page 4207, entry [1404]Open original source
الخَضِرُ بن يُوسُفَ بن أيُّوبَ بن شَاذِي بن مَرْوَان، أبو الدَّوَام، وقيل: أبو العبَّاس ابن أبي المُظَفَّر، المُلَقَّب بالمَلِك الظَّافِر ابن المَلِك النَّاصِر (¬١) سَمِعَ بالإسْكَنْدَرِبَّة الحافِظَ أبا طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، وحَدَّثَ عنهُ بحَرَّان، والفَقِيه أبا الطَّاهِر إسْمَاعِيْل بن مَكِّيّ بن إسْمَاعِيْل بن عَوْف، وحَدَّثَ عنهُ بدِمَشْق، وسَمِعَ بمِصْرَ أبا القَاسِم هِبَة اللَّه بن عليّ بن سُعُود البُوْصِيرِيّ، وأبا سَعيد مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمن البَنْجَدِيْهِيّ، وأبا الفَتْح مَحْمُود بن أحْمَد الصَّاعِدِيّ، وأبا القَبَائِل عَشِيْر بن أحْمَد المزَارِع، وأبا مُحَمَّد عَبْد اللَّه بن بَرِّي النَّحْوِيّ. سَمِعَ منه بعضُ أصْحَابنا شيئًا يَسِيْرًا، وخَرَّجَ عنهُ صَاحِبُنا أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن يُوسُف البِرْزَاليّ حَدِيثًا في مُعْجَم شُيُوخه، ورَوَى لنا عنْهُ أبو المَحَامِد إسْمَاعِيْل بن حَامِد القُوصِيّ إنْشَادًا أخْرَجَهُ عنه في مُعْجَم شُيوخه. وكان يَزُور عَمِّي أبا غَانِم، وكُنْتُ اجْتَمع به عندَهُ في المَسْجِد المَعْرُوف بنا، فلم أتحقَّق ما سَمِعْتُه منه، فإنَّهُ كان يُورد أشْيَاء حَسَنةً، لَم أتحقَّق منها إلَّا مَنامًا ذَكَرهُ له، وكان حَضَرِ لوَدَاعه وهو يُريدُ الحَجّ، وذَكَره لعَمِّي وأنا أسْمَعُ، قال: رأيْتُ كأنَّ امْرأهً وابْنَتها حضَرتا، وقد وَطئتُ البنْتَ وعَزَمْتُ على وَطْء الأُمّ، وذَكَرَ ذلك لعَمِّي على وجْهِ أنَّ المَنَام قد تحقَّق لشرُوْعه (a) في التَّوَجُّه إلى الحجَّ. فَمضَى إلى الحجَّ ودَخَلَ المَدِينَة، فسَيَّرَ المَلِكُ العادِل أبو بَكْر بن أيُّوب ورَدَّه من الطَّريق من بَدْر خَوْفًا أنْ يَدْخُل اليَمَن ويملكَها، فتوسَّل إلى مَنْ حضَر لردِّه أنْ يؤخَذ تحت الحَوْطَة والتَّضْييق حتَّى يَقْضي حجّه، فلَم يُجِيْبُوه إلى ذلك. وعادَ إلى حَلَب واجْتَمَع بعَمِّي ووَالدي وأنا معهما، وذكَّرهما بالمَنَام الّذي قصَّهُ علينا لمَّا ودَّع عَمِّي، وقال: الأمُّ هى: مكَّة أُمّ القُرَى، والبنْتُ: المَدِينَة، ووَطئتُ المَدِينَة وهى البنتُ، ولَم يَتَهيَّأ لي وطء الأُمّ وهى مَكَّة، وكان هذا من أعْجَب المَنَامات الّتي (b) تحقَّقَ تَأويْلها. وكان جَوَادًا، سَخِيًّا، شُجَاعًا، عَارِفًا بالتَّوَاريخ وأيَّام النَّاس، وكان من جِلَّة بني المَلِك النَّاصِر يُوسف بن أيُّوب، وكان يُنْبَزُ بالمَلِك المُشَمَّر، بحيث أنَّهُ غَلَبَ على لَقَبهِ المَلِك الظَّافِر، وبَلَغَني أنَّهُ إنَّما غَلَبَ عليه هذا اللَّقَب لأنَّ أباهُ قَسَّم البِلاد على أكَابِر إخْوَته، فقال: وأنا مُشَمَّرٌ!؟ فغَلَبَ عليهِ المُشَمَّر، وهُجِرَ ما سوَاهُ. وأقَامَ بحَلَب عند أخيهِ المَلِك الظَّاهِر غَازِي سنين عدَّة، وسَكَنَ باليَارُوْقِيَّة ظَاهِر حَلَب، وابْتَنَى بها مَنَازِل وحَمَّامًا، فلمَّا مَرضِ المَلِكُ الظَّاهِر مَرْضَتهُ الّتي تُوفِّي فيها، خافَ منه على ابنه المَلِك العَزِيز مُحَمَّد، فأمَر برحِيْله من حَلَب، وأقْطَعَهُ إقْطاعًا حَسَنًا مُضَافًا إلى ما كان له عليه، فتَوَجَّه إلى منْبج، وماتَ المَلِكُ الظَّاهِر، فلَم يتمّ له أمْر الإقْطَاع، فتَوَجَّه إلى أخيهِ وشَقِيْقه المَلِك الأفْضل عليّ إلى سُمَيْسَاط، وأقامَ بها إلى أنْ ماتَ المَلِكُ الأفْضَل، فانْتَقَل إلى حَرَّان، وأقامَ بها عند ابن عَمِّهِ المَلِك الأشْرَف مُوسَى بها إلى أنْ تُوفِّي بها ﵀. وكانت أُمّهُ أُمّ وَلدٍ، وهي أُمِّ المَلِك الأفْضل عليّ، وأخْبَرَني أخُوه المَلِك المُحْسِن أحْمَد أنَّ مَوْلد أخيهِ الظَّافِر خضِر بمِصْر سَنَة ثمانٍ وسِتِّين وخَمْسِمائَة. أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّدُ بن يُوسُف البِرْزَاليّ إجَازَةً، قال: أخْبَرَنَا الأَمِير أبو الدَّوَام الخَضِر ابنُ السُّلْطانِ المَلِك النَّاصِرِ أبي المُظَفَّر يُوسف بن أَيُّوبَ بن شَاذِي بقِرَاءَتي عليه بجَبَلِ قَاسِيُون، بِظَاهِر دِمشْق، في يَوْم الأَحَد العشرين من شهر رَمَضَان سَنَة ستٍّ وعشرين وستمائة، قال: أخْبَرَنا الفَقِيهُ أبو الطَّاهِر إسْمَاعِيْل بن مَكِّيّ بن إِسْماعِيل بن عَوْف، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّد بن أحْمَد بن إبْراهيم الرَّازِيّ نزِيلُ الإسْكَنْدَرِيَّة، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ بن أحْمَد بن عِيسَى الفَسَوِيّ الفَارسِيّ، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّه بن مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّه بن النَّاصِح بن شُجاع المُفَسِّرِ الدِّمَشقيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن سَعيد بن إبراهيم القَاضِي المَرْوزيّ في زُقَاق عَطَّاف، قال: حَدَّثَنَا أبو زّكَرِيَّاء يَحْيَى بن معِيْن بن عَوْن بن زِيَاد بن بسْطَام بن عبد الرَّحْمن البَغْدَاديّ، قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بن إبْراهيم، قال: حَدَّثَنَا أبي، عن أبي إسْحَاقَ، قال: حَدَّثَني يَحْيَى بن الأشْعَث، عن إسْماعِيْل بن إِيَاس بن عَفِيف الكِنْدِيّ، عن أَبِيهِ، عن جَدِّه (¬١)، قال: كُنْتُ امْرأً تَاجِرًا، فقَدِمتُ الحَجّ، فأتَيْتُ العبَّاسَ بن عَبْد المُطَّلِب أبْتَاع منهُ بعضَ التِّجَارَة، وكان امْرأً تَاجرًا، قال: فواللَّهِ إنِّي لعندَهُ إذ خَرَج رَجُلٌ من خِبَاءٍ قَربِ منه فنَظَر إلى الشَّمْسٍ، فلمَّا رآها مالَتْ قام يُصَلِّي، قال: ثُمَّ خَرجَت امْرأةٌ من ذلك الخِبَاءِ الّذي قد خَرَجَ منهُ ذلك الرَّجُل، فقَامت خَلْفَهُ، ثمّ خَرَج غُلَامٌ حين رَاهق الحُلُمَ من ذلك الخِبَاءَ فقام يُصَلِّي، فقُلْتُ للعبَّاسِ: ما هذا يا عبَّاس؟ قال: هذا مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّه بن عَبْد المُطَّلِب ابن أخي، قال: فقُلْتُ: مَنْ هذه المَرْأةُ؟ قال: هذه امْرأتهُ خَدِيجَةُ ابنَةُ خُوَيْلِد، قال: فقُلْتُ: مَنْ هذا؟ قال: هذا عِليّ بن أبي طَالِب ابن عَمّه، قال: فقُلْتُ: ما هذا الّذي يَصْنَع؟ قال: يُصَلِّي؛ وهو يْزعُمُ أنَّهُ نَبيٌّ ولَم يَتَّبعْهُ على أمْره إلَّا امْرأتهُ وابن عَمّه، وهو يَزْعُمُ أنَّهُ سَتُفْتَح عليه كنُوز كِسْرَى وقَيْصَر. قال: وكان عَفِيف -وهو ابنُ عَمِّ الأشْعَث بن قَيْس- يقُول وأسْلَم بعد ذلك فحَسُنَ إسْلَامُهُ: لو كان اللَّهُ رَزَقني الإسْلَام يَوْمئذٍ فأكون ثانيًا مع عليّ بن أبي طَالِب. أنْشَدَني أبو الفِدَاء إسْمَاعِيل بن حَامِد القُوصِيّ، قال: أنْشَدَني المَلِكُ الظَّافِر مُظَفَّر الدِّين أبو العبَّاسِ الخَضِر ابن السُّلْطان المَلِك النَّاصِر صَلاح الدِّين أبي المُظَفَّر يُوسُف بن أيُّوب، ﵀، في طَريق مَكَّة، شرَّفَها اللَّهُ تعالى، وكان أمير الحَاجّ يَوْمئذٍ سَنَة عَشر وستمائة، لرَضي الدِّين يَحْيَى بن سَالَم بن أبي حَصِيْنَة المَعَرِّيّ يَمْدَح والدَهُ المَلِكَ النَّاصِرَ: [من البسيط] قالُوا نَرَى نَاصِرَ الإسْلَام منذُ وَلى … لَم يَدَّخِرْ ذَهَبًا عن أهْلِ دَوْلَتِهِ وكُلُّ مَنْ قد مَضى مِن قبل مِن مَلِكٍ … بالجَمْعِ للمَال أفْنَى طُول مُدَّتِهِ أمَا تَرَى النَّحْلَ يَحْوي قُوْتَهُ سَنَةً … واللَّيْثُ لا يَقْتَني قُوْتًا للَيْلَتِهِ فقُلْتُ للضَّعْفِ أضْحَى ذاك مُدَّخِرًا … وَتَرْكُ ذا الذُّخْرَ مِن إفْرَاطِ شِدَّتِهِ قال لنا القُوصِيّ: وأنْشَدَني، ﵀، لرَجُلٍ من أُدَبَاءِ أهْل الأنْدَلُسِ، وَرَدَ على والدِه السُّلْطان المَلِك النَّاصِر ﵀، وأنْشَدَهُ هذه الأبيات الثَّلاثة، وأجازَهُ عليها جَاِئِزَة: [من البسيط] يا مَلْكَ مِصْرَ ومَلْكَ الشَّامِ واليَمَنِ … ومَنْ عَسَاكِرُهُ في البَرِّ والسُّفُنِ ومَنْ تَمَلَّكَ ما لَم يَحْوِهِ مَلِكٌ … ما يلحَقُ المَرْءُ مِن هذا سِوى الكَفَنِ فاسْتَغنمِ الخَيْرَ فالدُّنْيا على أحَدٍ … ليسَتْ تَدُوم وهَذي عَادَهُ الزَّمَنِ أخْبَرَنا أبو الفِدَاء القُوصِيّ، قال: هذا المَلِكُ الظَّافِر مُظَفَّر الدِّين الخَضِرُ بن يُوسُف، ﵀، كان كَرِيْمًا لطَالِب جَاهِهِ، ومُسْتَرفد رفْده، وجَمَعَ لي في طَرِيق مكَّة تلكَ السَّنَة بين تَلَطُّفه وحُسْن وُدّه إلى أنْ وَصَل عَسْكَرٌ من الدِّيَار المِصْرِيَّة برجُوْعهِ عن وِجْهَتهِ ورَدِّه، فصُدَّ ونحنُ ببَدْرٍ عن تَتْمِيم قَصْدِه، وكان يُخْشَى من دُخُوله إلى اليَمَن، وقَلَّمَا تَسْلَمَ المُلُوكُ أو الرَّعَايا من حَوَادِث الزَّمَن، وكان شَقِيْقَ أخيهِ المَلِك الأفْضَلِ نُور الدِّين أبي الحَسَن، وكانَ مَوْلدُهُ بالقَاهِرَة في خَامِس شَعْبان سَنَة ثَمانٍ وسِتِّين وخَمْسِمائَة، أخْبَرَني بذلك شَيْخُنا الإمَام عِمَادُ الدِّين ذو البَلَاغتَيْن الأصْبَهَانِيُّ الكَاتِبُ. بَلَغَني خَبَرُ وَفَاة المَلِك الظَّافِر خَضِر أنَّهُ تُوفِّي بحَرَّان في جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة سَبْعٍ وعشرين وسِتّمائة. ﷽ وبه توفيقي