Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

أبو الخير الأقطع التيناتي المغربي

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان · page 5658, entry [1996]

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان — كمال الدين ابن العديم

page 5658, entry [1996]Open original source
أبو الخَيْر الأقْطَع التِّيْنَاتِيُّ المَغْرِبيُّ (¬٢) وكان يُقَال له: المُبَاحِيّ لأكْله من المُبَاحَات، وقيل: اسْمه حَمَّاد بن عَبْد اللَّه. وكان أسْوَد اللَّوْن، مَغْربيًّا، فسَكَنَ التِّيْنَات وهى على أمْيَالٍ من المِصِّيْصَة، وقد ذَكَرْناها في صَدْرِ كتَابِنا هذا (¬١)، فَنُسِبَ إليها، وإنَّما قيل له الأقْطَع لأنَّهُ كان في جِبَالِ أنْطَاكِيَة يَطْلُب المُبَاحَ، وكان عَاهَدَ اللَّه ألَّا (a) يُشَارك الطَّيْر في مَأكُولها، فرَأى شَجَرَةً فيها ثَمَرٌ فأكَلَ منها، ونَسِي مُعَاهَدته، فاتَّفَقَ أنَّ تُنَاش أَمِير الثَّغْر، اتَّفق بلُصُوصٍ فأمْسَكَهم، وأخَذَهُ في الجُمْلَةِ، فَقَطَعَ أيْدِيهم وأرْجُلهم، وقَطَع يدَهُ معهم، وأمْسَكَ عن رِجْلهِ، وَسَنَذْكُر صُوْرة حَاله في هذه التَّرْجَمَة إنْ شَاءَ اللَّهُ. رَوَى عنهُ أبو القَاسِم بُكَيْر بن مُحَمَّد، وعَبْد العَزِيْز البَحْرَانِيّ، وأبو الحُسَين أحْمَدُ بن الحُسَين الرَّازِيّ، وأبو الحُسَين القَيْرَوانيّ، وأبو عليّ الأهْوَازِيّ، وأبو الحَسَن مُحَمَّد بن يَزِيد، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيّ، ومَنْصُور بن عَبْدِ اللَّهِ الأصْبَهَانِيّ، وأبو بَكْر أحْمَد بن مُحَمَّد الجَبَليّ، وإبْراهيم بن دَاوُد الرَّقِّيّ، وابنه عِيسَى بن أبي الخَيْر، وحَمْزَة بن عَبْد اللَّهِ العَلَويّ، وأبو الحَسَن عليّ بن مَحْمُود الزَّوْزَنِيّ الصُّوْفيّ، وأبو الحَسَن عليّ بن الحَسَن العَابِد، وأبو عَمْرو عُثْمانُ بن سَعيد بن عُثْمان الأسَدِيّ، وأبو الحَسَن البَغْرَاسيّ، وأبو بَكْر مُحَمَّد بن خَمِيْس الصُّوْفيّ، ومَنْصُور بن عَبْد اللَّه، وعبد اللَّه بن مُحَمَّد الشِّيْحِيّ. أخْبَرَنا أبو القَاسِمِ عَبْدُ اللَّه بن الحُسَين بن رَوَاحَة الأنْصَاريّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد الأصْبَهَانِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: حَدَّثَنَا أبو الحُسَين بن عَبْد الجَبَّار الصَّيْرَفِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللَّه مُحَمَّد بن عليّ (b) الصُّوْرِيّ يَقُول: سَمِعْتُ أبا عَمْرو عُثْمان بن سَعيد الأسَدِيّ يَقُول: قَصَدْت زيَارة أبي الخَيْر التِّيْنَاتِيّ، فلمَّا حَصَلْتُ عندَهُ رَمَى إليَّ حَبْلًا، فقال: خُذْ هذا فاصْعَدِ الجَبَلَ، فاقْطَع حُزْمةَ حَطَب فبِعْها بدَانقَيْن، فتَقَوَّتْ بدَانقٍ وتَصَدَّق بدَانق. فقُلتُ: قد ضاقَتْ خِزَانَة مَوْلاي حتَّى أحْمِل الحَطَبَ وأُطْعِم عِبَادَهُ!؟ فصَاح وقال: الحَلَالُ، ثُمَّ القُرآن، ثُمَّ اللَّه ﷿، فبالحَلَالِ يُسْتَعانُ على القُرْآن، وبالقُرْآنِ يُعْرَف اللَّهُ ﷿. أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّطِيْف بن مُحَمّد بن يُوسُف، فيما أَذِنَ لنا أنْ نَرْويه عنهُ، قال: أخْبرنا أبو الفَتْح مُحَمّدُ بن عَبْد البَاقِي، قال: أخْبَرَنا حَمْدُ (a) بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحافِظ (¬١)، قال: سَمِعْتُ غير واحدٍ ممن لَقِيَ أبا الخير الأقْطَع، أنَّ سَبَب قَطْع يَدِه أنَّه كان قد عَاهَدَ اللَّه أن لا يَتَناوَل بشَهْوَة نَفْسه شَيئًا مُشْتَهى، فرَأى يَوْمًا بجَبَل لُكَام شَجَرَة زُعْرُور، فاسْتَحْسَنَها، فقَطَعَ منها غُصْنًا، فتَنَاوَل منها شَيئًا من الزُّعْرُور، فذَكَر عَهْدَهُ وتَركَهُ، ثمّ كان يَقُولُ: قَطَعْتُ عُضْوًا (b) فقُطِعَ منِّي عُضْوٌ. أخْبَرَنا الحافظُ أبو مُحَمَّد عَبْد القَادِر بن عَبْدِ اللَّه الرُّهَاوِيّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا الخَطِيبُ أَبو الفَضْلِ عَبْدُ اللَّه بن أحْمَد بن مُحَمَّد الطُّوْسيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عَبْدِ القَادِر بن مُحَمَّد بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ العَزِيْز بن عليّ بن أحْمَد بن الفَضْل، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن عليُّ بن عَبْدِ اللَّه بن الحَسَن بن جَهْضَم الهَمَذَانيّ، قال: حَدَّثَنَا بُكَيْر بن مُحَمَّد، قال: كُنْتُ عند الشَّيْخ أبي الخَيْر بالتِّيْنَاتِ، فبَسَطني بمُحَادثَته لي بذِكْر بدايَتِهِ إلى أنْ تهجَّمتُ عليه، فسَألتُهُ عن سَبَب قَطْع يَدِه، وما كان منهُ، فقال: يَد جَنتْ فقُطِعَتْ، فظَنَنْتُ أنَّهُ كانت له صبْوَةٌ في حَدَاثَتِهِ من قَطْعِ طَرِيقٍ أو نَحْوه ممَّا أوْجَبَ ذلك، فأمْسَكْتُ. ثُمَّ اجْتَمَعت معه بعد ذلك بسِنين مع جَمَاعَةٍ من الشُّيُوخ فيهم أبو الحَسَن عليّ البَغْرَاسيّ (a)، وأبو سُليْمان التَّلّ سَابِيّ، وأبو جَعْفَر الجُبَّائِيّ، وإبْراهيم بن إمام رَاغِب، فتَذَاكَرُوا مَوَاهِبَ اللَّهِ ﷿ لأوْليَائهِ، وأكْثَرُوا ذِكْر كَرَامَاتِ اللَّهِ ﷿ لهم ولهم (b)، إلى أنْ ذَكَرُوا طَيَّ المَسَافَات، فتَبَرَّم الشَّيْخ بذلك، فقَال: كم يقُولونَ: فُلَان مَشَى إلى مَكَّة في ليلةٍ، وفُلَانٌ مَشَى في يَوْمٍ! أنا أعْرفُ عَبْدًا من عَبِيْد اللَّه ﷿ حَبَشِيٌّ، كان جالِسًا في جَامِع أطْرَابُلُس ورَأسُهُ في جَيْب مُرَقَّعَتهِ فخَطَر له طِيْبَة الحَرَم، فقال في سِرِّه: يا ليتَني كُنْتُ بالحَرَم، فأخْرَج رَأسَهُ من مُرَقَّعَته فإذا هو في الحَرَم، ثمّ أمْسَكَ عن الكَلَام، فتَغامَزَ الجميعُ واتَّفَقُوا على أنَّهُ ذلك الرَّجُل. ثُمَّ قال أحَدُهُم: تَسْألُ الجَمَاعَةُ الشَّيْخ، أيَّدَهُ اللَّهُ، أنْ يُخْبِرَهُم بسَبَب قَطْعِ يَدِه، فقال كما قال لي: يَدٌ جَنَتْ فقُطِعَتْ! فقيل: قد سَمِعْنا منكَ هذا مِرَارًا كَثِيْرةً؛ أخْبِرنا كيفَ كان سَبَبُه؟ فقال: نعم، أنتُم تعلمُونَ أَنِّي من أهْل الغَرْبِ، فوَقَعَتْ لي مُطَالبة السَّفَرِ، فسِرْتُ حتَّى بَلَغْتُ الإِسْكَنْدَرِبَّة، فأقَمْتُ اثْنَتى (c) عَشْرَة سَنَةً، ثُمَّ سِرْتُ منها فبَلَغْتُ ما بين شَطَا ودِمْياط، فأقَمْتُ اثْنتي (d) عَشْرة سَنَةً، فقَيل له: إسْكَنْدريَّة بَلَد عَامِر أمْكَنَك القيام بها اثْنتي عَشرة (e) سَنَةً، وبين دِمْيَاط وشَطَا مَفَازَة لا زَرْع ولا ضَرْع؛ فما كان قُوْتُكَ؟ فقال: نَعَم، كان في النَّاسِ خَيْر في ذلك الزَّمانِ، وكان يَخْرُجُ من مِصْرَ خَلْقٌ كَثيْرٌ يُرَابطُونَ بدِمْيَاط، وكُنْتُ بَنيْتُ كُوْخًا على شَطِّ خَلِيْج، فكُنْتُ أَجيءُ من لَيْلٍ إلى ليْل إلى تحت السُّور، فإذا أفْطَر المُرَابِطونَ (f) ونفَضُوا سُفَرَهُم خَارجَ السُّور زَاحَمْتُ الكِلَابَ على قُامَةِ السُّفَر، فآخُذ كفَايَتي، فإن ذلك قُوْتي صَيْفًا، قالوا: ففى الشِّتَاء؟ قال: نَعَم، كان يَنْبُتُ حَوْلَ الكُوْخِ من هذا البَرْدِيّ الجَافي فيُخْصِب في الشِّتَاء، فأقْلَعُه فما كان منه في التُّراب يَخرُج غضًّا (a) أبْيَضَ فآكُلُه، وأرْمي بالأخْضر الجَاسِي، فإن هذا قُوْتي إلى أنْ نُوْقِرْتُ (b) في سِرِّي: يا أبا الخَيْر، تَزْعُم أنَّك لا تُشَاركُ الخَلْقَ في أقْوَاتِهم، وتُشِير إلى التَّوَكُّلِ، وأنتَ في وَسَط المَعْلُوم جَالِسٌ!؟ فقُلتُ: إلهي وسَيِّدِي ومَوْلاي، وعِزَّتكَ لا مَددْتُ يَدِي إلى شيءٍ ممَّا تُنْبِته الأرْضُ حتَّى تكونَ أنتَ المُوْصِل إليَّ برِزْقي من حيثُ لا أكُون أنا أوَّلًا فيهِ، فأقَمتُ اثْنَى عَشر يَوْمًا أُصَلِّي الفَرْضَ وأتَنَفَّلُ، ثُمَّ عَجَزتُ عن النَّافلةِ، فأقْمتُ اثْنَى عَشر يَوْمًا أُصَلِّي الفَرْضَ والسُّنَّةَ، ثمَّ عَجِزتُ عن السُّنَّةِ فأقمتُ اثْنَى عَشر يَوْمًا أُصَلِّي الفَرْضَ لا غير، ثُمّ عَجِزتُ عن القيام، فأقَمتُ اثْنَى عَشر يَوْمًا أُصَلِّي جالِسًا، ثمّ عَجِزتُ عن الجُلُوس، فرَأيْتُ إنْ طَرحْتُ نَفْسِي ذَهَبَ فَرْضي، فلجأتُ إلى اللَّه ﷿ بسرِّي، وقُلتُ: إلهي وسَيِّدِي، افْتَرضْتَ عليَّ فَرْضًا تَسْألني عنهُ، وقسَمْتَ لي رِزْقًا وضَمِنْتَهُ لي، فتَفَضَّل عليَّ برِزْقي ولا تُؤاخِذني بما اعْتَقَدت معك، فوعِزَّتك لأجْتَهدنَّ أنِّي لا حَلَلْتُ عَقْدًا عَقَدتُه معك، فإذا بين يَدَيَّ قُرْصَان (c) بينهما (d) شيء، ولم يَذْكر الشَّيء، ولا سَأله أحدٌ من الجَمَاعَة، قال: فكُنْتُ آخُذُه على الدّوم (e) من لَيْلٍ إلى لَيل. ثمّ طُوْلبتُ بالمَسِيْر إلى الثَّغْر، فسِرْتُ حتَّى دَخَلتُ فوْمَةَ (f)، ووَافَق ذلك يَوْم جُمعة، فوَجَدْتُ في صَحْن الجامع قَاصًّا يَتَكلَّمُ على النَّاسِ، وحَوْله حَلْقَة، فوقَفْتُ بينهم أسْمعُ ما يقُول، فذَكَرَ قِصَّةَ زَكَرِيَّاء ﵇ والمِنْشَار، وما كان من خطَاب اللَّه ﷿ له حين هَرَب منهم، فنَادَتْهُ الشَّجَرة: إليَّ يا زَكَرِيَّاء، فانْفَرَجَت له فدَخَلها وانْطَبَقَتْ عليه، ولحَقَهُ العَدُوّ فتَعَلَّقُوا بعَبَاءتهِ، ونادَاهُم الشَّيْطانُ: إليَّ، فهذا زَكَرِيَّاء، فأنَّ أنَّةً، فأوْحَى اللَّهُ إليه: يا زَكَرِيَّاء، لئن صَعدَتْ (a) منكَ أنَّةٌ، ثانية لأمْحُوَنكَ من دِيْوَانِ النُّبُوَّة، فعَضَّ زَكَرِيَّاء ﵇ على الصَّبْر حتَّى قُطِعَ بشَطْرين. فقُلْتُ في نَفْسِي: لقد كان زَكَرِيَّاء صَبَّارًا (b)، إلهي وسَيِّدِي، لئن ابتَلَيْتَني لأصْبرَنَّ. وسِرْتُ حتَّى دخَلْتُ أنْطَاكِيَة، فرآني بعضُ إخْوَاني، وعَلِم أنِّي أُريدُ الثَّغْرَ، فدَفَع إليَّ سَيْفًا وتُرْسا للسَّبِيل، فدَخَلْتُ الثَّغْر، وكُنتُ حينئذٍ أحْتَشِمُ من اللَّهِ ﷿ أنْ آوي وَراءَ سُور خيْفَةً من العَدُوّ، فجعَلْتُ مقامي في غابةٍ، فأكُون فيها بالنَّهَار وأخرجُ باللَّيْل إلى شَطِّ البَحْر فأغْرزُ الحَرْبة على السَّاحِل، وأُسْنِدُ التُّرْس إليها مِحْرَابًا، وأتَقَلَّدُ سَيْفي وأُصَلِّي إلى الغَداةِ، فإذا صلَّيْتُ الصُّبْح غَدَوتُ إلى الغَابةِ، فكُنْتُ فيها نَهَاري أجْمعَ. فبَدَوت (c) في بعضِ الأيَّام فعَبرتُ بشَجَرَة بُطْم قد بلغَ بَعْضُه، وبَعْضُه أخْضَر، وبعضُه أحْمَر، وقد وَقَع عليه النَّدَى وهو يُبْرق، فاسْتَحْسنْتُه وأُنْسِيْتُ عَهْدَ رَبِّي، وقَسَمِي به أنِّي لا أمُدُّ يدي إلى شيءٍ مما تنبتُ الأرضُ، فَمدَدْتُ يَدي إلى الشَّجَرة، فقَطَعْتُ منها عنْقُودًا، وجَعَلْتُ بَعْضَهُ في فَمي وأنا أَلُوْكُهُ، ثمّ ذَكَرتُ العَقْدَ، فرَمَيتُه من يَدي، وبَزَقْتُ ما كان في فَمي، ثمّ قُلتُ: حَلَّت المِحْنَة، ورَميْتُ التُّرْس والحَرْبَة، وجلَسْتُ مَوضِعي يَدي على رَأسِي، فما اسْتَقَرَّ بي جُلُوسي حتَّى دَار (d) بي فُرْسَانٌ، وقالُوا لي: قُمْ، وسَاقُوني حتَّى أخْرَجُوني إلى السَّاحِل، فإذا الأَمِير تُنَاش (e) وحَوْله جَمَاعَة على خُيُول، ورِجَّالة كَثِيْرة، وبينَ يَدَيْهِ جَمَاعَة سُوْدَان جَمَّاسيْن كانُوا يقطعُونَ الطَّريق قبل ذلك اليَوْم في ذلك المَوضِع، فأسْرَى إليهم الأمِير تُنَاش (a) فكَبَسَهمِ في السَّحَر، وأخَذَ مَن كان منهم حَاضِرًا في الأكْوَاخ، وافْتَرقتِ الخَيْل تطلُب منْ هَرَب منهم في الغَابةِ، فوجَدُوني أسْوَد معه سَيْف وتُرْسٌ وحَرْبة، فلمَّا قُدِّمْتُ إلى الأَمِير، وكان رَجُلًا تُرْكِيًّا (b)، قال لي: أيْشٍ أنتَ؟ قُلتُ: عَبْدٌ من عَبِيْدِ اللَّه، فقال للسُّوْدانِ: أتَعْرِفُونَهُ؟ قالوا: لا، قال: بلى هو رَئيْسُكم، وإنَّما تَفْدُونَهُ بنُفُوسكم، لأقْطَعنَّ أيْديكم وأرْجُلكُم، قَدِّمُوهُم، فلم يَزَل يُقَدِّمُ رَجُلًا رَجُلًا، ويَقْطَعُ رِجلَهُ ويَدَهُ، حتَّى انْتَهَى إليَّ آخرهم، ثمّ قال لي: تَقَدَّم، مُدَّ يَدَكَ، فمَدَدتها فقُطِعَت، ثُمَّ قال: مُدَّ رِجْلك فمَدَدْتُها، ثمّ رفعْتُ رَأسي إلى السَّماءِ وقُلتُ: إلَهِي وسَيِّدِي، يَدي جَنَتْ، رِجْلي أيشْ عَمِلَتْ؟ وإِذا بفَارِسٍ قد وَقَفَ على الحَلْقَة ورَمَى بنَفْسِهِ إلى الأرْض، وصَاح: أيْشٍ تَعْملُون؟ تُرِدُونَ أنْ تنطَبقَ الخَضْرَاءُ على الغَبْرَاء، هذا رَجُلٌ صَالِحٌ يُعْرَفُ بأبي الخير المُبَاحيّ، وكُنْتُ أُعْرَفُ بذلكَ، فرَمَى الأَمِيرُ نَفْسَهُ عن فَرَسِهِ، واخَذَ يَدي المَقْطُوعَة من الأرضِ يُقَبِّلُها، ويتعلَّقُ بي ويَبْكى ويقُول: سَألتُكَ باللَّهِ ﷿ أنْ تَجْعلَني في حلٍّ، فقُلتُ: من أوَّلِ ما قطَعْتَ يدي. ثُمَّ قال الشَّيْخ أبو الخَيْر وهو يَبْكي: فأيّ مُصِيْبَة أعْظَم من مُصِيْبتي هذه! قُطِعَتْ يدِي، وانْقَطَعَتْ عنِّي القُرْصَان (c). أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد اللَّه بن الحُسَين الحَمَوِيّ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد الأَصْبَهَانِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن عَبْد الجبَار الطُّيُورِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ عليّ الصُّوْرِيّ، قال: أخْبرَني أبو بَكْر مُحَمَّد بن خَمِيْس الصُّوْفيّ عن أبي الخيرِ التِّيْنَاتِيّ أنَّهُ قصَدَهُ رَجُلٌ من مكانٍ بَعيدٍ، فلمَّا وَصَلَ إليه وحَضَرت صلاةُ الظُّهْر والعَصْر، فلمَّا كان صَلَاةُ المَغْرب صَلَّى وجَهَرَ بالقراءةِ لَم يُحَقِّق التِّلَاوة، فوجدَ ذلك الرَّجُل في نَفْسه، وقال: كابَدْتُ مَشَقَّة السَّفَر إلى رجُلٍ لا يُقِيْمِ فَاتِحَة الكِتَاب (a)! وباتَ تلك اللَّيْلة، فلمَّا أصْبَح خَرَج إلى عَيْن بالقُرْب ليَتَوضَّأ وجَدَ السَّبعُ رَابِضًا عندها فرجَع هَارِبًا، والْتَقَى به أبو الخَيْر فتبيِّن الخَوْف في وَجْهِهِ، فتَوَجَّه إلى العَيْن، وتَوَجَّه الرَّجُل يَمْشِي خلْفَهُ ليَرَى ما يَصْنَعُ، فجاء أبو الخَيْر إلى السَّبعُ، فأخَذَ بأُذُنَيهِ، وجَعَل يَعْركُهما ويقُول له: كَمْ أقُول لك إذا كان عندنا ضَيْفٌ لا تُؤْذِنا (b)، قُم فانْصَرف، فوَلَّى السَّبُعُ ذَاهِبًا، ورجَع أبو الخَيْر يُريد المَسْجِد، فلحقَهُ (c) الرَّجُل في الطَّريق، فقال له: كُن كذا، والْحَنْ في الحَمْدِ!. قُلتُ: هذا الرَّجُل هو إبْراهيم بن دَاوُد الرَّقِّيّ. أخْبَرَنا عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هبَةِ اللَّه بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح عُمَر بن أبي الحَسَن بن حَمُّوْيَه الجُوَيْنِيّ، ح. وأخْبَرَتْنا الحرَةُ زَيْنَبُ بنتُ عبد الرَّحْمن في كتابها إليَّ غيرِ مَرَّة من نَيْسَابُور، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح الشَّاذْيَاخِيّ، ح. وأخْبَرَنا أبو النَّجِيْب إسْمَاعِيْل بن عُثْمان الفَارسِيّ في كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الأَسْعَد القُشَيْريّ، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الكَريم بن هَوَازِن القُشَيْريّ (¬١)، قال: وأبو الخَيْرِ التِّيْنَاتِيّ مَشْهُور بالكَرَامَاتِ، حَكَي عن إبْراهيم الرَّقِّيّ أنَّهُ قال: قَصَدْتُه مُسَلِّمًا، فصَلَّى صَلَاةَ المَغْرب فلم يَقَرأ الفاتحة مُسْتَقِيْمًا (d)، فقُلْتُ في نَفْسِي: ضَاعَتْ سَفْرَتي، فلمَّا سَلَّمْتُ خَرَجتُ للطَّهَارَة، فقَصَدَني السَّبُعُ، فعُدتُ إليه، فقُلتُ: إنَّ الأسَد قَصَدَني، فخَرَجَ وصَاح على الأسَد وقال: ألَم أقُل لك لا تَعْرض لضيْفَانِي، فتَنَحَّى، وتَطَهَّرْتُ، فلمَّا رَجَعْتُ قال: اشْتَغَلْتُم بتَقْويم الظَّوَاهر، فخفْتُم الأسَد، واشْتَغْلنا بتَقْويم القَلْب فخافَنا الأسَدُ. أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّطِيْف بن يُوسُف، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْحِ بن البَطِّيّ، قال: أخْبَرَنا حَمْد (a) بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحَافِظ (¬١)، قال: سَمِعْتُ مُحَمَّد بن الحُسَين، قال: وسَمعْتُ جدِّي إسْمَاعِيْلَ بن نُجَيْد يَقُول: دَخَلَ على أبي الخَيْر جَمَاعَة من البَغْدَاديِّيْن (b) يَتكلَّمونَ بشَطْحِهم بحَضْرته، فضَاقَ صَدْره من كَلامهم، فخَرَجَ، فجاء السَّبُعُ فدَخَلَ البَيْتَ، فانْضَمَّ بَعْضُهم إلى بعضٍ سَاكتِيْن، وتَغَيَّرت ألْوَانهم، فدَخَل أبو الخَيْر فقال: يا سَادَاتي، أين تلك الدَّعَاوي؟!. قال أبو نُعَيْم (¬٢): ومنهم -يعني من الأوْلِيَاء-: أبو الخَيْر الأقطَع التِّيْنَاتِيّ، له الآيات والكَرَامَات (c)، تُوفِّي بعد الأربَعِين والثَّلاثمائة، كانت السِّبَاع والهَوَامّ يأنسُونَ بمُجَالسَته ويأوُونَ (d) إليه، وكان يَنْسج الخُوْصَ بإحْدَى يَديهِ. سَمِعْتُ مُحَمَّد بن الحُسَين يَقُول: سَمِعْتُ أحْمَد بن الحُسَين الرَّازِيّ يَقُول: سَمِعْتُ أبا الخَيْر يقُول: مَنْ أحَبّ أنْ يَطَّلع النَّاس على عَمَلهِ فهو مُرَائي، ومَنْ أحبَّ أنْ يَطَّلع اللَّهُ على حَالهِ فهو كَذَّابٌ. قال (¬٣): وكان يَقُول: ما بَلَغ أحدٌ حالةً شَرِيفةً إلَّا بمُلَازَمة المُوَافَقة، ومُعَانَقةِ الأدَب، وأداء الفَرِيْضَة، وصُحْبَة (e) الصَّالِحين، وخِدْمَة الفُقَرَاءَ الصَّالِحين (f). وكان يَقُول (a): القُلُوب ظُروفٌ، فقَلْبٌ مَمْلوءٌ إيْمانًا، وعَلَامَتُه الشَّفَقَة على جَميع المُسْلمِيْن، والاهْتِمام بما يَهمّهم (b)، ومُعَاوَنتهم على مَصَالِحهم، وقَلْبٌ مَملوءٌ نِفَاقًا فعَلامَتُه الحقْدُ والغِلُّ والغِشُّ والحَسَدُ. أخْبَرَنا عَمِّي أبو غَانِم بن أبي جَرَادَة، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح بن حَمَّوْيَه، ح. وأنْبَأتْنا زَيْنَبُ الشَّعْرِيَّة، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح بن شَاه الشَّاذْيَاخِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم القُشَيْريّ (¬١)، قال: ومنهم -يعني من مَشَايخِ الصُّوْفيَّةِ-: أبو الخير الأقْطَع، مَغْربيّ الأصْل، سَكَنَ تِيْنَات، وله كَرَامَات وفِرَاسَاتٌ (c) حادَّة، كان كَبِير الشَّأْن. قال أبو الخَيْر ما بَلغ أحَدٌ إلى حالةٍ شَرِيفةٍ إلَّا بمُلَازَمة المُوَافقة، ومُعَانَقَة الأدَب، وأداءِ الفَرَائِض، وصُحْبَة الصَّالِحينَ. ﷽ وَبِهِ تَوفِيقِي أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ إمام الكَلَّاسَةِ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا الحَافِظ أبو مُحَمَّد القَاسِم ابن الحافِظ أبي القَاسِم، قال: أخْبَرَنا الفَقِيه أبو الفَتْح نَصْرُ اللَّه بن مُحَمَّد بقِرَاءةِ وَالدِي عليه وأنا أسْمعُ، عن أبي الفَتْح نَصْر بن إبْراهيم المَقْدِسِيّ، عن أبي الحَسَن عليّ بن عُبَيْدِ اللَّه (a)، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بُكَيْر بن مُحَمَّد المنذِريّ، قال: سَمِعْتُ أبا الخَيْر التِّيْنَاتِيّ يَقُول: بُعثْتُ إلى الثَّغْر فبكيْتُ، فقيل لي: مَحْرُوسَة ما عِشْتَ، وفُلَان وفُلَان طَائِفَة من الأخْيَار، وما بقي منهم غيري، كُلّهُم ماتُوا، وعاشَ أبو الخَيْر التِّينَاتِيّ مائة وعشرين سَنَة، وماتَ سَنَة تِسْعٍ وأرْبَعين وثَلاثِمائة أو قريبًا منه. أخْبرَنا عَمِّي أبو غَانِم، قال: أخْبَرَنا أبو الفَتْح بن حَمُّوْيَه، ح. وأنْبَأتْنا زَيْنَبُ النَّيْسَابُوريَّة، قالا: أخْبَرَنا أبو الفُتُوح الشَّاذْيَاخِيّ، ح. وأنْبَأناَ أبو النَّجِيْب القَارِئُ، قال: أخْبَرنا أبو الأسْعَد القُشَيْريُّ، قالا: أخْبرنا أبو القاسم القُشَيريّ (¬١)، قال: ماتَ -يعني أبا الخَيْر الأقْطَع- سَنَة نَيّف وأرْبَعين وثَلاثِمائة.
Parsing and provenance details
Local passage ID
885829
Book record
shamela-1160
Source record
974905
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain
أبو الخير الأقطع التيناتي المغربي — shamela-1160 · Hadith Research Library