page 3496, entry [1180]Open original source
الحُسَين بن مُحَمَّد، أبو القَاسِم الهُبَيْرِيّ الفَزَارِيّ الحلَبِي من وَلَد عُمَر بن هُبَيْرَة ومن مَذْكُوريّ التُنَّاء بحَلَب، وأرْبَاب النّعَم المَشْهُورة بجُنْد قِنَّسْرِيْن والعَوَاصِم، وأهْل بَيْتهِ يُقال لهم الهُبَيْرِيُّونَ؛ بَيْتٌ قديمٌ من بيوت حَلَب ومن أهْلِ المُرُوءَة والمَعْرُوف والتَّقَدُّم عند الخُلفَاء والوُزَرَاء والمُلُوك، ووَلُوا ولايات بالعِرَاق والشَّام، وقد ذَكَرَ أبو القَاسِم ذلك في رِسَالَة من رَسَائِله وَقَفْتُ عليها. وكان أبو القَاسِم هذا شَاعِرًا مجُيْدًا، وكَاتبًا بلِيْغًا، ولهُ مَعْرفَةٌ تامَّةٌ باللُّغَة والأدَب، وكان بينَهُ وبين أبي عَبْدِ اللهِ الحُسَين بن أحْمَد بن خَالَوَيْه مُكَاتَبةٌ ومُشَاعَرة، وله إلى الأَمِير سَيْف الدَّوْلةَ أبي الحَسَن عليِّ بن عَبْد الله بن حَمْدَان رِقَاعٌ حَسَنة تَشْتَمِل على نَثْرٍ ونَظْم، طالعتُ ذلك في مُجَلَّدة وَقَعَتْ إليَّ من رَسَائِله. روَى عنهُ أبو عَبْد الله بن خَالَوَيْه. قَرأتُ بخَطِّ أبي الفَتْح أحْمَد بن عليّ بن النَّخَّاس المَدَائِنِي الحَلَبِي في مَجْمُوع وَهَبْنيهِ وَالدِي ﵀: حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أبو الحُسَين أحْمَدُ بن عليّ بن عُبَيْدِ الله بن أبي أُسامَة، ﵀، قال: أمْلَى علينا ابن خَالَوَيْه، قال: كَتَب أبو القَاسِم الهُبَيْرِيّ إلى وَكيلٍ له في القَرْيَة: إذا قَرَأتَ كتابي هذا فاحْمل إليَّ حِنْزَابًا هنْديًّا تَخْتبرهُ وتَنْتَضِيهِ، أو قُبْرُسِيًّا تَخْتَارُهُ وتَرْتَضِيهِ، أبْيَض عَاجِيًّا، أو أسْوَدَ دَجُوجِيًّا، فإنْ لَم تَجدْهُ أسْوَدَ حَالِكًا، ولا أبْيَضَ يَقَقَا، فليَكُن مُوَشَّحًا بَلَقًا، ذا خَلقٍ مُدْمَج، وجَنْبٍ كُنْفُج، مُبَرْنَسَ الرَّأسِ مُتوَّجَهُ، مُدَبّجَ الظَّهْر مُخَرْفَجهُ، بَادِي المنْقَارِ مُؤنَّفَهُ، زُمَّجِيَّ الوَجْهِ مُفَوِّفَهُ، مُدَمْلَكَ الهَامَةِ مُحَدْرَجَ الحُلْقُوم، مُسْتَجافَ الحَوْصَلَةِ والبُلْعُوم، رَحيْبُ المُبَرَّجِ والمَنْخَريْن، بَارِزَ الصِّمَاخَيْن، مُقَلَّصِ الرَّعْثَيْن، كأنَّهُما قُرْطَانِ مُعَلَّقَانِ، أو مِصْباحَانِ يَقِدَان، أو مُدْهَنَتا عَقِيْق، أو وَرْدَتَا شَقِيْق، ذا عُنُقٍ أغْلَبَ أَعْنَق، وعُرْفٍ قَانئٍ أفْرَق، كأنَّ مَلِكًا ألْحَفَهُ دِيْبَاجَهُ، وألْبَسَهُ تَاجَهُ، فهو يَزفُّ عليهِ مَائِلًا، ويَشِفُّ مَاثِلًا، تَحْسِبُهُ المِرِيْخَ إذا طَلَعَ، أو الرُّطَبَ إذا أيْنَعَ، أو سُطُورَ جُلَّنَار، أو لَهِيْبَ النَّار، أو حُمَّاض البَرَارِي. فإذا نَظَرَ بَرْشَمَ وحَمَّج، من مُقْلَةٍ خَدِرَة المُحَجَّج، يَطْرفُ من (a) فُصُوصِ اليَاقُوت الأحْمَر، ونَوْر الرِيَاض الأزْهَرِ، له زَوْر مُوَلَّعٌ رَحِيْب، وجُؤْجُؤ تَارٌّ غير سَلِيْب، وجَنَاحٌ مُؤَجَّد التَّرْكِيب، مؤَزَّر الزِّفِّ والأنبُوب، كهَيْئَةِ الطَّيْلَسان، أو رِيَاط العَصْب اليَمَان، أو رِيَاض البُسْتَان، كأنَّما حُفَّتْ قَوَادِمُهُ بقَوَاطعِ الأقْلَام، أو حَوَاشِي الأعْلَام، أو مَصَارِيْب (b) العِيْدَان، أو رَخْص البَنَان، وذنَبٌ نَاشِرٌ شَائِلٌ، وسِرْوَالٌ ضَافٍ سَائِلٌ، ورُكْبَةٌ مُرَكَّبة في سَاقٍ دَرْمَاءَ، كأنَّها قَنَاةُ خَطٍّ صَمَّاء، أصفَر الظُّنْبُوب والشِرَاك، مُحَسَّرُ الصِّيْصِيَّةِ عندَ العِرَاك، شَرنْبَثُ شَوْكِ الرِّجْل، شَثْن الأصَابِع، كأنَّها بَرَاثِنُ ضَبُعٍ، أو مَخَالِبُ سَبعٍ، إنْ بحَث نَبَثَ، أو رَكَلَ ضَبَث، كأنَّما يَنْقر بنيَازك الرِّمَاح، أو يُنَاضِلُ بنضَالِ القدَاح، حَسَنُ الإشْرَاف والإيْفَاد، والزَّيَفَان عندَ السِّفَاد. ولا يكونُ أَشْغَى ولا أَوْرَق، ولا أضْجَمَ ولا أَجْوَقَ، ولا أحَصَّ الجَنَاحِ، ولا أبَحَّ الصِّيَاح، إنْ صَاحَ خِلْتَ جَوَادًا صَهَل، أو زَاف قُلْتَ سِتْرًا سُدِل، يُزْهَي على الطَّاوُوس شَكْلًا وحُسْنًا، ويُوْفي عليه قَدْرًا ووَزْنًا. إنْ قَاتَلَ عُتْرُفَانًا بَذَّهُ وفَاقَهُ، أو رآهُ نَاظِرٌ أعْجَبَهُ ورَاقَهُ، يَتَوقَّد زَغَلًا وذَكَاءً، ويَجْري لَوْنهُ ماءًا وضِيَاءًا، حتَّى إذا انْتَصَبَ فاحْزَأَلَّ، وصَفَّقَ فاسْتَقَلَّ، وارْتَاحَ فأعجَبَ، وصَوَّتَ فأجْلَبَ، وعَلَا الجِدَار خَاطِبًا وسبَّح مُعْلِنًا، وقامَ مُؤَذِّنًا أيْقَظَ إلى الصَّلاة غَابِقًا، وأذْكرِ نَاسِيًا، وبَشَّر بَبْهجة الإصْبَاح، وحَثَّ على الصَّبُوح ومُعَاطَاةِ الأقْدَاح، فيُعْجب ويَرُوْق مَنْ رآه، فيُسَبح ويقول تَبارَك اللهُ أحْسَن الخالِقين (¬١). فإذا جئْتَ به مُلَائمًا لهذه الهَيْئَة، حَوَيْت قَصَب السَّبْقِ، وحَقَّقْتَ مخِيْلَة الظَّنّ، واسْتَوْجَبْتَ حُسْنَ النَّظَر إنْ شَاءَ اللهُ. فأجَابَهُ الوَكِيلُ: ﷽ قَرَأتُ كِتَابكَ، وفَهِمْتُ بعضَهُ، وأكْثَرهُ لَم أفْهَمْهُ، والصَّوَابُ أنْ تَطْلُبَ هذه الصِّفَة من رَبِّك، فعَسَى أنْ يعطِيْكَ دِيْكَ العَرْش ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (¬٢). وبخَطِّ المَدَائِنِي تَفْسِير الغَرِيْب عن ابن خَالَوَيْه: الحنْزَابُ: الدّيْك، وتنتَضِيه: تَخْتَارُهُ، أبْيَض عَاجِيًّا: شَدِيدُ البَيَاض يَضْرب إلى الصُّفْرَة، وأسْوَدَ دَجُوجِيًّا: شَدِيدُ السَّوَادِ، وكذلك الحالِكُ، واليَقَقُ: الشَّدِيد البَيَاض، والمُدْمَجُ: المَفْتُول الخلْق، والكُنْفُج: المُنْتَفخ، والمُبَرْنَس: كأنَّهُ لابس بُرْنُس، والمُدَبَّج: كأنَّهُ لابس دِيْبَاج، والمُخَرْفُج: السَّمِين المُحْسن الغذَاءِ، والبَادِي: الظَّاهر. قُلتُ: وهذا في رِوَايَةِ ابن خَالَوَيْه، ووَقَعَ إليَّ في غير هذه الرِّوَايَة: بَازِيّ المنْقَار، أي شَبِيْه بمنْقَارِ البَازِي. عُدْنا إلى كَلام ابن خَالَوَيْه: مُؤنَف: مُرْتَفع، وقَوْله: زُمَّجيّ الوَجْه أي: شَبِيْهٌ بالزُّمَّج، كما تقُول وَجْهٌ مُترِّكٌ يُشْبِهُ الأْتْرَاكَ، ومُفَوَّفُه: فيه سَوَادٌ وبَيَاضٌ، مُدَمْلَك: مُدَوَّر، ومُحَدْرَج الحُلْقُوم: أمْلَس، مُسْتَجَاف الحَوْصَلَة: وَاسع، رَحِيْبُ المُبَرَّج: وَاسعٌ، والمُبرَّجُ يعني: نَظَرَ عَيْنَيهِ، وبَارِز الصِّمَاخَيْن: أي ظَاهِر الأذُنَين، والرَّعْثَانِ: ما تَدَلَّى من حَنَكِهِ ومَذَابحهِ، شَبَّهَهُ بقُرْطَيْن، لأنَّ القُرْط يقال له الرَّعْثَة، وقَوْلُه: عُنُقٌ أغْلَب يعني: غَليطٌ، وأعْنَق: طَوِيْلٌ، وقَانِئٌ: شَدِيدُ الحُمْرَة، والمَاثِلُ: القَائِمُ، والمرّيخ: نَجْم، وأيْنَع: نَضِج، والحُمَّاضُ: نَبَاتٌ أحْمَر شبَّهَ به عُرْفَه، بَرْشَمَ وحَمَّجَ: أدَام النَّظَر، وخَدِرَةٌ: غَلِيْظَةٌ، والمُحَجَّجِ: من الحِجَاجَيْن وهي عِظَامُ المُقْلَة، ويَطْرِفُ من فُصُوص اليَاقُوتِ: شَبَّه حُمْرَة حَدَقتِهِ بذلك، والزَّوْر والجُؤْجُؤ: الصَّدْر، مُوَلَّعٌ: مُنَقَّشٌ، والتَّارُّ: السَّمِينُ، والمُؤَجَّدُ: الشَّدِيدُ، والزِّفُّ: الرِّيْش، والعَصْبُ: ثِيابُ اليَمَنِ، والرِّيَاطُ: البِيْضُ، وقَوَادمهُ: رِيْشُهُ، والسِّرْوَالُ: يعني الرِّيْشَ الّذي على سَاقِهِ شَبَّهَهُ بالسِّرْوَال، والضَّافي: السَّابغُ، والدَّرْمَاءُ: الكَثِيرة اللَّحْم، وقنَاةُ الخَطّ: مَنْسُوبٌ إلى خَطّ، وهي قَرْيَةٌ على شَاطِئ البَحْر، والظُّنْبُوبُ: عَظْم السَّاقِ، عندَ العِرَاك: يعني القِتَال، والشَّرَنْبَثُ والشَّثْن: يعني الغَلِيْظ، ونَبَثَ: أخْرَج التُّراب، وضَبَثَ: عَلِق، والنّيَازكُ: الرّمَاحُ القِصَارُ، وأصْلُهُ بالفَارِسيَّةِ، والإيْفَادُ الإشْرَاف والارْتِفَاعُ، والأَشْغَى: المُختَلِفُ المنقَار، والأَوْرَقُ: الطَّويلُ، والأجْوَقُ: المُعْوَجُّ، وكذلك الأضْجَمُ، والأحَصُّ: القَلِيْلُ الرِّيْشِ، وسُدِل: أُسْبِلَ، والعُتْرُفَانُ: الدِّيْكُ، وبَذَّهُ: سَبَقَهُ، ورَاقَهُ: أعْجَبَهُ، والزَّغَلُ: النَّشَاطُ، واحْزَأَلَّ: ارْتَفَع، وارْتَاح: نَشِطَ، والغَابِقُ: الّذي يَشْرَبُ الغَبُوقَ، وهو شُرْبُ العَشِي، ومُعَاطَاةُ: مُنَاوَلَةُ؛ نَاولْتُهُ وعَاطَيْتُه واحدٌ. وقد وَقَعَ إليَّ في بعض مُطَالَعاتي هذه الرِّسَالةَ لأبي القاسمِ الهُبَيْرِيّ، وذَكَرَ أنَّ ابن خَالَوَيْه اقْتَرَح عليه إنْشَاءَها. قَرَأتُ في جُزءٍ وَقَعَ إليَّ من كلام أبي القَاسِم الهُبَيْرِيّ نَظْمًا ونثرًا أبْيَاتًا له كَتَبها إلى أبي عَبْد الله بن خَالَوَيْه، وقد سار إلى مَيَّافَارقِين: [من الطويل] على أنَّ صبْري عنكَ أضْيَقُ سَاحَةً … وأقْصَرُ خَطْوًا عن مُصَاحَبةِ البُعْدِ عَزِيزٌ على عَيْني وقد غِبْتَ لحْظُها … وإنْ كان مَطويَّ الجُفُون على السُّهْدِ وإنَّ رَحِيلًا حالَ دونَ لقائنا … لأقْسَى بنا قَلْبًا منَ الحَجَرِ الصَّلْدِ لقد كان قَلْبي مِن يَدِ الشَّوْق مُطْلَقًا … فأوقَعْتُهُ في قَبْضَةِ الشَّوْق والوَجْدِ وقد كُنْتَ لي في دَوْلَةِ القُرْب سلْوةً … عن السَّكَنِ الجافي أو الأمَلِ المُكدِي بمَن أعِدُ الأيَّامَ بُرْءَ سَقامَها … إلى مَنْ على الأفْهَام بَعْدَك أسْتَعْدي وما زَالَ قَلْبي مُذْ صَحِبْتُ الهَوَى لَقًا … على طُرُقِ الهِجْرَانِ والبَيْنِ والصَّدِّ ومِن عَادَةِ الأيَّام إخْلَافُ وَعْدها … فهل تنْجزُ الأيَّام لي فيكَ مِن وَعْدِ وممَّا قرأتُهُ من شِعْره في هذا الجُزءِ، وكَتَبَهُ إلى الأَمِير سَيْفِ الدَّوْلَة: [من الطويل] وكيفَ احْتِمَالي للزَّمانِ ظُلَامةً … وأنْتَ على عَيْنِ الزَّمان رَقِيْبُ وفي كُلِّ أرْضٍ من سَمَائِكَ صَيِّبٌ … وفي كُلِّ رَوْضٍ مِن نَدَاكَ جَنُوبُ وكُلُّ غَرِيبٍ في جَنَابِكَ آهِلٌ … وكُلُّ قَرِيبٍ لَم تَصِلْهُ غَرِيْبُ إذا مَرِضَتْ حالُ امْرِئٍ لَم يكُن لها … سِوَى فَضْلِ إنْعَامِ الأَمِير طَبِيْبُ ومنه أيْضًا، وكَتَبَها إلى بعض إخْوَانه: [من الخفيف] لو سَلَمْنا من فُرْقةِ الإخْوَان … لسَمِحْنا لنَائبَاتِ الزَّمانِ أَعْلَن البَيْنُ كُلَّ سِرٍّ وأبْدَى … خَفَراتِ الدُّمُوعَ للأجْفَانِ ما فِرَاقُ الأحْبَاب عِنْدِيَ إلَّا … كفِرَاقِ الأرْوَاحِ للْأَبدَانِ