page 4726, entry [1570]Open original source
رُوْزبَهَان - وقيل: رُوْزبَهَار - ابن أبي بَكْر بن مُحَمَّد بن أبي القَاسِم الفَارسِيّ الكّازَرُونِيّ الدَّيْلَمِيّ (¬٢) شَيْخٌ صَالِحٌ منِ أصْحَاب الوَجْدِ والشَّوق، صَحِبَ أبا زَيْد الصُّوْفيّ، وكان مُقِيْمًا بالمَوْصِل ثمّ خَرجَ عنها إلى حَلَب، ونَزل بمَشْهَد عليّ خَارِج باب الجِنَان، وسَارَ إلى دِمَشْق، وأقام بها مُدَّةً، ثمّ خَرَجَ منها إلى مِصْر، فأقام بها إلى أنْ ماتَ، وكان له كَرَامَاتٌ ظَاهِرَةٌ. وصَحِبَهُ بحَلَب الشَّيْخ يَحْيَى بن عَبْد اللهِ الصَّيَّاح، شَيْخ الرِّباط الّذي فيه تُرْبَة المَلِك الصَّالح إسْمَاعِيْل بن نُور الدِّين، وسَلَكَ طَرِيقَهُ في الصِّيَاح. سَمِعْتُ الصَّاحِب قاضِي القُضَاة أبا المحَاسِن يُوسُف بن رَافِع بن تَمِيْم يَقُول (¬٣): قَدِمَ علينا المَوْصِل رُوْزبَهَار، وكان يَدَّعِي أنَّهُ من المُشْتاقِيْن، ويَطْرأ عليه حَالٌ يذْهلهُ (a)، ويَصِيْح صيَاحًا عَظيْمًا، ورُبَّما عَرَضَ له ذلك وهو في الصَّلاة، فيَصِيْحُ في الصَّلاة فيُنْكِر عليه الفُقَهَاء ذلك لِمَا فيه من مُنافَاة مَذَاهِبهم (a)، ومُخالفة الشَّرْع. وكان قد نَزَل مَسْجِدًا ظَاهِرَ المَوْصِل، وكان القَاضِي فَخْر الدِّين أبو الرِّضَا بن الشَّهْرَزُورِيّ يَزُور رُوْزبَهَار كَثِيْرًا، وكان إمام أهل المَوْصِل في الفِقْه، قال: فأنْكَرنا عليه ذلك، وقُلْنا له: أنْتَ سَيِّد الفُقَهَاء، وقُدْوة العُلَمَاء، وَتَزُور هذا الرَّجُل مع ما هو عليه من الأُمُور المُضَادَّة لقَاعدة الشَّريْعَة (b)، وانْتِمائه إلى ما ليس له قاعِدة؟ فقال لنا: اعْلموا أنَّني كُنْتُ ليلَة النِّصْف من شَعْبان - أوَ قال: لَيْلَة القَدْر، الشَّكُّ منِّي (c) مُسْتقبلٌ القِبْلَة وأنا قَاعِدٌ أُحْيي اللَّيْلة، فأغْفَيتُ وأنا جالسٌ، فرأيْتُ المَلائِكَة في النَّوْم قد نَزَلُوا من السَّماءِ ومعهم أنْوَار عَظِيمَة ومعهم عَلَمٌ، فسَألتُهم: إلى أين؟ فقالُوا: إلى زيارة رُوْزبَهَار، فقُلتُ: وأنا أصْحَبُهم، فَمشَيْتُ صُحبَتَهُم، فجاؤوا إلى المَسْجِد الذي هو فيه، فأضَاءَ المسْجدُ، وسَطَعَت الأنْوَار، فدَخلْنا فوَجدْنا رُوْزبَهَار مُسْتقبلٌ القِبْلَة وهو يَصِيْحُ على جَارِي عَادَته، فسَلَّم عليهِ المَلائِكَة، وصَالَحُوه وانْصَرَفُوا واسْتَيْقَظتُ، وقلتُ في نَفْسِي: لا بُدَّ من زيَارة هذا الرَّجُل. فلمَّا أصْبَحْتُ، وفُتِحَت أبْوَابُ المَوْصِل، خَرَجْتُ إلى المَسْجِد الّذي هو نَازِل به، ودَخَلْتُ المَسْجِد، فوجَدْتُ رُوْزبَهَار مُسْتَقبل القِبْلَة على الحالِ الّتي رأيته عليها في النَّوْم وهو يَصِيْحُ، فَجَلَسْتُ في جانب المَسْجِد إلى أنْ سَكَن صيَاحُهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إليَّ وقال: تَزُورنا في اللَّيْل وفي النَّهَار! فقُلْتُ: ما بَقي بعدَ هذا شيءٌ، فأنا أَزُوره لذلك. سمعْتُ أبا بَكْر مُحَمَّد بن الحافِظ عبد العَظِيْم بن عَبْد القَوِيّ المُنْذِريّ يقُول لي: أخْبَرَني أَبي - ولي من أبيهِ إجَازَة - قال (d): أخْبَرَني جَدُّك لأُمِّكَ عَبْد الكافِي بن بَدْر بن حَسَّان الأنْصاريّ، قال: كان الشَّيْخ رُوْزبَهَان - يعني: ابن أبي بَكْر الفَارسِيِّ رَضِىَ اللهُ عنهُ - إذا حَضَر يَوْم الجُمعَة إلى الجامع يَذْكُر بصَوْتٍ عالٍ جَهْوَرِيّ، فكنتُ في بعض أيَّام الجُمَعِ في جَامِع عَمْرو بن العَاص بمِصْر، والخَطِيبُ يخطُب على المِنْبَر، إذْ صَاحَ الشَّيْخُ رُوْزبَهَان صيَاحًا كَثِيرًا على عَادَته، فقال بعضُ الحاضِرين: لقد آذانا هذا الشَّيْخ بصيَاحِه وشَوَّش علينا في مثل هذا الوَقْت، وقام مُبَادرًا، ورفَع يَدُه ليَضْربه، فبقِيَتْ يَدُه مُعَلَّقة في الهَوَاءِ، ولَم يَسْتَطع أنْ يَصِل بها إليهِ. كَتَبَ لي رَفيْقُنا أبو عليّ الحَسَن بن مُحَمَّد بن مُحَمّد البَكْرِيّ بخَطِّه، وسَيَّرَهُ إليَّ، ويَغْلِبُ على ظنِّي أنَّني سَمِعْتُه من لَفْظه، قال: سَمِعْتُ أبا الحَسَنِ غُلَام الشَّيْخ رُوْزبَهَان الزَّاهِد يَقُول: دَخَلْنا حَلَب عند عَوْدنا من المَوْصِل، ونزلنا بمَشْهَد عليّ ظَاهِر حَلَب، ورَأينا من أهْلها إكْرَامًا عَظيْمًا، وانتقَلْنا منها إلى دِمَشْق، ثمّ إلى مِصْر، وتُوفِّيَ الشَّيْخ بها. قَرأتُ بخَطِّ أبي البَرَكاتِ المُبارَك بن أحْمَد بن المُستَوفِيّ في تاريخ [إرْبل] (a)، وأجَازَ لنا الرِّوَايَة عنهُ في كتَابِهِ إليْنَا من إرْبِل، قال: رُوْزبَهَان الدَّيْلَمِيَّ - ورَأيْتُهُ في مَوضعٍ رُوْزبَهَار بالرَّاءِ - وهو صَاحِبُ أبي زَيْدٍ الصُّوْفيّ، سَمِعْتُ الفَقِيْر إلى الله أبا سَعيد كَوْكَبُوري بن عِليّ بن بُكْتِكِيْن، سَامَحهُ الله، يَقُول: وَرَدَ إرْبِل من نحو خَمْسِين سَنَةً أو أكْثَر، ونزل بمَشْهَد الكَفِّ، فَزَارَهُ مُجَاهِد الدِّين قَايْمَاز، وكان رُوْزبَهَان يُريدُ السَّفَر إلى مِصْرَ، فقال: لو أقَمْتَ بهذا المَشْهَد، مَشْهَد الكَفّ، فهو مَشْهَدٌ حَسَنٌ، فقال: أنا أُريْد مَشْهَد القَلْب لا مَشْهَد الكَفّ. قال أبو البَرَكَات (¬١): وحدَّثَ بعضُ الإرْبِلِيِّيْن أنَّ رُوْزبَهَان كان بالمَوْصِل في يده سُبْحَة خَضْراءُ، وشَعره مَنْشُور كالدَّيْلَم، وفي يَده طَبَرْزين يَصِيْح دَائمًا بصوْتٍ عالٍ ثَبج تَخْشَعُ له القُلُوب إلَّا في الأسْوَاق، لا يَأكُل إلّا من الدَّرْوَزة، هو وأصْحَابه، ومعه القَوَّالُونَ والشَّبَّاباتُ، وفي أصْحابهِ حَاجِبٌ، ومُدَرْوِزٌ، وخَادِمٌ؛ فإذا أرادَ المُدَرْوِز الخُرُوج سألَ الحاجِب أنْ يَسْتأذن له، فإن الحَاجِب يَقِف بين يَديه أكْثَر النَّهَار أو أكْثَر اللَّيْل قيامًا واحدًا. قال ابنُ المُسْتَوفِيّ (¬١): وحَدَّثني أبو المَعَالِي صَاعِد الوَاعِظُ، قال: كان رُوْزبَهَان يُصَفِّق ويَدْخُل في السَّمَاعَ من غيرِ دفٍّ ولا شَبَّابَة، ويرْقصُ هو وأصْحَابُه. زُرْتُ قبر رُوْزبَهَان بن أبي بَكْر بن مُحَمَّد بن أبي القَاسِم الفَارسِيّ بالقَرَافَة بسَفْح جَبَل المُقَطَّم بمِصْر، في بَعْضِ قَدْمَاتي إلى مِصْر، فقَرأتُ على عَمُود قَبْره مَكْتُوبًا أنَّهُ تُوفِّي صَبَاح يَوْم الأرْبَعَاء خامس ذي القَعْدَة من سَنَة ثَمانٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة، ورَأيْتُ قُبَيْرًا صَغِيرًا عند باب التُّرْبَة، ومعي بَعْضُ صُلَحَاء مِصْر، فقال لي: هذا قَبْر قِطٍّ كان لرُوْزبَهَار، كان لا يَأكُل في شْهر رَمَضَان شيئًا إلَّا وقت الإفْطَار، وكان يأنَس به ويَبِيْتُ عند رِجْليهِ، ولمّا مَاتَ الشَّيْخ ماتَ القِطّ يَوْم مَوْته فدُفِنَ عندَهُ في التُّرْبَة، والقُبير ظَاهِرٌ يَراهُ كُلّ مَنْ يَزُوره. أنْبَأنَا الحافِظُ أبو مُحَمَّد عبد العَظِيْم بن عَبْد القَوِيّ المُنْذِريّ (¬٢)، قال: رُوْزبَهَان هو الشَّيْخ الصَّالِح رُوْزبَهَان بن أبي بَكْر بن مُحَمَّد بن أبي القَاسِم الفَارسِيّ الكَازَرُونِيّ الصُّوْفيّ، تُوفِّي في يَوْم الأرْبَعَاء الخامِس من ذي القَعْدَة سَنَة ثَمانٍ وسبعِين وخمسِمائة، وقبره ظاهِرٌ يُزار ويُتَبَرَّكُ بهِ بجانِب بئر الحاجِب لُؤلُو.