page 5319, entry [1733]Open original source
سَالِم بن هِبَة الله بن عليّ بن المُبارَك، أبو المَجْد الهاشِمِيِّ الحارِثِيّ الحَلَبيِّ (¬٣) من وَلد الحَارِث بن عَبْد المُطَّلِب، وُلد بحَلَب، وكان مُقِيْمًا بها إلى أنْ ماتَ، وكانت لَهُ حُرْمَةٌ عند مُلُوكها. وقد ذَكَرْنا في تَرْجَمَةِ سَابِق بن مَحْمُود حِكَايَة عنه (¬٤). وكان فيه هَزْلٌ ومَزْجٌ، والوَقْفُ الّذي في قَرْيَة عَنَاذَان (¬١) على مَقْرُبة من حَلَب على بَنِي الحَسَن والحُسَين وقْفُهُ، وَقَفَهُ وغيرَه من الحَوَانِيْت بحَلَب على أوْلَاده وشَرَطَ أَنَّهم مَتى انْقَرضُوا عاد ذلك وَقْفًا على بَنِي الحَسَن والحُسَين بحَلَب، فانْقَرض عَقِبُه، وعاد الوَقْفُ إلى أوْلَاد الحَسَن والحُسَين ﵉، وهو الآن جارٍ عليهم في يَدِ مَنْ يتَولَّى نِقَابَة العَلَوِيّيْنَ بحَلَب. وكان هذا الكتاب عندي من جُمْلَةِ كُتُب الوُقُوف، الّتي كانت في سَلَّة الحُكْم عند سَلَفي من قُضَاة حَلَب، فطَلَبَهُ منِّي الشَّريفُ النَّقِيْبُ أبو عليّ بن زُهْرَة، فدَفَعْتُه إليهِ. وكان الشَّريفُ أبو المَجْد هذا مُموَّلًا فَاضِلًا، أَدِيْبًا، شَاعِرًا مُجِيْدًا. روَى عنهُ أبو سَلامَة مُرْشِد بن عليّ شَيئًا من شِعْره، وكان بينه وبينَهُ مَوَدَّةٌ ومُمَازحةٌ، وكذلك بينه وبين أبيه سَدِيد المُلْك أبي الحَسَن عليّ بن مُنْقِذ. ووقَعَ إليَّ جُزءٌ بخَطِّ أبي المُغِيْث مُنْقِذ بن مُرْشِد بن علِيّ بن مُقَلَّد بن مُنْقِذ، جَمعً فيه كُتُبًا ورَدَت إلى وَالده أبي سَلامَة مُرْشِد من جَمَاعة كاتَبُوه، وفيه صَدْرُ كتابٍ من الشَّريف أبي المَجْد سَالِم هذا، فنَقَلْتُ ما ذَكَرهُ من هذه المُكَاتَبة، وهو (¬٢): [من الطّويل] وأَدْنيتَنِي حتَّى إذا ما مَلَكْتَني … بقَولٍ يُحلُّ العُصْمَ سَهْلَ الأبَاطِح تَجافيتَ عنِّي حيثُ لا ليَ حِيْلَةٌ … وغَادَرتِ ما غادرتِ بين الجَوَانِح طَيُّ هذه المُكَاتَبة: أدَامَ اللّهُ أيَّام الحَضْرة، رُقْعَةٌ بخَطِّ المَوْلَى سَدِد المُلْك، قَدَّسَ اللّهُ رُوحَهُ، إلى عَبْدكَ، والّذي تَتَضَمَّن اسْتِقالتهُ من مُخَاطبته إيَّاه بما سَوْف يقفُ عليه، ويُبَيِّن فيها مُعْتقدَهُ في هذا البَيْت صَلَواتُ اللّه على السَّلَف منه ورَحْمَةُ اللّه وبَرَكاتُه، ونحن الخَلَف الّذي أنا والطُّوَيريلي (a)، وأبو طَالِب الرَّخمَة من جُمْلَتهم، وباللّه ما كان أحدُهمُا يَعْتَقد في صَاحبهِ ما أظنُّكَ يا مَوْلاي تَعْتقدُه فيَّ وأعْتَقده فيك من الوَلَاء، وأكُون بالصِّفَة الَّتي تُفْهَم، وكُتُبي إليك تَتَردَّدُ سِرًّا وجَهْرًا لا تَرُدُّ عليَّ جَوَابًا يَرُدُّ رَمَقِيّ، وأتعَلَّل به، ولا قَوْلًا ولا فعْلًا ولا شَابَاش (¬١): [من الوافر] فإنْ تَكُ مِثْلَ ما زَعَمُوا مَلُولًا … كما تَهْوى سَريعَ الانْتِقَالِ صَبَرْتُ على مَلَالِكَ لي برَغْمي … وقُلْتُ عَسَى يَمَلُّ مِنَ الملَالِ ثُمَّ ذَكَرَ فَصْل مُعَاتَبةٍ، وقال فيه، والشِّعْر له: [من البسيط] رُشْتُم جَنَاحي وأعْنَاني نَوَالُكُم … وَاشْتَدَّ أزْرِيْ بكُم يا أفْضَلَ النَّاسِ فإنْ سَعَى الدَّهْر في حالٍ تُشَاب بها … تِلكَ الأيَادِي فَمَحْمُولٌ على الرَّأسِ أَنْبَأَنَا أبو العبَّاس أحْمَد بن عَبْد اللّه بن عُلْوَان، عن أبي المُظَفَّر أُسامَة بن مُرْشِد بن عليّ بن مُقَلَّد بن مُنْقِذ، قال: ومن شُعَرَاء الشَّام المُعَارضين هذه الطَّبَقَة - يعنيِ: الخَفَاجِيّ وابن سُمَّان وغيرهما - الشَّريفُ أبو المَجْد سَالِم بن هِبَة اللّه الهاشِميِّ، من ولدِ الحَارِث بن عَبْد المُطَّلِب، مَوْلدُه بحَلَب، وكان مُحْتَرمًا عند وُلَاهِ حَلَبَ، له المِيْزَة والفَضْل، وكان بينَهُ وبين جَدِّي ووَالدِيّ، ﵏، مَوَدَّةٌ وخُلْطَةٌ، وكان كَثِيْر الدُّعَابَةِ والهَزْل، وله أشْعَارٌ حَسَنةٌ، حَرِصْتُ على جَمْعها، وكَاتبتُهُ في آخر عُمْرِه، وصَدْر عُمْريّ، أسْأله إثْبَاتَها وإنْفَاذَها، وهو إذ ذاكَ بحَلَبَ، فاعْتَذَر بأنَّهُ ما عُنِيَ بجَمْعها ولا دَوَّنَها، ولَم أجدْ منه سِوَى ما نَقَلْتُهُ من خَطِّ وَالدِي ﵀ يَقُول: أنْشَدنيهِ بشَيْزَر سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة (¬١): [من الطّويل] أَثِرْ بتَمادِي شَدَّهَا المتَدارك … دُجَى كُلّ يَوْم أغْبَرَ اللَّوْن حَالِكِ وَشِمْ لطلابِ العِزّ عزمَةَ مُقْدِمٍ … على الهَوْل خَوَّاضٍ غِمَارَ المَهَالِكِ فإمَّا عُلًا تَضْفُو عليَّ ظِلَالُها … وإمَّا رَدَىً بين القَنَا والسَّنَابِكِ فحتَّام تُمْسِي حَائِرَ العَزْم خَامِلًا … سمير (a) الأمَانِي والهُمُوم النَّوَاهكِ ويَمْطُلك الحظُّ الحَرُون مُسَوِّفًا … بنَيْل العُلَى مَطْل الغَرِيْم المُمَاحِكِ ولا نَفْسِ ما بالي أراك مُقِيْمةً … على الضَّيْم لا يَجْري الإبَاءُ ببَالكِ إذا عنكِ ضَاقَتْ بَلْدَةٌ فتَبَدَّلي … بأُخرَى تَرُوضِي جَامحًا من رَجَائكِ (b) إلَامَ طلابُ الفَضْل بين مَعَاشرٍ … أبَوْا أنْ يكُونُوا أَهْلَهُ لا أبا لكِ قال أُسامَةُ: ومن شِعْره في جَدِّي سَدِيد المُلْكِ أبي الحَسَن عليّ بن مُنْقِذٍ: [من الكامل] يا مَن حَمَاهُ مِنَ النَّوَائِبِ مَوْئلي … وعَلَيهِ إنْ جَارَ الزَّمانُ مُعَوَّلي ومُعيْدَ أيَّامِي الذَّوَاهِبَ بَعدَما … هَرِمَتْ تَبَخْتَرُ في الشَّبَابِ المُقْبِلِ حتَّامَ في رَبْعِ الهَوَانِ إقامَتِي … ومُعَرَّسي بالمَنْزلِ المُسْتَوبَلِ أَفَضَاقَ ظَهْرُ الأرضِ أم قَصُرَتْ يَدَا … عَزْمِي أم انْقَطَعَتْ ظُهُورُ الذُّمَّلِ فَلأُرْحِلَنَّ العِيْسَ في طَلَب العُلَى … مَحْثُوثةً وأسَأتُ إنْ لَم أفْعَلِ ولأنْظُرنَّ إلى الحَوَادِثِ من عَلٍ … وَقَدِ اعتَلَقْتُ بحَبْل جُوْدٍ من عَلي قَرأتُ بخَطِّ المُفَضَّل بن مَوَاهِب بن أسَد الفَارزِيّ، أنّهُ كَتَبَ إليهِ الشَّريفُ أبو المَجْد سَالِم ثلاثة أَبْيَات يُدَاعبُه، فأجَابَهُ، والأبْيَات هذه: [من الرمل] أنا لَوْلَا أنَّ عَقْلي قَدْ فَسَدْ … ما تَعَرَّضْتُ بحُبِّ ابْنِ أسَدْ جَائِرٌ في الحُكم ما أنْصَفَنِي … بزَّني رُوْحًا وخَلَّى لي جَسَدْ وأنا المَحْسُودُ فِيهِ عَجَبًا … لَيْتَهُ يرضَى فأرْضَى بالحَسَدْ فقال المُفَضَّل ارْتِجَالًا: [من الرمل] ملأَتْ قَلْبِي سُرُورًا رُقْعَةٌ … لو بَدَتْ لابنِ هِلَالٍ لسَجَدْ ضَمِنَتْ حُسْنَ اعْتِقَادٍ مِن فَتَىً … لا عَدِمْنا مِنهُ حُسْنَ المُعْتَقَدْ جَمَعَ اللّهُ بهِ شَمْل العُلَى … فَهْيَ أُمّ بَرَّةٌ وَهْوَ الوَلَدْ لا خَلَتْ نِعْمَتُهُ مِن حَاسِدٍ … فَلقَدْ عَظَّمَهَا أهْلُ الحَسَدْ غُصُنٌ من دَوْحَةٍ طَاهِرَةٍ … لَيسَ مِن أغْصَانِها منْ لَم يَسُدْ ألْمَعِيٌّ غلَبَ النُّور على … قَلْبهِ فيما يُعَاني فاتَّقَدْ أنا عَبْدٌ لكَرِيمٍ جُوْدُهُ … ما خَلَا في عَصْرِهِ مِنْهُ أَحَدْ أبَدًا تَجْحَدُهُ مُعْتَذِرًا … وشُهُودُ الجُوْد تُبْدِي ما جَحَدْ قَرَأتُ في كتابِ جِنَان الجِنَان ورِيَاض الأذْهَان، تأليفُ الرَّشِيْد بن الزُّبَيْر: لأبي المَجْد سَالِم بن هِبَة اللّه في حَرِيق جَامع دِمَشْق: [من الخفيف] فأَتَتْهُ النِّيْرَانُ شَرْقًا وغَرْبًا … عن يَمِيْنٍ وَتارةً عن يَسَارِ ثُمَّ مَرَّتْ على حَدِائِقِ نَخْلٍ … وإذا الجَمْرُ مَوضِعُ الجُمَّارِ فكانَّ الجنَانَ قد عصَتِ اللـ … ـهَ فَوَلَّى عَذَابَها للنَّارِ أخْبَرَنِي الشَّريفُ أبو المَحَاسن عَبْد اللّه بن مُحَمَّد بن عَبْد اللّه الهاشِمِيّ، قال: نَقَلت من خطِّ ابن شرارة الحَلَبِيّ النّصْرانِيّ في تَعْليقٍ له: تُوفِّي الشَّريف أَبُو المَجْد سَالِم بن هِبَة الله في لَيْلَة يَوْم الخَمِيْس سَادِس عَشر جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة اثْنَتي عَشرة وخَمْسِمائَة بحَلَب. وقَرأتُ بخَطِّ الأُسْتَاذ أبي عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْمِيّ (¬١)، وأجَازَهُ لي المُؤيَّد بن مُحَمَّد بن عليّ وأبُو اليُمْن الكِنْدِيّ عنه، قال في حَوَادِث اثْنَتِي عَشرة وخَمْسِمائَة في تَارِيْخهِ: وفي لَيْلَة الخَمِيْس سَادِس عَشر جُمَادَى الأُوْلَى تُوفِّي الشَّريفُ جَمَال الشَّرَف أبو المَجْد سَالِم بن هِبَةِ اللّه الهاشِمِيّ الحارِثِيّ، وكان من ظِرَافِ النَّاسِ، وطُرَف الزَّمانِ، خَلْقًا، وخُلُقًا، وأدَبًا، ودُعَابَةً، وشِعْرًا.