page 4870, entry [1620]Open original source
زكَرى المَعْدِنيُّ (¬٢) من أهْل المَعْدِن، رَجُلٌ صَالِحٌ من أوْلِيَاء اللّه تعالَى، كان عندنا بحَلَب، وكان كَثِيْر الصُّحْبَة لعمِّي ووَالدِيّ، وكان يأنسُ بي، وتَظْهر له كَرَامَات كَثِيْرة، ويَخْرجُها مَخْرج التَّبَالُهِ، واتَّخذ له كِعَاب غُزْلَان مُصَبَّغة، وجَعَلها في كيسٍ، وكان إذا أُخْبر بوقُوع شيءٍ يَقُول: أَخْبَرَتني الكُعَيْبَات، وكان لازمًا للوَقَار، ولا يَخْرج إذا ما يُخَالف بهِ الشَّرْع، وإذا قُرئ بحَضْرته شيء من أخْبَار الصَّالِحين أو الرَّقَائِق غَلَبَ عليه الحالُ، وتَسْبقه الدُّمُوع، فيقُوم من المَجْلِس أو يُشِير إلى القَارِئ بالسُّكُوت، وكان يُخْبرُنا بأُمُورِ أَنَّها تَقَعُ، فتَقَع على ما أَخْبرَ بهِ! وكان ﵀ مَحْبُوبًا إلى النَّاسِ، قَريبًا إلى القلُوبِ، خَفِيْف الرُّوْحَ. وكان عَمِّي أبو غَانِم يَمِيْل إليهِ، ويَعْتَقد فيه، وكان له عَادة في أنْ يَخْرُج بأهْلِه وأوْلَادِهِ ومَنْ يعزّ عليه إلى صُمَّعُّ الفُوْقا؛ قَرْيَةٌ من قُرَى حَلَب، كان له فيها حصَّة في أيَّام البِطِّيْخ، فطلَبهُ عمِّي أنْ يَخْرُج معه، وسَبقتُ الجَماعَة، وخَرَجْتُ والشَّيْخ زَكرى معي رَاكبٌ على حِمَارٍ، فكُنْتُ معه في بعض الطَّريق فأنشد: [من البسيط] قَلْبي بحَرِّ سِهَامِ الدِّبسْ مَجْرُوِحُ … بينَ العصَائِدِ والأحْمَانِ مَطْرُوحُ قد قَدَّمُوا السَّمْنَ والأعْسَالَ في قَدحٍ … فالقَلْبُ في قَلَقٍ والدَّمْعُ مَسْفُوحُ ثُمَّ جَعَل يَبْكي بُكَاءً شَدِيْدًا، حتَّى رَقَّ قلي لكَثْرة بُكَائهِ، ووَصَلْنا إلى القَرْيَةِ وعمِّي بها، وكان ولد عمِّي الأكْبَر أبو الفَضْل هِبَة اللّه قد تَرَكناهُ ليَخْرُج بعدَنا بزَوْجَته، وهي أُخْتي الكُبْرَى، فصَلَّينا المَغْرب مع عَمِّي، وقامَ عمِّي لوِرْدِه بين المَغْرب والعِشَاء، وجَلَسْتُ أنا وزَكّرى فأبْطَأ وُصول النِّسَاء عنَّا، فسَلَّم عمِّي من بَعْض أوْرَادِه، وقال: قد أبْطَأ الجَمَاعَة، فالْتَفَتَ الشَّيْخ زَكرى إليَّ وقال: قد تَاهُوا عن الطَّريق، ثُمَّ أبْطأوا سَاعةً، فقال لي زَكرى: قد سَقَطَتْ أخْتك عن الدَّابَّةِ ولكنَّها سَلِمَتْ، ثمّ قال لي: السَّاعَة يَصِلُون، وكُنَّا نَنتَظرُ وُصُولهم من جِهَة القِبْلَة؛ من جِهَة حَلَب، فوَصَلُوا بعد سَاعة من جِهة الشَّمَال من جهَة عَزَاز، فقُمْتُ إليهم، فأخْبَرُوني أنَّهم تَاهُوا عن الطَّريق، وتَعَدّوا المَوضع الّذي يُسَامت صُمُّع، وأخْبَرُوني أنَّ أُخْتي سَقَطَت عن الدَّابَّةِ واشْتَغلُوا به سَاعةً! وكان يَتَّفِق له معنا وقَائِع كَثِيْرة من هذا النَّوع. وممَّا أعْرِفه من كَرَامَاته، أنَّ عمِّي أبا غَانِم عَزَمَ علي زيارة البَيْت المُقَدَّس في سَنَة سَبعٍ وسِتِّمائة أو سَنَة ثَمان، فتَوجَّه وأهْله معه، وبَرَز إلى تُرْبَةِ مَجْد الدِّين ابن الدَّايَة، بالقُرْبِ من مَقَامِ إبْراهِيم ﵇ وباتَ بها، وبِتْنا معه لنُودِّعَهُ، وخَرَجَ معنا الشَّيْخ زَكرى فيمن خَرَجَ، فلمَّا ودَّعْناهُ أخَذَني الشَّيْخ زَكرى مُنْعَزلًا عن الجَمَاعَة، وقال لي: ما أعُود ألْتَقِي عمَّكَ بعدَ اليَوْم إلَّا في القِيامَة! فحَكَيْتُ ذلك لوَالدِي فتألَّم لذلك، وخَافَ على عَمِّي لعِله أنَّ الشَّيْخ زَكرى لا يُخْبر بشيءٍ إلَّا ويَقَع، وأقامَ عَمِّي بالبيت المُقَدَّس، واشْتَاق إلى أخيهِ، وتوجَّه إليهِ وإلى الزِّيَارَة وأنا معه، ووصَلْنا إلى البَيْت المُقَدَّس وأقنا بهِ مُدَّةً، وعُدْنا جَمِيعًا مع عَمِّي إلى حَلَب، ووَصَلْنا قَول الشَّيْخ زَكرى الّذي قال لي وَقْتَ وَدَاع عَمِّي، فلَّمَا وصَلْنا إلى حِمْص، لقيَنا رَجُلٌ قد خرجَ من حَلَب؛ وكان من أصْحَاب الشَّيْخِ أبي الحَسَن الفَاسِيّ، فأخْبَرَنا أنَّ الشَّيْخ زَكرى تُوفِّي بحَلَب من أرْبَعة أيَّام أو خَمْسة. وكانت وَفَاتُه في سَنَة تِسْعٍ وسِتِّمائة، ودُفِنَ بالجُبَيْل خارج باب الأرْبَعِين في تُرْبَة الشَّيْخ عليّ الفَاسِيّ عند رِجْليهِ، رَحِمَهُما اللّهُ.