page 4883, entry [1626]Open original source
زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر، أبو المُظَفَّر التُّرْكِيّ (¬٢) وقيل: آق سُنْقُر بن التُّرْغَان من قَبِيلَة سَاب يُوْ، وقيل إنَّ آقْ سُنْقُر كان مَمْلُوكًا للسُّلْطَان مَلِك شَاه، وقد ذَكَرنا ذلك في تَرْجَمَتِهِ (¬٣)، ويُعْرف زَنْكِي بأتَابك ابن قَسِيم الدَّوْلَة، لأنَّهُ كان عندَهُ وَلدان للسُّلْطَان مَحْمُود بالمَوْصِل يُرَبِّيهما. وكانَ مَوْلدُهُ بحَلَب في أيَّام وِلَايَة أبيهِ في سَنَة ثَمانين وأرْبَعِمائة، ورَبي بها، وكان في أوَّل أمْره مُضَافًا إلى آقْ سُنْقُر البُرْسُقِيّ، والبُرْسُقِيّ شِحْنَة بَغْدَاد، ووَلَّاهُ البَصْرَة، فلمَّا عُزِلَ البُرْسُقِيّ عن شِحْنَكِيَّة بَغْدَاد، فارَق البَصْرَة، وقَصَدَ السُّلْطان مَحْمُود بن مُحَمَّد بن مَلِكْشاه، فأكْرَمَهُ وأقْطَعَهُ البَصْرَةَ، وأعادَهُ إليها في سَنَة ثَمان عَشرة وخَمْسِمائَة، ثُمَّ تَرَقَّت به الحالُ إلى أنْ مَنَكَ المَوْصِل في سَنَة إحْدَى وعِشْرين وخَمْسمائة. وكان خُتْلُغ آبَه بحَلَب، وأسَاءَ السِّيْرَة مع أهْلها، فحَصَرُوه، وبالمَدِينَة بَدْر الدَّوْلَة سُليْمان بن عَبْد الجَبَّار بن أُرْتُق، فأجْمَع رَأي خُتْلغُ آبَه وسُليْمان على أنْ سَارَا إلى أتَابِك زَنْكِي ويُحَكِّماهُ فيما يَفْعل، فلَم يُوقِّع لواحدٍ منهما بحَلَب، وتوجَّه إليها فقَدِمَها، وكان له أتْرَابٌ بحَلَب من الحَلَبِيِّيْن، قد تَرَبَّى بينهم، فكانُوا يَمِيلُون إليه لذلك، فسَلَّمُوا إلى نائبه حَلَب في شَهْر رَمَضَان سَنَة إحْدَى وعشْرين وخَمْسِمائَة، وتوجَّه إليها فتَسَلَّمها في سَنَة اثْنَتَيْن وعِشْرين وخَمْسِمائَة في جُمَادَى الآخرة. وتوجَّه بعد ذلك إلى السُّلْطان مَحْمُود، وعاد في سَنَة ثَلاثٍ وعشرين ومعه تَوْقِيْع مُجَدَّدٌ بوِلَايَة الجَزِيرتَيْن والشَّام وحَلَب والشَّطِّ، ومَلَكَ حِمْصَ، وحَمَاة، وبَعْلَبَك، والرَّقَّة، ودَارَا، وحَرَّان، ورَأس عَيْن. واشْتَغَل بمُحَارَبةِ الفِرِنْج، ففَتَح من أيْدِيهم مَعَرَّة النُّعْمَان، وكَفَرْ طَاب، وبَارِين، والأثَارِب، وزَرَدْنَا، وتَلّ أعْذَى، وبُزَاعَا، وسَرُوْج، والرُّهَا. وكان له أثر عَظِيم في نُصْرَة الإسْلَام، وكَفِّ عَاديةِ الفِرِنْج، ومَهَّدَ لمَن بعْدَه فَتْح البِلَادِ، بعد أنْ كان الفِرِنْج قد ضَايقوا مَدِينَة حَلَب واسْتَولَوا على حُصُوِنها، وأخَذُوا المُنَاصفَة من المُسْلمين إلى بابها، فأَغاثَهم الله بزَنْكِي وبوَلده من بَعْده. وكان زَنْكِي مَلِكًا عَظيْمًا، شُجَاعًا، جَبَّارًا، كَثِيْر العَظَمة والتَّجبُّر، وهو مع ذلك يُرَاعي أحْوَال الشَّرْع ويَنْقاد إليهِ، ويُكْرم أهْل العِلْم، وبَلَغَني أنَّهُ كان إذا قيل له: أمَا تَخَاف الله، خافَ من ذلك، ويتَصَاغَرُ في نَفْسه، فأظْهَر اللهُ تعالَى سرَّه المَحْمُود في وَلدِه مَحْمُود. أنَبْأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، عن الأُسْتَاذ أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ، ونَقَلْتُه من خَطِّ العُظَيْميّ (¬١)، قال في حَوَادِث سَنَة إحْدَى وعِشْرين وخَمْسِمائَة، قال بعد ذِكْر حِصَار الحَلَبِيِّيْنَ وبَدْر الدَّوْلَة ابن أُرْتُق وإبْراهيم ابن المَلِك رِضْوَان خُتْلُغ آبَه (¬٢) غُلَام السُّلْطان مَحْمُود: وطال الأمرُ على خُتْلُغ آبَه، وحَفَرُوا خَنْدَقًا حَوْل القَلْعَة، فكُلّما خَرَجَ منها رَجُل أو دَخَل إليها أُخِذَ إلى نصْف ذِي الحِجَّة، [و] وَصَلَ الأَمِير سُنْقُر دَراز (a)، والأَمِير حَسَن قَرَاقُش، وجَمَاعَة أُمَرَاء في عَسْكَرٍ قَوِيّ إلى باب حَلَب، واتَّفَق الأمرُ على أنْ يَسِيْر بَدْر الدَّوْلَة وخُتْلُغ آبَه إلى باب المَوْصِل إلى عِمَاد الدِّين قَسِيم الدَّوْلَة ابن قَسِيم الدَّوْلَة زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر، إلى المَوْصِل، فلِمَنْ وَلَّى عَادَ إلى مَنْصِبهِ. وأقَامَ بحَلَب الأَمِير حَسَن قَرَاقُش والرَّئِيس ابن بَدِيْع، فأصْلَح عِمَاد الدِّين بينهما، ولَم يُوقِّع لأحدٍ منهما، وطَمِع بمُلْك البَلَدِ، وسَيَّر سَريَّةً إلى حَلَب مع الأَمِير الحَاجِب صَلاح الدِّين العِمَادِيّ، فوَصَل إلى حَلَب، وأطْلعَ إلى القَلْعَة وَاليًا من قِبَلِه، ورتَّب الأُمُور، وجَرَت على يَده على السَّدَادِ، وهو الّذي تَوَلَّى إنْزَاله وإليهِ اطْمَأنَّ. وقال العُظَيْميّ (¬١): سَنَة اثْنَتَيْن وعِشْرين وخَمْسِمائَة، في جُمَادَى الآخرة منها وَصَلَ الأَمِير عِمَاد الدِّين قَسِيم الدَّوْلَة أبو سَعيد زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر قَسِيم الدَّوْلَة إلى حَلَب ومَلَكَها، وصَعدَ القَلْعَة، وباتَ بها، وعادَ إلى نُقْرَة بني أَسَد، وقبضَ على خُتْلُغُ آبَهْ، وحَمَلَهُ إلى حَلَب وسَلَّمَهُ إلى عَدُوِّه ابن بَدِيْع، فكحَلُوهُ بدَاره في النِّصْف من رَجَب. وقال العُظَيْميّ (¬٢): وفي جُمَادَى الآخرة - يعني من سَنَة ثَلاثٍ وعشْرين وخَمْسِمائَة - عادَ الأَمِيرُ عِمَاد الدِّين قَسِيم الدَّوْلَة زنْكِي من عند السُّلْطان إلى المَوْصِلِ ومعه طُغْرَاء بَتْجدِيد الجَزِيرتَين والشَّام وحَلَب والشَّطِّ، وما اتَّصَل بذلك، بعدَما خَرَجَ عن يَده بالدَّرْكَاةِ مائة وعِشْرُون ألف دِيْنار. قال (¬٣): وفي مُسْتَهَلّ رَجَب - يعني من سَنَة أرْبَعٍ وعشْرين - وَصَلَ عِمَاد الدِّين زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر إلى أكْنَاف الفُرَات وفَتَح قَلْعَة السِّنِّ، وسَيَّر سَرِيَّة تقدَّمت مع الثَّقَل إلى باب حَلَب، ونهضَت الخَيْل أغارَت على بَلَد عَزاز، وعَاثُوا في بَلَدِ جُوسْلِين مُقابَلة (a) له على قَدِيم قَبِيْحَة في غَيْبَة الأَمِير قَسِيم الدَّوْلَةِ. ثمّ عَبَرَ الأَمِيرُ قَسيم الدَّوْلَة بتاريخ الأَحَدِ ثَامن عِشْرين رَجَب، فخيَّم بِظَاهِر حَلَب، وتكرَّرت الرُّسُل في الصُّلْح، فاصطَلحُوا مُدَّة سَنَة، وكان الأَمِيرُ قد رَعَى زَرْعَ الرُّهَا في طَرِيْقهِ، وظَفِرَ بالتُّرْكُمَان أيضًا وكَسَرَهُم. قال (¬١): وفي هذه المُدَّة تزوَّج أتَابِك قَسِيم الدَّوْلَة بخَاتُون بنت المَلِك رِضْوَان، ودَخَلَ بها ليلَة الاثنين في عشْرين من شَعْبان. قال (¬٢): وفي يَوْم الاثنين عَاشِر شَوَّال تَسلَّم أتَابِك عِمَاد الدِّين حَمَاة، وقبضَ على خَيْر خَان (a) صَاحِب حِمْص، وأنْهَبَ عَسْكَره وخَفَّ إلى حِمْص، فنَزَلَ رَبَضها، وطَلَب من أوْلادِ خَير خَان التَّسْلِيم، فامْتَنَعُوا، وشبَّت الحَرْبُ بينَهُم، وشُنِّع على الأَمِير أَطْسِيْس بن ترك (b) فقَتَلُوه، ورُميَ برَأسه، ونقبُوا القَلْعَة فبَطل النَّقْب، ونُصِبَت المَجَانِيْق فبطلَت، وطال الشَّرْح، وهَجَم الشِّتَاء، فعاد العَسْكَرُ إلى حَلَب ثاني ذِى الحِجَّة. وقال (¬٣): فيها يَعنى - سَنَة خَمْسٍ وعِشْرين وخَمْسِمائَة - في المُحَرَّم، سار أتَابِك عِمَاد الدِّين مُشَرِّقًا يَوْم الخَمِيْس غُرَّته، وكان السُّلْطان مَحْمُّود شَتَّى ببَغْدَاد، فلمَّا كان في ثالث عَشر ربيع الآخر شَرَّق نحو أصْبَهَان، وبَلَغَهُ أنَّ أخاهُ بايَنَ بالعَدَاوَة، فردَّ أمْر العِرَاق إلى عِمَادِ الدِّين قَسِيم الدَّوْلَة زَنْكِي مُضَافًا إلى ما كان في يَدِه من الجَزِيْرَة والشَّام، هذا كُلُّه ودُبيس مُقيمٌ بفَم البَّرِّيةِ يتَواعَدُ بَغْدَاد بالَخرَاب، وبلغَ أتَابِك عِمَاد الدِّين وَفَاة السُّلْطان مَحْمُّود بن [مُحَمَّد] (a) وهو على القَرْيتَيْن، فسَارَ نحو المَوْصِل ليلَة الخَمِيْس سَادس عَشر شَوَّال ومعه دُبَيْس. وكان لهذا السُّلْطانِ عند الأَمِير وَلدان؛ أحَدُهما الّذي كانت أُمُّهُ عند سُنْقُر البرسُقِيّ وماتَتْ، اسْمُه ألْب أَرَسْلَان أبو طَالِب، والآخر الّذي كان عند دُبيس، فبَعَثَ عِمَاد الدِّين يَسُوم المُسْترشِد أنْ يَخْطب لأبي طَالِب وَلد السُّلْطان، فاعْتَذَر المُسْترشِدُ إليه بأنَّهُ صَبيٌّ، وأنَّ المنقُول رَسْم لوَلدِه دَاوُد وهو بأصْبَهَان، وقد وَصَلَتْ رُسُل البِلادِ كُلها تقُول: اخْطُب لدَاوُد فنحنُ له طَائعُون، وأنا مُنْتَظرٌ جَوَاب كتاب سَنْجَر عَمّ القَوْمِ، وكان أتَابِك عِمَاد الدِّين قد أخَذَ خَبَر عَوْدةِ ابن الأنْبارِيّ رَسُول الخلَيفَة من دِمشْق؛ كان المُسْترشِد نفَّذَهُ في مَعْنَى دُبيس إلى تاج المُلُوك، فوجدَهُ قد صَار إلى عِمَاد الدِّين، فعاد وكانت في صُحْبَتهِ قَافِلَة عَظِيمَة فيها أمْوَالٌ، فبَعَثَ عِمَاد الدِّين إليهِ سريَّةً للقَبْض عليه، فقبضُوا عليه، ونَهَبُوا القَافِلَة في كيَادِ الخَلِيفَة، وفكّ القيُود عن دُبَيْس وخَلَعَ عليهِ، وحَمَل له من المالِ والجوهَر والخيْل والعُدَد ما لا حَدّ عليه، وخَرَجَ من الدَّار الّتي كان يشرب فيها وسَلَّمها إليهِ بآلاتها وكُلِّ ما فيها. قُلتُ: وبعد ذلك وَصَلَ دَاوُد بن مَحْمُّود بن مُحَمَّد بن مَلِكْشاه إلى زَنْكِي، فأَخذَهُ وسَارَ بهِ إلى بَغْدَاد، وأنْزَله في دَار السَّلْطَنَة ببَغْدَاد، وزنْكِي في الجانب الغَرْبيِّ، والخَلِيفَةُ إذ ذاكَ الرَّاشِد بعد قتل المُسْترشِد، فوَصَلَ السُّلْطان مَسْعُود إلى بَغْدَاد فَحَصَرهم بها، فوقَع الوَبَاء في عَسْكَره، فسَار إلى أرْض وَاسِط ليعبُرَ إلى الجانِب الغَرْبيِّ، فاغْتَنَم زَنْكِي غَيبته، وسار إلى الموصِل، وسار داود إلى مرَاغة، وبلغ الخبر إلى السُّلْطان مَسْعُود، فعَاد فهَرَبَ الرَّاشِد ولَحِقَ أتَابِك زَنْكِي بالمَوْصِل، ودَخَلَ مسْعُود بَغْدَاد، فبايعَ مُحَمَّدًا المقتَفِي، وخُطِبَ له ببَغْدَاد وعْمَال السُّلْطان، وبَقِيت الخُطْبَةُ بالشَّام والمَوْصِل على حالها إلى أنْ اتَّفقَ زَنْكِي والسُّلْطان مَسْعُود واصْطَلَحا، وخُطِبَ بالشَّام والمَوْصِل للمُقْتَفِي ولمَسْعُود، وفارَق الرَّاشِدُ إذ ذاك زَنْكِي، وسار عن المَوْصِل إلى خُرَاسَان، وذلك في سَنَة إحْدَى وثَلاثين وخَمْسِمائَة. قَرأتُ بخَطِّ القَاضِي بَهِاء الدِّين أبي مُحَمَّد الحَسَن بن إبْراهيم بن الخشَّاب، في تاريخ مُخْتَصَر عَمِلهُ أبو شُجاع مُحَمَّد بن عليّ بن شُعَيْب الفَرَضِيّ البَغْدَاذيّ المَعْرُوف بابن الدَّهَّان (¬١)، وذَكَرَ أنَّهُ نَقَلَهُ من خَطِّه، قال في حَوَادِث سَنَة إحْدَى وعشرِين: واتَّفَقَ الأمرُ على أنْ يَسِيْر بَدْرُ الدَّوْلَةِ وخُطْلُبَا إلى باب المَوْصِل إلى عِمَاد الدِّين زنْكِي، فلمنَ وَلّى عاد إلى مَنْصِبهِ، وأقَامَ بحَلَب الأَمِير قَرَاقُش والرَّئِيس فَضَائِل بن بَدِح، فأصْلَح عِمَاد الدِّين بينهما، ولَم يُوقِّع لأحدٍ منهما، وسيَّرَ سريَّةً إلى حَلَب صُحْبَة الحَاجِب صَلاح الدِّين العِمَادِيّ، فوَصَلَ إلى حَلَب وطَلعَ إلى القَلْعَة، وأقام فيها وَاليًا من جَانبهِ. وقال: وفي هذه السَّنَة - يعني سَنَة اثْنَتَيْن وعِشْرين وخَمْسِمائَة - دَخَلَ عِمَاد الدِّين زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر إلى حَلَب في يَوْم الاثْنين رَابع عَشر جُمَادَى الآخرة، والطَّالع السُّنْبُلة أرْبَع عَشرة دَرَجة، وطَالعُه الأصْليّ المِيَزان، كَذَا حَكَى لي البرهانُ (a)، وقبضَ على خُطْلُبَا وسَلَّمَهُ إلى ابن بَدِيْع فكحَلهُ في مُنْتَصَف رَجَب سَنَة [اثنتَيْن وعشرين] (b) وخَمْسِمائَة. قال: وانْحَازَ قاضِي القُضَاة الزَّيْنَبي إلى المَوْصِل في وِلَايَةِ الرَّاشِد والآن عاد وسَمِعَ البَيِّنَة في خَلْع الرَّاشِد، وانْضَافَ إلى الرَّاشِد لمَّا أصعَد إلى المَوْصِل أبو الفُتُوح الوَاعِظ الإسْفَرَايني وجَلَال الدِّين بن صَدَقَة الّذي كان وَزِيره، وقَوَام الدِّين بن صَدَقَة، وأكَابر بَيْت صَدَقَة، وحَصَل الجَمَاعَةُ عند زَنْكِي بالمَوْصِل. ولمَّا اتَّفقَت الكَلِمَةُ على المقتَفِي لأمْر اللهِ وعلى السُّلْطان مَسْعُود، اسْتَشْعَر الرَّاشِد من زَنْكِي، وطلبَ منه أنْ يَعْبُر إلى الجانب الغَرْبيّ ليَمضِي إلى هَمَذَان، فمشَى بينَ يَدَيْهِ إلى أنْ حَصَل في الشَّبَّارَة وعَبَر، وتخلَّفَ عند زَنْكِي جَلَال الدَّوْلَة صَدَقَة وجَمَاعَة من بيتهِ. وسَمِعْتُ قَوَام الدِّين [ابن] (a) صَدَقَة يَحْكي أنَّ الرَّاشِدَ لمَّا حَصَل على شَاطِئ دِجْلَة بالمَوْصِل يُريدُ العبُورَ وزنْكِي بينَ يَديْه، قال لأبي الرِّضَا بن صَدَقَة: أُريدُ أَقْتُل زَنْكِي، فقال أبو الرِّضَا لابن عَمِّه قَوَام الدِّين: قُل لزَنْكِي يُسْرِع خَطْوَهُ بحيث يبعُد عن الرَّاشِدِ، ففَعَل، وعرَف زَنْكِي ذلك لأبي الرِّضَا، فاسْتوْزرَهُ، ومَضَى الرَّاشِدُ إلى أصْفَهَان وصُحْبته أبو الفُتُوح الإسْفَرَايني، وأقام عليها إلى أنْ قُتِلَ. وقال: في خَامِس عَشْريّ جُمَادَى الآخرة - يعني سَنَة تِسْعٍ وثَلاثين وخَمْسِمائَة - فَتَحَ زَنْكِي الرُّهَا؛ كان نَازِلًا على آمِد فكَتَبَ إليه رِئيسُ حَرَّان يُخْبره أنَّ صَاحِب الرُّهَا قد تَوجَّه إِلى الشَّام، فأغَذَّ زنْكِي السَّير حتَّى نَزَلَ على الرُّهَا، وحال بينها وبين صَاحِبها، وحاصرها أشَدّ الحِصَارِ، وفَتَحَها بالسَّيْف فغَنم المُسْلمُون منها. قرأت في تاريخ أبي المحاسن بن سلامة بن الحرَّاني لحَرَّان، دَفَعهُ إليَّ الخَطِيبُ سَيْف الدِين أبو مُحَمَّد عبد الغنِي ابن شيخنا فَخْر الدِين أبي عبدِ الله مُحَمَّد بن الخَضِر بن تَيْمِيَّة، وذَكَرَ لي أنَّهُ نَقَلَهُ من خَطِّ شَيْخه المؤلِّف أبي المحاسِن، قال: وفي سَنَة تِسْعٍ وثَلاثين وخَمْسِمائَة نَزَل - يعني أَتَابِك زَنْكِي - على الرُّهَا وفيها الإفْرنج، فَحَصَرها وأخَذَها بالسَّيْفِ في يَوْم السَّبْت سادِس عَشر جُمَادَى الآخر، وكانت أيَّام الشِّتَاءِ والبرد، قال الشَّاعر: [من الوافر] إذا كانَتْ جُمَادَى في جُمَادَى … فذَاكَ القُرُّ والبَرْدُ الشَّدِيدُ ولمَّا فَتَحَها أوْصَى بأهْلها خَيْرًا، ولَم يَسْبِ أهْلها، ونَوَى عِمَارتها، ووجَدُوا على عِضَادةِ المحْرَاب مَكْتُوبًا (¬١): [من السرج] أَصْبَحْتُ صِفْرًا من بني الأصْفَرِ … أخْتَال بالأعْلَام والمِنْبَرِ دَان من المَعْرُوف حَالٍ بهِ … نَاءٍ عن الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ مُطَهَّر الرّحْبِ على أنَّني … لولا جَمَالُ الدِّين لم أَطْهُرِ فبَلغَ ذلك رَئيس حَرّان جَمال الدِّين فَضْلَ الله أبا المَعَالِي، فقال: امْحوا جَمال الدِّين واكْتُبُوا عِمَاد الدِّين، فبَلغَ ذلك أتَابك عِمَاد الدِّين، فقال: صَدَقَ الشَّاعِر، لولاك ما طَمعْنا فيها، وأمر عُمَّالَهُ إذا جاءت جَائِحَةٌ في الغَلَّةِ أنْ يأخذُوا الخَرَاج على قَدْرها، فكانُوا يأخذُون خَرَاجًا، وتارةً نصْف خَرَاج، وتارةً ثُلْث خرَاج، وتارةً رُبْعَ خَراج، وتارة لا يأخذُونَ شَيئًا إذا أمْحَلَت البِلادُ، وقسّمَ الماءَ الّذي لحَرَّان ثلاثة أقْسَامٍ: قسْمًا للسُّلْطَان، وقِسْمًا للشّنايات (a) وقسْمًا لآبَار حَرَّان ولخَنْدَق القَلْعَة. فلمَّا أخَذَ الرُّهَا، نَزَلَ على البِيْرَة وفيها الإفْرنج، وذلك في سَنَة تِسْعٍ وثَلاثين وخَمْسِمائَة، وجاءه الخبرُ من المَوْصِل أنَّ نَصِيْر الدِّين نائبَهُ بالمَوْصِل قُتِلَ (¬١)، فخافَ عليها، وسار حتَّى دخَلَ المَوْصِل، وأخَذَ فرخَافشَاه ابن السُّلْطان الّذي قَتَلَ نَصِيْر الدِّين جَقَر بن يعْقُوب، فقتَلَه بدَم نَصِيْر الدِّين. سَمِعْتُ شَيْخَنا قاضِي القُضَاةِ أبا المحاسِن يُوسُف بن رَافِع بن تَمِيْم، قاضي حَلَب، ﵀ يَقُول: كان عندنا بالمَوْصِل رَجُلٌ يُقال له مُولى يُؤذِّنُ بالمَدْرَسَة، وكان أشْقَر، شَكْلهُ شَكْل الأرْمَن، وكان جَهْوَريّ الصَّوْت، وكان له قَرْيَةٌ مَلَّكَهُ إيَّاها أتَابِك زَنكِي، فسَألتُهُ عن السَّبَب في تَمْليْكه القَرْيَة، فقال: إنِّي كُنْتُ مع أتَابِك لمَّا نَزَل مُحَاصِرًا للرُّهَا، فنَزلتُ إلى السُّوق واشْتَريْتُ لباسًا من لباسِ الأرْمَن، وتزيَّيْتُ في زيِّهِم، ووصَلْتُ إلى البَلَدِ لأنظُرَهُ وأكْشفَ حَالَهُ، فَجئْتُ إلى الجَامع فدَخَلْتُه ورَأيْتُ المَنَارَة، فقُلْتُ في نَفْسِي: أصْعَدُ إلى المَنَارَة وأُؤَذِّن وحتَّى يَجْري ما جَرَى! فصَعَدْتُ ونادَيْتُ: الله أكْبَر، الله أكْبر، وأذَّنْتُ والكُفَّار على الأسْوَار، فوَقَع الصِّيَاح في البَلَدِ: أنَّ المُسْلمِيْن قد هَجَمُوا البَلَدَ من الجِهَةِ الأُخْرى، فَتَرَك الكُفَّارُ القِتَال وَنزَلُوا عن السُّور، فصَعدَ المُسْلمُون وهَجَمُوا المَدِينَة، فأعْطَاني أتَابِكُ هذه القَرْيَة لذلك. قَرَأتُ في تاريخ حَرَّان، جَمْعُ أبي المَحَاسِن بن سَلامَة الحَرَّانيّ، قال: حَدَّثَني أبي ﵀، قال: كان أتَابك زنْكِي بن قَسِيم الدَّوْلَة آقْ سُنْقُر ﵀ إذا رَكبَ مَشَى العَسْكَر خَلْفَه كأنَّهُم بين حَيْطَين مَخَافَة أنْ يَدُوسَ العَسْكَر شَيئًا من الزَّرْعِ، ولا يَجْسُر أحدٌ من هَيْبَته يَدُوس عِرْقًا من الزَّرْع، ولا يَمْشي فَرَسُه فيهِ، ولا يقدر أحدٌ من الأجْنَادِ يأخُذُ لفلَّاح عِلَاقَة تبْن إلَّا [بثَمنها] (a) أو بخَطٍّ من الدِّيْوَان إلى رَئيسِ القَرْيَة، وإنْ تعَدَّى أحدٌ صَلَبَه عليها، وكان إذا بَلَغهُ عن جُنْدِيٍ أنَّهُ تعدَّى على فلَّاحٍ قَطَع خُبْزَهُ وطَرَدهُ، حتَّى عمَّر البِلَاد بعد خَرَابها، وأحْسَن إلِى أهْلِ مَمْلَكَته، وكان لا يُبْقي على مُفْسِد، وأوْصَى وُلاتَهُ بأهْلِ حَرَّان وعُمَّاله، ونَهَى عن الكُلَف والمَغَارم والسُّخَر والتَّثْقِيل على الرَّعِيَّةِ، وأقام الحُدُودَ في بلادِهِ ﵁. هذا ما حَكَاهُ أبو المحاسِن عنه (a). وسَمِعْتُ من جَمَاعَةٍ من فَلَّاحي حَلَب أنَّهُ كان عليهم منه جَوْر وظُلْم في أيَّام ولايته، وأكْثَر ما كان يُذْكر عنهُ من الظُّلْم ما يلزم النَّاس به من جَمْع الرَّجَّالَة للقِتَال والحِصَار، فإنْ كان ذلك في جِهاد الكُفَّار، فقد كان يجبُ عليهم ذلك، وله إلْزَامهم به، وبَلَغَني أنَّهُ كان لا يَتَجَاسَر أحدٌ من رَعيَّته كائنًا مَنْ كان أنْ يَظْلم أحدًا من خَلْقِ الله، ويقُول: لا يتَّفق ظالمِان، يعني نفسَهُ وغَيْره (b). وبَلَغَني أنَّ أتَابِك زَنْكِي تَزَوَّج خَاتُون بنت المَلِك رِضْوَان [وبَني بها في] (c) دَيْر الزَّبِيْب خَارِج مَدِينَة حَلَب، وكان إذْ ذاك فيه بقايا عِمارَة، ودَامَتْ معه بحَلَبَ إلى أنْ دَخَل يوْمًا إلى الخِزَانَة بحَلَب [ليَعْتَبر] (d) ما فيها، فرَأى الكِبْر الّذي كان على أبيهِ آقْ سُنْقُر حين أسَرهُ تَاج الدَّوْلَة تُتُش وقَتَلَهُ بينَ يَدَيْه صَبْرًا، وهو مُلوَّث بالدَّم، فقيل له: هذا كِبْر أبيك الّذي قُتِلَ فيه، فانْزَعَج لذلك وَأخَذَهُ بيَده، ودَخَلَ على زَوْجته بنت المَلِك رِضْوَان، وألْقَى الكِبْر بينَ يديْها وهو مُضَمَّخٌ بالدَّم، وقال لها: أمَا هذا فعْل مَنْ لا ﵀؟ يعني: جَدَّها تَاج الدَّوْلَة تُتُش، ثمّ هَجَرها من ذلك اليَوْم، وانْقَطَعَ عن الدخُول إليها، ودَامَ على ذلك. فَحدَّثني عَمِّي أبو غَانِم، عن أَبيِهِ أبي الفَضْل، قال: كان أتَابِك زَنْكِي مُتزوِّجًا بنت المَلِك رِضْوَان فهَجَرَها، وبَقىَ مُهاجِرًا لها مُدَّة من الزَّمان، فجاءت إلى وَالدِي القَاضِي أبي غَانِم وهو قاضي حَلَب إذ ذاك، وقالت له: أيُّها القَاضِي، قد جئتُكَ مُتَمسِّكةً بذَيْلك، ومُسْتَجيْرة بالشَّريْعَة المُطَهَّرة، فإنِّي مع أتَابِك لا أعْلَم حالي معه، أمُطَلَّقة أم مُعَلَّقة، وأنا مَهْجُورة من مُدَّة طَوِيلَة، فوَعَدها الاجْتِمَاع بهِ في ذلك، ثمّ صَعدَ إليهِ إلى القَلْعَة ولَقِيَهُ وهو رَاكبٌ على الباب، فقال له: يا مَوْلاي، قد جاءت إليَّ خَاتُون وذَكَرَت لي كَذَا وكذا، قال: فسَاقَ أتَابِك فَرَسَهُ ولَم يُجِبْهُ بشيءٍ، قال: فأمْسَك وَالدِي بلِجَام الدَّابَّة ومَنَعَهُ من المَسِيْر، وقال: يا مَوْلايّ، هذه الشَّريْعَة المُطَهَّرة لا يَنْبَغي الخُرُوج عنها، فقال أتَابِك: اشْهَد على أنَّها طالقٌ، قال: فأرْسَل وَالدِي حينئذٍ لِجَام الدَّابَّة من يَدِه، وقال: أمَّا السَّاعَة فنَعَم. وسَمِعْتُ عَمِّي أبا غَانِم يَقُول: قال لي وَالدِي أبو الفَضْل: لمَّا مَاتَ أبي القَاضِي أبو غَانِم، وولَّاني أتَابِك زَنْكِي القُضَاءَ بعدَهُ على أهْلِ حَلَب وأعْمَالها، وأحْضَرَني مَجْلسَهُ، وقال لي: يا قَاضي، هذا أمرٌ قد نَزَعتُه من عُنُقي وقَلَّدتُكَ إيَّاهُ، فانْظُر كيف تكُون، واتَّق اللّه، سَاوِ بين الخَصْمَين هكذا؛ وجَمَع بين سَبَّابته ووُسْطاه، ولا تَمِل على أحد الخَصمَيْن، ولا تُحاب أحدًا، ومَنْ امْتَنَع عليك فها أنا من وَرَائك. أخْبرَني أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّطِيْف بن مُحَمَّد بن أبي الكَرَم بن المُعَلَّى السِّنْجَارِيّ، قال: أخْبَرَني أبي، قال: كان بالمَوْصِل رَجُلٌ من أهْلِ الصَّلَاح يُنْكر المُنْكَر أين رَآهُ، فإنْ رَأى خَمْرًا أرَاقهُ، أو رَأى جَنْكًا أو عُوْدًا كَسَرهُ، فيُضْرَب على ذلك، فيَجْلِس في بَيْته ويُدَاوي أثرَ الضَّرْب، ثمّ يَخْرُج، فإنْ رَأى مُنْكَرًا أنْكَرَهُ على عَادَته، فيُضْرب ضَرْبًا عَنِيفًا، فيَجْلِس في البيت على العَادَة ويُدَاوي نفسَهُ إلى أنْ يَبْرئ، ويَخْرُج ويُنْكِر على عَادَتِهِ. فاتَّفقَ يَوْمًا من الأيَّامِ أنْ خَرَجَ فنَظَر إلى دِجْلَة، وزَنْكِي بن آقْ سُنْقُر رَاكبٌ في شَبَّارة وعندَهُ مُغَنِّية تُغَنِّي وهو يَشْرَبُ، وعنده جَمَاعَة، فنَزَع ذلك الرَّجُل ثِيَابَهُ وسَبَح وجاء إلى الشَّبَّارَة الّتي فيها زَنْكِيّ، فعَلَّق يَدهُ فيها ليَصْعَد، فقال بعضُ مَن مع زَنْكِي: أأضْربُ يَدَهُ بالسَّيْف؟ فقال: لا اتْركهُ، فتَعَلَّق وصَعدَ فجَلَس، فأشَارَ ذلك الشَّخْصُ إلى زَنْكِي: أأضْربه؟ فقال: لا اتْركهُ، فقَعَدَ في الشَّبَّارة وأخَذَ الجَنْكَ وقَطَعَ أوْتارَهُ، ثمّ أخَذَ الأقْدَاح وصَبَّها في دِجْلَة، وغَسَّلها بالماءِ، وتَرَكها في الشَّبَّارة، وألْقَى جَمِيع ما ثَمَّ مِن الخَمْر في الماء، وغَسَّل الآنيَة وتَرَكها، ثمّ مَدَّ يده إلى إزَار المُغَنِّية فأخَذَهُ وسَتَرَها به، ثمَّ ألْقَى بنفْسه في دِجْلَة وسَبَح وعَبَر، ولَم يُكَلِّمه زَنْكِي بكَلمة، وأمَّا زَنْكِي فإنَّهُ لمَّا سَبَح ذلك الرَّجُل وعَبَرَ، قال: نَرْجع ونَدْخُل إلى دُورنا، فليسَ لنا في هذا اليَوْم اشْتِغَالٌ بما كُنَّا فيه، وأمَرَ الملَّاحِيْن فأتَوا بالشَّبَّارَة إلى دَاره فنَزَلَ فيها. قال: وأمَّا الرَّجُل الّذي كان يُنْكر [المُنْكَر] (a)، فكان بعد ذلك إذا أنْكَر المُنْكَر لا يَتَجاسَر أحدٌ على ضَرْبه، وإذا رَأوه مُقْبلًا ليُنْكر عليهم انْهزمُوا منه، واخْتَفوا من طَرِيقه، ولمَّا مَاتَ غُلِّقَت أسْوَاقُ المَوْصِل لحُضُور جنَازَته، ﵀. أنْبَأنَا أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْلِ بن سُلَيمان، قال: أخْبَرَنَا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ (¬١)، قال: زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر، أبو المُظَفَّر التُّرْكِيّ المَعْرُوف بابنِ قَسِيم الدَّوْلَةِ، دَخَل دِمَشْقَ في صُحْبَةِ الأَمِير مَمْدُود (b) صَاحِب المَوْصِل الّذي قُتِلَ بدِمَشْق (c)، وكان من خَوَاصِّهِ، ثمّ تَرَقَّت بهِ الحالُ إلى أنْ مَلَك المَوْصِل وحَلَب وحَمَاة وحِمْصَ، وحَصَر دِمَشْقَ، ثُمَّ اسْتَقرَّت الحال على أنْ يُخْطب (d) له على مِنْبَرها، ومَلَك بَعْلَبَك وغيرها من بلَادِ الشَّام والجَزِيْرَة، واسْتَرْجَع عدَّةً من حُصُون الفِرِنْج وبلادِهم، مثل: المَعَرَّة، وكَفَرْ طَاب، وتَلِّ بَارِين، وفَتَحَ مَدِينَة الرُّهَا، وكان له أثرٌ حَسَنٌ في مُقَاومة مُتَمَلِّك الرُّوم لمَّا حَصَر شَيْزَر، وأسَر عدَّةً من أبْطَالِ العَدُوّ، وكان شَهْمًا صَارِمًا، قُتِلَ وهو مُحَاصِرٌ لقَلْعَة ابن مَالِك في سَنَة إحْدَى وأرْبَعين وخَمْسِمائَة [ودُفِنَ] (a) بالرَّقَّة، ﵀. قَرَأتُ في تاريْخ أبي شُجاع مُحَمَّد بن عليّ بن الدَّهَّان الفَرَضِيّ (¬١)، في حَوَادِث سَنَة إحْدَى وأرْبَعين وخَمْسِمائَة، قال: وفي هذه السَّنَة قُتِلَ عِمَاد الدِّين زَنْكِي لَيْلَة الأَحَد سَادِس شَهْر رَبيع الآخر على قَلْعَة جَعْبَر، قَتَلَهُ خَادِمٌ له اسْمُه يَرَنْقُش، وانْهَزَم إلى قَلْعَة جَعْبَر. قُلتُ: وفي تَعْليقي من الفَوَائِد أنَّ أتَابِك زَنْكل سارَ من الرُّهَا، ونَزَلَ على قلَعَة جَعْبَر بالمَرْج الشَّرْقيّ تحت القَلْعَة يَوْم الثّلاثَاء ثالث ذِي الحِجَّة من سَنَة أرْبَعيْن وخَمْسِمائَة، فأقامَ عليها إلى لَيْلَة الأَحَد سَادِس شَهْر رَبيع الآخر نصْف اللَّيْل من سَنَة إحْدَى وأرْبَعين وخَمْسِمائَة، فقَتَلَهُ يَرْنْقُش الخَادِم؛ كان تهَدَّدَهُ في النَّهَارِ، فخافَ منه، فقَتَلَهُ في اللَّيْلِ في فِرَاشهِ. وقيل: إنَّهُ شَرِبَ ونامَ فانْتَبَه فوَجَدَ يَرَنْقُش الخَادِمَ وجَمَاعَة من غِلْمَانه يَشْربُون فَضْل شَرَابه، فتوعَّدَهُم ونام، فأجْمَعُوا على قَتْله، فقَتَلَهُ يَرَنْقُش المَذْكُور. سَمِعْتُ وَالدِيّ، ﵀، يَقُول: إنَّ حَارِس أتَابِك كان يَحْرسُه في اللَّيْلة الّتي قُتِلَ فيها بهذين البَيْتَيْن (¬٢): [من البسيط] يا رَاقِدَ اللَّيْل مَسْرُورًا بأوَّلهِ … إنَّ الحَوَادِثَ قد يَطْرُقْنَ أسْحَارا لا تأَمَننَّ بلَيْلٍ طابَ أوَّلُهُ … فرُبَّ آخر لَيْلٍ أجَّجَ النَّارَا قَرَأتُ في تاريْخ حَرَّان، تأليف أبي المَحَاسِن بن سَلامَة الحَرَّانيّ، قال: فلمَّا كان في سَنَة أرْبَعيْن وخَمْسِمائَة نَزَل - يعني أتَابِك زَنْكِي - على قَلْعَة جَعْبَر بالمَرْجِ الشَّرْقيّ تحت القَلْعَة يَوْم الثّلاثَاء ثالث ذِي الحِجَّة، فأقام عليها إلى لَيْلَة الأَحَد سَادِس رَبِيع الآخر نصْف اللَّيْل من سَنَة إحْدَى وأرْبعين وخَمْسِمائَة، فقَتَلَهُ يَرَنْقُش الخَادِم؛ كان تهَدَّدَهُ في النَّهَار، فخافَ منه، فقَتَلَهُ في اللَّيْل في فراشِهِ، وجاءَ إلى تحت القَلْعَة فنَادَى أهْلَ القَلْعَة: شِيْلُونيّ، فقد قَتَلْتُ السُّلْطانَ، فقالوا له: إذْهَبْ إلى لَعْنَة اللّه؛ قد قَتَلْتَ المُسْلمِيْن كُلَّهُم بقَتْله!. وافْتَرَقت العَسَاكِرُ، فأخَذَ أوْلَادُ الدَّايَة نُور الدِّين مَحْمُود المَلِك العادِل ابن عِمَاد الدِّين زَنْكِي وطلبُوا حَلَب والشَّام فمَلَكها (a)، وسَارَ أجْنَادُ المَوْصِل بسَيْف الدِّين غَازِي إلى المَوْصِل وأعْمَالها فمَلَكَها ومَلَكَ الجَزِيْرَة، وبقي عِمَاد الدِّين أتَابِك زَنْكِي وَحْدَهُ، فخَرَج إليهِ أهْلُ الرَّافِقَة فغَسَّلُوه بقِحْفِ جرَّة، ودَفَنُوهُ على باب مَشْهَد الإمَام عليّ ﵇ في جِوَار الشُّهَدَاء من الصَّحَابَة، وبَني بنوه عليه قُبَّةً فهي باقية إلى الآن. كذا قال أبو المَحَاسِن، وإنَّما دُفِنَ أوَّلًا دَاخِل مَشْهَد عليّ ﵁، قريبًا من الباب، ثمّ نُقِلَ من ذلك المَوضِع إلى جوار الشُّهَدَاء لِمَا نَذْكُره بعد هذا، وبَنى عليه وَلده نُور الدِّين مَحْمُود حائطًا يَقْصُر عن القامة، ولَم يُبْن عليه قُبَّة. أخْبَرَني الأَمِير بَدْرَان ابن جَنَاح الدَّوْلَة حُسَيْن بن مَالِك بن سَالِم بن مَالِك العُقَيْلِيّ، قال: لمَّا طَالَ حِصَار أتَابِك زَنْكِي لعمِّي عليّ بن مَالِك على قَلْعَة (b) جَعْبَر، تقدَّم حَسَّان البَعْلَبَكِّيّ صَاحِب مَنْبِج إلى عمِّيّ، وقال له من تحت القَلْعَة: يا أمير عليّ، أيْشٍ بَقي يُخَلِّصُكَ من أتَابِك؟ فقال له: يا عَاقِل، يُخَلِّصُني الّذي خَلَّصَكَ من جُبِّ خَرْتَبِرْت، فذُبِحَ أتَابِكُ في تلك اللَّيْلة. وكان حَسَّان قد قَبَضَ عليه بَلَك بن بَهْرَامِ بن أُرْتُق، وطَلَبَ منه أنْ يُسَلِّم إليهِ مَنْبِج فلم يَفْعَل، فسَيَّرَهُ إلى خَرْتَبِرْت وحَبَسَهُ في جُبٍّ بها، وحَاصَر مَنْبِج، فجاءَهُ سَهْمٌ فقَتَلَهُ عليها وخلصَ حَسَّان، وعاد إلى مَنْبِج (¬١). وقال لي بَدْرَان: ومن عَجِيْب ما اتَّفَق في حِصَار القَلْعَة ما حَكاهُ لي جَمَاعَةٌ من عَبِيْدنا وشُيُوخ أصْحَابنا أنَّ أَتَابِك زَنْكِي لمَّا قَصَدَ القَلْعَة وحَاصَرها، وبها عَمِّي عليٌّ، أقامَ [مُضَايقًا لها] (a) حتَّى عَدِمُوا الماءَ، فبَذَلَ له عَمِّي ثلاثين ألف دِيْنارٍ ليَرْحل عنها، فأجابَهُ إلى ذلك، ونَزَل رسُول عمِّي إليهِ وقد جَمَع الذَّهَبَ حتَّى قَلَع الحَلَق من آذانِ عَمَّاتي؛ أخَواته، على ما حَكَى لي المَشَايخُ. قال: فلمَّا نَزَل الرَّسُول إليهِ، قال لبعض خَوَاصِّهِ: امْضِ بفَرَسه وقَرِّبه إلى قِدْر اليَخْنِيّ؛ فإنْ شَرِبَ منه فأعْلِمنيّ، قال: فمَضَى بهِ إلى قِدْر اليَخْنِي وجَعَلَ مَرَقَة اليَخْنِي بينَ يَدَيْهِ، فشَرِبَها الفَرَسُ، فأخْبَرهُ بذلك، فقال: إنَّ الماءَ عندَهُم قليل جدًّا، فقال للرَّسُول: ارْجع إليهم فلا سَبِيل إلى الصُّلْح إلَّا على القَلْعَة، فقال له الرَّسُول: لا تَفْعَل، فقال: قد فَعَلتُ وأنتُم فما بقي عندكم ماءٌ يَكْفيْكم، قال: فصَعدَ الرَّسُول إلى القَلْعَةِ، وأخْبر عمِّي بذلك، فأُسْقِطَ في يَده. قال: وكان في القَلْعَة بقَرَةُ وَحْشٍ، وقد أجْهَدَها العَطَشُ، فصَعَدَت في دَرَجة المئْذَنة حتَّى عَلَتْ عليها، ورَفَعَتْ رَأسَها إلى السَّماءِ، وصَاحَت صَيْحَةً عَظِيمَة مَلأت الوَادِيّ، قال: فأرْسَل اللّه سُبْحَانهُ سَحَابةً ظلَّلَتْ القَلْعَةَ وأُمْطِرُوا حتَّى رَوُوا، ولمَّا كان عَشِيَّة ذلك اليَوْم، باتوا تلكَ اللَّيْلهَ فقُتِلَ أتَابِك في جَوْف اللَّيْل، وفَرَّج اللّه عنهم. قُلتُ: وكان القَاضِي أبو مُسْلم قاضي الرَّقَّة هو الّذي خَرَجَ من الرَّقَّة مع جَمَاعَةٍ من أهْلها، وتَوَلَّى تَجْهيز زَنْكِي ونَقْله إلى الرَّقَّة ودَفْنه، فكان ثَوَابه من نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي أنْ وَقَف عليه وعلى ذُرِّيَّته من بَعْدهْ قَرْيَة عَامِرة ببَلَدِ حَلَب. أخْبَرَني شِهَاب الدِّين أبو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن عليّ بن أبي مُسْلِم قاضي الرَّقَّة، بالرَّقَّة، قال: كان أتَابِك زَنْكِي حين قُتِلَ وحُمِلَ إلى الرَّقَّة قد دُفِنَ في مَشْهَد عليّ بن أبي طَالِب ﵇، داخل الباب على يَميْن الدَّاخِل، والمكان مَعْرُوف وأرَانيهِ حين حَكَى لي هذه الحِكَايَةَ، قال: وكان بالمَشْهَد قَيِّمٌ أعْجَميٌّ يُقال له: بِبْنَار، وكان رَجُلًا صَالِحًا، فاتَّفَقَ ليلَةَ النّصْف من شَعْبان أنْ رَأى في المَنَام كأنَّهُ خَرَجَ من البَلَدِ، وجاءَ إلى المشهَد، فرَأى على بابهِ ثلاثة أفْرَاسٍ يُمْسكُها عَبْدٌ أسْوَد، قال: فدَخَلْتُ المَشْهَد، فرَأيْتُ ثلاثة رجالٍ، فقُلتُ: مَنْ أنتُم؟ فقال أحدُهم: أنا عليّ بن أبي طَالِب وهذان الحَسَن والحُسَين، ثمّ سَألني عن القَبْر، فقُلْتُ: هذا قَبْر سُلْطانٍ عَظِيم، فقال لي: مَهْ! السُّلْطانُ العَظِيْمُ هو اللّهُ. فقُلْتُ: هذا قبر أتَابِك زَنْكِي الشَّهِيْد، فقال لي: تَمْضِي إلى وَلده مَحْمُود وتقُول له: نحنُ جَعَلنا هذا المكان مَعْبَدًا لَم نَجْعَله مَدْفنًا، فقُل له: يَنْقله من هَا هُنا، قال: ثمّ مَشَوا إلى المكان الّذي يُقال فيه الكَفُّ، ودَعَوا، ثمّ قال لي: يا بِبْنَار، أنتَ ما تقُول له، نحنُ نقُول له! قال: فأصْبَح بِبْنَار ودَخَلَ إلى جَدِّي القَاضِي مُوَفَّق الدِّين أبي مُسْلِم، فحَكَى له ما رَأى وعنده جَمَاعَة، فأخَذَ جَدِّي وكَتَبَ كِتَابًا إلى نُور الدِّين مَحْمُود يُخْبره فيه بصُورة المَنَام، قال: فلَم يَصِل إليهِ الكتاب حتَّى سيَّر نُور الدِّين محمُود كِتَابًا إلى القَاضِي أبي مُسلم يقُول له: إنِّي رَأيتُ ليلَة نصْف شَعْبان عليّ بن أبي طَالِب ووَلديه الحَسَن والحُسَين ﵈، وقالوا لي: تَنْقُل أباك من المَشْهَد؛ فنحنُ جَعَلْناهُ مَعْبَدًا لَم نَجْعَله مَدْفنًا، وقد سَيَّرتُ إليك أرْبَعةَ آلاف قرْطِيْس فتَبْني بها تُرْبَةً مثل تُرَب الفُقَرَاءِ والمَسَاكِيْن، لا مثل تُرَب المُلُوك والسَّلَاطين، وتَنْقُله إليها، قال: فبَنى له حَظِيْرة مُخْتَصَرة بالقُرْبِ من باب المَشْهَد، ونَقَلَهُ إليها، ورَأيْتُها بالرَّقَّة، وهي قَصِيْرة البُنْيان. سَمِعتُ قاضِي القُضَاة أبا المَحَاسِن يُوسُفَ بن رَافِع تَمِيْم يَقُول: قد رُؤي أتَابِك زَنْكِي بعدَ مَوْته في المَنَام، فقيل له: ما فَعَلَ اللّهُ بكَ؟ قال: غَفَرَ لي بفَتْحي الرُّهَا.