page 4042, entry [1369]Open original source
خَالِدُ بن يَزيْد، أبو الهَيْثمَ التَّمِيْمِيُّ الكَاتِبُ (¬١) الخُرَاسَانيّ الأصْل، البَغْدَاديّ الدَّار. كان كاتب الجَيْشِ ببَغْدَاد، ووَلَّاهُ مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك الزَّيَّات الإعْطَاء بالثُّغُور الشَّامِيَّةِ، فخَرَجَ إليها، ثمّ عاد إلى بَغْدَاد، ووُسْوِسَ في آخرِ عُمُرِه. حَدَّثَ عن أبي تَمَّام حَبِيْب بن أَوْسٍ الطَّائيّ بحَدِيثٍ ذَكَرْناهُ في تَرْجَمَةِ حَبِيْب بن أَوْس (¬٢)، رَوَى عنهُ أبو عليّ مُفَضَّل بن الفَضْل الشَّاعِر، وأبو القَاسِم بن أبي حَيَّة (a)، وأبو الحَسَن أحْمَد بن جَعْفَر الَبْرَمَكيِّ المَعْرُوف بجَحْظَة، وهِلَالُ بن العَلَاءِ، وأبو العبَّاس ثَعْلَب، والحُسَين بن إسْحاق. وكان كَاتبًا شَاعِرًا. أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خَلِيل بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم يَحْيَى بن أَسْعَد بن بَوْشٍ، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ أحْمَد بن عُبَيْدِ الله بن كَادِش، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن الحُسَين الجَازِرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء الجَرِيْريّ (¬٣)، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن جَعْفَر بن مُوسَى البَرْمَكيِّ حَجْظَة، قال: حَدَّثَني خَالِدٌ الكَاتِبُ، قال: قال لي عليُّ بن الجَهْم: هَبْ لي بَيْتَك (¬١): [من مجزوء الرمل] ليْتَ ما أصْبَحَ من رِقَّـ … ـــةِ خَدَّيْكَ بقَلْبِكْ قال: فقُلْتُ: أرَأيْتَ أحدًا يَهَبُ وَلَدَهُ. أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أبي عَبْد الله بن المُقَيِّر إذْنًا، عن أبي طَالِب المُبارَك بن عليّ بن مُحَمَّد بن خُضَيْر الصَّيْرَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد أحْمَدُ بن عَبْد الجبَّار بن أحْمَد الصَّيْرَفِيّ قِراءَةً عليهِ، قال: أنْبَأنَا أبو غَالِب مُحَمَّدُ بن أحْمَد بن سَهْل النَّحْوِيّ ويُعْرَفُ بابن بِشْرَان، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن مَنْصُور الحَلَبِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عليّ بن مُحَمَّد الشِّمْشَاطِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن أحْمَد بن جَعْفَر البَرْمَكيِّ، قال: حَدَّثَني خَالِد الكَاتِبُ، قال: خَرَجْتُ مُتَنَزِّهًا ذات يَوْم فرُفِعَ لي دَيْرٌ فأممْتُهُ، فإذا فيه شابٌّ لم أرَ أحْسَن وَجْهًا، ولا أفْصَح لسَانًا منه، مُكبَّلًا في الحَدِيْدِ، فسَلَّمْتُ، فردَّ السَّلام ورحَّبَ، ثُمَّ قال: مَنْ تكُونُ؟ فقُلْتُ: خَالِد الكَاتِبُ، فقال: أصَاحِب المُقَطَّعَاتِ؟ فقُلتُ: نَعَم، فقال: أنْشِدني من مُقَطَّعاتِكَ، فأنْشَدتُهُ (¬٢): [من المتقارب] تَرَشَّفْتُ من مُقْلَتَيها العقارَا (a) … وقَبَّلْتُ منِ خَدِّها (b) جُلَّنَارا وعانَقْتُ منها (c) كَثِيْبًا مَهِيْلًا … وغُصْنًا رَطِيْبًا وبَدْرًا أنَارَا وأبْصَرتُ من نُورها (d) في الظَّلَام … بكُلِّ مكانٍ بلَيْلٍ نَهَارَا فقال: أحْسَنْتَ واللهِ. ثُمّ قال: ألَا أُنْشدكَ بَيْتَيْن لتُجيزَهُما لي؟ فقُلتُ: هَاتهما، فأنْشدَني (¬٣): [من الخفيف] رُبَّ لَيْلٍ أشَفَّ (e) من نَفَسِ العَاشِـ … وحَدِيث ألذُّ من نَظَر المَعْـ … ـــشُوق (a) بُدِّلتُه ببُؤسِ العِتَابِ قال خَالِدٌ: فواللهِ ما قدَرْتُ على إجَازتها، وأنا مُذْ عشرُون سَنَةً أُفَكِّر في ذلك ولا أقْدرُ عليه. أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن، فيما أَذِنَ لنا في روَايتَه عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد، قال: أخبرَنا أبو بَكْر بن عليّ (¬١)، قال: أخْبرَنا العَبَّاسُ بن عُمَر (b) الكَلْوَذَانيّ، فيما أذِنَ أن نَرْويه عنهُ، قال: أخْبَرَنا أبو عُمَر مُحَمَّد بن عَبْد الوَاحِد الزَّاهِد، قال: أخْبَرَنا ثَعْلَبُ، قال: ما أجِدُ (c) من الشُّعَراء تكلَّمَ في اللَّيْلِ إلَّا قَاربَ، إلَّا خَالِدٌ الكَاتِب فإنَّهُ أبْدَعَ في قَوْله (¬٢): [من المتقارب] ولَيْل المُحبّ بلا آخِرِ فإنَّهُ لَم يَجْعَل للَّيْل آخرًا، وأنْشَدنا: [من المتقارب] رَقَدْتَ ولَم تَرثِ للسَّاهِرِ … ولَيْل المُحبّ بلا آخِرِ ولَم تَدْر بعد ذَهَابِ الرُّقَادِ … ما صَنَعَ الدَّمْعُ بالنَّاظِرِ أيا مَنْ تَعَّبدني طَرْفه … أَجِرْنِي من طَرْفكَ الجَائِرِ وخُذْ للفُؤَادِ فذاكَ الفُؤَاد … من طرفكَ الفَاِتِنِ الفَاِتِرِ فَمَضَيْتُ إلى خَالِد في سَنَة إحْدَى وسِتِّين فأنْشَدَني هذا الشِّعْرَ. أنْبَأنَا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن عَبْد المَلِك، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَغْدَاديّ (¬٣)، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن أبي بَكْر، قال: قال أحْمَد بن كَامِل القَاضِي: حُدِّثْتُ عن خَالِدٍ الكَاتِب، قال: قيل له: من أين قُلْتَ في قَصِيْدَتكَ: [من المتقارب] ولَيْل المُحبّ بلا آخِرِ؟ فقال: وَقَفْتُ على بابٍ، وسَائلٌ عليه مَكْفُوفٌ وهو يَقُول: اللَّيْلُ والنَّهَار عليَّ سواءٌ، فأخَذْتُ هذا منه. قُلتُ: أنْشَدَني شَيْخُنا الحَسَن بن عَمْرو النَّحويّ المَعْرُوف بابنِ دُهْن الحَصَا هذا المَعْنَى: [من البسيط] فالآن لَيْلي مُذ غَابُوا فَديتُهم … لَيْل الضَّرِيْر فصُبْحي غير مُنْتَظرِ أنْبَأنَا ابن طَبَرْزَد، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن خَيْرُون، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ الخَطِيبُ (¬١)، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو حَامِد أحْمَد بن مُحَمَّد بن أبي عَمْرو الدِّلَّويّ (a)، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم الحَسَنُ بن مُحَمَّد بن حَبِيْب النَّيْسَابُوريّ، قال: سَمِعْتُ أبا القَاسِمِ عبد الرَّحْمن بن المُظَفَّر الأنْبارِيّ يَقُول: سَمِعْتُ أبا القَاسِم بن أبي حَيَّة (b) يقُول: سَمِعْتُ خَالِد بن يَزِيد الكَاتِب يَقُول: بينا أنا مارٌّ ببابِ الطَّاق، إذا رَاكِبٌ خَلْفِي على بَغْلَةٍ، فلمَّا لَحقَني نَخَسَنِي بسَوْطِهِ، فقال: أأنْتَ القائلُ يا خُوَيْلِد: [من المتقارب] ولَيْلُ المُحبّ بلا آخِر؟ قُلتُ: نعم، قال: للهِ أبُوك، وصَفَ امْرُؤ القَيْس اللَّيْل الطَّويلَ في ثلاثةِ أبْيَاتٍ، ووَصَفهُ النَّابِغَةُ في ثلاثة أبْيَاتٍ، ووصَفهُ بَشَّار بن بُرْد في ثلاثة أبْيَاتٍ، وبرَّزْتَ عليهم بشَطْر كَلِمَة، فللَّه أبُوك! قُلتُ: وبِمَ وصفَهُ امْرُؤ القَيْس؟ فقال: بقَوْلِهِ (¬١): [من الطويل] ولَيْلٍ كَمَوْج البَحْر أرْخى سُدُولَهُ … عليَّ بأنْوَاع الهُمُوم ليَبْتَلي فقُلْتُ له لمَّا تَمَطَّى بصُلْبِهِ … وأرْدَفَ أعجْازًا وناءَ بكَلْكَلِ ألَا أيُّها اللَّيْل الطَّويلُ ألَا انْجَلي … بصُبْحٍ وما الإصْبَاحُ منْكَ بأمْثَلِ قُلتُ: وبم وَصفَهُ النَّابِغَةُ؟ فقال: بقَولهِ (¬٢): [من الطويل] كَليني لهَمٍّ يا أُمَيْمَة نَاصِبِ … ولَيْلٍ أُقَاسِيْهِ بَطِيءِ الكَوَاكِبِ وصَدْرٌ أرَاحَ (a) اللَّيْلُ عَازِبَ هَمِّهِ … فضاعَف فيه الهمَّ (b) من كُلِّ جَانِبِ تقاعَسَ (c) حتَّى قُلْتُ: ليسَ بمُنْقَضٍ … وليس الّذي يَهْدِي (d) النُّجُوم بآيبِ قُلتُ له: بِمَ وصَفَهُ بَشَّار؟ فقال: بقَوْلهِ (¬٣): [من الطويل] خَلِيليَّ ما بالُ الدُّجى لا تَزَحْزَحُ … وما بالُ ضَوء الصُّبْح لا يَتَوَضَّحُ أظنُّ الدُّجَى طالَت وما طالت (e) الدُّجَى … ولكن أطال اللَّيْلَ سقمٌ (f) مُبَرِّحُ أضَلَّ النَّهَارُ المُسْتَنِيْرُ طَرِيقَهُ (g) … أم الدَّهْرُ لَيْلٌ كُلُّه ليس يَبْرَحُ قُلتُ له: يا مَوْلاي، هل لك في شِعْرٍ قُلْتُه لم أُسْبَق إليهِ؟ قال: نعم، فقُلْتُ (¬٤): [من مجزوء الرمل] كُلَّما اشْتَدَّ خُضُوْعِي … لجَوَىً بينَ ضُلُوعِي رَكَضَتْ في حَلْبتي خَدَّ … يَّ خَيْلٌ من دُمُوعِي قال: فثَنى رجْلَهُ عن بَغْلتِهِ، وقال: هَاكها فارْكَبها، فأنْتَ أحقُّ بها منِّي. فلمَّا مَضَى سألتُ عنه فقيل: هو أبو تَمَّام حَبِيْبُ بن أَوْسٍ الطَّائيُّ. قَرأتُ بخَطِّ أبي الفَتْح أحْمَد بن عليّ المَدَائِنِيّ الحَلَبِيِّ في مَجْمُوع وَهَبْنيه وَالدِي ﵀، قال (¬١): وحَدَّثَ أيْضًا حَجْظَة، قال: حَدَّثَنِي خَالِد الكَاتِبُ، قال: أُدْخلتُ على إبْراهيمَ ابن المَهْدِيّ، وأنا غُلَامٌ، فقال لي: أنتَ خَالِدٌ؟ قُلتُ: نَعَم، قال: أنْشدني شيئًا، قُلتُ: أعزَّ الله الأَمِيرَ، أنا حَدَثٌ أمْزَحُ وأقُول في شُجُون نَفْسِي، لا أمْدَحُ ولا أهْجُو، فإنْ رَأى الأَمِير أنْ يُعْفِيَني فَعَل، فقال: واللهِ لتقُولنَّ؛ فإنَّ الّذي تَقُوله في شُجُون نَفْسكَ أشَدُّ لدَوَاعي البَلَاءِ، فأنْشَدتُهُ (¬٢): [من مجزوء الكامل] عَاتَبْتُ نَفْسِي في هَوَا … كَ فلَم أجِدْهَا تَقْبَلُ وأطَعْتُ دَاعِيَها إليْـ … ــكَ ولم أُطِعْ من يَعْذُلُ لا والّذي جَعَل الوُجُـ … ـــوهَ لحُسْن وَجْهِكَ تَمْثُلُ لا قُلْتُ إنَّ الصَّبْر عنْـ … ــكَ من التَّصَابي أجْمَلُ قال: فصَاحَ إبْراهيم: وَايْ عليك إبْراهيم! ثُمَّ أنْشَدَهُ: [من الخفيف] لو تَرَى ما أراهُ مِنكَ إذا ما … جَالَ ماءُ الشَّبَاب في وَجْنَتَيْكَ لتمَّنْيتَ أنْ تُقَبِّل خَدَّيْـ … ـــكَ وإنْ لم تَصِلْ إلى خَدَّيْكَ كذا نَقَلتُهُ من خَطِّهِ (a). ثُمَّ أنْشَدتُه (¬٣): [من الرمل] عِشْ فَحُبِّيْكَ سَرِيعًا قَاتِلي … والضَّنَى (b) إنْ لم تَصِلْني وَاصِلي ظفرَ الحُبُّ (a) بقَلْبٍ دَنفٍ (b) … بكَ والسُّقَمُ بجِسْمٍ نَاحِلِ فهُما بين اكتئَابٍ وبِلَىً (c) … تَرَكَاني كالقَضِيْب الذَّابِلِ فبَكَى العَاذِلُ لي من رحْمَةٍ … فبُكَائي لبُكَاءِ العَاذِلِ قال: أحْسَنْتَ واللهِ. ثُمَّ قال: يا نَصْرُ، كم معَكَ من العَيْن؟ قال: ستمّائة وخَمْسُون دِيْنارًا، قال: ادْفَعِ إلى الفَتَى نِصْفَها واجْعَل الكَسْر له سَلِيْمًا، فأخَذْتُها وعُدت إلى مَنْزِلي، فاشْتَرَيْتُ المَنْزِل الّذي كُنْتُ فيه فسَتَرني وسَتَر عِيَالي. أنْبَأنَا أبو حَفْص المُكْتِبُ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن أبي أحْمَد (¬١)، قال: أخْبرني عليِّ بن أَيُّوبَ القُمِّيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عِمْران المَرْزُبانيّ، قال: أخْبَرَني مُحَمَّد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَني الحُسَين بن إسْحاق، قال: حَدَّثَني أبو الهَيْثَم خَالِد بن يَزِيد الكَاتِب الشَّاعر، قال: لمَّا بُوْيِعَ إبْراهيم ابن المَهْدِيّ بالخِلَافَة، طَلَبني، وقد كان يَعْرفُني، وكُنْتُ مُتَّصِلًا ببعضِ أسْبَابهِ، فأُدْخلتُ إليه، فقال لي: يا خَالِد، أنْشِدني من شِعْركَ، فقُلتُ: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، ليسَ شِعْري من الشِّعْر الّذي قال فيهِ رسُول الله صَلَّى اللهُ عله وسلَّم: إنَّ من الشِّعْر حِكَمًا، وإنَّما أمْزَح وأَهْزل، وليسَ ممَّا يُنْشدُهُ أَمِير المُؤْمنِيْن! فقال: لا تَقُل هذا يا خَالِد؛ فإنَّ جِدَّ الأدَب وهَزْلَهُ جِدٌّ، أنْشدْني، فأنْشَدتُهُ (¬٢): [من الرمل] عِشْ فَحُبِّيْكَ سَرِيِعًا قَاتِلي … والضَّنَى إنْ لي لَم تَصِلْني وَاصِلي ظَفَرَ الشَّوْقُ بقَلْبٍ كَمِدٍ … فيك والسُّقَم بجِسْمٍ نَاحِلِ فهما بين اكْتِئابٍ وبَلىً … تَرَكَاني كالقَضِيْب الذَّابِلِ وبَكَى العَاذِلُ لي من رَحْمَةٍ … فبُكَائي لبُكَاءِ العَاذِلِ فاسْتَمْلَح ذلك، ووَصَلنِي. أنْبَأنَا أبو اليُمْن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّازُ، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عليّ (¬١)، قال: أخْبَرَنا عليّ بن أبي عليّ، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن مُحَمَّد بن سُلَيمان الكَاتِبُ، قال: حَدَّثَني أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن مُحَمَّد المَعْرُوف بابنِ السَّقَّاء الوَاسِطيِّ بها، قال: حَدَّثَني حَجْظَة، قال: قال لي خَالِدٌ الكَاتِبُ: أضقْتُ حتَّى عدمْتُ القُوْتَ أيَّامًا، فلمَّا كان في بَعْضِ الأيَّام بين المَغْرب وعِشَاءِ الآخرة، فإذا بابي يُدَقُّ، فقُلتُ: مَنْ هذا؟ فقال: مَنْ إذا خَرَجْتَ إليه رَأيتَهُ! فَخَرَجْتُ فرأيتُ رَجُلًا رَاكبًا على حِمَارٍ، عليه طَيْلَسَانٌ أسْوَدُ، وعلى رَأسِه قَلَنْسُوَةٌ طَوِيلَةٌ، ومعه خَادِمٌ، فقال لي: أنت الّذي تقُول (¬٢): [من المنسرح] أقُولُ للسُّقْمِ عُدْ إليَّ بَدَني … حُبًّا لشيء يكُونُ من سَبَبك قال: قُلتُ: نعم، قال: أُحبُّ أنْ تَنْزل لي عنه، فقُلتُ: وهل يَنْزلُ الرَّجُلُ عن ولدِه؟ فتَبَسَّم، ثُمَّ قال: يا غُلَام أعْطِهِ ما معَكَ، فأوْمَأ إليَّ بصُرَّةٍ في دِيْبَاجةٍ سَوْداء مَخْتُومَة، فقُلتُ: إنِّي لا أقْبَلُ عَطَاءَ مَنْ لا أعْرِفُهُ، فَمن أنتَ؟ قال: أنا إبْراهيمُ بن المَهْدِيّ. أخْبَرَنا أبو يَعْقُوب يُوسُف بن مَحْمُود السَّاوِيّ الصُّوْفيّ السَّاوِيّ (a)، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن مُحَمَّد السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ أحْمَد بن مُحَمَّد بن البَرَدَانيّ الشَّيْخ الحافِظ، قال: أنْشَدَنا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن عليّ بن مُحَمَّد الجَوْهَرِيّ، قال: أنْشَدَنا عَبْد الله بن مُحَمَّد بن حَمْدَان العُكْبَرِيّ بعُكْبَرا، قال: أنْشَدَنا أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن الحُسَين بن دُرَيْدٍ لخَالِدٍ الكَاتِب (¬١): [من مجزوء الكامل] هل أنْتَ مُنْتَفعٌ بعِلْـ … ــمكَ مرَّةً والعِلْمُ نَافِعْ وَمَنِ المُشِيْرُ عليكَ بالـ … ـــرَّأي السَّدِيْدِ وأنْتَ سَامِعْ فالمَوْتُ حَوْضٌ أنتَ فيـ … ـــهِ [و] لا مَحَالةَ مِنهُ كَارِعْ فِمنَ التُّقَى فازْرَعْ فإنَّـ … ـــكَ حَاصِدٌ ما أنْتَ زَارِعْ ﷽ وَبهِ تَوفِيْقِى أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (¬١)، قال: أخْبَرَنا أبو جَعْفَر مُحَمَّد بن جَعْفَر بن عَلَّان الوَرَّاق، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد الصَّامِتُ، قال: حَدَّثَني أحْمَد بن جَعفَر أبو الحَسَن البَرْمَكِيِّ حَجْظَةُ، قال: كُنَّا جُلُوسًا على بابِ عبدِ الصَّمَد بن عِليّ، ومَعنا رَجُلٌ يُنْشِدُنا أشْعَارَ عبد الصَّمَد بن المُعَذَّل، إذ أَقْبل أبو الهَيْثَم خَالِد بن يَزِيد الكَاتِب، فجلَسَ إلينا، فقال: فيمَ كُنْتم؟ فقُلْنا بجَهْلِنا: هذا يُنْشِدُنا شَيئًا من شِعْر (a) عبد الصَّمَد، فالْتَفَتَ إليه خَالِد فقال: يا فَتَى مَن الّذي يقُول (¬٢): [من الطويل] تَنَاسَيْتَ ما أَوْعَيْت سَمْعَكَ يا سَمْعِي … كأنَّك بعد الضّرِّ خَالٍ من النَّفْعِ ثم قال له: يا فَتَى، هل أحْسَنَ عبد الصَّمَد أنْ يَجْعَلَ للسَّمْع سَمْعًا؟ قال: لا، ثُمَّ أنْشَدَهُ: [من الطويل] لئن كان أضْحَى فَوْق خَدَّيهِ (a) رَوْضَةً … فإنَّ على خَدِّي غَدِيرًا (a) من الدَّمْعِ ثُمَّ نَهَضَ، فقال لنا المُنْشد: مَنْ هذا؟ فقُلْنا: خَالِد، فعَدَا خَلْفَهُ، وانْقَطَعَت نَعْلُهُ، وانْقَلَبت مَحْبرتُه حتَّى كَتَبَ البَيْتَيْن. أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضل الهاشمِيّ الحَلَبِيّ بها، قِراءَةً عليهِ وأنا أسْمَعُ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد بن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، قُلتُ: ونَقَلْتُه أنا من خَطِّ السَّمْعَانيّ من أصْل سَمَاع شَيْخنا أبي هاشِم، قال: أنْشَدَنا يَحْيَى بن عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ البَغْدَاديّ بها، قال: أنْشَدَنا عبد الصَّمَد بن عليّ بن مُحَمَّد المَأْمُونيّ، قال: أنْشَدَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بن الحَسَن بن المَأْمُون الهاشمِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن القَاسِم بن بَشَّار الأنْبارِيُّ، قال: أنْشَدَني أبي هذه الأبْيَات يُخْبرُ أنَّها لخَالِد الكَاتِب (¬١): [من البسيط] السِّنُّ تَضْحَكُ والأحْشَاءُ تَحْتَرِقُ … وإنَّما ضِحْكُها زُوْرٌ ومُخْتَلَقُ ليْتَ الّذينَ رَأَوْني ضَاحِكًا زَعمُوا … رَأَوْا بُكَائيْ إذا ما أظْلَمَ الأُفُقُ لولا مُرَاقبَةُ الأعْدَاءِ لاسْتَبَقَتْ … منِّي الدُّمُوعُ كَما في السِّرِّ تَسْتَبِقُ يا رُبَّ باكٍ بعَيْنٍ قَلْبُهُ فَرِحٌ … ورُبَّ ضَاحِكِ سِنٍّ ما بهِ رَمَقُ أخْبَرَنا أبو الحَجَّاج يُوسُف بن خِلِيل، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن بَوْش، قال: أخْبَرَنا أبو العِزّ بن كَادش، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ مُحَمَّد بن الحُسَين الجَازِرِيّ، قال: أخْبَرَنا المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء الجَرِيْريُّ (¬٢)، قال: حَدَّثَنَا إبْراهيم بن الفَضْل بن حَيَّان (a) الحُلْوَانِيّ، قال: حَدَّثَني أبو بَكْر بن ضِبَاب، قال: سَمِعْتُ بعضَ أصْحَابنا بالرَّقَّةِ يَقُول: كَبِر خَالِد الكَاتِب حتَّى دقّ عَظْمُه، ورَقّ جِلْدُهُ، فوُسْوِسَ، فرَأيتُه ببَغْدَاد والصِّبْيَان يتبَعُونَهُ ويَصِيْحُون به: يا بَارِدُ، يا بَارِدُ! فأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إلى قَصْر المُعْتَصِم، فقال لهم: كيف أكُون بَارِدًا وأنا الّذي أقُولُ (¬٣): [من الطويل] بَكَىِ عَاذِلي من رَحْمَتي فرحَمْتُه … وكم مُسْعِدٍ (b) من مثْلهِ ومُعِيْنِ ورَقَّتْ دُمُوعُ العَيْن حتى كأنَّها … دُمُوعُ دُمُوعي لا دُمُوعُ جُفُوني وكان خَالِد يتَعَمَّد في شِعْره مثْل هذا. أنْبَأنَا عُمَر بن مُحَمَّد الدَّارْقَزِّيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عَبْدِ المَلِك بن خَيْرُون، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَغْدَاديّ (¬١)، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن أبي بَكْر، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن كَامِلٍ، فيما أجَازَ لنا رِوَايتَهُ عنهُ، قال: أخْبرَني أبو الحسُين عليّ بن الحَسَن بن أحْمَد القُرَشِيّ؛ من أهْلِ حَرَّان، قال: سَمِعْتُ هِلالَ بن العَلَاءِ يقُول: رَأيتُ خَالِد الكَاتِبَ الشَّاعرَ بمَدِينَة السَّلام والنَّاسُ يَصِيْحُونَ به: يا بَارِدُ، يا بَاردُ! ويَرْمُونَهُ بالحِجَارَةِ، فتَسَانَدَ إلى حائطٍ، وقال: وَيْلكم! كيفَ أكُونُ بَارِدًا وأنا الّذي أقُول (¬٢): [من الطويل] وَلَامَسَهُ قَلْبي (a) فآلَم كَفَّهُ … فمن لَمْسِ قَلْبي (b) في أنَامِلهِ عَقْرُ ومَرَّ بفِكْرِي خاطِرًا فجرَحْتُه … ولَم أَرَ خَلْقًا (c) قَطُّ يَجْرَحُهُ الفِكْرُ أنْبَأنَا زَيْد بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمن بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ الحافِظ (¬٣)، قال: أخْبَرَنا عليّ بن طَلْحَة المُقْرِئ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن عِمْران، قال: حَدَّثَنَا صَالِحِ بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا القَاسِم بن سَهْلٍ، قال: مرَّ خَالِد الكَاتِبُ يَوْمًا بصِبْيَانٍ فجعَلُوا يَرْجُمُونَهُ ويُزَنُونَهُ (d)، ويقولون له: يا خَالِدُ، يا بَارِدُ! فقال لهم: وَيْلكمُ أنا بَارِدٌ؟ وأنا الّذي أَقُولُ (¬٤): [من الخفيف] سَيِّدِي أنْتَ لَم أَقُلْ سَيِّدِي أنْـ … كَبِدٌ رَطْبَةٌ يُفَتِّتُها الوَجْـ … ـدُ وخَدٌّ فيه من الدَّمْع خَدُّ قَرأتُ بخَطِّ أبي الفَتْح أحْمَد بن عليّ بن النَّخَّاسِ المَدَائِنِيّ الحَلَبِيّ، في مَجْمُوعٍ وَهَبْنيه وَالدِي ﵀، قال: حَدَّثَني أبو الصَّقْرِ المُؤدِّبُ، قال (¬١): أَخْبَرَني بعضُ تَلَامِذَة خَالِد بن يَزِيد الكَاتِب، قال: رَأيتُه يَوْمًا بعدَما كَبِر وهو رَاكبٌ قَصَبَةً والصِّبْيَانُ من حَوْلهِ، فقُلتُ لَهُ: يا أُسْتَاذُ، ما الّذي صَارَ بكَ إلى ما أرَى؟ فأنْشَأَ يَقُول (¬٢): [من مجزوء المقتضب] الهُمُومُ والسَّهَرُ … والسُّهَادُ والفِكَرُ سُلِّطَتْ على جَسَدٍ … فيه للهَوَى (a) أَثَرُ لا ومَنْ كَلِفْتُ بهِ … ما يُطِيْقُ ذا بَشَرُ فقُلتُ: يا أُسْتَاذُ، أُرِيْدُ أنْ تُنْشِدني أرَقَّ ما تَعْرفُ، فقال: اكْتُبْ (¬٣): [من السريع] رَقَّ فلو مرَّت به ذرَّةٌ (b) … أرْجُلُها مُنْعَلَةٌ بالحَرِيْر لأثَّرَتْ فيه كما أثَّرَت … مُدامَةٌ في العَارِضِ المُسْتَنِيْر (c) فقُلتُ: يا أُسْتَاذُ، أُرِيْدُ أَرَقَّ من هذا، فقال لي: اكْتُب (¬٤): [من السريع] أُضْمِرُ أنْ أُضْمِرَ حُبِّي له … فيَشْتَكي إضْمَارَ إضْمَارِي رَقَّ فلو مرَّت به ذرَّةٌ (d) … لخَضَّبَتْهُ بدَمٍ جَارِ فقُلتُ: يا أُسْتَاذُ، أُرِيْدُ أَرَقَّ من هذا، فقال: اكتُب (¬١): [من المنسرح] صَافَحْتُه فاشْتَكَتْ أنَامِلُهُ … وكادَ يَبْقَي (a) بنانُهُ بيَدِي وكُنْتُ إذا صَافَحَتْ يَدَاهُ يَدي … كأنَّني قَابِضٌ على البَرَدِ لو لَحَظتْهُ (b) العُيُون مُدْمِنَةً … لذَابَ من رقَّةٍ (c) فلم يُجَدِ فقُلتُ: يا أُسْتَاذ، أُرِيْدُ أَرَقَّ من هذا، فقال لي: اكتُب (¬٢): [من السريع] رِقَّتُهُ ما مِثْلُهَا رِقَّةٌ … فإنْ جَفَا فالوَيْلُ من صَدِّهِ قُدْرَةُ عَيْنَيْه على مُهْجَتي … كقُدْرة المَوْلَى على عَبْدِه قد جَالَ (d) ماءُ الحُسْنِ في خَدِّه … وضَجَّتِ الأغْصَانُ من قَدِّه فانْقُش بما شئْتَ على خَاتمٍ … وشِرْ بهِ تَقْرَأه من (e) خَدِّهِ فقُلتُ: يا أُسْتَاذ، أُرِيْدُ أَرَقَّ من هذا، فقال لي: اكْتُب (¬٣): [من الطويل] تَوهَّمَهُ طَرْفي فأصْبَحَ خَدُّهُ … وفيهِ مكانَ الوَهْم (f) من نَظَري أَثْرُ وصَافَحَهُ كَفِّي فآلَم كَفَّهُ … فمن غَمْز كَفِّي في أنَامِلهِ عَقْرُ ومَرَّ بفِكْري خَاطِرًا فجرَحْتُه … ولَم أرَ جِسْمًا قَطُّ يَجْرحَهُ الفِكْرُ فلو أنَّ كُتَّابَ العِرَاقِ أَكُفُّهُمْ … حَوْتْ قَصَبَ الآجَامِ أمْدَادُها (g) البَحْرُ يَخُطُّونَ ما جاءَتْ بهِ الصِّيْنُ كَاغَدًا (h) … وما نَشَرَتْ (i) من طَيِّ قِرْطاسِها مصْرُ لَمَا كَتَبُوا مِعْشَار (j) عُشْرِ عَشِير ما … تضمَّنَهُ من حُبِّكَ القَلْبُ والصَّدْرُ فقُلتُ: يا أُسْتَاذُ، أُرِيْدُ أَرَقَّ من هذا، فقال لي: اكْتُب (¬١): [من الطويل] تكَوَّنَ من نُور الإله بلا مَسِّ … بقَول عَزِيْز: كُنْ من الرُّوْح بالقُدْسِ فلمَّا رَأتْهُ الشَّمْسُ أُخْمِدَ نُورَها … وقالَتْ لهُ: بالله أنْتَ من الإنْسِ فقال لها: إنِّي أظُنُّكِ ضرَّتي … وخَمَّسَ بالكَفِّ المَلِيْح على الشَّمْسِ فقُلتُ: يا أُسْتَاذُ، أُرِيْدُ أَرَقَّ من هذا، فقال لي: قد تقَدَّمتُ إلى المَنْزل أنْ يُصْلحُوا عَدَسًا بسَلِيْق، وأنا ألْقاكَ غدًا بشيءٍ رَقِيقٍ، وتَرَكَني وانْصَرَفَ. ونَقَلْتُ من خَطِّ أبي الفَتْح المَدَائِنِيّ المَذْكُور في هذا المَجْمُوعِ: حدَّثَ أبو بَكْرٍ، قال: حَدَّثَني صَدِيْقٌ لي، قال (¬٢): كُنْتُ ببَغْدَاد فرأيْتُ خالِدَ الكاتِبَ يُخَاطِب غُلامًا وهو يَقُول له: [من السريع] ما آنَ أنْ يَرْحَمَني قَلْبُك؟ فقال الغُلَامُ: لا. فقَال خَالِدٌ: حتَّى مَتَى يَلْعَبُ بي حُبُّكَ؟ فقال الغُلَام: أبَدًا. فقال خَالِدٌ: وكَم أُقَاسِي فيك جُهْدَ البَلَا؟ فقال الغُلَامُ: حتَّى تَمُوت. فقال خَالِدٌ: لا كُلّ (a) ذا يا سَيِّدِي حَسْبُك (b) فقال الغُلَامُ: بَلَى (c) فقال خَالِدٌ: لا أعْدَمَ الله فُؤادِي الهَوَى فقال الغُلَامُ: آمين. فقال خَالِدٌ: يَوْمًا ولا جَرَّبَهُ قَلْبُكَ فقال الغُلَام: فَعَل الله ذاكَ. فقال خَالِدٌ: إنْ كان رَبِّي قد قَضَى ذا (a) الهَوَى فقال الغُلَامُ: فما عليَّ أنا؟ فقال خَالِدٌ: وشِدَّةَ الحُبِّ، فما ذَنْبُكَ؟ فقال الغُلَامُ: سَلْ نَفْسَكَ! قال المُحَدِّثُ: فقُلتُ للغُلَام: أمَا تَسْتَحي من هذا الرَّجُل في جَلَالتهِ؟ فقال: فَدَيْتُكَ؛ كُلُّ مَنْ يَلْقَى يقُول له مِثْلَ هذا. ذَكَرَ اليُوسُفِيّ صَاحِب الرَّسَائِل، وهو في غَالِب ظَنِّي أحْمَد بن يُوسُف، قال: وحَدَّثَني أبو الحَسَن الشَّهْرَيَاريّ أنَّ خَالِدًا وقَعَ بينَهُ وبين الحَلَبِيِّ الشَّاعر - الّذي يقُول فيه البُحْتُرِيّ (¬١): [مجزوء الوافر] سَل الحَلَبِيَّ عن حَلَبٍ وهي قَصِيدَةٌ - خِلَافٌ في مَعنى شِعْره (b)، فقال له الحَلَبِيّ: لا تَعْدُ طَوْرَك فأُخرسَكَ، فقال له خَالِدٌ: لَسْتَ هُناكَ ولا فيْك مَوضِع للهِجَاءِ، ولكن ستَعْلَمُ أنِّي سأجْعَلُكَ ضُحْكة، وكان الحَلَبِيُّ أوْسَخَ (a) النَّاسِ، فجَعَل يَهْجُو جُبَّتَهُ وثِيَابَهُ وطَيْلَسَانَهُ، فمن ذلك قَولهُ (¬١): [من السريع] وشَاعِرٍ ذي مَنْطِقٍ رَائِقٍ … في جُبَّةٍ كالعَارِض البَارِقِ قَطْعَاءُ شَلَّاءُ رباعيَّةٌ (b) … دُهْرِيَّةٌ مَرْقُوعَةُ (c) العَاتِقِ قَدَّمَها العُرْيُ على نَفْسِه … تَفْصِيلُها في القَدَر السَّابِقِ وقَوْلهُ (¬٢): [من السريع] وشَاعِرٍ مُعْدِمٍ (d) له قَوْمُ … ليسَ عليهم في نَصْره لَوْمُ قد سَاعَدُوه في الجُوْعِ كُلُّهُمُ … فَقْرًا فكُلُّ غذَاؤُه (e) الصَّوْمُ يأتيْكَ في جُبَّةٍ مُرَقَّعَةٍ … أطْوَلُ أعْمَارِ مثْلها يَوْمُ وطَيْلَسَانٍ كالآلِ يَلْبَسُهُ … على قَمِيْصٍ كأنَّهُ غَيْمُ من حَلَبٍ في صَمِيْم سِفْلَتها … غِنَاهُ فَقْرٌ وعِزُّهُ ضَيْمُ الآلُ: السَّرَابُ. قال: وقال فيه أيضًا (¬٣): [من المنسرح] تاهَ على رَبِّهِ فأفْقَرَهُ … حتَّى أرَاهُ (f) الغِنَى فأَنْكَرَهُ فصَار من طُوْل حِرْفهِ عَلَمًا … يقْذفُه الرِّزْقُ حين يُبْصِرِهُ (g) يا حَلَبيًّا قَضَى الإلهُ لهُ … بالتِّيْهِ والفَقْر حين صوَّرَهُ لو خَلَطُوهُ بالمُلْكِ وَسَّخَهُ … ولو رَمَوه في البَحْر كَدَّرَهُ أنْبَأنَا أحْمَد بن أزْهَر بن عَبد الوَهَّاب السَّبَّاكُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي في كتابهِ، عن أبي القَاسِم عليّ بن المُحَسِّن التَّنُوخِيّ، عن أَبيِهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَج عليّ بن الحُسَين الأصْبَهَانِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال في ذِكْر خَالِدٍ الكَاتِب في كتاب الأغَانِي (¬١): هو خَالِد بن يَزِيد، ويُكْنَى أبا الهَيْثَم، من أهْلِ بَغْدَاد، وأصْلُهُ من خُرَاسَان، وكان أحَدَ كُتَّابِ الجَيْشِ، ووُسْوِسَ في آخر عُمْرِه، وقيل: إنَّ السَّوْدَاءَ غَلَبَتْ عليه. وقال قَوْمٌ: بل كان يَهْوَى جَارِيَةً لبعض المُلُوك (¬٢) الوُجُوه ببَغْدَاد، فلم يَقْدِر عليها، ووَلَّاهُ مُحَمَّدُ بن عَبْد المَلِك الإعْطَاء بالثُّغُور، فخَرَج فسَمِعَ في طَرِيْقهِ مُنْشِدًا يُنْشد، ومُغَنِّيهً تُغَنِّي (¬٣): [من البسيط] مَنْ كان ذا شَجَنٍ بالشَّام يَطْلبُه … ففي سِوَى الشَّام أمْسَى الأهْل والشَّجَنُ فبَكَى حتَّى سَقَطَ على وَجْههِ مَغْشِيًّا عليه، ثمّ أفاقَ مُخْتَلِطًا، واتَّصَل ذلك حتَّى وُسْوِسَ وبَطَل. أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، فيما أَذِنَ لنا في روَايَته عنْهُ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّازُ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت الخَطِيبُ (¬٤)، قال: خَالِدُ بن يَزِيد أبو الهَيْثَم التَّمِيْمِيُّ، خُرَاسَانِيُّ الأصْل، كان أحَدَ كُتَّابِ الجَيْشِ ببَغْدَادَ، وله شِعْرٌ مُدَوَّنٌ، وشِعْرُه كُلُّهُ في الغَزَل، وعَاشَ دَهْرًا طَوِيْلًا، واخْتَلَطَ في آخرِ عُمْرِه، ويُقالُ: إنَّهُ عاشَ إلى خِلَافَةِ المُعْتَمد.