page 3388, entry [1135]Open original source
الحُسَينُ بن عليّ بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن بَحْر ابن بَهْرَام في المَرْزُبَان، أبو القَاسِم بن أبي الحَسَن المَغْربِيّ الكَاتِب (¬١) جَدُّ أبي القَاسِم الوَزِير، وعُرِفَ أبُوه أبو الحَسَن بالمَغْرِبيّ لأنَّهُ كان يَخْتلفُ على دِيْوَان المَغْرب، فنُسِبَ إليه. وُلد ببَغْدَاد ونَشَأ بها، وقَدِمَ حلَبَ، واسْتَكْتَبَهُ سَيْف الدَّوْلَة أبو الحَسَن بن حَمْدَان، وحَظِي عنده، ومات في أيَّامِهِ بحَلَب. وكان كَاتبًا مُجِيْداً، شَاعِراً حَسَن النَّظْم والنَّثْر. رَوَى عن أَبِيهِ، وعن الأَمِير مُحَمَّد بن يَاقُوت. رَوَى عنهُ ابنُه أبو الحَسَن عليّ بن الحُسَين. وقد اسْتَقْصَينا نَسَبه في تَرْجَمَة ابن ابْنه أبو القَاسِم الوَزَير (¬٢)، وذَكَرنا ما وَقَع فيهِ من الخِلَافِ. قَرأتُ بخَطِّ الوَزِير نِظَام الدِّين مُحَمَّد بن الحُسَين بن مُحَمَّد بن أبي إسْمَاعِيْل المُنْشِئ: قال الوَزِير -هو أبو القَاسِم المَغْرِبيّ-: أنْشَدَني أبي، قال: أنْشَدَني أبي، قال: أنْشَدَني مُحَمَّد بن يَاقُوت الأَمِير الّذي كان بالعِرَاق (¬٣): [من الطويل] كأنَّ الثُّرَيَّا رَاحَةً تَشبِرُ الدُّجَى … لتَدْري أطَالَ اللَّيْلُ لي أم تَقَوَّضَا (a) فأَعْجِبْ بلَيْلٍ (b) بين شَرْق ومَغْرب … يُقَاسُ بشِبْرِ كيفَ يُرْجَى له انْقِضَا وَجَدْتُ بخَطِّ الوَزِير أبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ بن الحُسَين بن عليّ المَغْرِبىّ ما صُوْرته: قَوْلٌ في النَّخْلةِ لجَدِّي أبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن بَحْر بن بَهْرَام بن المَرْزُبَان بن مَاهَان بن بَاذَام بن بَلَاش بن فَيْرُوز بن يَزْدَجِرْد بن بَهْرَام جُوْر ﵁: فأمَّا ذَات الطُّول المَدِيد، والقَوَام بغير تَأْوِيد، المَخْصُوصَات بالطَّلْعِ النَّضِيْد، والمُزيَّنات بالسَّعَف والجَرِيْد، المَمْنُوحات عُمُومَة الأنْسَاب، البَاقِيَات على مُرُور الأحْقَابِ، المُطْعِمات في المَحْلِ أنْوَاع الرِّطَاب، فَبَدْو خَلْقها من التُّراب، وفيها مُعتَبرٌ لذَوي الألْبَابِ، تَبْدُو من نَوَاةٍ عَابِسَة، ضَئيلَةً يَابِسَة، ثُمَّ من خُوصَةٍ مَهِيْنَة، ضَعِيْفةٍ غير مَتِيْنة، حتَّى إذا برَزَتْ من الأرْض، وظَهَرت للهَوَاءِ المَحْض، ونَشَأت فيها صَنْعَة التَّلْوين، بتَقْدِير ذي القُوَّة المَتِيْن، نَهَضَتْ نُهُوضَ المُسْرِع الحَثِيْث، وعُدَّتْ من الوَدِيِّ والجَثِيْث (a)، ثمّ انْثَعَلَتْ بالكرَب، وأنْسَغَت بالقِلَب، وانْتَشَرَتْ بخَصْر (b) العَوَاهِن، وقَعَدَت في أزْكَى الأمَاكن. ثُمَّ ألَمَّتْ وتَزَعْزَعَت، واهْتَجَنَت وأيْنَعَت، واشْتَمَلَتْ بمَلَاحفِ اللِّيْف، وسَهَّلَت سَبِيل مُمْتاحها بدَرْج الكَرَانيِفِ، وصَارَت من الصِّنْوَان وغَيْر الصِّنْوان، وظَهَرت في أحْسَن القَوَام والألْوَان، وأبْرَزَت طَلْعَها الهَضِيْم، فتَبَسَّم عن اللُّؤْلُؤ النَّظِيْم، وتَدَلَّت عَثَاكِيْل الإغْرِيْض، وشَمَارِيْخ الغَضِيْضِ، في العَرَاجِيْن المُخْضَرَّة، والأُهُنِ المُصْفَرَّة، فتَغَيَّر بالهَوَاء كَوْنُها، وحَالَ عن البَيَاض لَوْنُها، وَأجْنَتْ طَلْعَها غَضَّةً مَهْوَة، وبَذَلَتْها بَيْضاء مَعْوَة. ثُمَّ أتَتْ بالعَجَب العُجَابِ، وتضَوَّعَتْ عن رَيَّا الشَّبَابِ، وتَراءَتْ خَاضِبَةً في أحْسَن مَنْظَر، وتَشَبَّهَتْ نَاصِعَةً بالزَّبَرْجَدِ الأخْضَرِ. حتَّى إذا ما الصَّيْفُ مَنَحها أرْوَاحَهُ، ونَقَل عليها مَسَاءَهُ وصَبَاحَهُ، وطَبَخَها حَرُّ الهَجِيْر، ولَوَّنَها صُنْع القَمَر المُنِيْر، تَهَادَت في حُلَلِها المُصْفَرَّة، ورِيَاطَها المُحْمَرَّة، وتَبَرَّجَتْ بغَرَائدِ عُقُودِها، وأذنَتْ بإنْجَاز مَوْعُودها، وأَظْهَرَتِ الزَّهْوَ بعد الشُّقْحِ، وتَزَعْفَرَتْ غِبَّ اخْضِرَار البَلَح، وتنَقَّلَتْ بلَطِيْف التَّدْبِير في بَدِيْع التَّصْويْر، وتَجَلَّت في حُلِيّها بحَلْي العَرَائس، ولبسَتْ منِ ثِمَارها أَزْيَن المَلَابِس، ورَاقَتْ عُيُونَ النَّاظِرين، ووَعَدَت أنَامِل الخَارِفين، وفاخَرَت طَيِّبَ الآكَال، وشَارَفَتْ غايةَ الكَمَالِ، فَلَانَ من ثَمَرها ما كانَ صُلْباً، وسَهُلَ منه ما كان صَعْباً، وسَاغَ لمُجْتَنِيه، وأَنْعَم قِرَى مُتَضَيِّفيْهِ، وصَارَتْ من أكْرَم الزَّادِ، وعُدَّتْ من الرِّزْق الحَسَنِ للعِبَاد، وكَثُرَتْ أخَوَاتُها من مِنَن الخالق الجَوَاد، فوَكَنَتْ وذَنَّنَتْ، وجَزَّعَت وحَلْقَنتْ (a) ، وأهْصَرَت وانْخَضَدَت، وعَمَّها التَّرْطِيْبُ فانْسَبَتَتْ، وانْسَكَبَتْ فيها يَنَابِيعُ الضَّرْب، في أظْرَف ظُرُوف وأَرَقّ أُهُب، ثمّ قَبَّتْ وجَمَدَت، وانْتَهَت فهَمَدَت، وبَلَغَت أجَلَ التَّمَام، وأذِنَتْ بالجِذَاذِ والصِّرَام، فَماحَتْ مُمْتَارَها، وأكْرَمَتْ زُوَّارَها، وصَارَتْ عِصْمَةً للحَاضِر، وثَبَاتاً (b) للمُسَافِر. فيا لها من ثَمَرَة ما أكْرَمها، ومن مَوْهَبةٍ ما أعْظَمها، ومن دلَالَة على الصَّانِع القَدِيْم ما أحْكَمَها، ولو لَم تكُن كذلك لَمَا كَرَّر اللهُ وَصْفَها، ولا أعادَ في الكتَاب دِكْرَهَا، ولا اعْتَدَّ على عِبَادِهِ بما رَزَقهُم منها، يقُول جَلَّ من قَائِلٍ: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (¬١)، وفي قَوْلهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (¬١)، وفي قَولهِ عَزَّ اسْمُه: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ (¬٢)، وفي قَوْلِهِ حِكايَةً عن نَبِيِّهِ صالِحٍ ﵇ في مُعَاتَبتهِ لأُسْرَته واعْتِدَاده على عِتْرَتهِ: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ (¬٣)، ولَمَا جَعَلها قي رُتْبةِ جَنَّتهِ ولا أعَدَّها من جَزَاءِ أهْل طَاعتِهِ، وفي قَوله ﵎ حين وَصَفَ الجَنَّتَيْن؛ فقال جَلَّ ذِكْرهُ: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (¬٤)، ولَمَا جَعَل اسْمَها طَيِّباً في الأسْماءَ ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ (¬٥)، ولا ضَرَب اللهُ بها الأمْثَال وأثْنَى عليها في كُلِّ حالٍ، فقال تَقَدَّسَت أسْمَاؤُه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (¬٦)، فأعْلَمَنا ﵎ أنَّها تُطْعم في الشِّتَاء طَلْعاً هَنِيًّا، وفي الصَّيْفِ رُطَبًا جَنِيًّا، ولَمَا كَرَّمَ اللهُ بها خَيْر نِسَاءِ العَالَمِيْن حين نَزَل عليها الرُّوحُ الأَمِين فقال: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ (¬٧) فجَعَل للبكْر البَتُول بها أعْظَم الآياتِ، وفي فِنَائِهَا أكْبَر البَيِّنَاتِ، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (¬٨)، والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِين، وصَلَّى الله على سَيِّدِ المُرْسَليْن مُحَمَّد وآلهِ الطَّاهِرين. نَقَلْتُ من خَطِّ ابن صَاعِدٍ الكَاتِب ما ذَكَرَ أنَّهُ نَقَلَهُ من خَطِّ الوَزِير أبي القَاسِم ابن المَغْرِبيّ، قال: ولجَدِّي أبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ ﵁: [من الرمل] إنَّ شَكْوَى المَرْءِ فيما نَابَهُ … خَوَرٌ في نفْسِهِ ممَّا نَزَلْ واطِّرَاح الفِكْرِ في دَفْعِ الأَذَى … خوَرٌ في عَقْلِ مَنْ عنهُ عَدَلْ فَانْفِ عنكَ الهَمَّ بالعَزْمِ وَدَعَ … عَقْلَكَ الجَمَّ مُعَدّاً للحِيَلْ قَرَأتُ في رِسَالَةٍ من رَسَائِل الوَزِير أبي القَاسِم الحُسَين بن عليّ بن الحُسَين بن عليّ، ذَكَرَ فيها أنَّ أصْلَهُ من البَصْرَة، وانْتَقَلَ سَلَفُه عنها في فِتْنَة البَرِيْدِيِّيْن، قال (¬١): وكان جَدُّ أبي، وهو أبو الحَسَن عليّ في مُحَمَّد يَخْلُفُ على دِيْوَانِ المَغْرب، فنُسِبَ به إلى المَغْرِبيّ، ووُلد له جَدِّي الأدْنَى ببَغْدَاد في سُوق العَطَشِ، ونَشَأ وتقَلَّدَ أعْمَالاً كَثِيْرةً، منها تَدْبِير مُحَمَّد بن يَاقُوت عند اسْتِيْلائهِ على أمْر (a) المَمْلَكَة، وكان خَالُ أبي، وهو أبو عليّ هَارُون بن عَبْدِ العَزِيْز الأوَارْجِيّ المَعْرُوف الّذي مَدَحَهُ المُتَنَبِّي مُتَحقِّقاً بصُحْبَة أبي بَكْر مُحَمَّد بن رَائِق، فلمَّا لحَقَ ابن رَائِقٍ ما لَحِقَهُ بالمَوْصِل، سَارَ جَدِّي وخالُ أبي إلى الشَّام، والْتَقَيا بالإخْشِيْذِ (b)، وأقام وَالدِي وعَمِّي رَحِمَهُما اللهُ بمَدِينَةِ السَّلام، وهُما حَدَثان إلى أنْ تَوَطَّدَتْ أقْدام شُيُوخهما بتلك البِلادِ، وأنْفَذ الإخْشِيْذُ غُلَامَهُ المَعْرُوفَ بفَاتِكٍ المَجْنُون المَمْدُوحَ المَشْهُور، فَحَمَلهُما ومَنْ يَليهما إلى الرَّحْبَةِ، وسَارَ بهما على طَرِيق الشَّام إلى مِصْر، وأقَامَت الجَمَاعَةُ هناك إلى أنْ تَجَدَّدَتْ قُوَّةُ المُسْتَولِي على مِصْر، فانْتَقَلُوا بكُلِّيَّتهم وحَصَلُوا في حَيِّزِ سَيْفِ الدَّوْلَة أبي الحَسَن عليّ بن حَمْدَان مُدَّة حَيَاته، واسْتَولَى جَدِّي على أمْره اسْتِيْلَاءً تَشْهَدُ بهِ مَدَائِح لأبي نَصْر بن نُبَاتَة فيهِ، ثمّ غَلَبَ أبي من بَعْده على أمْره وأمْرِ وَلَدِه غَلَبَةً تَدُلُّ عليها مَدَائِح أبي العبَّاسِ النَّامِيّ [فيه] (a). وذَكَرَ تَمَام الرِّسَالَة. وذَكَرَ أبو غَالِب هَمَّام بن المُهَذَّب المَعَرِّيّ في تَارِيْخهِ أنَّهُ لمَّا عَقَدَ سَيْفُ الدَّوْلَة الفِدَاء مع الرُّوم، واشْترَى أسْرَى المُسْلمِيْن بجميع ما كان معه من المال، واشْترَى الباقين، رَهَنِ عليهم أبا القَاسِم الحُسَين كاتبَهُ وبَدَنته الجَوْهَر المَعْدُومَة المثْل، وكان ذلك سَنَة أرْبَع وخَمْسِين وثَلاثِمائة، فقد تُوفِّي على ما ذَكَره في هذه السَّنَة أو في الّتي بَعْدَها، فإنَّ سَيْف الدَّوْلَة تُوفِّي سَنَة ستٍّ وخَمْسِين وثَلاثِمائة، وقد أشَارَ أبو القَاسِم الوَزِير في رِسَالته إلى ما يَدُلّ على أنَّ جَدّه تُوفِّي في حَيَاةِ سَيْف الدَّوْلَة، وأنَّ أباهُ غَلَبَ من بَعْد جَدّه على أمْرِه.