِرِ فيا هل بَكَى ماءُ الفُرَات نَزيلَهُ … أم الرَّقَّةُ البَيْضَاءُ رقَّت لزَائِرِ وإنْ جرَّتِ القُرْبَى مِنَ اللَّهِ رَحْمَةً … إلى جَارها فَلْيَهْنَ أهْلُ المَقَابِرِ