page 4649, entry [1551]Open original source
رِضْوَانُ بن تُتُش بن ألْب أَرَسْلَان بن جَغْرِي بَك بن سَلْجُوق بن دُقَاق، أبو المُظَفَّر التُّرْكِّي السَّلْجُوقِيّ (¬١) وُلِدَ سَنَة خَمْسٍ وسَبْعِين وأرْبَعِمائة، ونَشَأ في دِمَشْقَ في حَجْر أبيهِ، وكانت أمُّهُ أُمّ وَلد فزوَّجها أبُوه من جَنَاح الدَّوْلَة حُسَيْن، وجَعَلَهُ أتَابِكًا له ومُرَبِّيًا، ولمَّا توجَّه أبُوه تُتُش لمُحَارَبة بَرْكْيَارُق ووَصَلَ إلى هَمَذَان، كَتَبَ إلى وَلده رِضْوَان إلى دِمَشْق، وكان قد تَرَكَهُ بها، يَسْتَدعيهِ إليه من دِمَشْق، وأمَرَهُ أنْ يُحْضِر معَهُ مَنْ تَخَلَّف بالشَّام من العَسْكَر، فامْتَثَل أمْر أبيه، وخَرَجَ من دِمَشْق بالعَسْكَر مُتَوَجِّهًا إلى أبيهِ، ووَصَلَ إلى عَانَة - وقيل: إلى الأنْبَار - فبَلَغَهُ قَتْل أبيهِ تُتُش، فحَطَّ خِيَمَهُ وسَارَ مُجِدًّا عَائدًا، فوَصَلَ إلى حَلَبَ، وتَسَلَّمَها من وَزِير أبيهِ أبي القَاسِم بن بَدِيْع في سَنَة ثَمانٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة، وتَوَلَّى حُسَيْن، زَوْجُ أُمِّه، تَدْبِير مُلكْه. ووَصَلَ أخُوه دُقَاق إلى حَلَب، ومَضَى سِرًّا من رِضْوَان إلى دِمَشْق فمَلَكَها، وقَدِمَ يَغِي سغَان، ويُوسُف بن أَبَق بعَسْكَرهما من أنْطَاكِيَة إلى خِدْمَة رِضْوَان، وسَارَا معه إلى الرُّهَا ليتَسَلَّمها من نُوَّاب وَالده، فأرَادَا القَبْض على حُسَيْن ليَنْفَردَا بتَدْبِير رِضْوَان، فبَلغَ حُسَيْن ذلك، فهَرَبَ إلى حَلَب، وتَبِعَهُ رِضْوَان إليها، واسْتَوْحَش رِضْوَان منهما، فرَجَعا إلى أنْطَاكِيَة. وسَارَ رِضْوَان إلى دِمَشْق ليأخُذها من أخيه دُقَاق، ونَزَل جَنَاح الدَّوْلَة حُسَيْن بحَلَب، وسارَ معه سُكْمَان بن أُرْتُق، فلمَّا وَصَلَ رِضْوَان إلى دِمَشْق اعْتَقَل دُقَاق نَجْم الدِّين إيلْغَازِي بن أُرْتُق، ولَم يَسْتَتبَّ لرِضْوَان أمر دِمَشْق فرَجع إلى حَلَب، وتوجَّه سُكْمَان إلى البَيْت المُقَدَّس، وتَسَلَّمه من نُوَّاب أخيهِ إيلْغَازِي. ووَصَلَ يُوسُف بن أَبَق إلى رِضْوَان إلى حَلَب وسَكَنها، فخَافَ منه رِضْوَان وحُسَيْن، فتَقَدَّما إلى المِجَنّ الفُوْعِيِّ فهَجَم عليه فقَتَلَهُ. وخَرَجَ رِضْوَان وحُسَيْن فتَسَلَّما تَلّ بَاشِر وشيْح الدَّيْر من نُوَّاب يَغِي سغَان، وأغَارَا على بَلَد أنْطَاكِيَة، ثُمَّ توجَّها إلى دِمَشْق، وسارَ يَغِي سغَان إليها مُنْجِدًا دُقَاق، فضعُفَت نَفْس (a) رِضْوَان عن دِمَشْق، فسَارَ إلى البَيْت المُقَدَّس، فتَبِعَهُ دُقَاق وطُغْتِكِين ويَغِي سغَان، وأشْرَف عَسْكَر رِضْوَان على التَّلَف، فهَرَبَ حُسَيْن على البَرِّيَّة، واتَّبَعَهُ رضْوَان، ثُمَّ وَصَلَ سُكْمَان أيضًا على البَرَّيَّة إلى حَلَب، ووَصَلَ دُقَاق وطُغْتِكِين إلى نَاحِيَةِ حَلَب، واسْتَنْجَدَ رِضْوَان بسُليْمان بن إيلْغَازِي صَاحِب سُمَيْسَاط، فوَصَلَ إلى حَلَب بعَسْكَرٍ كَبيرٍ، واجْتَمَع العَسْكَران بقِنَّسْرِين على نَهْر قُوَيْق، وتَحَارَبا، فهَرَبَ دُقَاق وطُغْتِكِين إلى دِمَشْق، ويَغِي سغَان إلى أنْطَاكِيَة. وتغيَّرت نِيَّةُ رِضْوَان على حُسَيْن، فهَرَبَ من حَلَب إلى حِمْص ومعَهُ زَوْجَتهُ أُمّ رِضْوَان. ثُمَّ تجدَّدَ بعد ذلك خُرُوج الفِرِنْج إلى أنْطَاكِيَة، ووَصَلَ يَغِي سغَان إلى المَلِك رِضْوَان إلى حَلَب إلى خِدْمَة رِضْوَان، وتزوَّج رِضْوَان بابْنَته خَاتُون جِيْجِك (a)، ونَزَل الفِرِنْج على أنْطَاكِيَة، وشَنُّوا الغَارَات على بَلَد حَلَب، ووَصَلَ ابن يَغِي سغَان إلى حَلَب مُسْتَنْجِدًا على الفِرِنْج، فسَيَّرَ رِضْوَان معَهُ عَسْكَر حَلَب وسُكْمَان، فلَقِيَهُم من الفِرِنْج دُون عُدَّتهم، فانْهَزَم المُسْلُمون إلى حَارِم، وغَلَبَ أهْلُ حَارِم من الأرْمن عليها، وعاد سُكْمَان بن أُرْتُق مُفَارِقًا رِضْوَان، وصار مع دُقَاق. واسْتَولَى الفِرِنْج على أنْطَاكِيَة، وضَعُفَ أمْر رِضْوَان، واسْتَمال البَاطِنِيَّة وظَهَرَ مَذْهَبهُم بحَلَب، وشَايَعهم رِضْوَان، واتَّخَذُوا دَارَ دَعْوة بحَلَب، وكَاتَبه مُلُوك الإسْلَام في أمْرهم، فلم يَلْتَفتْ، ولَم يَرْجع عنهم، ودامَ على مُشَايعتهم. وقَوي الفِرِنْج عليهِ، فباعَ من أمْلَاك بَيْت المَال عدَّة مواضع للحَلَبيِّيْن، وقَصَدَ بذلك اسْتِمَالتهم، وأنْ يَتَعلَّقُوا بحَلَب بسَبَب أمْلَاكهم فيها، حتَّى أنَّهُ بَاعَ في سَاعةٍ واحدةٍ ستِّين خِرْبَة من مَزَارِع حَلَب لجَمَاعَةٍ من أهْلها، وكُتِبَ بها كتابٌ واحدٌ، يَذْكُر حُدُود كُلّ خِرْبَة ومُشْتريها وثَمَنها. وكان الكِتَاب عندي في جُمْلَة الكُتُب الّتي كانت لوالدي ﵀. وكان المَلِك رِضْوَان بَخِيْلًا شَحِيْحًا يُحبُّ المال، ولا تَسْمَح نَفْسَه بإخْرَاجهِ، حتَّى أنَّ أُمَرَاءه وكُتَّابه كانُوا يَنْبزُونَهُ بأبي حَبَّة، وذلك هو الّذي أضْعَفَ أمْرَهُ، وأفْسَدَ حالَهُ مع الفِرِنْج والبَاطِنِيَّة، وجَدَّد في حَلَب مُكُوسًا وضَرَائب لَم تكُن، ومع هذا كُلّه كان فيه لُطْفٌ ومُحَاسَنَةٌ للحَلَبيِّيْنَ حتَّى أنَّهُ بَلَغَني أنَّهُ مَرَّ يَوْمًا رَاكِبًا ليَخْرُج من باب العِرَاق، فلمَّا وَصَلَ إلى المَرْمَى، وهو دَاخِل السُّور بالقُرْبِ من باب العِرَاق، سَمِعَ امرأةً تُنَادي أُخْرى: يا زَلِيْخَا، تعالي أبْصِري المَلِك، فأمْسَك رَأس فَرَسهِ ووَقَف سَاعةً، ثُمَّ نَظَر فلم يَرَ أحدًا، فقال: أين هي زَلِيْخَا؟ قُولُوا لها تأتي تُبْصرنا أو نَمْشي! وهذا من أبْلَغ اللَّطَافة من مَلِكٍ مثْله. وحَدَّثَني وَالدِي، قال: أخْبَرَني أبي، قال: وقَعَ بين وَالدِي أبي غَانِم وبين القَاضِي أبي الفَضْل بن الخَشَّاب مُشَاجَرة في التَّخْم الّذي بين قَرْيَة وَالدِي أقْذَار (¬١) وبين قَرْيَة ابن الخَشَّاب عبْطِين (¬٢)، وآلَ الأمرُ في ذلك إلى مُوَاحَشة وغِلْظَة، فبَلَغَ المَلِك رِضْوَان، فقال: أنَا أخْرُج بنفْسِي وأقفُ معكما على التَّخْم، فخَرَجَا مع المَلِك ووَقَف معهما، وقال لأحدهما: إلى أين تَدَّعي؟ فقال: إلى هَا هُنا، وقال للآخر: إلى أين تَدَّعي؟ فقال: إلى هَا هُنا، فقال لكُلِّ واحدٍ منهما: أُرِيْدُ أنْ تَهَبَ لي نِصْفَ ما تَدَّعي بهِ على صَاحِبك، فأجَابَاهُ جَمِيعًا إلى ذلك، وأصْلَح بينهما على أنْ نَزَل كُلّ واحدٍ عن نِصْف المُدَّعي به، وجَعَل بينهما تَخْمًا اتَّفقا عليهِ، ورَجَع إلى المَدينَة، وهذا أيضًا من المآثر الّتى يَنْبَغي أنْ تُكْتَب وتُسَطَّر، وتُنْقَل في التَّوَاريخ وتُذْكَر. قَرأتُ بخَطِّ الشَّريف إِدْرِيس بن الحَسَن الإِدْرِيسِيّ الإسْكَنْدَرَانِيّ: قال الشَّيْخ أبو الحَسَن بن المَوْصُول، وأمْلَانيه بدَار الشَّريف أَمِينْ الدِّين أبي طَالِب أحْمَد بن مُحَمَّد النَّقِيْب الحُسَيْنيّ الإسْحَاقِيّ من تَعْلِيقٍ لبَعْضِ أسْلَافه، قال: وفي شَهْر رَبِيع الأوَّل سَنَة خَمْسٍ وخَمْسِمائَة وَصَلَ إلى حَلَب رجُلٌ كبيرٌ فَقِيْهٌ تاجرٌ، يُقال له: أبو حَرْب عِيسَى بن زَيْد بن مُحَمَّد الخُجَنْدِيّ، ومعه خَمْسُمائة حِمْل (a) عليها أحْمَال أصْنَاف التِّجَارَات، وكان شَدِيْدًا على الإسْمَاعِيْليَّةِ مُسْعِدًا لمَن يَقْصدُهم، مُبَالغًا في بَابهم، أَنْفَق في المُجَاهِدين لهم بسَبَبهم أمْوَالًا جَلِيْلَةً، فقام في غِلْمَان له يَسْتَعرضُ أحْمَالَهُ وحَوْله جَمَاعَة من مَمَالِيْكهِ وخَدَمه، وكان قد أصْحَب من خُرَاسَان بَاطِنيًّا يُقالُ لهُ: أحْمَد بن نَصْرٍ الرَّازِيّ، وكان أخُوه قَتَلَهُ رجال هذا الخُجَنْدِيّ، فدَخَلَ إلى حَلَب، واسْتَدَلَّ على أبي الفَتْحِ الصَّائِغ رَئيس المَلَاحِدَة بها، وكان مُتَمكِّنًا من رِضْوَان، فصَعدَ إلى المَلِك رِضْوَان، وعَرَّفَهُ ما جَرَى بينهم وبين الفَقِيه أبي حَرْب، وأطْمَعَهُ في مالهِ، وأرَاهُ أنَّهُ بَريء من التُّهْمَة في بَابهِ إذْ كان مَعْرُوفًا بعَدَاوَة المُلْحِدة. فطَمِعَ رِضْوانُ وانْتَهَزَ الفُرْصَة فيه، وطَارَ فَرَحًا، فبَعَثَ بغِلْمَان له يَتَوكَّلُون بهِ، فبَرَز إلى أبي حَرْب عِيسَى الفَقِيهِ أحْمَدُ بن نَصْر الرَّازِيِّ وهَجَمَ عليه، فقال لغِلْمَانهِ وأصْحَابهِ: أليسَ هذا رَفِيْقُنا؟! فقالوا: هو هو، فوقعُوا عليه فقَتَلُوه، وهَجَم جَمَاعَةُ من أصْحَاب أبي الفَتْح البَاطِنيّ الحَلَبِيّ على أبي حَرْب، فقُتِلُوا عن آخرهم، ثمّ قال أبو حَرْب: الغيَاثُ باللهِ من هذا البَاطِنيّ الغَادِر، أمنَّا المَخَاوفَ وَرَاءنا وجِئْنا إلى الأمَنَة، فبعَثَ علينا مَنْ يَقْتُلنا، فرجَعُوا إلى رِضْوَان، فأخْبَرُوه بما قال، فأبْلَسَ. وصارَ السُّنَّةُ والشِّيْعَةُ إلى هذا الرَّجُل، وأظْهَرُوا إنْكَار ما تَمَّ عليهِ، وعَبَثَ أحْدَاثُهم بجَمَاعَةٍ من أحْدَاث البَاطِنِيَّة فقَتَلُوهم، وأُنْهِي ذلك إلى المَلِك رِضْوَان فلَم يَتَجَاسَر على إنْكَاره. وأقام الرَّجُل بحَلَب، وكاتَب أتَابِك ظَهِيْر الدِّيْن وغيره من مُلُوك الشَّام، فتَوَافَتْ رُسُلُهم عند رِضْوَان بكُتُبهم يُنْكرون عليهِ ما جاءَهُ في بَابهِ، فأنْكَرَ وحَلَفَ أنَّهُ لَم يكُن له في هذا الرَّجُل نِيَّة. وخَرَجَ الرَّجُل عن حَلَب مع الرُّسُلِ، فخَيَّرُوه في التَّوَجُّهِ فتَوجَّه نحو الرَّقَّة، وعادَ إلى بَلَدِه، ومَكُثَ النَّاسُ يَتَحدَّثُون بما جَرَى على الرَّجُل، ونَقَص في أعْيُن النَّاسِ، فتَوَثَّبوا على البَاطِنِيَّة من ذلك اليَوْم. أنْبَأنَا زَيْدُ بن الحَسَن، عن أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ (¬١) في حَوَادِثِ سَنَة إحْدَى وخَمْسِمائَة، قال: وفي هذه السَّنَة بَلَغَ فَخْر المُلُوك رِضْوَان ما ذُكِرَ به عن مُشَايَعَة البَاطِنِيَّة واصْطِنَاعِهم، وحِفْظ جَانِبهم، وأنَّهُ لُعِنَ بذلك في مَجْلِس السُّلْطان، فلمَّا بَلَغَهُ الخَبَر أمَرَ أبا الغَنائِم ابن أخي أبي الفَتْح البَاطِنيّ بالخُرُوج عن حَلَب فيمَن معه، فانْسَلَّ القَوْم بعد أنْ تُخِطِّف جَانبهم، وقُتِل منهم أفْرادٌ. قلتُ: ولمَّا ملك رِضوان حَلَب قَتَلَ أخوَين له كانا من أبيهِ، فلمَّا مَاتَ رِضْوَان ومَلَكَ ابْنُه ألْب أَرَسْلَان قَتَلَ أخوَين له كانا من أحْسَن النَّاس صُوْرة، فانْظُر إلى هذه المُوَاحَدَة (¬٢) العَجِيْبَة!. أنْبَأنَا المُؤيَّد بن مُحَمَّد بن عليّ الطُّوْسيّ، عن أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ (¬٣)، قال: وفيها - يعني سَنة تِسْعين وأرْبَعِمائة - عَصَى المِجَنّ المُوَفَّق على المَلِك رضْوان، وتَعَصَّب معه الحَلَبِيُّون، ثُمَّ تَخَاذلُوا عنه، واخْتَفَى، فقَبَضَ عليه المَلِكُ رِضْوَان، وعلى ذَويهِ وبَنِيه، واسْتَصْفَى أمْوَالَهُ في ذي القَعْدَة، وعَذَّبهم بأنْوَاع العَذَاب، ثُمّ قَتَلَهُ بعد ذلك، وقَتَلَهم حَوْله. قال (¬٤): وفيها وَصَلَ رَسُول مِصْر إلى المَلِك رِضْوَان - يعني: من المُسْتَعْليّ - بالتَّشْرِيْفِ والخلَعِ، وخَطَبَ للمِصْرِيِّيْن شَهْرًا، ثمّ عَادَ عن ذلك. وقال (¬٥): سَنَة ثَلاثٍ وتِسْعِين، وفيها كَسَرَت الإفْرَنْج المَلِك (a) رِضْوَان على مَوضعٍ يُقال له: كَلَّا، وكان المُسْلُمون في خَلْقٍ، وكان الإفْرَنْج في مائة فَارِس، فَقَتَلُوا خَلْقًا من النَّاسِ، وأسَروا خَلْقًا، وكانت الكَسْرَة يَوْم الجُمُعَة خامِس شَعْبان. وقال (¬١): سَنَة ثَمانٍ وتِسْعِين وأرْبَعِمائة، فيها كَسَر الفِرِنْج المَلِك رِضْوَان على عَيْن تسيلُوا (¬٢) من أرض أرْتاح؛ وكان سَبَب ذلك حِصْن أرْتاح؛ خَرَجُوا إليه ليأخُذُوه، وجَمَعَ المَلِك رضْوان الخَلْق العَظِيم، وخَرَجَ لنَجْدَة الحِصْن، ومعه من الرَّجَّالَة الخَلْق العَظِيْم، وكان المَصَافُّ يَوْم الخَمِيْس، فانْهَزَمَت الخَيْل وأسْلَموا الرَّجَّالَة، فقُتِلَ منهم الخَلْق العَظيْم، وفُقِدَ من الحَلَبِيِّيْن جَمَاعَة كَثِيْرة غُزَاة، ﵏، وانْهَزَم أكْثَر مَنْ بهِ. قُلتُ (¬٣): بَلَغَني أنَّهُ قُتِلَ من المُسْلمِيْن مِقْدَار ثلاثة آلاف ما بين فَارِس ورَاجِل، وهَرَبَ مَنْ بأرْتاحِ من المُسْلمِيْن، وقَصَدَ الفِرِنْج بَلَد حَلَب، فأجْفَل أهْلُهُ، ونُهِبَ مَنْ نُهِبَ، وسُبِيَ مَنْ سُبي، واضْطَرَبت أحْوَال بَلَد حَلَب من جَبَل لَيْلُون إلى شَيْزَر، وتَبَدَّل الخَوْف بعد الأمْن والسُّكُون، وهَرَب أهْل الجَزْر ولَيْلُون إلى حَلَب، فأدْرَكَتهم خَيْل الفِرِنْج، فسَبَوا أكْثَرهُم وقَتَلُوا جَمَاعَة، وكانت هذه النَّكْبَة على أعْمَال حَلَب أعْظَم من النَّكْبَة الأُوْلَى على كلَّا. ونَزَل طَنْكرِيد الفِرِنْجيّ على تَلّ أعْذَى (¬٤) من عَمل لَيْلُون وأخَذَهُ، وأخَذَ بَقِيَّة الحُصُون الّتي في عَمَل حَلَب. ولَم يَبْقَ في يَد المَلِك رِضْوَان من الأعْمَال القِبْليَّة إلَّا حَمَاة، وليس في يَده من الأعْمَال الغَرْبيَّة شيء، وبَقِي في يَدهِ الأعْمَال الشَّرْقيَّة والشَّماليَّة وهي غير آمنَة. وضَاقَ الأمْرُ بأهْلِ حَلَب، ومَضَى بعضُهُم إلى بَغْدَاد، واسْتَغاثُوا في أيَّام الجُمَع، ومَنَعُوا الخُطَبَاء من الخُطْبَة مُسْتَصْرِخين بالعَسَاكِر الإسْلَاميَّة على الفِرِنْج، وكَسَرُوا بعض المَنَابِر، فجهَّز السُّلْطان مُحَمَّد بن مَلِكْشاه: مَوْدُود (a) صَاحِب المَوْصِل، وأحْمَدِيْل الكُرْدِيّ، وسُكْمَان القُطْبِيّ في عَسَاكِر عَظِيمَة ضَخمة، وماتَ سُكْمَان قَبْل وُصُوله إلى حَلَب. ووَصَلت العَسَاكِر إلى حَلَب، فأغْلَق رِضْوَان أبْوَاب حَلَب في وُجُوههم، وأخَذَ إلى القَلْعَة رهائن عنده (b) من أهْلها لئلَّا يُسَلِّمُوها، ورتَّبَ قَوْمًا من الجُنْد والبَاطنِيَّةِ الّذين في خِدْمته لحِفْظ السُّوِر، ومَنَعَ الحَلَبِيِّيْن من الصُّعُود إِليه، وضَبَرَ (¬١) إنْسَانٌ من السُّور، فأمَرَ به، فضُرِبت عُنُقه، ونَزَع رَجُلٌ ثَوْبَهُ ورمَاهُ إلى آخر، فأمَرَ بهِ فأُلْقي من السُّور إلى أسْفَل! وبَقِيَت أبْوَابُ حَلَب مُغْلَقةً سَبعْ عَشرة ليلةً، وأقام النَّاسُ ثلاثَ ليالٍ لا يَجِدُونَ ما يَقْتَاتونَهُ، وكَثُرت اللُّصُوصُ، وضَافَ الأعْيَانُ على أنْفُسهم، وسَاءَ تَدْبِير المَلِك رِضْوَان، فأطْلَق العَوَامُّ ألْسِنَتَهم بسَبِّه وتَعْييبه، وتحدَّثُوا بذلك فيما بينَهُم، فاشْتَدَّ خَوْفُهُ من الرَّعِيَّةِ أنْ يُسَلِّمُوا البلَد، وتَرَكَ الرُّكُوبَ بينَهُم، وبَثَّ الحَرَاميَّة تَتَخَطَّفُ مَنْ يَنْفرِدُ من العَسَاكِر فيأخُذُونَهُ، وعاثَ العَسْكَرُ فيما بَقِي سَالِمًا ببَلَد حَلَب بعد نَهْب الفِرِنْج له. ورَحَل العَسْكَر إلى مَعَرَّة النُّعْمَان بعد اسْتيْلَاء الفِرِنْج عليها في آخر صَفَر من سَنَةِ خَمسٍ وخَمْسِمائَة، وأقامُوا عليها أيَّامًا، وقدَّم عليهم أتَابِك طُغْتِكِين، فرَاسَل رِضْوَان بعْضَهم حتَّى أفْسَد ما بينهم، وظَهَرَ لأتَابِك طُغْتِكِين منهم الوَحْشَة، فصارَ في جُمْلَة مَمْدُود، وثَبَتَ له مَمْدُود، ووَفَى له، وحَمَلَ لهم أتَابِك هَدَايًا وتُحَفًا، وعَرَضَ عليهم المَسِيْر إلى طَرابُلُس، والمَعُونَة لهم بالأمْوَال، فلَم يُعَرِّجُوا، وسارَ أحْمَدِيْل وبُرْسُق بن بُرْسُق، وعَسْكَر سُكْمَان إلى الفُرَات، وبقي موْدُود مع أتَابِك، فرَحَلا من المَعَرَّة إلى العَاصِي، فنَزَلَا على الجَلَالي (a)، ونَزَل الفِرِنْج أفَامِيَة: بَغْدَوين، وطَنْكرِيد، وابن صَنْجِيْل، وسَارُوا لقَصْد المُسْلمِيْن، فَخَرَجَ أبو العَسَاكِر سُلْطان بن مُنْقِذ من شَيْزَر بأهْلهِ وعَسْكَره، واجْتَمَعوا بمَوْدُود وأتَابِك، وسَارُوا إلى الفِرِنْج، ودَارَتْ خُيُول المُسْلمِيْن حَوْلهم ومَنَعُوهُم الماءَ، والأتْرَاكُ حَوْل الشَّرَائع بالقِسِيّ تَمْنعهُم الوِرْدَ، فأصْبَحُوا هَارِبين سَائرين يَحْمي بَعْضُهم بَعْضًا. ونَزَل طَنْكرِيد على قَلْعَة عَزَاز، وبَذَل له رِضْوَان مُقاطَعة عن حَلَب (b) عشرين ألف دِيْنار وخَيْلًا وغير ذلك، فامْتَنِعَ طَنْكِريد من ذلك، ورَأى رِضْوَانُ أنْ يَسْتَميل طُغْتِكِين أتَابِك إليهِ، فاسْتدعاهُ إلى حَلَب، فوَصَلَ إليها، وتَعَاهَدا على مُساعَدة كُلّ منهما لصَاحِبهِ بالمالِ والرِّجَال، واسْتَقَرَّ الأمرُ على أنْ أقام طُغْتِكِين الدَّعْوَة والسِّكَّة لرِضْوَان بدِمَشْق، فلم يَظْهَر من رِضْوَان الوَفَاء بما تَعَاهَدا عليه. ووَصَلَ مَوْدُود إلى الشَّام، واتَّفق مع طُغْتِكِين على الجِهادِ، وطَلَبَ نَجْدَة من المَلِك رِضْوَان، فتأخَّرَت إلى أنْ اتَّفق للمُسْلِمين وقْعَة اسْتَظْهرُوا فيها على الفِرِنْج، ووَصَلَ عَقِيْبَها نَجْدَة للمُسْلِمين من رِضْوَان دُون المائة فَارِس، وخَالَف فيما كان قرَّره ووَعَدَ به، فأنْكَر أتَابِك ذلك، وتقدَّم بإبْطَالِ الدَّعْوَة والسِّكَّة باسْم رِضْوَان من دِمَشْق في أَوَّلِ شَهْر رَبيع الأوَّل من سَنَة سَبْعٍ وخَمْسِمائَة. أنْبَأنَا سُليْمان بن الفَضْل بن سُلَيمان، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (¬١)، قال: رِضْوَان بن تُتُش بن ألْب أَرَسْلَان بن جَغْرِي بَك بن سَلْجُوق بن تُقَاق التُّرْكِيّ (a)، كان بدمَشْق عند توَجُّه أبيهِ إلى نَاحِيَةِ الرَّيّ، فكَتَبَ إليه يَسْتَدعيهِ، فَخَرَجَ إليه، فلمَّا كان بالأنْبَارِ بَلَغَهُ قَتْلُه، فرَجَع إلى حَلَب، فتَسَلَّمها من الوَزِير أبي القَاسِم، وكان المُسْتَولِي على أمْرها جَنَاح الدَّوْلَة حُسَيْن في سَنَة ثَمانٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة. ثُمّ قَدِمَ دِمَشْق بعدَ مَوْت أخيهِ دُقَاق، فحاصَرهِا، وقرَّر له الخُطْبَة والسِّكَّة، فلَم تَسْتَتِبَّ أُمُوره (b)، وعادَ إلى حَلَب، وأقام بها، وجرَتْ منه أُمُورٌ غير مَحْمُودةٍ (c) في قِتَال الفِرِنْج، وظَهَرَ منهُ المَيْلُ إلى البَاطِنِيَّة، واسْتَعانَ بهم بحَلَب، ثمّ اسْتَدْعَى طُغْتِكِين أتَابَك إلى حَلَب، وَلاطَفَهُ، وأرَادَ اسْتِصْلَاحَهُ، وقرَّر بينهما أمُورًا، وأقامَ له طُغْتِكِين الدَّعْوَة والسِّكَّة بدِمَشْق، فلم يَظْهَر منهُ الوَفَاء بما وعَد، فأُبْطِلَت دَعْوته. وكان؛ لمَّا ملك حَلَب، قد قَتَلَ أخوَيهِ: أبا طَالِب وبَهْرَام ابْنَي تُتُش، وماتَ في الثَّامن والعِشْرين من جُمَادَى الآخرة سَنَة سَبْعٍ وخَمْسِمائَة. أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، عن أبي عَبْد الله مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ (¬٢)، ونَقَلْتُه من خَطِّه، قال: سَنَة سَبْعٍ وخَمْسِمائَة، فيها ماتَ المَلِك رِضْوَان ابن تَاج الدَّوْلَة صَاحِب حَلَب بحَلَب، وجَلَسَ مَوضِعَهُ وَلده تَاج الدَّوْلَة ألْب أَرَسْلَان (d). وفيها قَتَلَ تَاجُ الدَّوْلَة ابن المَلِك رِضْوَان أخوَيه مَلِك شَاه وإبْراهيم؛ صَبِيَّيْن أحْسَن النَّاس صُوْرًا. كَذا وَجَدْتُه! وإبْراهيم بَقِي زَمَانًا، ورَأيْتُ وَلده بحَلَب؛ وأظُنُّه مُبَارَك، واللهُ أعْلَمُ. وقَرَأتُ في كتاب تاريْخ وَقَعَ إليَّ بمَارِدِين جَمَعَهُ الرَّئِيسُ أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن الفَضْل الدَّارِيّ، وشَاهدْتُه بخَطِّه، قال: وفيها - يعني: سَنَة ثَمانٍ وخَمْسِمائَة - ماتَ المَلِك رِضوَان بن تُتُش بحَلَب، وتَوَلَّى وَلده الأخْرَس. وقَرَأتُ في بَعْضِ ما عَلَّقْتُه من الفَوَائِد: مَرضَ رِضْوَان بحَلَب مَرَضًا حادًّا، وتُوفِّي في الثَّامِن والعشْرين من جُمَادَى الآخرة سَنَة سَبْعٍ وخَمْسِمائَة، ودُفِنَ بمَشْهَد المَلِكِ، فاضْطَرَبَ أمْرُ حَلَب لوَفَاته، وتأسَّفَ أصْحَابُهُ لفَقْدِه، وقيل: إنَّهُ خَلَّفَ في خِزَانَته من العَيْن، والآلات، والعُرُوض، والأوَاني ما يَبْلغُ مِقْدَارُه ستِّمائة ألف دِيْنار. قَرَأتُ في كتاب عُنْوَان السِّيَر، تأليف مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك الهَمَذَانيّ (¬١)، قال: ومَلَكَها - يعني: حَلَب - بعدَهُ - يَعْني: بعْدَ قَتْلِ أبيهِ تُتُش - في سَنَة ثَمانٍ وثَمانين وأرْبَعِمائة أبو المُظَفَّر رِضْوَان بن تُتُش تِسْعِ عَشرة سَنَة وشُهُورًا، وتُوفِّيَ في سُحْرَة يَوْم الأرْبَعَاءِ آخر يَوْم من جُمَادَى الآخرة سنة سَبع وخَمْسِمائَة، وعُمرُه اثْنان وثَلاثُون سَنَةً، وخَلَّفَ عَيْنًا وعُرُوضًا تُقَارِبُ ألفَ ألفِ دِيْنار.