Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

ربيع بن محمود بن هبة الله، أبو الفضل المارديني

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان · page 4562, entry [1516]

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان — كمال الدين ابن العديم

page 4562, entry [1516]Open original source
رَبِيع بن مَحْمُود بن هِبَةِ الله، أبو الفَضْل المَارِدِيْنِيّ (¬٢) أحَدُ الأوْلِيَاء المَعْرُوفين بالكَرَامَات، وَرَدَ حَلَب مِرَارًا عِدَّة. وكان له مع عَمِّي أبي غَانِم ووَالدِي صُحْبَة، وكان إذا قَدِمَ حلَبَ نَزَل بالمَسْجِد المَعْرُوف بنا، الّذي أنْشَأهُ جَدُّ أبي أبو غَانِم مُحَمَّد، وعَمر له وَالدِي زَاوِيَةً إلى جانب هذا المَسْجِد كان يَنْزلها إذا قَدِمَ حلَبَ. وآخر قَدْمةٍ قَدِمَ حلَبَ قبل السِّتّمائة أو فيها، وخَرَجَ وَالدِي وعَمِّي إلى لقائه وأنا معهما، فالْتَقَيناهُ خَارج باب الأرْبَعِين بالقُرْبِ من خَان مَجْد الدِّين، وكُنْتُ إذْ ذاك صَبِيًّا لَم أبْلغ الحُلُم، وسَمِعَ المَلِكُ الظَّاهِر غَازِي بقُدُومه فخَرَجَ إلى لقائه، فوَصَلِ طَارِدًا فَرَسَهُ، فَوَصَلَ إلينا ونحنُ معه شَرْقي مَسْجِد السبرير (a)، فتَرَجَّل له عن فَرَسه، ومَشَى إليهِ وتبَرَّك بهِ، ودَخَلَ ونحنُ معه إلى الشَّيْخ عليّ بن الصَّكاكَّ (b) أبي الحَسَن الفَاسِيّ، وأحضَرَني وَالدِي بينَ يَدَيْهِ بحَضْرَة الشَّيْخ أبي الحَسَن، واسْتَقْرَأني شَيئًا من القُرْآن العَظِيْم فقَرَأتُه، ودَعا لي ﵀. وسَمِعْتُه في ذلك اليَوْم يقول للشَّيْخِ أبي الحَسَن: يا شَيْخ، مُتْ حتَّى نَمُوتَ! فاتَّفَقَ أنَّ الشَّيْخ أبا الحَسَن تُوفِّي سَنَة إحْدَى وستِّمائة، ثمّ تُوفِّي رَبِيْع في أوَائِل سَنَة اثْنَتَيْن وستِّمائة، ثمّ إنَّ الشَّيْخ رَبِيْع انْفَصَل منِ زَاوِيَة الشَّيْخ عليّ الفَاسِيّ ودَخَلَ معنا إلى المَسْجِد، فأقام به عندنا مُدَّة، ثمّ سَافَر. وكان الشَّيْخ رَبِيْع حَنَفيِّ المَذْهَب، وسَمِعَ الحَدِيْث من الحافِظ أبي مُحَمَّد القَاسِم بن عليّ بن الحَسَن، ورَوَى عنهُ وعن ابن أبي الصَّيْف المَكّيِّ، رَوَى لنا عنْهُ أبو الفَضْل مُحَمَّد بن هِبَة الله بن أحْمَد بنِ قُرْنَاص، وعَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة الله بن أبي جَرَادَة، وحَكَي لي عنه أبو مُوسَى عِيسَى بن سَلامَة الحَضْرَميّ، وَأبو الحَجَّاج يُوسُف بن أبي طَاهِر الجَزَرِيّ الكُرْدِيّ، والأَمِير عليّ بن سُلَيمان بن أَيْدَاش أمير الحَاجّ الشَّاميِّ، والقَاضِي أبو عَبْد الله مُحَمَّد ابن شَيْخنا أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمن ابن الأُسْتَاذ، وعَمِّي أبو المَعَالِي عبد الصَّمَد بن هِبَة الله، والشَّيْخ أبو القَاسِم الإسْعِرْديّ نَزِيلُ البَيْت المُقَدَّس، وأبو عَبْد الله مُحَمَّد بن أبي سَعْد. أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بن هِبَةِ الله بن أحْمَد بن قُرْنَاص بحَلَبَ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ الصَّالِحُ أبو الفَضْل رَبِيْع بن مَحْمُود بن هِبَة اللهِ المَارِدِيْنِيّ بحَمَاة، وقد قَدِمَ علينا سَنَة إحْدَى وتِسْعِين وخَمْسِمائَة؛ قال: أخْبَرَنا الحافِظ أبو مُحَمَّد القَاسِم ابن الإمَام أبي القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَةِ الله الشَّافِعيّ الدِّمَشقيّ، قال: أخْبرَنا الإمَامُ أبو الحَسَن عليّ بن المُسَلَّم بن مُحَمَّد بن الفَتْحِ السُّلَمِيّ، قِرَاءةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو نَصْر الحُسَين بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن طَلَّاب الخَطِيب، قِرَاءةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَيْن مُحَمَّد بن أحْمَد بن جُمَيْع الغَسَّانيِّ (¬١) بصَيْدَا، قراءةً منهُ علينا في دَارِه، قال: حَدَّثَنَا أبو سَعيد الأَذَنِيّ، قال: مَكْتُوبٌ على حَاشِيَة التَّوْراة اثْنين وعشرين حَرْفًا يَجْتَمعُ (a) إليها عُلمَاءُ بني إِسْرَائِيل يَقْرؤُونها كُلّ يَوْم، أَوَّلها: لا كَنْز أنْفَعِ من العِلْم، ولا مَال أرْبَح من الحِلْم، ولا حَسَب أرْبَح من الأدَب، ولا نَسَب أوْضَع من الغَضَب، ولا قَدر أزْيَن من العَقْلِ، ولا قَرِين أشْيَن من الجَهْلِ، ولا شَرف أكْبَر من التَّقوَى، ولا كَرَم أجْوَد من تَرْك الشَّهَوات، ولا عَقْل أفْضَل من التُقَى (b)، ولا حَسَنة أعْلَىِ من الصَّبْر، ولا سَيِّئة أسْوَأ من الفَقْر، ولا دَوَاء ألْيَن من الرِّفْق، ولا دَاء أوْجَع من الحُزْن، ولا دَلِيْل أوْضَح من الصِّدْقِ، ولا غِنَى أَسْمَي من الحَقِّ، ولا فَقْر أذَلّ من الطَّمَع، ولا عِبَادة أحْسَن من الخشُوع، ولا زُهْد خَيْر من القنُوع، ولا حَيَاة أطْيَب من الصِّحَّة، ولا حَارِس أحْرَس من الصَّمْت، ولا مَعِيْشَة أهْنأ من العَافِيَةِ، ولا غَائِب أَقْرَب من المَوْتِ. حَدَّثَني عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَةِ الله بن أبي جَرَادَة، وكَتَبَهُ لي بخَطِّه، قال: قال لي الشَّيْخُ رَبِيْع بن مَحْمُود: كُنْتُ مع فُقَراءٍ فىِ البَرِّيَّةِ في طَريق مَكَّة، فتَمَشَّيْتُ معهم وأبْعَدْنا أمَام الحَاجّ، فقال بعضُنا: واللهِ كُنَّا نَشْتَهي في هذا المَوضِع رُطبًا، فقال فَقِيْرٌ من الجَمَاعَة: وتريدُون ذلك؟ فقُلْنا: نعم، فمَضَى وتَوَارَى عنَّا، فجاءَنا برُطب رَطْبٍ وما على الأرْض رُطْبَةٌ واحدةٌ، فأكَلْنا (a). أنْشَدَني أبو الحَجَّاج يُوسُفُ بن أبي طَاهِر بن عليّ الجَزَرِيّ الكُرْديُّ، قال: سَمِعْتُ الشَّيْخ رَبِيْع يُنْشد هذين البَيْتَيْن ونحنُ سَائرُونَ من مَكَّة إلى المَدِينَةِ، ولَم نَسَمعْهُ يُنْشدُ غيرهما، وكان لا يَرَى إنْشَاد الشِّعْر ولا سَمَاعَهُ، وإذا سَمِعَ أحدَنا يُنْشِد بَيْتًا يُنْكِر عليه، والبَيْتان: [من الطويل] لَيَالٍ وأيَّامٌ تَمُرُّ خَوَاليًا … من الوَصْلِ ما فيها لِقاءٌ ولا وَعْدُ إذا قُلْتُ هذي مُدَّةٌ قد تَصَرَّمَتْ … أتَتْ مُدَّةٌ أُخْرى تَطُولُ وتَمْتدٌ أخْبَرَني الشَّيْخ أبو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّد بن أبي سَعْد الحَلَبِيّ، قال: كان الشَّيْخ رَبِيْع من أهْلِ مَارِدِين، وحَكَى لي أنَّهُ مَضَى إلى البَيْت المُقَدَّس ليزُورَهُ، وهو إذ ذاكَ في يَدِ الفِرِنْج، قال: وكنت أعيْشُ من عَمل الفَاعِل، وكُنْتُ أعْرف بمَارِدِين جَمَاعَةً من النَّصارَى، فنَزْلْتُ عندَهُم في القُدْس، وكُنْتُ أعْملُ عند الرُّهْبَان لأنَّهم لا يَمْنعُوني الصَّلاةَ، وكُنْتُ أقْتَاتُ ممَّا يَحْصُل لي من الأُجْرَة، وآخُذ ما يَفْضُل لي من الأُجْرَة وأزُور به الصَّخْرَةَ، وأَزِنُ للَّذي يَجْلِسُ على باب الصَّخْرَة لأخْذ الجُعْل من المُسْلمِيْن قَرْطيسًا في كُلِّ مرَّة، وكُلَّما فَضَل لي شيء فَعَلْتُ به هكذا، ودَخَلْتُ إلى الصَّخْرَة وزُرْتُ وصَلَّيْتُ، فكُنْتُ في بعضِ الأوْقَات لا أجِدُ شيئًا فجئتُ إليه يَوْمًا وليسَ معي شيء، فقال: هَاتِ، فقُلتُ: ما معي شيء، فقال: ادخُل، فأنْكَر عليه النَّصارَى، وقالُوا له: كيفَ تَتْرك هذا الرَّجُل يَدْخُل ولا تأخُذُ منه شيئًا؟ قال: فقال: إنَّهُ كان يُؤدِّي الّذي يُؤدِّيهِ من وَسْط قَلْبه، فلو كان معه شيء لأدَّاهُ؛ فلهذا تَرَكتُهُ. أخْبرَني أبو مُوسَى عِيسَى بن سَلامَة بن سُلَيم بن عَبْد الوَارِث الحَضْرَميّ الحِمْيَرِيّ، قال: كُنْتُ سَمِعْتُ أنَّ الشَّيْخ رَبِيْع بن مَحْمُود أُمِّيٌّ لا يَعْرِفُ الخَطَّ، وأنَّهُ يَقْرأ القُرْآن في المُصْحَفِ، فجِئتُ يَوْمًا إلى موضِعهِ الّذي يَقْرأ فيه القُرْآن، فتَوَارَيْتُ عنه، فسَمِعْتُهُ يَقْرأ سُوْرة الفَتْحِ ويُؤدِّىِ أداءً حَسَنًا كأنَّهُ مارَسَ القراءَةَ ومَهَرَ فيها! فسَلَّمْتُ عليه، وقُلتُ: على مَنْ قرأتَ؟ فقال لي: على الّذي أنْزَلَهُ، فقُلتُ: هذا أجْدَرُ أنْ تُخْبرني به، فأطْبَقَ المُصْحفَ، وقال لي: كُنتُ بالمَدِينَة، على سَاكنها السَّلام، أعْمَل بالفَاعِل وأسْقي بالقِرْبَة، وما يَحْصُل لي في النَّهَار أعْمَل به جَفْنَة للفُقَراءِ مُدَّة اثْنَتي عَشرة سَنَةً، ولمَّا كان بعد ذلك جَعَلتُ أرَى كُلّ مَنْ ألْقَاهُ يُكَلِّمُني بكَلَام حِكْمَة من الطَّيْر والدَّوَابّ والجَمَاد والحِيْطَان وغيرها، فشَقّ عليَّ ذلك، وقُلْتُ: لا أُطِيْقُ حَملَ هذا لأنَّني لا أُحْسِن الكتابةَ، فوَقَع لي أنْ آتي النَّبِيّ ﷺ، وأشْكُو إليهِ ما نَزَل بي، فجِئْتهُ وشَكَوتُ إليهِ، ونمْتُ فرَأيْتُ النَّبِيّ ﷺ في المَنَام، وقال لي: يا رَبِيْع، ادْعُ الله تعالَى أنْ يُسَهِّلَ عليك قراءةَ القُرْآن في المُصْحَفِ فهي أفْضَل العِبَادَة، فقُمْتُ وتَوَضَّأتُ وجِئْتُ إلى النَّبِيّ ﷺ وصَلَّيْتُ رَكْعَتَين عنده، ودَعَوتُ الله بما أمَرَني به الرَّسُول ﷺ، ونمْتُ فرَأيْتُ النَّبِيّ ﷺ وقال لي: يا رَبِيْعُ، افْتَح المُصْحَفَ واقْرأ، فأخَذْتُ مُصْحَفًا كان عندي ففَتَحْتُه، وجَعَلْتُ أتَتبَّع سُوَرَهُ، ويَقَع لي أنَّ هذه الكَلِمَة: الحَمْدُ، والأُخْرى: لله، وما بَعْدها كذلك إلى أنْ خَتَمْتُ القُرْآن جَمِيْعَهُ. قال: وصَارَت عبادتَهُ بعدَ ذلك إلى أنْ ماتَ ﵀. حدَّثَني الشَّيْخُ أبو الحَجَّاج يُوسُف بن أبي طَاهِر بن عليّ الجَزَرِيّ المَعْرُوف بالمُلَقِّن، قال: كان الشَّيْخُ رَبِيْع بن مَحْمُود المَارِديْنيّ (a)، قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ، لا يَدَّخِر لغَدَاءٍ من عَشَاءٍ، ولا لعَشاءٍ من غَداءٍ، وكان لا يُفْطِر في كُلِّ شَهْر غير يَوْم أو يَوْمَيْن، ويُؤْثر أصْحَابَهُ على نَفْسهِ، ولا يَأكُل من مالِ سُلْطانٍ، ولا جُنْدي، ولا من له قَطِيعةٌ (a) على وَقْفٍ، وصَحِبْناهُ مُدَّةً طَوِيلَةً في البِلَادِ مثل مَكَّة، والمَدِينَة، ودِمَشْق، وغيرها. قال: وصَلَّيْتُ معه لَيْلَةً العشَاء الآخرة في الحَرَم الشَّريف بمَكَّة، فلمَّا فَرَغ من الصَّلاة قال لنا: قُومُوا بنا إلى العُمْرَة، وكُنَّا معه أرْبَعة نَفَرٍ وهو، فلمَّا وَصَلْنا إلى التَّنْعِيم وأحْرَمْنا بالعُمْرَة، وأقْبَلْنا إلى مَكَّة، ووَصَلْنا إلى مُتَّكأ النَّبِيّ ﷺ، وجَلَسْنا سَاعةً نتبرَّك بأثر النَّبِيّ ﷺ، ثُمَّ قُمْنا مُتَوَجِّهين إلى مَكَّة، فلمَّا قَرُبْنا من مَوضِعٍ يُقال له: الشُّبَيْكَة، قال لنا الشَّيْخُ رَبِيْع: قفُوا مَكانكم، فوَقَفْنا، ثُمَّ أخَذَ على يَسارِ الطَّريق ومَشَى مُتَياسِرًا إلى أنَّنا ما بَقِينا نَرَى منه في ظَلَام اللَّيْل إلَّا شَبَحهُ، فسَمِعْنَاهُ يَقُول: سَلَام عليكم ورَحْمَة الله وبَرَكاته، فتأمَّلْنا وإذا بإنْسَان وَاقِفٌ معه، فصَافَحه ووَقَف معه ساعة ثمّ عاد إلينا، فقال لنا: امضُوا فصَافِحُوه، فجئنا فسَلَّمنا عليه وصَافَحْناهُ، فوَجَدنا يَده على غَايةٍ من اللِّين والتَّرف، وقُلْنا له: ادْعُ لنا، فقال لنا: غَفَر الله لكُم، ثُمَّ جَذَب يَدَهُ منَّا، ومَشَى على حالهِ مُتَوَجِّهًا إلى العُمْرَةِ، فلمَّا جئنا إلى الشَّيْخ رَبِيْع سَألْنَاهُ عنه، فقال: هذا اسْمُهُ عَبْد المَجِيْد اليَمَنِيّ، من أهْلِ اليَمَن، يُصَلِّي الخَمْس الصَّلَوَات في الحَرَمِ ولا يَرَاهُ أحدٌ. قال لي يُوسُف المُلَقِّنُ: ومَضَيْتُ مع الشَّيْخ رَبِيْع لَيْلَةً إلى عُمْرة الحُدَيْبِيَة، وصَلَّينا بها المَغْربَ، فلمَّا أفْطَرنا أحْرَمنا وتوجَّهنا إلى مَكَّة، وكان الطَّريق وَعْرًا، فتُهْنَا عن الطَّريق، [فقال] (b) لنا الشَّيْخُ رَبِيْع: قفُوا؛ فإنَّ الطَّريق قد اشْتَبَهُ علينا في ظَلَام [اللَّيْل] (c)، فوَقَفْنا على عزير (d) أنْ نَقفَ مكاننا إلى الصَّبَاح، ثُمَّ نَمْضي، ثُمَّ بَدَا للشَّيْخ رَأيٌ، فقال: سِيْرُوا بنا، فما أحْسَسْنَا بأنْفُسنا إلَّا في مَكَّة، حرَسَها اللهُ، فسَألْنَاهُ -بعدَ أنْ طُفْنا بالبَيْت وسَعيْنا- عن ذلك، وقُلْنا: إنَّ هذا لعَجَبٌ؛ قُلْتَ لنا: بَيِّتُوا فقد تُهْنَا، ثمّ بَدَا لكَ فسرْت بنا فجئنا على العَادَة ولَم نَتُه عن الطَّريق؟! فقال: لمَّا قُلْتُ لكم: قفُوا، اشْتَبَه عليَّ الطَّريق فقُلْتُ لكم ذلك، فبعدَ سَاعةٍ رَفَع اللهُ البَيْتَ لي حتَّى علا على جَمِيع الجِبَال فوَقَع نَظَري عليه فقَصَدْتُه ولَم أزَل أؤُمّه حتَّى وَصَلْنا. أخْبَرَني عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة الله بن أبي جَرَادَة، والأَمِير عليّ بن سُلَيمان بن أَيْدَاش بن السَّلَّار، قالا: قال لنا الشَّيْخُ رَبِيْع: كُنْتُ بمَسْجِد النَّبِيّ ﷺ قَاعِدًا وجَاء رَجُلٌ تُرْكيٌّ من أتْرَاك المَدِينَة إلى فَقِيْر فىِ المَسْجِد يَسْتَفْتيه، فقال له ذلك الفَقِيْر: امْضِ إلى الشَّيْخ رَبِيْع فهو علي مَذْهَبك، يُريدُ أنَّهُ حَنَفِيّ المَذْهَب، فجاءَ إليَّ، فقال: إنَّ رجُلًا من الزَّيْدِيَّةِ له بنْتٌ، وقد سَافَر عنها زَوْجها أو غَاب، وهم يُريدُون يَفْسَخُون النِّكَاح ويُزوِّجُوني بها، فهلِ يَجُوز ذلك لي؟ فقال له الشَّيخ رَبِيْع: قد ذَكَرَ أبوِ الحُسَين القُدُورِيّ فيِ مُخْتَصَره أنَّهُ لا يَحلّ ذلك حتَّى يَبْلغ مائةً وعشرين سَنَةً من يَوْم وُلد وبعد ذلك تُزَوَّج. فقال: فأنا أفْعَل ذلك. قال الشَّيْخُ رَبِيْع: فلمَّا انْفَصَل عنِّي أخَذَني حَيَاءٌ وخَجَلٌ من النَّبِيِّ ﷺ، وقُلتُ: مَنْ أنا حتَّى أفْتي بمَحْضَرٍ من رسُول الله ﷺ، أمِنَ الفُقَهَاء أنا أم من المُفْتِين؟ والله ما هذا إلَّا جُرْأةٌ عَظِيمَةٌ، وأخَذَني حَياءٌ عَظِيم وخَجَلٌ، فنمتُ وأنا قَاعِدٌ، فرَأيْتُه ﷺ وهو يَقُول لي: أفْلَحْتَ دُنيا وآخرة، لو لَم تَعْرف من العِلْم إلَّا هذه المَسْألَهَ لكفَتْكَ، قال: فاسْتَيْقَظتُ فسَمِعْتُه يقُول لي وأنا مُسْتَيقظٌ: أفْلَحْتَ دُنْيا وآخرة، لو لَم تَعْرف من العِلْم إلَّا هذه المَسْألَة لكفَتْكَ، قال: فطَابَ قَلْبي، وزَال عنِّي ما كُنْتُ أجِدُه. قال لي عَمِّي أبو غَانِم: قال لي الشَّيْخُ رَبِيْع: كُنْتُ في طَرِيق مَكَّة ولَحِق النَّاسَ عَطشٌ شَديدٌ، وكان معي إدْوَاةٌ مَلأى من الماء، فرَأيْتُ اثْنين من الصُّوْفيَّة وهمُا مَاشِيان وقد اسودَّت وُجُوههما من شِدَّة العَطَش، فقُلْتُ لهما: تُريدان الماءَ؟ فقالا: نَعَم، فنَاولتهما الإدْوَاةَ وقُلتُ: اشْرَبا منها وخَلِّيَا لي منها، فأخَذَاهَا فشَرِبا ما كان فيها جَمِيعَهُ، ثُمَّ دَفَعاها إليَّ فأخَذْتُها وربَطتُها على الجَمَلِ، فلمَّا نَزَل الحَاجُّ أخَذْتُها وحَلَلْتُها فإذا هي مَلْأى من الماءِ. أخْبرَني أبو مُوسَى عِيسَى بن سَلامَة الحَضْرَميّ، قال: سَافَرْتُ سَنَة سَبْعٍ وتِسْعِين وخَمْسِمائَةٍ إلى بلاد المَغْرب، فأقَمتُ بها سَنَةً، ثمّ خَرَجْتُ إلى الإسْكَنْدَرِيَّة، فلمَّا قَرُبْتُ من الإسْكَنْدَرِيَّة، رَأيْتُ في المَنَام كأنَّ الشَّيْخ رَبِيْع في الإسْكَنْدَرِيَّة، وقد فَتَح طَاقًا على البَحْر فدَعَا وقال في أثْناء دُعَائهِ: كَتَبَ اللهُ سَلامَتك يا عِيسَى، فبعدَ يَوْمَيْن أو ثلاثةٍ وَصَلْتُ إلى الإسْكَنْدَرِيَّة، وسَمِعْتُ أنَّ الشَّيْخ رَبْيِع فيها، فخَرَجْتُ إليه، وسَلَّمْتُ عليه، وقُلْتُ لهُ: رَأيتُكَ في المَنَام البَارِحَة الأُولَى وقد فَتَحْتَ الطَّاق ودَعَوْتَ بكَذَا وكَذا؟ فقال لي: نَعَم؛ كَذَا جَرَى! ثمّ قَدَّم لنا طَعَامًا فيه سَمَكٌ، ولَم يكُن له عادة بأكْل السَّمَك، فقُلتُ لَهُ: أرَاك تَأكُل السَّمَك ولَم يكُن لك بذلك عادةٌ؟ فقال لي: كُنْتُ في هذا العام بالبَيْت المُقَدَّس، فخَرَجَ على قَلْبي طُلُوعٌ، ولم يَزَل يَكْبُر إلى أنْ صَارَ قَدْر الأُتْرُجّةِ الصَّغيرة، فضيَّق عليَّ فنمتُ، فرَأيْتُ قَائلًا يقُول لي: إنْ أرَدْتَ أنْ يَزُول هذا عن قَلْبك فكُل السَّمَك؛ رَأيت ذلك مَرَّتَين أو ثلاثة، فعزمتُ على أكْلِ السَّمَك، وقُلتُ: لا أسْأل أحدًا فيهِ، إنْ قُدِّمِ بين يَدي أكَلْتُه وإلَّا فلا أسْأله، فأقَمْتُ شَهْرَين بالبَيْت المُقَدَّسِ إلى أنْ وصَلَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فعَزَم عليَّ بالتَّوَجُّهِ إلى الدِّيَار المِصْرِيَّة، فرَحَلْتُ معه إلى الدِّيَار المِصْرِيَّة، ونَزَلتُ عند ابن السُّكَّرِيّ، ومن عَادَتهم أَنْ يَعْملُوا لي طَعَامًا ليس فيه سَمَكٌ ولا لَحْمٌ، فصَنَعُوا لي أرُزًّا بلَبَن، فلمَّا جاء صَاحِب المَنْزل بعد العِشَاءِ الآخرة، طَلَب الأرُزّ، وكان قد جَاء إلى المَرْأهَ هَدِيَّة زِبْدِيَّة فيها سَمَكٌ مَطْبُوخِ، فوَضَعَتْها إلى جَانب زِبْدِيَّة الشَّيْخ الّتي فيها الأَرُز، فَطَفِئ السِّرَاج، فأرَادَت أنْ تدْفعَ إليه الأَرُزَّ فدَفَعت إليهِ زِبْدِيَّة السَّمَكِ، فلمَّا دَخَلَ إلى الشَّيْخ وَضَعها بينَ يَدَيْهِ، فكَشَفها فإذا فيها السَّمَك، فخَجَل صَاحِبُ البَيْت، وقال: واللهِ ما تَعَمَّدتُ ذلك، ولا عَلِمتُ أنَّ في الدَّار سَمَكًا، وأرادَ أنْ يأخُذ زِبْديَّة السَّمَك ويَرْفَعَها، فقال له الشَّيْخ: دَعْها وامْضِ وارْفَع الخُبْز، ووَجَد فيها السَّمَك، فأكَلَهُ وشَرِب مَرَقتَهُ ونَام. قال الشَّيْخُ: فرَأيْتُ ذلك الشَّخْصَ الّذي رَأيتُه فيِ بَيْت المَقْدِس في النَّوْم وقال: يا شَيْخ رَبِيْع، ألَم أقُل لك إنَّك إذا أكَلْتَ السَّمَك برِئ هذا الدَّاء، فانْتَبَهْتُ فأمْرَرتُ يَدي على صَدْري فلم أجد شيئًا. قال لي أبو مُوسَى الحَضْرَميّ: ثُمَّ سَألتُ الشَّيْخِ رَبِيْع: ما رأيتَ فىِ خَلْوَتك هذه؛ وكان فىِ الخَلْوة خَارِج الإسْكَنْدَرِيَّة أربَعيْن يوْمًا؟ فقال لي: كُنْتُ يَوْمًا جالِسًا اقْرأُ القُرْآن فىِ المُصْحَفِ وإذا بغُلَام صَاحِب المَوضِع قد دَخَل عليَّ بِطَبَقٍ فيه مَشْمُوم نَارَنْج وليَمْوُن ورَيْحَان، فنَظَرتُ إليه، وتَرَكْتُ النَّظَر في المُصْحَف فعميتُ ولَم أرَ شيئًا! وكان زمَن الصَّيْف، فبَقِيتُ كذلك من بُكْرة ذلك اليَوْم إلى الزَّوَال، وما عَلِمْتُ من أين أتيتُ. فلمَّا كان عند الزَّوَال وَقَعَ لي أنَّ ذلك عُقُوبَة تَرْك النَّظر إلى المُصْحَف والنَّظَر إلى ذلك الطَّبَق، فكَشَفْتُ رَأسِي وسَجَدْتُ وجَعَلْتُ أتضرَّعُ إلى الله تعالَى، فأبْصَرتُ ورَفَعْتُ رَأسي، فرَأيْتُ الشَّمْس زَالت، فتَوضَّأتُ وصَلَّيْتُ. ﷽ وَبِهِ تَوفِيْقِيْ سَمِعْتُ القَاضِي جَمال الدِّين أبا عَبْد الله مُحَمَّد ابن شَيْخنا الإمَام عبد الرَّحْمن بن عَبْدِ الله بن عُلْوَان يَقُول: سَمِعْتُ الشَّيْخ رَبِيْع يقُول لي: لا شَكَّ أنَّ طَبْع البَشَرِيَّة يَغْلبُ الإنْسَانَ في كَثِيْرٍ من الأحْوَالِ؛ فإنَّني أحْكي لك أنَّني كُنْتُ نائِمًا بمَكَّة، فرَأيْتُ كأنَّني رَاكِبٌ في البَحْر على سَاحِل الشَّام، أقصدُ زيارةَ بعضِ الَأمَاكن، وكأنَّ المَرْكَب الّذي كُنَّا بهِ قد انْكَسَرت رِجْلُه، ولم يكُن معنا رِجْلٌ، فخِفْنا وكِدْنا نَغْرَق، ودَعَونا الله تعالَى، وغَلَب اليَأسُ علينا، وإذا بمَرْكَبٍ قد لَاح لنا وأقْبل، وجاء نَحونا يَمْشِي مُسْرِعًا حتَّى وَصَلَ إلينا، فأخْرَجُوا لنا رِجْلًا فعَمِلْناها لمَرْكَبنا، فسَلِمْنا. قال: فانْتَبَهْتُ وقُلتُ: لأرْكَبنَّ البَحْرَ حتَّى أنْظُر ما يكُون من هذه الرُّؤْيا، قال: فجئتُ إلى سَاحِل جُدَّة، وطَلَبْتُ الرُّكُوبَ في بعضِ المَرَاكِب، فجَعَل أصْحَاب المَرَاكِب يَطْلبُونني، وكُلّ منهم يَطْلب أنْ أرْكَبَ معهم لحُسْن عَقِيْدتهم فيَّ، فرَكِبْتُ في بعض المَرَاكِب، وإذا به ذلك المَرْكَب الّذي عايَنْتُه في المَنَام بعَيْنهِ! قال: فسِرْنا في البَحْر، فانْكَسَرَت رِجْل المَرْكَب على [ما رَأيتُه] (a) في النَّوْم، ودَخَلَ الماءُ في المَرْكَب، وخِفْنا من الغَرَق، واسْتَولَى اليَأسُ عَلينا، وكُنْتُ كأحدهم، ولحقَني من الجُبْن والخَوْف كما لَحِقَ الباقين، مع ما ظَهَر لي من أوَائِل الأمر الّذي شَاهدتُه في المَنَام، قال: وجَعَلْتُ أَصِيح لصَاحِب المَرْكَب وهو على الصَّاري: انْظُر إلى هذه الجِهَة، وأنا أنْتَظر الفَرَج كما شَاهَدْتُ في النَّوْم، قال: فجَعَل يَنْظُر إلى تلك الجِهَة ثُمَّ صَاحَ بعد سَاعةٍ: جاءَ الفَرَجُ، قد لَاح لنا مَرْكَبٌ، قال: فجاء المَرْكَبُ الّذي شَاهدْتُه في النَّوْم على الصِّفَة الّتي شَاهدتُها، وسَاقَ نَحْونا حتَّى وَصَلَ إلينا، وقد كدْنا نَهْلِكُ، وكان معهم رِجْلٌ دَفَعُوها إلينا فأصْلَحْنا بها مَرْكَبنا، وسَلِمْنا، وللهِ الحَمْدُ. أخْبَرَني يُوسُف بن أبي طَاهِر المَنْبِجِيّ، قال: وَرَدَ الشَّيْخ رَبِيْع بن مَحْمُود من مَكَّة إلى حَلَب، وأقام بمَسْجِد جَمال الدِّين عمِّك أيَّامًا، ثُمَّ خَطَر للشَّيْخ أبي الحَسَن عليّ الفَاسِيّ والشَّيْخ رَبِيْع وعَمّك أبي غَانِم أنْ يمضُوا لزيَارة الشَّيْخ أبي زَكَرِيَّاء إلى دَيْر النَّقِيْرَة، فقَامُوا وخَرَجُوا، وخَرَجْتُ معهم ونحنُ أربعةٌ نَمْشي حتَّى بتْنَا بأقْذَار (¬١)؛ قَرْيَةُ وَالدِكَ، ثمّ قُمْنا منها وصَلَّينا الظُّهْر بحَاضِر طَيّءٍ، وأقَمْنا بها إلى العَصْر، ثُمَّ جِئنا إلى تَلّ بَاجر (¬٢) وَقْت المَغْرب، وكُنْتُ أَنا والشَّيْخِ رَبِيْع صَائِمَيْن؛ لأنِّي كُنتُ قد آلَيْتُ على نَفْسِي أنْ لا أُفْطِر حتَّى أخْتم القُرْآن، ولَم أكُن خَتَمْته بعد، فأتَانَا الفَلَّاحُونَ بطَعَامٍ، وجَاؤُوا في جُمْلَته بصَحْنٍ كَبير فيه بَطَّة وهم فَرحُونَ كيفَ قدَّمُوا لنا البَطَّة حتَّى نَأكُلها، فقال الشَّيْخُ رَبِيْع: كُلُوا ولا تَأكُلوا من هذه البَطَّة شَيْئًا! فامْتَثَلنا أمْرَهُ ولَم نَأكُل منها، وأنْفُسنا تَشْتَهيها، فقال الفَلَّاحُون: يا مَشَايخِ، كُلُوا فما هو لمَنْ خُبي (a) بل هو لمَن رُزِق، والْتَفَتَ الفَلَّاحُ الّذي جاء بها إلى رفِيْقه وقال: يا فُلَان، انْظُر إلى فعل ذلك الظَّالم، كيفَ ألْزَمَنا وكَلَّفَنا عمَل هذه البَطَّة وأحْوَجنا إلى أنْ نَحْتال في ثَمنها فلَم يَجْعَلَها الله في رِزْقه، وكانت في رِزْق هؤلاء السَّادَةِ، فلمَّا سَمِعْنا ذلك منهُ نَظَرَ كُلٌّ منَّا إلى صَاحِبه، وسَكَتَ، وحَمَدْنا الله تعالَى على ذلك، وعَلِمْنا أنَّ الشَّيْخ رَبِيْع كُوْشِفَ بذلك. قال لي يُوسُف المَنْبِجِيّ: وحَجَجْتُ في بعض السِّنِيْن قَبْل أنْ يُفْتَح البَيْت المُقَدَّس بسَنةٍ، وكُنْتُ قد حَجَجْتُ مَاشِيًا في ذلك العامِ، واجْتَمَعْتُ بالشَّيْخ رَبِيْع بمَكَّة، ولَم يَشْعُر بي إلَّا وأنا نائم على باب قُبَّة الشَّرَاب، وكُنْتُ قد قيل لي إنَّهُ سَاكِنٌ بها، فرحَّب بي، وقال لي: أنْتَ رَفِيْقي إلى الشَّام بعد الوَقْفَة في هذه السَّنَة، فإنَّ في هذه السَّنَة الآتية يَفْتَحُ اللهُ البَيْت المُقَدَّس وبلاد الفِرِنْج! ولا تُعْلِم بذلك أحدًا. فَخَرَجْتُ بعد قَضَاء الحَجِّ في صُحْبَتهِ، فلمَّا أشْرَفنا على دِمَشْق، نَزَلنا من المَحَارة، وقال للجَمَّال: أنْتَ في حِلٍّ ممَّا فيها، وكان فيها أشْيَاء ممَّا يَحْتاج إليهِ، وأقَمنا في دِمَشْق أيَّامًا، ثمّ صَعدْنا إلى طَبَرِيَّة، وقَدَّرَ اللهُ أنْ فُتِحَت القُدْس والسَّاحِل في تلك السَّنَة، وحَضَرْتُ معه فُتُوح البِلَادِ كُلّها. قال لي يُوسُف المَنْبِجِيّ: وكُنْتُ مُجَاوِرًا مع الشَّيْخ رَبِيْع في بعضِ السِّنِيْن، وأنا إذْ ذاك صَبِيٌّ، فاشْتَقْتُ إلى أهْلي، وقُلتُ: هذه السَّنَة أخْرُج إلى أهْلي إنْ جاءَني مَنْ أعْرف منهم، فلمَّا قُضِيَ الحَجّ ولَم أرَ أحدًا من أهلي ولا ممَّن أعْرفهُ من البِلاد، جئتُ في بعض الأيَّامِ وطُفْتُ بالبَيْتِ، وتقدَّمْتُ إلى الرُّكْن اليَمَانِيّ، وأنا آيسٌ من العَوْدِ إلى البِلَادِ في تلك السَّنَة، ففَتَح اللهُ عليَّ أنْ قُلتُ: يا رَبّ، إنْ رَزَقْتَني جَمَلًا أرْكَب، وخُبْزًا آكُل، وماءً أشْرَب، عُدْتُ إلى أهْلي في هذه السَّنَة وإلَّا أقَمْتُ بمَكَّة، وكان ذلك ضَحْوَة ذلك النَّهَار، وصَلَّيْتُ الظُّهْر في ذلك النَّهَار عند الشَّيْخ رَبِيْع، فالْتَفَتَ إليَّ، وقال لي: يا يُوسُف، قد حَصَّلْتُ لكِ جَمَلًا تَرْكب، وخُبْزًا تَأكُل، وماءً تَشْرَب، ولَم أُعْلِمْهُ بقَوْلي، والْتَفَتَ إلى بعضِ الجَمَّالين، وقال له: هذا الصَّبيِّ الّذي قُلْتُ لك في مَعْناه، واكْتَرَى لي معه بأربعة دَنَانِيْر مُكَفًّا (a) والخُبْزُ والماءُ عليهِ. أخْبَرَني عَمِّي أبو غَانِم مُحَمَّد بن هِبَة الله، قال: قال لي الشَّيْخ رَبِيْع: حَجَجْتُ في بعض السّنِيْن ورجَعتُ إلى البِلادِ، فلمَّا كُنْتُ في بعضِ الطَّريق، نَفَدَ ما كان معي، ولَم يَبْقَ إلَّا النَّاقَة فقُلْتُ لبعض الجَمَّالين: احْملني إلى الكُوفَة وخُذْ النَّاقَة، ففَعَل، فلمَّا وصَلْتُ إلى الكُوفَة قُلتُ لصَاحِبٍ لي: أيْشٍ قعُودُنا؟ نَمْضي إلى بَغْدَاد؛ فَمَضَيْتُ أنا وصَاحِبي إلى بَغْدَاد، وما أقَمْنا بها، ومَضَينا منها على البَوَازِيْج، ووَصَلْنا إلى المَوْصِل، وما وَصَلَ خَبَرُ الحَاجّ إلى المَوْصِل، فوَجَدْنا قَضِيْب البَان على باب المَوْصِل، فقُلْنا له: ادْعُ لنا، فقال: أنتم دُعاؤكم مُسْتَجاب إلى أرْبَعيْن يَوْمًا، وكُنَّا إذا قُلْنا إنَّنا جِئْنا من الحَجّ لَم نُصَدِّق. قال لي عَمِّي: قال لي الشَّيْخُ رَبِيْع: كُنْتُ مرَّةً مَع الحَاجِّ من المَوْصِل إلى بَغْدَاد، فنَزَلْتُ وتَمَشَّيْتُ أمام القَافِلَة، فرأيْتُ رَجُلًا، فَمشَيْتُ معه قَليلًا، فقال لي: امْشٍ معي، فَمَشيتُ معه سَاعةً، فقال لي: تَدْري أينَ أنْتَ؟ قُلتُ: نَعَم، فودَّعَني ومَضى، فبَقِيْتُ قي ذلكَ المَوضِع تلك اللَّيْلة وذلك اليَوْم إلى العِشَاءَ الآخرة من الغَدِ حتَّى وَصَلَتْ إليَّ قَافِلَة الحَاجّ. أخْبرَني أبو مُوسَى عِيسَى بن سَلامَة صاحِب الشَّيْخ رَبِيْع، قال: كُنْتُ مُجَاوِرًا بمَكَّة في سَنَة إحْدَى وستِّمّائة في صُحْبَة الشَّيْخ رَبِيْع، فقال لي: أُرِيْدُ أنْ أنْفَرد في هذه الأشْهُر -يعني: شَهْر رَجَب، وشَعْبان، وشَهر رمَضَان- بنَفْسِي ولا يَقْربني أحدٌ، ففَعَلَ ذلك. فلمَّا كان يَوْم العِيْد، جئتُ إلى بابهِ، فأرَدْتُ الدُّخُول إليهِ للسَّلَام عليه، فضَرَبْتُ البابَ، فَخَرَجَ إليَّ، وسَلَّم عليَّ وسَلَّمْتُ عليه، وجاءَ النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عليه، فقال لي: ماتَ الشَّيْخ أبو الحَسَن الفَاسِيُّ؟ فقُلتُ لَهُ: نَعَم، مَنْ أَخْبرك بهذا!؟ وكُنْتُ قد سَمِعْتُ بمَوْتِه من مَرَاكِب جَاءت في البَحْر، فقال لي: رَأيْتُ في المَنَام كأنَّ ثَنيَّتي العُلْيا قد سَقَطَتْ، فقُلتُ لَهُ: يُؤَوَّلُ هذا بالإخْوَة والآباءِ! فقال: أيّ أب أو أخٍ أعْظَم من الشَّيْخ أبي الحَسَن؟! ثمّ قال لي: قد قَرُبَ المَوْتُ يا أصْحَابنا، ما بَقِيْنا نَجْتَمع بعدَ هذه الوَقْفَة إلَّا في الدَّار الآخرة إنْ شَاءَ اللهُ. ثمّ قال لي: كُنْتُ قد عزمْتُ على أنِّي لا أخْرُجِ وأنْ أصُوم السِّتَّة أيَّام أُتْبع شَهْر رَمَضَان، وما كُنْتُ فَعَلْتُ هذا قبل ذلك لأنَّ مَذْهَبي -وهو مَذْهَب أبي حَنِيْفَة ﵁ أنَّهُ يُكْره صَوْمُها مُتَتابِعًا، فرَأيْتُ الشَّيْخَ أبا الحَسَن الفَاسِيَّ في المَنَامِ، وقال: لأيِّ شيءٍ رجَعْتَ عن مَذْهَبك وعَادَتكَ، قُمْ فاخْرُج إلى النَّاسِ، فقُمْتُ وخَرَجْتُ لمَّا سَمِعْتُ ضَرْبَكَ الباب. قال لي عَمِّي أبو غَانِم: سَمِعْتُ الشَّيْخ رَبِيْع يَقُول: رَأيْتُ الشَّيْخ أبا زَكَرِيَّاء ﵀ في المَنَامِ، فقال لي: يا رَبِيْع، أوَّل مَنْ يَمُوت منَّا: أنا، ثُمَّ الشَّيْخِ عليّ الفَاسِيّ، ثمّ أنْتَ! فَمَضَى لذلك قليل فمَاتَ الشَّيْخ أبو زَكَرِيَّاء، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخ رَبِيْع قَدِمَ حلَبَ فوَجَد الشَّيْخ أبا الحَسَن مَرِيْضًا، فكان يقُول له: يا شَيْخِ، مُتْ حتَّى أمُوتَ أنا، فبَقِي الشَّيْخ عليّ بعد ذلك مُدَّةً ثمّ ماتَ بحَلَب، ثمّ ماتَ بعدَهُ الشَّيْخ رَبِيْع بعد مُدَّةٍ قريبةٍ بالبَيْت المُقَدَّس، رَحِمَهُم اللهُ تعالى. حدَّثني عَمِّي أبو المَعَالِي عبد الصَّمَد بن هِبَةِ الله بن أبي جَرَادَة، وكان قد حَجَّ سَنَة إحْدَى وستِّمائة، قال: لمَّا وَصَلْتُ مَكَّةَ، حَرَسَها اللهُ، وجَدْتُ الشَّيْخ رَبِيْع في أواخر مَرض أشْفَى فيه على المَوْت، وأيس منهُ أصْحَابه، فرآهم مُنْزعجين بسَبَبهِ، وبَكوا حَوْله، فقال لهم: لا تشغلُوا قُلُوبكم فإنِّي لا أمُوت إلَّا في البَيْت المُقَدَّس، فلمَّا قَضَيْنا حَجَّنا، وكُنْتُ قد حَجَجْتُ على العِرَاق، عَرضْتُ على الشَّيْخ رَبِيْع أنْ أحْملَهُ إلى الشَّام، وعُدْتُ على طَرِيق أَيْلَة، وكان أكْثَر رَغْبتي في العَوْد على طَرِيق أَيْلَة صُحْبَة الشَّيْخ رَبِيْع، فصَحِبْتُه، وأصَابَهُ الذَّرَبُ، وقَوِيَ عليه في الطَّريق، وجِئْنا إلى عَقَبَةِ أَيْلَة؛ وهي عَقَبةٌ مُشقّةٌ لا يَرْكب فيها أحدٌ، فلَم يمُكن الشَّيْخ رَبِيْع النُّزُول، وصَعدَ رَاكبًا على الجَمَل، والجَمَل الّذي تَحْته في العَقَبَة يَصْعَدُ به كأنَّه يَمْشِي في أرْضٍ سَهْلَةٍ! قال: ووَصَلْنا إلى قَبْر الخَلِيل ﵇ وزُرْناهُ، ووَصَلْنا إلى البَيْت المُقَدَّسِ، واشْتَدَّ بهِ المَرَضُ وفَارقْتُه منه، فلمَّا وَصَلْتُ دِمَشْق وَصَلَني خَبَرُ وَفَاتهِ أنَّهُ تُوفِّي بالبَيْت المُقَدَّس في أواخر صَفَر أو أوَائل شَهْر رَبِيْع من سَنَة اثْنَتَيْن وستِّمائة. قال لي عَمِّي أبو غَانِم: وبَلَغَني أنَّ الشَّيْخ رَبِيْع أوْصَى بأنْ يَتَولَّى غَسْله عليّ بن السَّلَّار، وكان ابن السَّلَّار بدِمَشْق، فتعَجَّب أصْحَابُه، وقالُوا: ابن السَّلَّار بدِمَشْق، فكيف يُغَسِّلُه!؟ فبينا هُم على ذلك وَصَلَ ابن السَّلَّار من دِمَشْق قُبَيْل مَوْته، فوَليَ غسْلهُ. قال: ولمَّا احْتضر خَرَج أصْحَابُه من عنده فسَمعُوه من دَاخِل وهو يَقُول بانْزِعاجٍ: ألمِثْلي يُقال هذا، أَلمِثْلي يُقَال هذا؟ ثُمَّ سَكَت، ثُمَّ قال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (¬١)، فدَخَلُوا إليه، فوَجَدُوهُ قد قَضَى نَحْبَهُ. وقال لي الأَمِير عليّ بن سُلَيمان بن أَيْدَاش بن السَّلَّار، أمير الحَاجِّ الشَّامِيِّ: أوْصىَ الشَّيْخ رَبِيْع إليَّ في غَسْله وتَجْهيزه ودَفْنه، وكُنْتُ بدِمَشْق ولَمِ أعْلَم بذلك، فبَلَغَني خَبْرُ وُصُوله إلى البَيْت المُقَدَّس، فعَزَمْتُ على قَصْدِه، وجذَبني إليه جَاذِبٌ، فرَكِبتُ من دِمَشْق إلى البَيْت المُقَدَّس، واجْتَهدتُ في السَّيْر -وأظُنُّه قال لي: وَصَلْتُ في ثلاثة أيَّام- فلَحقْتُه قَبْل أنْ يَمُوت، فتَوَلَّيْتُ غَسْلَه وتَجْهيزَهُ ودَفْنَهُ، ﵀. أخْبَرَني الشَّيْخ أبو القَاسِم الإسْعِرْديّ بالمُنْحَنَى في طَرِيق الحَجِّ، وكان حَجَّ في الِسَّنَةِ التّي حَجَجْتُ فيها على طَرِيق تَبُوك في سَنَةِ ثَلاثٍ وعشرِين وستِّمائة، وكان رَجُلًا صَالِحًا خِيَارًا، قد صَحِبَ المَشَايخ، وتَأدَّب بهم، وجَاورَ بالبَيْت المُقَدَّس مُدَّة، وكان له زَاويَة بالحَرَمِ ممَّا يلي باب الرَّحْمَةِ، قال: دَخَلَ الشَّيْخُ رَبِيْع البَيْتَ المُقَدَّس وهو مَرِيْضٌ، وقَوِي مَرَضُه، فسَألْنَاهُ مَن يُغَسِّلهُ؟ فقال لنا: السَّاعَة يَقْدم من دِمَشْق مَنْ يتولَّى ذلك! فقَدِمَ هذا شُجاع الدِّين عليّ بن سُلَيمان بن السَّلَّار أمير الحَاجّ، وأشَار إليهِ. قال أبو القَاسِم: وسَمِعْتُه يقُول وَقْت مَوْتهِ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (¬١). قُلتُ: ودُفِنَ بمَقْبَرَة البَيْت المُقَدَّس الغَرْبيَّة المَعْروفة بمَامِلَّى، وزُرْتُ قَبْره مِرَارًا عندَ مُرُوري بالبَيْت المُقَدَّس، وقَبْره ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ في تُرْبَةٍ فيها جَماعةٌ من الصَّالِحين، ﵀.
Parsing and provenance details
Local passage ID
885554
Book record
shamela-1160
Source record
974630
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain
ربيع بن محمود بن هبة الله، أبو الفضل المارديني — shamela-1160 · Hadith Research Library