page 4414, entry [1491]Open original source
دُبَيْسُ بن صَدَقَة بن مَنْصُور بن دُبَيْس بن عليّ بن مَزْيَد بن مَرْثَد بن زَنْجِي بن رَيَّان (a) بن عَدَنِيّ بن عَذَوَّر (b) - وقيل: رَيَّان بن عَذَوَّر بن عَدِيّ (c)- ابن جِلْد بن حَيّ بن عَمْرو بن أبي المظْفَارِ مَالِك بن عَوْف بن مُعاوِيَة بن كِسْر بن نَاشِرَة بن سَعْد بن سُوَاءَةَ بن مَالِك بن سَعْد بن ثَعْلَبَة بن ذُوْدَان بن أسَد بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكَة بن إلْيَاس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدْنَان، الأَميرُ أبو الأَغرّ ابن الأَمير سَيْف الدَّوْلَة صَدَقَة ابن الأَمِير بَهَاءِ الدَّوْلَة مَنْصُور ابن الأمِير أبي الأَغرّ دُبَيْس ابن الأَمير سَنَد الدَّوْلَة عليّ الأسَدِيّ، صاحِب الحِلَّة المَزْيَدَيَّة (¬١) هَكَذَا ذكَرَ نَسَبَهُ أبو السَّعَادَاتِ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن، فيما أخْبَرَنا به أبو العبَّاس أحْمَد بن عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيّ، إجَازَةً عنهُ؛ ذكَرَهُ في شَرْح المقامات (¬١). وذَكَرَ الأَبِيْوَرْدِيّ أنَّهُ أبو الأَغرّ دُبَيْس مَلِكُ العَرَب ابن سَيْفِ الدَّوْلَة صَدَقَة بن مَنْصُور بَهَاء الدَّوْلَةِ ابن دُبَيْس نُوْر الدَّوْلَة ابن عليّ الأَمِير ابن مَزْيَد الأَمِير ابن مَرْثَد الأَمِير ابن الرَّيَّان بن عَدَنِيّ بن خَالِد بن مَالِك بن حَيّ بن عُبَادَة بن مَالِك بن عَوْف بن مُعاوِيَة بن كِسْر بن نَاشِرَة بن نَصْرِ بن سُوَاءَة بن مَالِك بن مَالك (a) بن ثَعْلَبَة بن ذُوْدَان بن أسَد بن خُزَيْمَة. قَدِمَ حلَبَ، ونَزَلَ على ظَاهِرها في نصْف شَعْبان سَنَة ثَمان عَشرة وخَمْسِمائَة، وحَاصَرها مع إبْراهيم ابن المَلِك رِضْوَان، ومع الملك بَغْدَوين الرُّوَيْس الفِرِنْجيّ فطَالَ حِصَارهم لها، واجْتَمَع عليها ثلاثُ رَاياتٍ لهؤلاء المُلُوك الثَّلاثة إلى أنْ تَدَاركها الله بآقْ سُنْقُر البُرْسُقِيّ، فوَصَل إلى حَلَب، ورَحَلوا عنها. وقَدِمَ دُبَيْس مرَّةً ثانيَةً إلى حَلَب حين أُسِرَ بنوَاحي صَرْخَد؛ أسَرَهُ ابنُ طُغْتِكِين فبَاعَهُ علِى زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر صَاحِب حَلَب بخَمْسِين ألف دِيْنار، وخَافَ من زَنْكِي، فلمَّا وَصَلَ إلَى حَلَب أطْلَقَهُ وأكْرَمَهُ واحْتَرَمَهُ، وأنْزَله في دار لاجِيْن بحَلَبَ، وأعْطَاهُ مائة ألف دِيْنارٍ، وخلَع عليه خِلَعًا سَنيَّة. فأمَّا مُنَازَلة دُبَيْس حَلَب، فكان سَبَبُها أنّ دُبَيْسًا نَهب بَلَد بَغْدَاد في سَنَة أرْبَع عَشرة وخَمْسِمائَة، وسَارَ بنفْسه إلى بَغْدَاد، وضَرَبَ خِيَمَهُ بإزاء دَار الخَلِيفَة المُسْتَرْشِد، وأظْهَرَ ما فىِ نَفْسه منه، وتهدَّد المُسْتَرْشِد، وذَكَرَ له أنَّهُ طِيْفَ برَأسِ أبيهِ صَدَقَة، فأنْفَذَ المُسْتَرْشِد إليه شَيْخ الشُّيُوخ إسْمَاعِيْل برسالةٍ ضَمِنَ فيها أنْ يُصْلح بينَهُ وبين السُّلْطان مَحْمُود، فكَفَّ عن الأذَى، وسارَ إلى الحِلَّة في رَجَب. ووَصَل السُّلْطان مَحْمُود إلى بَغْدَاد، فأَنْفَذَ دُبَيْس زوجَتَهُ بنت عَميدِ الدَّوْلَة ابن جَهِيْر ومعها أمْوَالٌ عَظِيمَة وهَدَايا سَنِيَّة، وسَألَ العَفْو، فأجَابَهُ السُّلْطانُ إلى ذلك على قَاعدةٍ لَم يَرْضَ بها، ولَم يُجب إليها، ثمّ إنَّهُ نَهَب جَشِيْر (¬١) السُّلْطان، فسَارَ السُّلْطانُ إلى الحِلَّة لمُحَارَبتهِ، فأرْسَل دُبَيْسٌ نِسَاءَهُ وأمْوَالهُ على البَطائِح، وسَارَ إلى إيلْغَازِي بن أُرْتُق، والْتَجَأ إليه، وأقامَ إلى سَنَة خَمْس عَشرة وخَمْسِمائَة. ووَصَل السُّلْطان إلى الحِلَّة ولم يَرَ بها أحدًا، فعادَ وعاد دُبَيْس من مُسْتَقرِّه عند إيلْغَازِي إلى الحِلَّة، ودَخَلَها ومَلَكها. وسَيَّر دُبَيْس إلى المُسْتَرشِدِ والسُّلْطانِ يَعْتَذر إليهما، فلَم يَقْبلا عُذْرَهُ، وسَيَّرا عَسْكَرًا عَظيْمًا إليه، ففَارَق الحِلَّة وقَصَد الأزيْزَ (¬٢)، فوَصَل العَسْكَر الحِلَّة، وحَفظُوا الطَّريق على دُبَيْس، فسَيَّرَ إلى مُقَدَّمِ العَسْكَر يَرَنْقُش (a) يَسْتَعْطفُهُ، وشَرَط أنْ يُنْفِذ أخَاهُ مَنْصُورًا على سَبِيْل الرَّهْن ويَدْخُل في الطَّاعَة فأجابَهُ، وعادَ بالعَسْكَر في سَنَة ستّ عَشْرة. وكان دُبَيْس قد تزوَّج ببنْتِ إيلْغَازِي بمَارِدِين حين كان بها، وحَمَلَها إلى الحِلَّةِ، فسَيَّرَ المُسْتَرْشِد إلى إيلْغَازِي يأمُره بفَسْخِ نكَاح ابْنته من دُبَيْس، وذَكرَ أنَّهُ كان لها زَوْج من السَّلْجُوقِيَّةِ، وقد دَخَل بها، فقبضَ عليه السُّلْطان واعْتَقَلَهُ. وكان الرَّسُول إلى إيلْغَازِي القَاضِي الهِيْتِيّ، فعَرَّفَهُ أنَّ النِّكَاح فَاسِدٌ فأجابَهُ بجَوَابٍ أرْضَاهُ. وأمَّا دُبَيْس؛ فكاتَبَ المُسْتَرْشِد يَسْتَميله، فَعِلمَ أنَّ ذلك خَدِيعَة، وكان السُّلْطان ببَغْدَاد، فحَثَّهُ المُسْتَرْشدُ على قِتَال دُبَيْس، فسَيَّرَ إليه جَيْشًا، فأحْرَق دَار أبيهِ بالحِلَّة، وخَرَجَ منها إلى النِّيْل فأخَذَ ما فيها من المِيْرَة، ودَخَلَ الأزيْز، فدخَل العَسْكَر الحِلَّة، فرأوهَا خَاليةً، فقَصَدُوه إلى الأزِيْز وحَصَرُوه، فسَيَّر أخاهُ مَنْصُور إلى خِدْمَة السُّلْطان، وخَرَجِ بعَسْكَره ووَقَف بإزاءِ العَسْكَر وتحَالَفَ العَسْكَران، وعاد عَسْكَر بَغْدَاد ومعهم منْصُور. ثُمَّ إنَّ دُبَيْسَ واقَع آقْ سُنْقُر البُرْسُقِيّ على الفُرَات، فهَزَم البُرْسُقِيّ، وتَبعَهُ إلى بَغْدَاد، وسَألَ المُسْتَرْشِد الأمَانَ وأنْ يكُون على الطَّاعَة بشَرْط القَبْض على الوَزِير أبي عليّ بن صَدَقَة، فقبض عليه. وسَمِعَ السُّلْطان مَحْمُود بالوَقْعَة معِ البُرْسُقِيّ، فقَبَضَ على مَنْصُور ووَلده وحَبَسَهما ببعض القِلَاع، فجَزَّ دُبَيْسٌ شَعرَهُ ولبسَ السَّوَاد، وآذَى الرَّعِيَّة، ونَهَبَ البِلادَ، وأغارَ على كُلِّ ما كان للمُسْتَرْشِدِ، فأمَرَ المُسْتَرْشِد العَسْكَر بالخُرُوج، وخَرَجَ بنفْسه، وعبَّأ البُرْسُقِيّ عَسْكَر بَغْدَاد، ووَقَفَ المُسْتَرْشِد، ورَاءه وبينَ يَدَيْهِ الدُّعَاةُ والمُقْرِئُونَ، وبين يَدي دُبَيْس الإمَاءُ والمَخَانِيْثُ بالدُّفُوف والمَلَاهي، فحَمَلَ العَسْكَر الدُّبَيْسيُّ على عَسْكَر الخَلِيفَة فكَشَفَهُ مَرَّتَين، فحَمَل زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر فهَزَم عَسْكَر دُبَيْس، وأسَرَ أميرَيْن من عَسْكَره، وانْهَزَم دُبَيْس بعَسْكَره وألْقَوا أنْفُسَهم في الماء، وكان ما نَذْكُره. ودَخَلَ المُسْتَرْشِد ظَافِرًا يَوْم عَاشُوْراء، وطَلَب دُبَيْس غَزِيَّة والمُنْتَفِق (¬١)، واتَّفق معهم، وتَوَجَّه إلى البَصْرَة، فدَخَلَها وقَتَلَ أميرها، ثمّ خافَ فخَرَجِ عنها وسار على البَرِّيَّة، وحَمل ما قَدر عليه من أمْوَالهِ، ووَفَدَ على مَالِك بن سَالِم بن مَالِك بقَلْعَة جَعْبَر فاسْتَجَارَ به، فأجَارَهُ وقَبِلَهُ، وأغْضَبَ المُسْتَرْشِدَ والسُّلْطان (¬٢). ثُمَّ إنَّ دُبَيْسًا صَادَقَ جُوسْلِين وبَغْدَوين الفِرِنْجيَّيْن وصَافَاهمُا بوَسَاطَة مَالك له معهما، واتَّفق مع الفِرِنْجِ على حِصَار حَلَب، وكاتَبَ قَوْمًا من أهْلِ حَلَبَ، وأنْفَذَ لهم جُمْلَةَ دَنَانِيْر، وسَامَهُم تَسْليمها إليه، فكشَفَ ذلك رَئيسُها أبو الفَضائِل بن بَدِيْع، فأَطْلعَ عليه تَمُرْتاش بن إيلْغَازِي صَاحِب حَلَب، فأخَذَهُم وعذَّبَهم كُلّ عَذَابٍ أمْكَنَهُ، وشَنَق بعضَهم، وصَادَرَ بعضًا، وأحْرَق بعضًا. وطَمع دُبَيْس بحَلَب لغَيْبَة تَمُرْتاش بمَارِدِين، واشْتِغَاله بمَمْلَكتها، بعد أنْ خَرَج تَمُرْتاش من حَلَب في الخامِس والعشْرين من رَجَب سَنَة ثَمان عَشرة وخَمْسِمائَة، وأخْرَج بَغْدَوين من السِّجْن، وقرَّر عليه ثَمانين ألف دِيْنار، وأنْ يُسَلِّم قَلْعَة عَزَاز (a) إليه، وحَلَّفَهُ على ذلك، ورَهَن جَمَاعَةً من الفِرِنْج اثْنَى عَشر نَفْسًا أحدهم ابن الجُوسْلِين، وعَجَّل من المال عِشْرين ألف دِيْنار، فلمَّا أنْ خَرَجَ، غَدَر ونَكَثَ، وعَزَم على قَصْد حَلَب وحِصَارها، ورَحَلَ إلى نَهْر قُوَيْق وأفْسَد كُلّ ما عليه، وضَايَق حَلَب، وكان دُبَيْس قد مَضَى إلى تَلّ بَاشِر إلى الجُوسْلِين، فبَرَزا من تَلّ بَاشِر، وقَصَدَا ناحيَة الوَادِي وأفْسَدا كُلّ ما فيه بما قِيْمتُه مائة ألف دِيْنارٍ. وأخْبَرَني وَالدِي، ﵀، عن أَبِيهِ أنَّ دُبَيْسَ بن صَدَقَة عَاهَد الفِرِنْج على أنَّهُم يُحاصرُونَ حَلَب، وتكون الأنْفُس والأمْوَال للفِرِنْج، والبِلاد لدُبَيْس. قال لي وَالدِي عن أبيهِ: ولمَّا طَالَ الحِصَار بهم، وقلَّت أزْوَادهم، وَقَع فيهم المَرَض، فكان يَمُرّ المارُّ في الأسْوَاق فيجد المَرْضَى على الدَّكَاكيْن، فإذا قَارَب الفِرِنْج والعَسْكَر البَلَد لقِتَال ووَقَع الصَّائح، قَامَ المَرْضَى مع شِدَّة مَرضهم وقَاتلُوا أشَدَّ قِتَالٍ وردُّوا العَدُوّ. قال لي وَالدِي: وبَلَغَني أنَّ عَوَامَّ حَلَب كانوا يَصْعدُون أسْوارَ المَدِينَة عند حِصَار دُبَيْسٍ ويَضْربُون بطَبْلٍ صَغِير ويَصِيحُون: يا دُبَيْس، يا نُحَيْس! وتوجَّه جَدُّ أبي القَاضِي أبو غَانِم والشَّريفُ النَّقِيْب وابن الجِلِّيّ يَسْتَغيثُون إلى تَمُرْتاش فما أغَاثَهُم، فهَرَبُوِا إلى المَوْصِل من مَارِدِين، وحَضَرُوا عند البُرْسُقِيّ، وطَلَبُوا مَعُونتهم فأجَابَهم، ووَصَل إلى حَلَب، ورَحلَّهم عنها، وقد ذَكَرْنا ذلك في تَرْجَمَةِ البُرْسُقيِّ (¬١). ثُمَّ إنَّ دُبَيْسًا مَضَى إلى سَنْجَر السُّلْطان، فسَلَّمَهُ سَنْجَر إلى السُّلْطان مَحْمُود في سَنَة ثَلاثٍ وعشرين (b)، وأوْصَاهُ به، فأخَذَهُ صُحْبتَه، فأخَذ دُبَيْس ولدَه، في السَّنَة المَذْكُورَة حين مرضَ السُّلْطان مَحْمُود، وسَارَ إلى العِرَاق، وكان مُجَاهِد الدِّين قد أُقْطِعَ الحِلَّة مُضافَةً إلى شِحْنَكِيَّة بَغْدَاد، فلمَّا سَمِعَ بِهْرُوز نَائبه بحَركَةَ دُبَيْسٍ هَرَبَ عن الحِلَّةِ، فدخلَها دُبَيْس في شَهْر رَمَضَان، وقَصَدَ عَسْكَر المُسْتَرْشِد، وسَارَ مَحْمُود إلى العِرَاق وقد عُوفي لأجل قِتَال دُبَيْس، ففَارَق دُبَيْس العِرَاق، وقَصَدَ البَصْرَةَ ومعه جَمْعٌ كَثِيْرٌ فاسْتَوْلَى على البَصْرَة، فأَنْفَذَ السُّلْطانُ مَحْمُود إليه عَسْكَرًا ففَارَق البَصْرَة، وطَلَبَ البَرِّيَّة، ووَصَلَ بعد ذلك إلى الشَّام خَوْفًا من أنْ يُسَلِّمُوه إلى المُسْتَرْشِد، فوَصَلَ إلى أرض سَرْمِيْن هَارِبًا على نَجَائب في نَفَرٍ يَسِيْر، فالْتَجأ إلى الفِرِنْج فأكْرَمُوه، وانْقَلَبَ إلى عَزَاز، واجْتَمَع بجُوسْلِين، وكان صَدِيْقَهُ، فأكْرَمهُ ودفعَهُ عند هَرَبهِ إلى قَلْعَة ابن مَالِك. وسَيَّرَت صَاحِبَةُ قَلْعَة صَلْخَد بعد فَقْد زَوْجها إلى الأَمِير دُبَيْس تَطْلبهُ لتتَزَوَّجَهُ (¬١)، فسَارَ نحو حِلَّة مِرَى بن رَبِيْعَة، ثُمَّ إنَّها تزوَّجَت أمِيْنَ الدَّولَةِ صَاحِب بُصْرَى، وسار دُبَيْس للأمْر الّذي طلبَتْهُ، فوَجَدَ الأمر بخلاف ذلك، فنَزَلَ بحِلَّة أخي مِرَى، وكان بدِمَشْقَ عند تاج المُلُوك فوَصَلَ إليه رَسُول نَائبهِ بالحِلَّة يُخْبرُه بدُبَيْس، وكانت الحِلَّةُ (a) نازلةً بمَوضِعٍ اسْمُه قُصَم (¬٢)، فسَألَهُ تاج المُلُوك فأعْلَمَهُ، فقال: تَخرُج (b) إليه السَّاعَة وتَشْغله عن المَسِيْر بحُجَّةِ الضِّيَافَة، فخَرَجَ إليه وشَغَلَهُ بالضِّيَافَة، ووَصَلَ عَسْكَر دِمَشْق فقَبضُوه وكُلّ مَنْ معه، فسَيَّر زَنْكِي وطَلَبه، فسُيِّرَ إليه إلى حَلَب. وقَرأتُ بخَطِّ الوَزِير جَمال الدِّين عَبْد الوَاحِد بن مَسْعُود بن الحُصَيْن (¬٣)، وأنْبَأنَا به إجَازَةً عنه أبو عَبْد اللهِ مُحَمَّد بن مَحْمُود بن النَّجَّار، قال: في سَنَة أرْبَعٍ وعشرين وخَمْسِمائَة وُجِدَ دُبَيْس بن صَدَقَة ضَالًّا بحِلَّةِ حَسَّان بن مَكْتُوم بأعْمَال صَرْخَد، فأسَرَهُ ابنُ طُغْتِدْكِيْن (¬١) صَاحِب دِمَشْق، وباعَهُ على زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر صَاحِب حَلَب بخَمْسِين أَلف دِيْنار، وكان زَنْكِي عَدُوّه فما شَكَّ دُبَيْس أنَّهُ ابْتَاعه ليُهْلكَهُ، فلمَّا حَصَل دُبَيْس في قَبْضَة زَنْكِي، أكْرَمَهُ وخَوَّله وأطْلَقَهُ، ورُوْسِل زَنْكِي من دَار الخِلَافَة بتَسْليم دُبَيْس، فقُبِضَ على الرَّسُول وهو سَدِيْدُ الدَّوْلَةِ مُحَمَّد بن عَبْد الكَريم الأنْبارِيّ كاتب الإنْشَاء. وقيل: بأنَّ زَنْكِي اشْتَرَاهُ بمائة ألف دِيْنار، على ما سَنَذكرُه إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى. أخْبَرَنا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ إجَازَةً، عن الأُسْتَاذ مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميِّ (¬٢)، ونَقَلْتُه من خَطِّ العُظَيْميّ، قال: وفي هذه السَّنَة -يعني: سَنَة أرْبَع عَشرة وخَمْسِمائَة- أظْهَرَ العِصْيَان دُبَيْس بن صَدَقَة الأسَدِيّ مَلِكُ العَرَب على الخَلِيفَة المُسْتَرْشِدِ بالله ببَغْدَاد، وعلى السُّلْطان مَحْمُود، فسَارَ إليه مَحْمُود وكَسَرَهُ ونَهَبَ الحِلَّة، وهربَ دُبَيْس إلى الشَّامِ، فأجارَهُ شِهَاب الدِّين ابن مَالِك بالدَّوْسرِيَّة (¬٣)، وأكْرَمَهُ، وسَيَّرَهُ إلى نَجْم الدِّين ابن أُرْتُق إلى مَارِدِين، فأكْرَمهُ وصَارت بينهما زِيْجَةٌ، وأعادَهُ إلى الحِلَّةِ. وقال (¬١): وفي جُمَادَى الأُوْلَى -يعني: من سَنَة خَمْس عَشرة- كانت كَسْرَة المُسْلمِيْن ببلاد الكُرْج، وذلك أنَّ دَاوُد مَلِك الكُرْج كان قد ظَهَرَ على المَلِك طُغْرِل من الدُّرُوب، فاسْتَنْجَدَ بنجْم الدِّين ابن أُرْتُق وجُمُوع التُّرْكُمان، وصُحْبَتهُم دُبَيْس بن صَدَقَة بن مَزْيَد، فانْكَفَت الكُرْج في الدُّرُوب الضَّيِّقة، وتَبِعَهم خَلْقٌ من المُسْلمِيْن، فأخَذَ الكُرْج عليهم الدُّرُوب ورَضَخُوهم بالصَّخْر، فانْكَسَرُوا (¬٢). قال العُظَيْميّ (¬٣): وفي يَوْم الأرْبَعَاء سادس عَشر جُمَادَى الآخرة -يعني: من سَنَة ثَماني عَشْرة وخَمْسِمائَة- عَبَرَ الأَمِير دُبَيْس بن صَدَقَة بن مَزْيَد من قلْعَة مَنْبِج ونَزَل بِظَاهِر مَنْبِجِ، وكان له عَمَلٌ في حَلَب ومُكَاتَبة، فانْكَشَفتْ على يد فَضَائِل بن صَاعِد بن بَدِيْع، وقَتَلَ بعضَ القَوْم، ونَفَى بعضًا، وكان بها التَمُرْتاشُ حُسَام الدِّين ابن نَجْم الدِّين إيلْغَازِي بن أُرْتُق. قال (¬٤): وفي يَوْم الجُمُعَة سَابِع عَشر رَجَب، كان خَلَاصُ البَغْدَوين -يعني: مَلِك الفِرِنْج- من شَيْزَر، وكان اسْتَقرَّ عليه ثَمانُون ألف دِيْنار وقَلْعَة عَزَاز، وحَلَفَ على ذلك، ورَهَنَ جَمَاعَةً من الفِرِنْج؛ اثْنى عَشر نَفْسًا أَحَدهم (a) ابن الجُوسْلِين، وعَجَّل من المالِ عشرين ألفَ دِيْنار، فما هو إلَّا أنْ خَرَجَ حتَّى غَدَرَ ونَكَثَ، ونفَّذَ يَعْتَذرُ إلى الأَمِير حُسَام الدِّين ابن نَجْم الدِّين بأنَّ البَطريرك لَم يُوَافقْهُ على تَسْليم عَزَاز، وأنَّ خَطِيْئَة اليَمِيْن تَلْزَمُه، وترَدَّدت الرُّسُل بينَهُم إلى يَوْم الأَحَد ثَامن عَشر شَعْبان، وعَادت بنقْض الهُدْنَة. وخَرَجَ المَلِكُ إلى أرْتَاح وعَزْمُهُ على حَلَب، فخَرَجَ التَمُرْتاش منِ حَلَب بتاريخ الخَامِس والعشْرِين من رَجب نحو مَارِدِين، ووَعَدَ بجَمْع العَسَاكِر، ورَحَل بَغْدَوين من أَرْتاح إلى نَهْر قُوَيْق، وأفْسَد كُلّ ما عليه، وضَايَق حَلَب؛ فاجْتَمَع على باب حَلَب ثلاثة ألْوِيَة: لِوَاءُ المَلِك إبْراهيم بن رِضْوَان، ولِوَاءُ الأَمِير دُبَيْس بن صَدَقَة، ولِوَاءُ المَلِك بَغْدَوين. وكان الجُوسْلِين ودُبَيْس قد بَرَزا من تَلّ بَاشِر، وقَصَدَا ناحية الوَادِي، وأفْسَدَا كُلّ ما فيه ما قِيْمَتُه مائة ألف دِيْنار، ثمّ نَزَلا على باب حَلَب، وكان نُزُولهم على حَلَب على مضيّ سَاعةٍ وكسر من نَهَار يَوْم الاثْنَين سَادس عشرين شَعْبان، والطَّالعِ من العَقْرَب عَشر درج، والمرِّيْخ في الطَّالع في دَرجةٍ واحدةٍ، وقَبْل نُزُولهم بسَاعتَيْن عند اتِّسَاعِ الفَجْر انْفَتَح من السَّماء من نحو المَشْرِق بابٌ من نُور، ودَامَ حتَّى هَالَ النَّاس، ولمَّا كان في اليَوْم الثَّاني في ذلك الوَقْت، عاد انْفَتَح ذلك البَاب، ولكن كان أضْيَق من الأوَّل، وخَرَجَ منه شيءٌ كاللِّسَانِ، يَنْعَطف ويتطوَّق. ونَزَل الفِرِنْج غَرْبيّ البَلَد وغَرْبي قُوَيْق، ومعهم عليّ بن سَالِم بن مَالِك، وصَاحِب بَالِس أخو بَدْر الدَّوْلَة، فقَطَعُوا الشَّجَر، وأخْرَبُوا المَشَاهِد الظَّاهِرَة، وكان عدد الخِيَم ثَلاثمائة خَيْمَة؛ مائة للمُسْلِمين، ونَبَشَ الفِرِنْج القُبُور وأخْرَجُوا (a) المَوْتى بأكْفَانهم، وعَمَدُوا إلى مَنْ كان طَرِيًّا فشَدُّوا الحِبَال في أرْجُلهم وسَحَبُوهم مُقَابل المُسْلمِيْن. أخْبَرَني القَاضِي عِزّ الدِّين أبو عليّ حَسَن بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل القِيْلَويّ، قال: حَدَّثَني وَالدِي، قال: أخْبَرَني الشَّيْخُ أبو سَعْد بن النُّعْمانيّ، قال: كان المُسْتَرْشِدُ قد جَمَعَ أرْبَابَ دَوْلته وسَيَّرَهُم في الصُّلْح بينَهُ وبين دُبَيْس، واتَّفَق أنَّ ابنَ العُوْدِيّ الشَّاعِر دَخَلَ على دُبَيْس في ذلك اليَوْم، وكُنْتُ حَاضِرًا المَجْلِس، فأنْشَدَهُ قَصِيدَةً أوَّلُها: [من الرجز] جَدُّكَ يا تاجَ المُلُوك قد عَلَا حتَّى بَلَغ إلى قَوْله: دُوْنَكَ صِفِّيْن فهَذي قد أتَتْ … آل زِيَادٍ والحُقُوقُ تُقْتَضَى قال: فتَغَيَّرت وُجُوه الجَمَاعَة أصْحَابِ المُسْتَرْشِدِ، وتَغَيَّر وَجْهُ دُبَيْسٍ، وأمَرَ بصَفْعِه فصُفِعَ، وأُخْرِج من بينَ يَدَيْهِ وحُبِسَ، وَأمَرَ بالجَمَاعَة فأُنْزلوا في الدُّور، وأُكْرِمُوا غَايةَ الإكْرَام، وحُمِلَ إليهم كُلّ ما يَحْتاجُونَ إليه، فلمَّا أتَى اللَّيْل، أخْرَجَهُ من الحَبْس خْلوةً، وقال له: وَيْحَكَ! أنا قد اجْتَهدتُ حتَّى يَنْتَظم الصُّلْحُ بيني وبين الخَلِيفَة، وقد أرْسَلَ أرْبَابَ دَوْلَته لإتْمامِ هذا الأمْر، فجئتَ أنْتَ وقُلْتَ ما قُلْتَ لتُفْسد الحال! فأنْشَدَهُ: [من الوافر] هُمُ زَرَعُوا العَدَاوَةَ لا لجُرْمٍ … فدُوْنَكَ واصْطَلِمْهُمْ بالحَصَادِ ولا ترهَبْ قَعَاقِعَهُم فلَيْسَت … قَعَاقِعُهُمْ سِوَى لبْسِ السَّوَادِ إذا لَمْ تَشْفِ في الدُّنْيا غَلِيْلًا … فَتَذْخَرَهُ إلى يَوْمِ المَعَادِ فقال: أنْشِدْني بَقِيَّة القَصِيدَة، فأنْشَدَهُ: [من الرجز] فهذِهِ يا ذَا الفَخَار دُوَلٌ … يَنْزِعُها اللهُ إلى حَيْثُ يَشَا فانْتَهزِ الفُرْصَةَ قَبْلَ فَوْتِها … ونَادِ بالثَّأرِ فَقَد آنَ النِّدَا ولا تكُن في النَّائِباتِ هَلِعًا … ولا جَبَانًا ذَرِعًا يَخْشَى الوَغَى إمَّا يُقَالُ أدرَكَ العِزَّ الّذي … ما مِثْلُهُ أو خَانَهُ صَرْفُ الرَّدَى فالدَّاءُ لو يَحْسِمُهُ صَاحِبُهُ … إذا بَدَا أغْنَاهُ عن شُرْب الدَّوَا فهَل تُرَى السُّلْطانَ إلَّا رَجُلًا … يُدْرِكُهُ المَوْتُ ويُرْدِيهِ البَلَى لَحْمٌ وعَظْمٌ ودَمٌ مُرَكَّبٌ … في صُوْرةٍ كبعضِ أبْنَاءِ الوَرَى تُنِتنُهُ العَرْقَةُ أو تُؤلمُهُ … في قَرْصِها البَقَّةُ شَاءَ أو أبَى لا يَسْتَطِيعُ مَعْ حِمَى سُلْطانِهِ … دَفْعَ الأذَى عَنهُ إذا هَمَّ القَضَا فَهْوَ وإنْ عَزَّ حِمَى سُلْطانِهِ … يَخْشَى المَنَايا في الصَّبَاحِ والمَسَا قال: فأمَرَ له بمائة دِيْنارٍ، وصَرَفَهُ في تلك اللَّيْلةِ إلى بَلْدَةِ النِّيْل. وجَرَت بين دُبَيْسٍ والرُّسُل أرْبَابِ دَوْلةِ المُسْتَرْشِد مُقَاولاتٌ، واحْتَجُّوا بمُرَاجَعة الخَلِيفَة في ذلك، ومَضَوا ولَم تُقْضَ لهم حاجَةٌ. وخَرَج المُسْتَرْشِد بعد ذلك لقِتالِ دُبَيْس في سَنَة ستّ عَشْرة، ولَم يَنْتَظم بينَهُ وبين دُبَيْس صُلْح، وخَرَج دُبَيْسٌ بأصْحَابهِ إلى لقائهِ، فنَزَلَ على شَطِّ النِّيْل تحت مُطَيْر آبَاذ، وأتاهُ الخَلِيفَة من جَانب البَرِّيَّةِ وأقامَ المَصَافَّ، فكانت الكَسْرَة على أصْحَاب دُبَيْسٍ، فما نَجَا منهم إلَّا القليل، وقُتِلَ البَعْضُ، وغَرِقَ البَاقُونَ في الماء، ونَجَا بحُشَاشَة نَفْسه، ووَصَلَ إِلى فَوْق مُطَيْر آبَاذ إلى قَرْيَةٍ يُقال لها قَرْيَة أُمِّ الأَمِين، وكانت أُمّ الأَمِين المَذْكُورَة فَوْق سَطْحٍ من أسْطِحَة القَرْيَة، فقالت له حين رَأته: دُبَيْرُ جئْتَ؟ فقال لها: وَيْلَكِ دُبَيْرٌ مَنْ لَم يَجِيء، أين المَخَاضُ؟ فقالت: هَا هُنا، فخَاضَ وعَبَرَ ووَقَفَ يشُقّ خُفَّه حتَّى نَزَلَ منه الماءُ، وقد تَبِعَهُ مَمَالِيْكُ المُسْتَرْشِد إلى ذلك المَوضِع، فسَألوا العَجُوزَ فضَيَّعَتْهُم عنهُ إلى مَوضِعٍ آخر فلم يَقْدِرُوا عليه، وانْحَدَر إلى أنْ لَحِقَ بالعَرَب والْتَفَّ بهم. وظَهَرَ بالبَصْرَة بعد سَنَةٍ، فدَخَلَها، وهَرَبَ أميرُ البَصْرَة، ودَخَلَ دارَ الإمَارة وحَكم وقال: تَدْرُونَ مَنْ نَصَحَني؟ والله ما نَصَحَني غير ابن العُوْدِيّ الشَّاعر؛ فإنِّي لو قَبِلْتُ منه ذلك اليَوْم وقَتَلْتُ الّذين سَيَّرَهُم المُسْتَرْشِد للصُّلْح لبَقي المُسْتَرْشِدُ مُدَّةً حتَّى يُحَصِّلَ رجالًا مثل أُولئكَ الرِّجالِ يَعْتَضِد بهم. ولمَّا رَجَعَ دُبَيْسٌ إلى العِرَاق مَلَّكَ العَجُوز أُمَّ الأَمِين القَرْيَة، وهي تُعْرف الآن بها. أخْبَرَنَا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الشَّريفُ الهاشِمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قال: دُبَيْس بن صَدَقَة في مَنْصُور بن دُبَيْس بن عليّ بن مَزْيَد الأسَدِيّ أبو الأَغَرَّ، من مُلُوك العَرَب، وكان فَاضِلًا، مَهِيْبًا، كَريْم الأَخْلَاقِ، ولعَلَّ ما أنْجَبت عَرَبُ البَادِيَةِ بَعْدَهُ بمثْله، وقد تَرامَتْ به الأَسْفَار إلى أكْنَاف الأمْصَارِ، وتقلَّبت به الأحْوَالُ إلى ارْتِكَاب الأهْوَالِ، وَرَدَ بلادَ خُرَاسَانَ، وجَالَ في أطْرَافِها مُدَّة في ظِلِّ السُّلْطان سَنْجَر بن مَلِكْشاه، وكانت خَاتمة أمْره أنْ فُتِكَ به في قَصْر السُّلْطان، وخُتِمَ بهِ شَرَفُ بَيْتِهِ. قُلتُ: هذا قَوْل أبي سَعْد السَّمْعَانيّ، ولعَلَّهُ ﵀ لَم يَبْلُغْهُ خَبَر دُبَيْسٍ واتِّفاقه مع الفِرِنْج على حِصَار حَلَب، وبَذْله أمْوَالَ المُسْلِمِيْن وأنْفُسَهم لأعْدَاءِ الدِّين على ما ذَكَرناهُ وبيَّناهُ، ولوٍ بَلَغَهُ هذا الفِعْل المُسْتَهْجَن القَبِيْح، الّذي لا يَصْدرُ عن مَنْ خَلُصَ إيْمانُه، وإنْ جَرَى بلَفْظ الشَّهَادَةِ لِسَانُه، ولا يَقَعِ إلَّا من سَخِيْف الرَّأي، سيِّيء التَّدْبِير، لَمَا قال: ولعَلَّ ما أنْجَبَت عَرَبُ البَادِيَةِ بعْدَهُ بمثْلهِ، وقال: وخُتِمِ بهِ شَرفُ بَيْتِه، هذا مع عِلْم دُبَيْس بأنَّ البَغْدَوين مَلِكُ الفِرِنْج كان مَأسُورًا في حَبْسِ بَلَك بن أُرْتُق، وأنَّ تَمُرْتاش أطْلَقَهُ من الأسْرِ وهَادَنهُ على أنْ لا يَخْرُج عليه، فغَدَرَ بالهُدْنَة مع تَمُرْتاش والمُسْلِمِيْن، ولَمْ يَفِ له بِمَا اسْتَقَرَّ معه في اليَمِيْن، ولعلَّ البَغْدَوينَ لو تَسَلَّط على حَلَب لَمَا وَفى لدُبَيْس بما كان قرَّره معه من مُلْك المَدِينَة، ولعَمْرِي لقد مَحَا دُبَيْس شَرَفَ أبيهِ صَدَقَة، ومَكَارِمَهُ المُحَقَّقة، ومآثر آبائهِ وأجْدَادهِ المَذْكُورة، ومَنَاقِبهم المَشْهُورة المَسْطُورة، بهذه الفعْلَة الدَّنِيِّة الَّتي فَعَلها، والقَضيَّة الشَّنْعَاءِ الّتي سَطَّرها المُؤرِّخ ونَقَلها. ومن قَبِيْح فِعْله، خُرُوجُه على الإمَام المُسْتَرْشِد، وجَمعْ العَرَب لمُحَارَبته ومُطَاولته مع قيامهِ بأعْبَاءِ الخِلَافَة ومُسَاجَلَته. ومن قَبِيْح أفْعَالِه، وعَدَم وَفَائهِ، ما أخْبَرَنَا بهِ شَيْخُنا افْتِخار الدِّين أبو هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِمِيِّ، قال: أخْبَرَنَا الإمَامُ أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد المَرْوَزيّ، قال: كَتَبْتُ من كتاب سِرّ السُّرُور لأبي العَلَاءِ مُحَمَّد بن مَحْمُود النَّيْسَابُوريّ قَاضِي غَزْنَة، قال: لمَّا قَامَ المُسْتَرْشِد بأعْبَاء الخِلَافَة، واسْتَتَبَّ أمْرُه، خَالَفَهُ أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد المُلَقَّبُ بالذَّخِيْرة، أخُو المُسْتَرْشِد بالله، وانْحَدَر إلى وَاسِط، ثمّ اتَّصَل بدُبَيْس بن صَدَقَة، ولَم تَطُلِ الأيَّام حتَّى خَاسَ بعَهْدِه وأَخْفَر ذِمَّتَهُ على ما قيل، ومَكَّن أخاهُ من رِبْقَته، فعندَ ذلك كَتَبَ إليه: [من الطويل] أأَشْمَتَّ أعْدَائي وأذْهَبْتَ (a) قُوَّتي … وهُضْتَ جَنَاحًا أنبتَتْهُ يَدُ الفَخْرِ وما أنْتَ عِندي بالمَلُومِ وإنَّما … ليَ الذَّنْبُ هذا سُوءُ حَظِّي مِنَ الدَّهْرِ فأين فعلهُ هذا من فعْل الأَمير أبي العِزّ مَالِك بن سَالِم بن مَالِك العُقَيْلِيّ صَاحِب قَلْعَة جَعْبَر معه، وقد وَفَدَ عليه دُبَيْس هذا مُنْهَزِمًا من المُسْتَرْشِد إلى قَلْعَة جَعْبَر، فأجَارَهُ منه، وكَاتَبَه المُسْتَرْشِد في مَعْناه ليُسَلِّمه إليهِ، فَمَنَعَهُ منه ولَم يُخْفِر ذِمَّتَهُ. وَسَمِعْتُ الأَمِير شَرَف الدَّوْلَة بَدْرَان بن حُسَيْن بن مَالِك يَقُول: سَمِعْتُ أبي يَقُول: نُقِلَ إلى دُبَيْس وهو عند أبي بقَلْعَة جَعْبَر أنَّ أبي يُريدُ أنْ يُسَلِّمَهُ إلى المُسْتَرشِد، وأنَّهُ قد كَاتَبَه فى مَعْناه ليُسَلِّمَهُ إليهِ، قال: فَجَلَسَا يَوْمًا، فبَكَى دُبَيْسٌ، فقال له أبي: أيُّها الأخ ما يُبْكِيْك؟ فقال: بَلَغَني كَذَا وكذا، قال: فأمَرَ غُلَامَهُ فأحْضَر لَهُ خَرِيْطَةً فيها كُتُب المُسْتَرْشِد إليهِ، وأحْضَر إليهِ نُسَخ الكُتُب الّتي كَتَبَها في جَوَابِه، وهو يَقُول: أنا والله لا أُسَلِّمهُ أبدًا، فطَابَ قَلْبُ دُبَيْس عند ذلك واطْمأنَّ. وقد ذَكَرَ الفَقِيهُ مَعْدَانُ بن كَثِيْر البَالِسِيّ فِعْل مَالِك بن سالم في قَصِيدَةٍ مَدَحَهُ بها، قَرأتها بخَطِّ الشَّيْخ أبي الحَسَن عليّ بن عَبْد الله بن أبي جَرَادَة. أخْبَرَنا بها شَيْخُنا أبو اليُمْن زَيْدُ بن الحَسَن الكِنْدِيّ إجَازَةً، عن أبي الحَسَن المَذْكُور، قال: أَنْشَدَني الفَقِيهُ الأدِيْبُ أبو المَجْد مَعْدَانُ بن كَثِيْر في الأَمِير أبي العِزّ مَالِك بن سَالِم بن مَالِك، يَذْكُر وُفُود الأَمِير مَلِكُ العَرَب دُبَيْس بن صَدَقَة بن مَزْيَد عليه، أوَّلُها: [من المديد] سَنَحَتْ بالغَيْلٍ آجَالُ … لِلُّيُوثِ الغِيْلِ تَغْتَالُ قال فيها: ودُبَيْسٌ حِينَ مَالَ بهِ … دَهْرُهُ والدَّهْرُ مَيَّالُ واشْمَأزَّ النَّاسُ قَاطِبَةً … مِنهُ أجْوَادٌ وبُخَّالُ غيرُ قَيْلِ أَرْوَعٍ نَدُس … لَمْ يرُعْهُ القِيْلُ والقَالُ بَلْ تفَدُّاهُ وَقَالَ لَهُ: … اُدْنُ وَلْيَنْعَمْ لَكَ البَالُ ثُمَّ لمَّا أنْ تَكَنَّفَهُ … وَاسِعُ الأرْجَاءِ مِحْلَالُ آهِلٌ بالعِزِّ فاءَ لَهُ … مِنهُ إكْرَامٌ وإجْلَالُ وحَبَاهُ بالصَّفَاءِ أخٌ … حَافِظٌ للوُدِّ وَصَّالُ فَلَأدْنَى ما تَكَنَّفَهُ … رَغْبةً في وُدِّه المَالُ وإذا نَفْسُ الفَتَى بُذِلَتْ … سَهُلَتْ خَيْلٌ وآبَالُ فتُرى عَوْفٌ وإخْوَتُها … بالَّذي أوْلَيْتَ جُهَّالُ ولَقْد نُبِّئْتُ أنَّهُمُ … شَكَرُوا والقَوْمُ قُفَّالُ وتَأَلَّى مِن بَنِي أَسَدٍ … أُسُدٌ غُلْبٌ وأَشْبَالُ إنَّهُ ما أنْ يَزَالُ لَهُمْ … أبدًا بالشُّكْرِ إهْلَالُ ولنِعْمَ الفَاعِلُونَ هُمُ … ما عَلِمْنَاهُم لِمَا قالُوا وأَخْبَرَنِي الأَمِير بَدْرَان ابن جَنَاح الدَّوْلَة حُسَيْن بن مَالِكٍ، قال: حَكَى لي وَالدِي، قال: لمَّا قَدِمَ دُبَيْسٌ على وَالدِي إلى قَلْعَة جَعْبَر مُنْهزمًا من المُسْتَرْشِد أجَارَهُ وأقامَ عندَهُ، فكاتَبَهُ المُسْتَرْشِدُ في تَسْييره إليهِ، فَمَنَعَهُ منه. قال: وقَدِمَ مع دُبَيْس أرْبَعمائة ألف دِيْنَارٍ عَيْنا، ومثْلُها جَوَاهِر، ومثْلُها عُرُوض، وأنْفَقَ في حَاشِيَة وَالدِي حتَّى بِيْعَ الدِيْنار بِثَلاثين قرْطِيسًا، قال: فقال له وَالدِي: يا أيُّها المَلِكُ، أَرْخَصْتَ علينا الذَّهَب!. قُلتُ: وقد كان دُبَيْس، مع ما ذَكَرْنَاهُ من أفْعَالِه المُسْتَقْبَحة، على غَايةٍ من الجُوْد، ولَهُ خلَال مَحْمُودة مُسْتَملَحة؛ فمن ذلك ما أَخْبَرَنِي به بَدْرَانُ بن حُسَيْن بن مَالِك، قال: لمَّا قُبِضَ على دُبَيْس بنوَاحِي دِمَشْق، وقُيِّدَ وسُيِّر إلى أتَابِك زَنْكِي إلى حَلَب، وكان اشْتَرَاهُ بمائة ألف دِيْنَارٍ، جاءَهُ بعضُ الشُّعَرَاءِ وامْتَدَحَهُ في طَرِيْقِهِ وهو مَقْبُوضٌ عليه مُكَبَّلٌ، ولَم يكُن معه شيءٌ، فكَتَبَ له في رُقْعَةٍ هذين البَيْتَيْن ودَفَعهما إليهِ، وهمُا (¬١): [من البسيط] الجُوْدُ فِعْلي ولكن ليْسَ لي مالُ … فكيفَ يَفْعَلُ من بالفَرْض (a) يَحْتَالُ خُذْ هَاك (b) خَطِّي إلى أيَّامِ مَيْسَرتي … دَيْنًا عليَّ فلي في الغَيْبِ آمَالُ قال: فلمَّا قَدِمَ حلَبَ على أتَابِك زَنْكي، أكْرَمَهُ واحْتَرَمَهُ، وَأَنْزَله دَارَ لاجِيْن بحَلَب، وأعْطَاهُ مائةَ ألف دِيْنارٍ، وخَلَعَ عليه خِلَعًا سَنِيَّة، فَخَرَجَ دُبَيْس ذات يَوْم إلى مَيْدَان الحَصَا يَسِيْرُ، فعَرَضَ لَه ذلك الشَّاعر، وقال له: يا أمير، لي عليكَ دَيْن، فقال: والله ما أعْرِفُ لأحَدٍ عليَّ دَيْنًا! فقال: بَلَى وشَاهِدُهُ منكَ، وأخْرَج له خَطَّهُ، فلمَّا وقَفَ عليه، قال: أي والله، دَيْنٌ وأيّ دَيْنٍ، وأمرَهُ أنْ يأتي إليه إذا نَزَل، فجَاءَهُ فأعْطَاهُ ألفَ دِيْنارٍ والخلْعَة الّتي خَلَعَها عليه أتَابِك زنْكِي، وكانت جُبَّةَ أَطْلَس وعِمَامَةَ شَرْبٍ. أَخْبرَني أبو عليّ الحَسَن بن مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل النِّيْلِيّ (¬١)، قال: أُسِرَ دُبَيْس بناحيةِ الشَّام، فافْتَدَاهُ أتَابِك الشَّهِيْد بمالٍ جَزِيْل، ولمَّا حَصَل دُبَيْس عند السُّلْطان مَسْعُود، وكَتَب السُّلْطان يَسْتَدعِي أتَابِك الشَّهِيْد ليَفْتِكَ بهِ، واطَّلعَ دُبَيْسٌ على شيءٍ من ذلك، فكَتَبَ كِتَابًا إلى أتَابِك يُحَذِّرُه فيه من المجيء إليهِ، فامْتَنَع من ذلك، فعَلمَ بهِ السُّلْطانُ مَسْعُود، فكان ذلك سَبَب قَتْل دُبَيْس. قال لي أبو عليّ النِّيلِيُّ: وأَخْبَرَني بعضُ أحْفَادِ أتَابِك الشَّهِيْد، قال: كان جَدِّي يَقُول: فَدَيْنَاهُ بالمال، وفَدَانا بالرُّوْحِ. أخْبَرَنَا الشَّريفُ افْتِخار الدِّين أبو هاشِم عَبْد المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِمِيّ، قال: أخْبَرَنَا أبو سَعْد السَّمْعَانيّ، قال: ذَكَرَ صَدِيْقُنا أبو العَلَاء مُحَمَّد بن مَحْمُود النَّيْسَابُوريّ قاضي غَزْنَة في كتاب سِرّ السُّرُور، قال: حَدَّثَني مَنْ صَحِبَ مَلِك العَرَب أبا الأَغَرَّ دُبَيْس بن صَدَقَة بن مَنْصُور بن دُبَيْس الأَسَدِيّ أنَّ هِجِّيْرَاهُ (¬٢) كان إِنْشَاد هذين البَيْتَيْن (¬٣): [من الكامل] إنَّ اللَّيالِي للأنَام مَنَاهِلٌ … تُطْوَى وتُبْسَط بَيْنَها الأعْمَارُ فقصَارهُنَّ مع الهُمُوم طَوِيلَةٌ … وطِوَالُهُنَّ مع السُّرُور قِصَارُ أنْبَأنَا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن، وأبو العبَّاس أحْمَد ابْنَا عَبْد الله بن عُلْوَان الأسَدِيَّان، قالا: أخْبَرَنَا أبو سَعيد مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد الفَنْجَدِيْهِيِّ في كتابهِ (¬١)، قال: سَمِعْتُ بعضَ الفُضَلَاءِ ببَغْدَاد يَقُول: لمَّا سَمِعَ الأَمِير دُبَيْس أنَّ الرَّئيِس أبا مُحَمَّد الحَرِيرِيّ ذَكَرَهُ في مَقَاماتهِ (¬٢)، وأَوْرَدَ فيها بعضَ صِفَاتهِ، يَعْني بقَوْله: خُيِّلَ لي أنَّهُ القَرَنِيُّ أُوَيْسٌ، أو الأَمِير دُبَيْس (a)، نفَّذ إليهِ من الخلَعِ السَّنِيَّة، والجَوَائِز الهَنِيَّة (b)، بما عَجزَ عنهُ الوَصْف، وكَلَّ عنه الطَّرْفُ، واقتَضَاهُ علوُّ هِمَّته، وسُمُوُّ قُدْرتهِ. أخْبَرَنَا أبو هاشِم بن أبي المَعَالِي الحَلَبِيّ، قال: أخْبَرَنَا عَبْدُ الكَريم بن أبي بَكْر المَرْوَزيّ، قال: قَرأتُ ببَلْخ في كتابِ وِشَاح دُمْيَة القَصْر (¬٣): كَتَبَ المَلِكُ بَدْرَان بن صَدَقَة إلى إخْوَانهِ منهم المَلِكُ دُبَيْس (¬٤): [من الطويل] ألَا قُلْ لمَنْصُور وقُلْ لمُسَيِّبٍ … وقُلْ لدُبَيْسٍ إنَّني لغَرِيْبُ هَنِيئًا لكُم مَاءَ الفُرَاتِ وطيْبُهُ … إذا لَم يكُن لي في الفُرَات نَصِيْبُ فأجَابَهُ دُبَيْسٌ: [من الطويل] ألَا قُلْ لبَدْرَانَ الّذي حَنَّ نَازِعًا (c) … إلى أرْضِهِ والحُرَّ ليس يَخِيْبُ تَمَتَّعْ بأيَّامِ السُّرُور فإنَّما … عِذَارُ الأمَانِي بالهُمُوم يَشِيْبُ ولله في تلكَ الحَوَادِثِ حُكْمُه … وللأرْضِ من كأس الكِرَام نَصِيْبُ وممَّا وَقَعَ إليَّ من شِعْر دُبَيْس بن صَدَقَة ما قَرأتُه بخَطِّ عُمَر بن الرَّبِيْب في مَجْمُوع: [من الطويل] ألَا إنَّ إخْوَاني الّذين عَهِدْتُهمْ … أفَاعِي رمَالٍ لا تُقَصِّر في لَسْعِي ظَنَنْتُ بهم خَيْرًا فلمَّا بَلَوتُهُمْ … حَلَلْتُ بوَادٍ مِنهُمُ غَيرِ ذي زَرْعِ سَمِعْتُ بعض الأُدَبَاءِ من أهْلِ المَوْصِل يَحْكي أنَّ أبا الفَوَارِس الحَيْص بَيْص خَرَجَ من بَغْدَاد سِرًّا إلى الحِلَّة، وامْتَدَح دُبَيْسَ بن صَدَقَة، وعاد وقد أجازَهُ بألْف دِيْنارٍ، فبَلَغَ المُسْتَرْشِد ذلك، وعَلِمَ الحَيْص بَيْص فخَافَ على نَفْسِهِ فابْتَدأ وعَمل هذين البَيْتَيْن (¬١): [من الخفيف] ما دُبَيْسٌ إلَّا كجِيْفَةِ مَيْتٍ … والضَّرُورَاتُ ألْجَأتْنِي إليَهِ ومَنِ اضْطُرَّ غير بَاغٍ ولا عَا … دٍ فلا إثْمَ في الكِتابِ علَيهِ فبَلَغَتِ المُسْتَرْشِد، فسَيَّرَ له خَمْسِين دِيْنارًا، وزَادَ في مَعْلُومه وقَبِلَ عُذْرَهُ. أنْبَأنَا أبو العبَّاسِ أحْمَد بن عَبْدِ الله بن عُلْوَان، عن أبي سَعيدٍ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد البَنْدَهِيّ (a)، قال: قُتِلَ الأَمِيرُ دُبَيْس بن صَدَقَة بن مَزْيَد في سَنَة ثلاثين، أو في سَنَة تِسْعٍ وعشرين وخَمْسِمائَة، قَتَلَهُ السُّلْطان مَسْعُود بن مُحَمَّد بن مَلِكْشاه لأُمُور أنْكَرها، وأسْبَابٍ امْتَعَضَ لها نُسِبَت إليه. وكان دُبَيْسٌ قد عَصَى على الإمَام المُسْتَرْشِد باللهِ أَمِير المُؤْمنِيْن أبي مَنْصُور الفَضْل ابن المُسْتَظْهِر باللهِ، وسَعَى في إرَاقَةِ دَمِهِ، وجَمَعَ العَسْكَر، وحَشَدَ، وقَصَدَ بَغْدَاد في عَسْكَرٍ عظيم، وعَاثَ في أطْرَافها، وأفْسَدَ في أكْنَافها، فخَرَجَ الإمَامُ المُسْتَرْشِد باللهِ أَمِير المُؤْمِنيْن من دار الخِلَافَة، واجْتَمَعت إليه الأجْنَاد، وظَهَرَ إليهِ، وحَمَل عليه، فهَزَمَ دُبَيْسًا وعَسْكَره وتَمَّ إلى الحِلَّة المَزْيَديَّةِ فنَهَبَها، وذلك في المُحَرَّم سَنَة سَبْعِ عَشرة وخَمْسِمائَة، وانْهَزَم دُبَيْس من العِرَاق في خَوَاصِّ أصْحَابِه وغِلْمَانهِ خَوْفًا من الخَلِيفَة، وهَرَبَ نحو الشَّام. قَرَأتُ في تاريخ أبي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّد بن عليّ العُظَيْميّ (¬١) بخَطِّه في حَوَادِث سَنَة تِسْعٍ وعِشْرين وخَمْسِمائَة. وأنْبَأنَا به عنه المُؤيَّد بن مُحَمَّد النَّيْسَابُوريّ وغيره، قال: تَوَاقَع على باب مَرَاغَة السُّلْطان مَسْعُود والمُسْتَرْشِد بالله، فانْكَسَر المُسْتَرْشِد وأُسِر، فوَثَبَ عليه قَوْمٌ بالسَّكاكيْن فقَتَلُوهُ، واضْطَرَبَ العَسْكَر، فأوْجَبَ التَّدْبِير أَنْ قُتِلَ دُبَيْس بن صَدَقَة بحَضْرَة السُّلْطان مَسْعُود. أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد السَّمْعَانيّ، قال: قَرأتُ بخَطِّ الإمَامِ أبي نَصْر مُحَمَّد بن مَحْمُود (a) السَّرَهْ مَرْد الشُّجَاعِيّ على جلْدِ كتاب السُّنَن لأبي دَاوُد: قُتِلَ دُبَيْسٌ بالمَرَاغَةِ يَوْم الأرْبَعَاء الرَّابِع عَشر من ذِي الحِجَّةِ سَنَة تِسْعٍ وعشْرين وخَمْسِمائَة. نَقَلْتُ من تاريْخٍ جَمَعَهُ الرَّئِيسُ أبو عليّ الحَسَن بن عليّ بن الفَضْل الدَّارِيُّ (¬٢)، وَقَعَ إليَّ بمَارِدِين، قال في حَوَادِث سَنَة تِسْعٍ وعشْرين وخَمْسِمائَة: وفيها قُتِلَ دُبَيْس بن صَدَقَة في ذِي الحِجَّةِ. حَدَّثَني فَرَّاشٌ كان يُقال له حَسَنٌ التَّمْريّ، قال: كان الأَمِير المَذْكُور قد اسْتَشْعَر الأمْرَ الرَّدِيءَ من قِبَلِ السُّلْطان، وكان في تلك اللَّيْلة تقدَّمَ إلى خَوَاصِّهِ أنْ ارْحَلُوا، فرَحَلُوا وتَرَكُوا الخِيَام بآلاتها، وسَارَ مُقَدَّر (a) ثلاث فَرَاسِخ، فردَّهُ القَدَرُ الّذي لا بُدّ منه، وقال الصُّحْبَة (b): قد ضَجِرت من الشَّتَاتِ في أقْطَارِ الجِهَاتِ، وما قَضَاهُ اللهُ فقد أمْضَاهُ، وعاد ولَم يَشْعُر به غير مَنْ كان مَعَهُ، فلمَّا أصْبَحَ، رَكِبَ مع السُّلْطان على عَادَته، ونَزَل السُّلْطانُ في النَّوبتيَّةِ (¬١) والأُمَرَاء معه على العَادَةِ المألُوفَة، وأُحْضِر الطَّعَامُ، فأكَلُوا، وأخَذَ النَّاسُ في الانْصِرَاف، وكان السُّلْطان قد دَخَل إلى خِرْكَاهٍ في جَانِب النَّوبتيَّةِ، فأرادَ الأَمِير دُبَيْسٌ الانْصِرَاف، فتقدَّم إليه رَجُلٌ مُعَمَّم بزيّ الكُتَّاب وقال له: السُّلْطانُ يَقُول لك: قد وَرَدَ علينا كُتُبٌ ونَشْتَهي تَسْمَعها، فجلَسَ واسْتَدْعَى منِّي خلالًا، وجَعَل يتَخَلَّلُ والكَاتِبُ بينَ يَدَيْهِ، فرَأيتُ تُرْكيًّا قد خَرَجَ من الخِرْكَاه وبيَده صَمْصَامةٌ مُجَرَّدَة، فَمشَى حتَّى صَارَ على رَأسِ الأَمِير فلم يلتَفت إليه، وعادَ دَخَل الخِرْكَاه وليسَ في النَّوبتيَّةِ جالسٌ غيره والكَاتِبُ بن يَديهِ، ثُمَّ عاد الغُلَامِ التُّرْكِيّ خَرَجَ حتَّى حَاذَى الأَمِير وضَرَبَهُ على رَقَبَته، فرَأيْتُ رَأسَهُ مُعَلَّقًا بجلْدَةِ رَقَبَتهِ، فهَرَبْتُ من سَاعَتي وكان بباب خُوَيّ، وحُمِلَ بعد ذلك ودُفِنَ بالمَشْهَد بمَارِدِين. قُلتُ: شَاهَدْتُ المَشْهَد المَدْفُون بهِ دُبَيْس، وهو من غَرْبيّ مَدِينَة مَارِدِين وقِبْليّها دَاخِل البَلَدِ؛ بنتْهُ بنتُ إيلْغَازِي بن أُرْتُق زَوْج دُبَيْس، ونَقَلَتْهُ من خُوَيّ فدَفَنتهُ بهِ.