page 2980, entry [1049]Open original source
الحَسَنُ بن صَافي بن عَبْد اللَّه، أبو نِزَار بن أبي الحَسَن النَّحْوِيَّ البَغْدَاديّ، مَوْلَى حُسَيْن ابن الأُرْمَوِيّ التَّاجر، ويُعْرَفُ بمَلِك النُّحَاةِ (¬٢) فَقِيْهٌ، نَحْويٌّ، لُغَويٌّ، شَاعِرٌ، نَاثِرٌ، حَسَن الشِّعْر والرَّسَائِل، عَارِفٌ بالنَّحو واللُّغَة، وله مُصَنَّفات في كُلِّ فَنّ منها، وله مَسَائِل أَمْلَاها في عِلْم النَّحو وغيره. كان أبوه مَوْلَى حُسَين المَذْكُور، ووُلد أبو نِزَارِ ببَغْدَاد، ونَشَأ بها، واشْتَغَلِ بالفِقْه على الشَّيْخ أحْمَد الأَشْنَهِيّ، وعلى أبي الفَتْح بن بَرْهَان، وأسْعَد المِيْهَنِيّ، وسَمِعَ الحَدِيْث من أبي طَالِب الزَّيْنَبِيّ. وقَرأ النَّحو على أبي الحَسَن عليّ بن أبي زَيْد الفَصِيْحِيّ، ومَهَرَ فيه، ولَقَّبَ نَفْسَهُ مَلِك النُّحَاة، وتَصَدَّر للإِفَادة ببَغْدَاد، وأخْبَرَني مَنْ أثقُ به أنَّهُ قَرَأ بخَطِّه على كتابٍ بوَقْف المَدْرَسَة النِّظَاميَّة: وكَتَبَ أبو نِزَار ملكُ العُلَمَاء عُمُومًا، والنُّحَاة خُصُوصًا. وسَافر من بغداد إلى خُرَاسَان، وكَرْمَان، وغَزْنَة، ودَخَل إلى مَلِك غَزْنَة وأكْرَمَهُ واحْتَرَمَهُ، ثمّ قَدِمَ حلَبَ، وأقام بها مُدَّةً، وكان يُقْرئ بها الأدَبَ بالمَسْجِد الجامع، وقرأ عليه بهِا أبو المَكَارِم مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك بن أبي جَرَادَة الحَلَبِيّ، وأَبو طَالِب الحُسَين بن مُحَمَّد بن أَسْعَد بن الحَلِيم وغيرهما. وكان بينه وبين أبي الحُسَين بن مُنِير بها مُهَاجَاة ومُهَاتَرَة، واتَّصَل بالمَلِك العَادل أبي القاسِم مَحْمُود بن زَنْكِي وكان يُكْرمهُ ويُحْسن إليهِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى دِمَشْق، وسَكَنَها إلى أنْ ماتَ بها. رَوَى عنهُ الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن، وذَكَرَهُ في تَارِيْخهِ (¬١)، ورَوَى عنهُ أبو بَكْر عَبْد اللَّه بن مَنْصُور بن عِمْران البَاقِلّانِيّ الوَاسِطِيّ، وقرأ عليه عليّ بن الحَسَن بن عَنْتَر المَعْرُوف بشُمَيْم الحِلِّيّ، وسَلَكَ طَرِيقَتَهُ في التَّرَفُّع على النَّاس والتَّعَظُّم. رَوَى لنا عنْهُ الشَّريف أبو المحاسِن الفَضْل بن عَقِيل بن عُثْمان العبَّاسيّ، والقَاضِي أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه بن الشِّيْرَازيّ الدِّمَشقيَّان شَيئًا من شِعْره بدِمَشْق. وكان شَرِيْف النَّفْس، صَحِيْح العَقِيْدَة، عَفِيْفًا، نَزِهًا عن الدَّنَايَا. قال لي القَاضِيِ شَمْس الدِّين أبو نَصْر (a) مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه بن مُحَمَّد بن مَمِّيْل الشِّيْرَازيّ، قاضي دِمَشْق (¬١): كان مَلِكُ النُّحَاةِ حَسَن العَقِيْدَة، عَفِيْفًا، وسَمِعْته يقُول وأشَارَ إلى لحيَتهِ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَم أنِّي زَنَيْتُ زَنْيَةً في الإسْلَام فلا تَغْفِر لهذه الشَيْبَةِ. أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلب بن الفَضْل الهاشِمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن أبي بَكْر السَّمْعَانيّ، قال: الحَسَنُ بن أبي الحَسَن أبو نِزَار المُلَقَّب بحُجَّة العَرَب ومَلِك النُّحَاةِ، من أهْلِ بَغْدَادَ، وأظُنُّ أنَّه وَاسِطِيٌّ، واللَّهُ أعْلَمُ، أحَدُ الفُضَلَاء المُبرّزين، وكان حَسَن الشِّعْر، مَتِيْن اللَّفْظ، سَافر عن بَغْدَاد، وتَغَرَّب، وانْتَشَر ذِكْرُه في الآفاق، ودَخَل بلاد: غَزْنَة (b)، وكَرْمَان، ولم يَدْخُل بلاد خُرَاسَان، وانْصَرَفَ إلى كَرْمَان وخَرَجَ منها إلى الشَّام، وقيل: إنَّهُ بها السَّاعَة، ولَقِيَ الأكَابِر، ولُقِّي مَوْردُه بالإكْرَام. أخْبَرَنا أبو المَحَاسِن سُليْمان بن الفَضْل بن سُلَيمان ابن البَانِياسِيّ كتابةً، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن (¬٢)، قال: الحَسَنُ بن أَبي الحَسَن، واسْمُ أبي الحَسَن صَافِي، مَوْلَى حُسَيْن ابن الأُرْمَوِيّ التَّاجر، أبو نِزَار البَغْدَاديّ المَعرُوف بمَلِكِ النُّحَاةِ. ذَكَرَ لي أنَّهُ وُلِدَ ببَغْدَاد في سَنَة تِسْعٍ وثمانين وأرْبَعِمائة، في الجانب الغَرْبيّ، في مَحَلّةٍ تعرف بشَارِع (a) دَار الرَّقِيْق، ثمّ نقل إلى الجانب الشَّرْقيّ من بغداد إلى جوار الخِلَافَة (b) المُعَظَّمة، وهناك قَرَأ العِلْم (c)، وسَمِعَ الحَدِيْث من أبي طَالِب (d) الزّيْنَبِيّ، وقَرَأ عِلْم المَذْهَب على الشَّيْخ أحْمَد الأَشْنهِيّ، وقَرا عِلْم أُول الدِّين على الشَّيْخ أبي عَبْد اللَّهِ المَغْرِبيّ القَيْرَوانِيّ، وقَرأ أُصُول الفِقْه على الشّيْخ أبي الفَتْح بن بَرْهَان، وقَرَأ عِلْم الخِلَاف على الشَّيْخ الإمَامِ أَسْعَد المِيْهَنيّ، وقَرأ النَّحو على الشَّيْخ أبي الحَسَن عليّ بن أبي زَيْد الفَصيْحِيّ الإِسْتِرَابَاذِيّ، وقرأ الفَصِيْحِيُّ على عَبْد القَاهِر الجُرْجَانِيّ، وفُتِحَ له الجَامعُ ودرَّس فيه، ثُمَّ سَافَرَ إلى بِلَادِ خُرَاسَان وكَرْمَان وغَزْنَة، ثمّ دخَل إلى الشَّام، وقَدِمَ دِمشْق ثمّ خَرَج منها، ثمّ عاد إليها، واسْتَوْطَنها إلى أنْ ماتَ بها. وذَكَرَ لي أسْماء مُصَنَّفاته: الحَاوِي في عِلْم النَّحو، مُجَلَّدَتان، العُمَد (e) في عِلْم النَّحو؛ مُجَلَّدة، المُنْتَخَب في عِلْم النَّحو، وهو كتابٌ نَفِيْسٌ، مُجَلَّدة، المُقْتَصِد في عِلْم التَّصْرِيْف، مُجَلَّدةٌ ضَخْمةٌ، أُسْلُوب الحَقّ في تَعْلِيل القِرَاءَات العَشْر وشَيء من الشَّوَاذّ؛ مُجَلَّدتان، التَّذْكِرَة السَّفريَّة، انْتَهَتْ إلى أرْبعمائة كُرَّاسَة، العَرُوض؛ مُخْتَصرٌ مُحَرَّر، مُصَنَّفٌ في الفِقْه على مَذْهَب الشَّافِعيّ حَمَّاهُ الحاكِم، مُجَلَّدَتان، مُخْتَصرٌ في أُصُول الفِقْه، مُخْتَصرٌ في أُصُول الدِّين، دِيْوَانُ مَجْمُوعٌ من شِعْره (¬١)، من جُمْلَته ما أنْشَدَني لنفسِه يَمْدَحُ سَيِّدنا مُحَمَّدًا رسُول اللَّه ﷺ. قُلْتُ: وقَرَأتُ هذه الأبْيَات بخَطِّ أبي نِزَار مع المُقَطَّعات الأرْبَعة الّتي تأتي بَعْدها، في مَدْح النَّبِيّ ﷺ (¬١): [من البسيط] للَّه أخْلَاقُ مَطْبُوع على كَرَم … ومَنْ به يَشرُف العَلْيَاءُ والكَرَمُ أَغَرَّ أبْلَجُ يَسْمُو عن مُسَاجَلةٍ … إذا تُذُوْكِرَت الأخْلَاق والشِّيَمُ سَمَتْ عُلَاكَ رسُولَ اللَّهِ فارْتَفَعَت … عن أنْ يُشِيْر إلى إثْبَاتها قَلَمُ يا مَنْ رَأى المَلأَ الأَعْلَى فَرَاعَهُمُ … وعَادَ وهو على الكَوْنَين يَحْتَكمُ يا مَنْ لهُ دَانَت الدُّنْيا وزُخْرِفَت … الأُخْرى ومَنْ بعُلَاه تَفْخَر النّسَمُ يا مَنْ به عادَ وَجْهُ الحَقّ مُتَّضحًا … من بَعْد أنْ ظُوْهرَتْ بالبَاطِل الظُّلَمُ ومَنْ تواضَعَ جِبْريل الأَمِينُ لهُ … ودُوْنَ حَقّ نُهَاه هذه القسَمُ عَلَوْتَ عن كُلّ مَدْح يُسْتَفاض … فما الجَلَال إلَّا الّذي تَنْحُوه العِظَمُ على عُلَاكَ سَلَامُ اللَّه مُتَّصِلًا … ما شِئْتَ والصَّلَوَاتُ الغُرّ تَبْتَسِمُ وقَرأتُ بخَطِّه، وقال الحافِظُ (¬٢): وأنْشدَني في مَدْحهِ ﷺ: [من البسبط] يا قَاصِدًا يَثْرِب الفَيْحَاء مُرْتَجيًا … أنْ يَسْتَجِيْر بعَلْيَا خَاتِم الرُّسُلِ خُذْ عن أخيْك مَقَالًا إنْ صَدَعْتَ … بهِ مُدحْتَ في آخر الأعْصَار والأُوَلِ قُلْ يا مَن الفَخْر مَوْقُوفٌ عليهِ فإنْ … تُذُوْكِرَ الفَخْرُ لَم يَصْدفْ ولَم يَمِلِ صِيْتٌ إذا طُلبَتْ غَايَاتُهُ خَرَقَتْ … سَبْعًا طِبَاقًا فبذَّت كُلّ ذي أمَلِ عَلَوْتَ وازْدَدْتَ حتَّى عادَ مُمْتَدِحًا (a) … جِبريل عمَّا له قد كان لَمْ يَطلِ وعُدْتَ والكِبْرُ قد نَافَى عُلَاكَ فَما … عدَوْتَ شِيْمة سَبْطِ الخَلْق مُبْتَهِلِ أتَتْكَ غرُّ قَوَافي المَدْح خَاضِعَةً … لدَيْكَ فاقْبَل ثَنَاءً غيرَ مُنْتَحَلِ ثَنَاءَ مَنْ لَم يَجِدْ وَجْنَاءَ تَحْمِلُه … إليكَ أو صَدَّ بالاقتَارِ عن جَمَلِ صَلَّى عليكَ إلَهُ العَرْش مُشْتَملًا … عليكَ يا خَيْرَ ما حافٍ ومُنْتَعِلِ قال (¬١): وأَنْشَدَنا يَمْدَحُهُ ﷺ، وهِي أيضًا ممَّا قَرأتُه بخَطِّ أبي نِزَار: [من البسيط] مَنْ حَامِل عن أخيه بَسْطَ (a) مَألُكةٍ … يهُذُّها (b) أنْ أُفيْضَ القَالُ والقيْلُ يقُولُ والحُجُراتُ الغُرُّ تَسْمَعُهُ … والوَفْد كُلٌّ بما يَعْنِيْه مَشْغُولُ هل سَامِعٌ يا رسُولَ اللَّهِ أنْتَ لمن … ولاؤُهُ لكَ مَرْويٌّ ومَنْقُولُ بلَغْتَ من غايةِ الإكْرَام مَنْزِلةً … عنها أُعِيْدَ الأَمِينُ الرُّوْحُ جِبْرِيلُ فعَادَ مَنْ رَام كُفْوًا من مَدَائِحِهِ … يَزْهَى ومِقْوَلُهُ بالعَجْزِ مَفْلُولُ فاقبَلْ إليكَ اخْتِصَارًا عُذْرَ قَائلِهِ … إِنَّ حَقُّ مَدْحِكَ لَم يَبْلُغْهُ تَطْويلُ وَلْتُرضِكَ الصَّلَوَاتُ الغُرُّ دَائمةً … يَزِيْنُ أَمْرَاطَها ما شِئْتَ تَرْفيلُ قال (¬٢): وأنْشَدَنا في مَدْحِهِ ﷺ، وهي مما نَقَلْتُهُ من خَطِّه: [من المنسرح] يا خَاتِم الأنْبِياء قَاطِبَةً … أتَاكَ لفْظُ الثَّنَاءِ يَسْتَبقُ كُنْت نَبِيًّا وطينْ آدَمَ مَجْبُولٌ … وتلك الأنْوَار تَأتلِقُ وعُدْتَ فينا تَدْعُو (c) إلى سُبُلِ الحَقِّ … فقَدْ أُوْضِحَتْ بكَ الطُّرُقُ فارْقَ عليك السَّلَامُ مَرْقبةً … مصْبَحُها في العَلَاءِ تغْتَبَقُ واشْفَعْ لمَنْ عَادَ في وَلائكَ مَشْـ … ــفُوعَ القَوَافي تُتْلَى فَتَتَّسِقُ مِرْطُ (a) أُلَيْفَاظِهِ الَّتي انْتَظَمَتْ … يطِيْب علْيَاك في الوَرَى عَبِقُ تَضُوع من مَجْدِك الأَثيل إذا … اسْتُقبِض ذِكْر أطْيب فيُنْتَشَقُ قال (¬١): وأَنْشَدَنا في مَدْحِهِ ﷺ، وهي ممَّا نَقَلْتُه من خَطِّ أبي نِزَار: [من الطويل] رَأى البَرْقَ عُلْويَّ (b) الوَمِيْضِ فأنْجَدَا … وأصْدَرَ ركبٌ بالعَقِيْق فأنْجَدَا (c) وما بَرحَتْ أنْبَاءُ ميَّةَ غضَّةً … لديهِ إلى أنْ جَارَ بالرَّكْب (d) واعْتَدَى رَأى الشِّيْحَ مَمْطُورًا فَمَالَ بِظِلِّهِ … ومَدَّ إلى أطْرَاف طُرَّتِهِ يَدَا أمَالَ إلى خَفْقِ النَّسِيم بِجَانِبي … عُطَالَةَ لمَّا مَرَّ فاسْتَنْزلَ النَّدَى أُشَيْعِثُ (e) مِقْلَاقُ الوَضِيْن يَهُزُّهُ … إلى البَانِ وَجْدٌ لا يَزَالُ مُؤَبَّدَا تَذَكَّر عَهْدًا كاظِميًّا وقَلَّ ما (f) … تَذَكَّر مَجْهُولُ المَعَارِف مَعْهَدَا ولكنَّهُ ممَّن إذا انتسَبَ احْتَبَى … لفَخْرٍ وإنْ جَاثَاهُ (g) ذو القُوَّةِ انْتَدَى ومَوَّارُ رَحْلِ النِّضْوِ مُنْتَصِبُ القَرَا … تَرَاهُ كما أفضَيْتَ (h) سَهْمًا مُسَدَّدا تُنَاقِضُهُ معرُوبَةٌ (i) كُلَّمَا ونَتْ … أرَاهَا مُلَوَّى الجَانِبَيْنِ مُقَدَّدَا يَهُزُّ إلى أعْلَامِ يَثْرِبَ هِمَّةً … كما هَزَّ ذِمْرٌ (j) يَوْمَ حَرْبٍ مُهَنَّدا إذا زارَ مَفْتُونٌ بدُنْياه مَالِكًا … يُؤَمِّلُهُ زَارَ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ألَا دَيِّمُوا مُوْقَ الهُدَى بَاهِرَ العُلَى … كَرِيمَ العُرَى طَلْقَ النَّقِيْبَةِ أَوْحَدا إذا المَلَأُ الأعْلَى تَنَاجُوا بذِكْرِه … ورَامُوا هُدَاهُ كان منهُ لهُمْ هُدَى إِلَيكَ رسُولَ اللَّهِ (a) يَمَّمْتُ نَاظِمًا … قَوَافيَ ما يَمَّمْنَ غيرَكَ مَقْصَدَا تَعَاوَضْنَ (b) ممَّن لم يَزَل مُتَقَرِّبًا … إليكَ بمَدْحٍ لا يَزَالُ مُخَلَّدا وحَاشَاكَ يا رَبَّ العُلَى أنْ تَرُدَّهُ … بغَيرِ الّذي سَامَى لَهُ وتَرَدَّدَا وقد وَأَبيْكَ الخَيْرِ شرَّفْتُ مَنْطِقي … بذِكْرِكَ واسْتَبْقَيْتُ (c) مَجْدًا وسُؤدَدَا فصَلَّى عليك اللَّهُ ما شِئْتَ هَادِيًا … وشَاءَ وما اسْتَصْرفْتَ عن مُؤْمِنٍ رَدى أخْبَرَنا أبو هاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانِيّ، قال: أَنْشَدَنِي أبو بَكْر عَبْدُ اللَّه بن مَنْصُور بن عِمْران البَاقِلَّانِيّ بوَاسط من لَفْظه، قال: أَنْشَدَنِي أبو نِزَار النَّحْوِيّ لنَفْسِه يَرْثِي أَمِيرَ المُؤْمنِيْن المُسْترشِد باللَّه: [من الطويل] مَنِ النَّافضُ البَيْدَاءَ واللَّيْلُ دَامِسٌ … عليهِ كُلُوْحٌ ظَاهِرٌ (d) وقُطُوبُ يَغَارُ إذا لَم تَهْجُر الشَّمْسُ ضَوْءَها … ولم تَبْدُ منها رَنَّةٌ ونَحِيْبُ نَعَى مِن بَنِي العبَّاسِ أَرْوَعَ مَاجِدًا … كَفَاهُ تُرَاثًا بُرْدَةٌ وقَضيْبُ أَنْشَدَنِي الشَّريفُ أبو المَحَاسِن الفَضْل بن عَقِيل الدِّمَشقيّ العبَّاسيّ، قال: أَنْشَدَنِي مَلِكُ النُّحَاةِ أبو نِزَار الحَسَنُ بن أبي الحَسَن البَغْدَاديّ الشَّافِعِيّ لنَفْسِه (¬١): [من الرجز] أَتُنْكرينَ الحقَّ أُخْتَ دَارِم … إذا أَصَخْتِ لمَقَالِ عَالِمِ سَألْتِني عنِ العُلَى وأَهْلِها … فلم أكُنْ يا هَنَتَا بكَاتِمِ لِلعَرَبِ الفَخْرُ القَدِيمُ في الوَرَى … فأَعْرِضي عن نَبَأ الأعَاجِمِ هُم الّذينَ سَبَقُوا إلى العُلَى (a) … فَهْوَ لَدَيْهمْ قَائمُ المَوَاسِمِ وإنَّهُم إنْ نَهَضُوا لغَارَةٍ … شَنُّوا على أُسْدِ الشَّرَى الضَّرَاغِمِ وزَحْزحُوا كِسْرَاهُمْ عن مُلكِهِ … بالمشْرَفيَّاتِ وباللَّهَاذِمِ (b) أَنْشَدَنِي القَاضِي شَمْس الدِّين أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه بن الشِّيْرَازي بدَارهِ بدِمَشْق، قال: أَنْشَدَنِي مَلِكُ النُّحَاةِ لِنَفْسِه أَبْيَاتًا يَصِفُ فيها امْرأةً، قال: وشَذَّ بَعضُها عن خَاطِري منها (¬١): [من المنسرح] جَارِيَةٌ كُلَّما خَضَعْتُ لها … قالَتْ عَدِمْتُ النُّحَاةَ والشُّعَرَا طَوِيلَة القَدِّ واللِّسَانِ فما … أدْرِي أَأَهْجُو أم أمْدَحُ القِصَرَا أَحْسَنُ منها عندي مُدَقَّقَةٌ … سَاذِجَةٌ لوْزُها قد انْقَشَرَا فاللّبَنُ الفَارسِيُّ أضْرَسَنِي … والكَشْكُ في ذَا الدِّيَار قد كَثُرَا أَنْشَدَنِي الشَّريفُ أبو المَحَاسِن العبَّاسيّ إمْلاءً من لَفْظه، بمَنْزِله بدِمَشْق، قال: أَنْشَدَنِي مَلِكُ النُّحَاةِ لنَفْسِه في عَلَم المُلْك ابن النَّحَّاس، وقد قَدِمَ دِمَشْق رَسُولًا إلى المَلِك العادِل نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي من المِصْرِيِّيْن، فقُتِلَ الصَّالِح بن رُزَّيْك، وبقي عَلَم المُلك ابن النَّحَّاس مُدَّةً بدِمَشْقَ ليسَ له شيءٌ ونُور الدِّين يقُومُ به، فسَألَ في تلك المُدَّة مَلِكَ النُّحَاةِ أنْ جمعَ له مُقدِّمَةً في النَّحو، فَجَمَعَها وأنْفَذَها إليهِ، وكَتَبَ على وَجْهها: [من مجزوء الرجز] يا عَلَمَ المُلْك افْتَخِرْ … بهذِهِ المُقدِّمَهْ ولا تَقُلْ فيما أَمَرْ … تُ لِافْتِخَارٍ وَلِمَهْ فإنَّني أفصَحُ … مَنْ فَاهَ وأَجْرَى قَلَمَهْ قُسٌّ إذا عَايَنني … خَيَّطَ بالعِيّ فَمَهْ ولو رَأيْتُ سِيْبَوَيْـ … ـــهِ قُلْتُ: يَا نَحْوِيُّ مَهْ والشِّعْرُ لا يَسْتَطِيعْ ما … أقُولُ منهُ علْقَمَهْ والفِقْه قد فُقْتُ لعَمْـ … ـرو اللَّهِ فيهِ أُمَمَهْ أَنْشَدَنِي رَجُل من أهْلِ الأدَب، وقال: كان مَلِكُ النُّحَاة يَهْوى امْرأة كانت له، فطلَّقها، فسُئِلَ: كيفَ حَالَهُ بعدَها؟ فأنْشَدَ لنَفْسِه (¬١): [من الطويل] سَلَوتُ بحَمْدِ اللَّه عنها وأصْبَحت … دَوَاعي الهَوَى من نَحْوها لا أجيْبُها على أنَّنِي لا شَامِتٌ إنْ أصَابَها … بَلَاءٌ ولا رَاضٍ بوَاشٍ يَعِيْبها سَمِعْتُ قاضِي القُضَاة أبا المَحَاسِن يُوسُف بن رَافِع بن تَمِيْم، بقَرْيَة المِزَّة، قال: كان شَيْخُنا ابن المُنَقِّي رَجُلًا يُنَقِّيِ الحِنْطَة، فاشْتَغَل بالنَّحو وحَفِظَ سِيْبَوَيْه، ومَهَرَ في عِلْم النَّحو وبرَّزَ فيه حتَّى تَصَدَّر لإفَادته، وكان بينَهُ وبين مَلِك النُّحَاةِ مُنَاظَراتٌ في عِلْم الأدَب، وعند كُلّ واحِدٍ منهما من التَّعْظِيم والتَّفْخيم لأمْره شيءٌ كَثِيْرٌ، فأدَّى ذلك إلى أنْ صار بينهما عَدَاوَةٌ وإحَنٌ ومُهَاجَاةٌ، قال: فعَمِل مَلِكُ النُّحَاة في ابن المُنَقِّي: [من المنسرح] ابن المنُقِّي نَقَاوَةَ السِّفَلِ … خُزِيْتَ يا ابنَ اللِّئَامِ من رَجُلِ قال: وكان ابنُ المُنَقِّي ضَخْمًا أَيَّدًا، وكان مَلِكُ النُّحَاةِ يَخَافُ منه أنْ يَضْربَهُ، فَجَمعَ بينهما تَاجُ الدِّين ابن الشَّهْرَزُورِيّ وأصْلَح بينهما، وتَعَانَقا، وقَبَّل كُلُّ واحِدٍ منهما صَاحِبَهُ، وجَلَسَا عندَهُ بعد الصُّلْح، فقال ابنُ الشَّهرَزُورِيّ، أو غيره: مِمَّن نَأْكُل حَلَاوةَ الصُّلْح؟ فقال مَلِكُ النُّحَاة: منهُ، وأشَارَ إلى ابن المُنَقِّي، فقال ابنُ المُنَقِّي في الحال: نَعَم (¬١): [من السريع] هَدِيَّةٌ منِّي لمَلِك النُّحَاة … رِيْح شُنَاج يَحْتَويها خُصَاهْ لا عَسَلٌ عندي ولا سُكَّر … فليعْذر الشَّيْخ ويَأكُل خَرَاه قال: فلمَّا قال: ويَأكُل، صَاح فيه مَلِكُ النُّحَاةِ وقال: بَسّ! لا تَزِد على هذا. أخْبَرَني تَاج الدِّين أبو المَعَالِي الفَضْل ابن شَيْخنا أبي هاشِم بن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَني الوَجِيْهُ بن عِيسَى المُحَنَّك، ح. وأخْبَرَني بَهَاء الدِّين أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إبْراهيم بن الخَشَّاب، قال: أخْبَرَني الشَّريفُ أبو جَعْفَر عَبْدُ اللَّه بن مُحَمَّد الهاشِميّ، قال: كان لمَلِك النُّحَاة بحَلَب تِلْمِيْذ يقال له الذُّبَابُ، وكان رَاويَة شِعْره، وكان أبو الحُسَين بن مُنِير كَثِيْرًا ما يَمْزَحُ معه إذا لَقِيَهُ ويقُول له: أيْش خَرِيَ المَلِكُ على لسَانك اليَوْم وما يُشْبه ذلك! وكان بين مَلِك النُّحَاة وبين ابن مُنِير مُهَاجَاةٌ، فمَرَّ الذُّبَاب يَوْمًا بابن مُنِير وهو جَالِسٌ على حَانُوْت بباب الجامع الغَرْبيّ تجاه مَدْرَسَة الحَلاوِيِّين، وكان يَجْلِسُ بها كَثِيْرًا عند خَيَّاطٍ بها، وبيَده قَضِيْبٌ يَعْبَثُ بهِ، فقال ابنُ مُنِير لرَاويةِ مَلِك النُّحَاة: إيْهٍ، أيْش عَمِل المَلِكُ اليَوْم؟ فقال له: ما تُريد أنْ تَسْمَع؟! فقال: لا بُدَّ، فقال: اتْركني باللَّهِ، فقال: لا بُدَّ أنْ تقُول، فقال: قال فيك: [من السريع] لبُغْضِكَ الصِّدِّيْقَ يا ذَا الخَنَا … تَقْدَحُ في كُلِّ أبي بَكْرِ يُعَرِّضُ بأَنَّهُ يَهْجُو مَجْد الدِّين أبا بَكْر ابن الدَّايَة، وكان نائب نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي بحَلَب، وكان مَبْسُوط اليد فيها، قال: فألْقَى ابن مُنِير القَضِيْبَ من يَده وقال: لَعَنَهُ اللَّهُ، ولعَنَ سَاعةً عَرَفْناهُ فيها، وقامَ من وَقْته. وكان ابن مُنِير شِيْعِيّ المَذْهَب. أخْبَرَني الشَّريفُ أبو الحُسَين عليّ بن مُحَمَّد بن دَاوُد بن النَّاصر الحُسَيْنيّ الحَلَبِيّ بها (¬١)، قال: أخْبَرَني جَدِّي لأُمِّي الشَّريفُ أبو جَعْفَر عَبْدُ اللَّه بن مُحَمَّد بن عَبْد المَلِك الهاشِميّ العبَّاسيّ، والحَاجِيّ أبو غَانِم النَّجَّار الحَلَبِيّ، قالا: اجْتَمَع أبو الحُسَين بن مُنِير ومَلِكُ النُّحَاة أبو نِزَار بحَلَب، وقد خَمَشَ قِطٌّ مَلِكَ النُّحَاةِ في يَدِه، فسَألَهُ ابن مُنِير، فقال: ما هذا في يَدك؟ فقال: خَمَشَنِي قِطٌّ، فأنْشَدَه ابنُ مُنِير (¬٢): [من المتقارب] عَتَبْتُ على قِطّ مَلِك النُّحَاةِ … وقُلْتُ أتَيْتَ بغير الصَّوَاب جَرَحْتَ يَدًا خُلقَتْ للنَّدَى … وبَذْلِ الهِبَاتِ وضَرْب الرِّقَاب قالا: فهَشَّ أبو نِزَار لهذين البَيْتَيْن، وجَعَل يَشْكُر ابنَ مُنِير، فأنْشَدَه بَيْتًا ثالثًا وهو: فقال لي القِطُّ (a): وَيْكَ اتَّئِدْ … ألَيْسَ القِطَاطُ عُدَاةُ الكِلَاب قالا: فلمَّا سَمِعَ مَلِكُ النُّحَاة البَيْتَ الثَّالث شَتَمهُ، وأخَذَ السَّيْفَ وقامَ إليه ليَضْربه فانْهَزَم من بين يَدَيْهِ. ويُرْوَى أوّل البَيْت الثَّاني: خَمَشْتَ يَدًا خُلِقَتْ للنَّدَى وذَكَرَ لي بعضُ الأُدَبَاءِ أنَّ هذه الأبْيَات الثَّلاثَة لوُحَيْش الشَّاعِر الدِّمَشقيّ في مَلِك النُّحَاةِ، قال: ولمَّا أنْشَدَهُ البَيْت الثَّالثَ قامَ إليه بالسَّيْف، فقال له وُحَيْشٌ وهو مُنْهزمٌ بينَ يَدَيْهِ: أنا ما قُلْتُ، القِطُّ قال!. وقال لي نَجِيْبُ الدِّين أبو الفَتْح نَصْر اللَّه بن أبي العِزّ بن الصَّفَّار: إنَّ فِتْيَان الشَّاغُورِيّ ذَكَرَ له أنَّ هذه الأبْيَات له في مَلِك النُّحَاةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. أخْبَرَنا الشَّريفُ أبو المَحَاسِن الفَضْل بن عَقِيل بن عُثْمان العبَّاسيّ الدِّمَشقيّ قال: كُنْتُ أصْحَبُ مَلِك النُّحَاة، وكان قد قَرأ الفِقْه على الشَّيْخ أَسْعَد المِيْهَنِيّ، وكان بدِمَشْقَ رَجُلٌ يُقال له بسْخَاذ، فحَبَسهُ القَاضِي كمال الدِّين أبو الفَضْل ابن الشَّهْرَزُورِيّ، فمَضَى مَلِكُ النُّحَاة وأنا معه ليَشْفَع في بسْخَاذ إليه، وكان قد صَحِبَ ابن الشَّهْرزُوريّ في القرَاءة على أَسْعَد المِيْهَنِيّ، فلم يَقْبَل شَفَاعَتَهُ، فاتَّكَأَ مَلِكُ النُّحَاة على يَدي وهو خارج وقد غَضِبَ لردِّه شَفَاعَته، وقال وهو خَارِجٌ: لَسْتَ واللَّه رَفِيْقي، وحَرِمَ الشَّيْخ أَسْعَد (¬١). سَمِعْتُ كَمَال الدِّين مُحَمَّد بن طَلْحَة النَّصِيْبِيّ قال: سَمِعْتُ شُمَيْم الحِلَّوِيّ (a)، يَقُول: كُنْتُ أقْرأُ على مَلِك النُّحَاةِ، فاتَّفَقَ يَوْمًا أنْ كان عندَهُ جَمَاعَة يَقْرأون عليه شَيئًا من النَّحو، فَجَرَى بَحْثٌ، فقُلتُ: قال أبو عليّ الفَارسِيّ فيها كذا، وقال ابنُ جِنِّي كذا، فقال: وأيْش كان ذلك الكَلْب أبو عليّ الفَارسِيّ، وأيْش كان ذلك الكَلْب ابن جِنِّي؟! قال شُمَيْمٌ: فتقدَّمْتُ إليه وقُلْتُ له: يا سَيِّدنا، هؤلاءِ هُمْ عُلَماء النَّحو وكُبَرَاؤُه، فإذا قُلْتَ إنَّهم كِلَابٌ، وأنْتَ تُدْعَى مَلِكَ النُّحَاة؛ فتَصِيْر إذًا ملكَ الكِلَاب لا مَلِك النُّحَاةِ! قال: فقال لي: واللَّه صَدَقْتَ؛ هؤلاءِ هُم عُلَماءُ النَّحو، قال: فلم أسْمَع منه بعدَ ذلك مثْل هذا الكَلَام. سَمِعْتُ شَيْخ الشُّيُوخِ شَرَف الدِّين عَبْد العَزِيْز بن مُحَمَّد الأنْصَاريّ يَقُول: سَافرَ مَلِكُ النُّحَاةِ إلى غَزْنَة، وأرادَ أنْ يجتمع بمَلِك غَزْنَة، فقيل له: إنَّ مَلِك غَزْنَة يَجْلِسُ على سَرِيرٍ عالٍ، ويَجْلِسُ وَزِيره بجنْب السَّريْر، ولا يَقْعُد أحدٌ إلَّا تحتَ الوَزِير، فقال: مُبَارَك، فأُذِنَ له فدَخَل إلى مَلِك غَزْنَة، وجاءَ إلى السَّريْر وكان طَويْل القَامَة، فوَضَع رِجْلَهُ على المَسْنَد الّذي إلى جانب الوَزِير وتعلَّق في السَّريْر ليُقَبِّل يَدَ مَلك غَزْنَة، فتحرَّكَ له مَلِكُ غَزْنَة، فقال: أيُّها المَلِكُ، يَنْبَغي للمَلِك أنْ يقُومَ للمَلِك، فقَامَ له مَلِكُ غَزْنَة فجلَسَ فَوْق السَّريْر إلى جَانبهِ. وذَكَرَ لي بعضُ مَنْ كُنْتُ أُحَاضِرُه، ويَغْلِبُ على ظَنِّي أنَّهُ القَاضِي شَمْس الدِّين أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن يُوسُف بن الخَضِر، أو إبْراهيم بن سُلَيمان النَّجَّار الكَاتِب، أنَّ مَلِك النُّحَاة خَلَع عليهِ المَلِكُ العادِلُ نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي خلعةً سَنِيَّةً، فلَبِسَها يَوْمًا واجْتازَ بها على حَلْقَة عَظِيمَة، فمالَ إليها لينظُر ما هي، فوجَد رَجُلًا قد عَلَّم تَيْسًا له اسْتِخْرَاجِ الخَبَايا، وتَعْريفَهُ مَنْ يُرِيْد أنْ يُعَرِّفه به من الحَلْقَة بإشَارة لا يَفْهَمُها غير ذلك التَّيْس المُعَلَّم، فوقفَ مَلِكُ النُّحَاة وهو رَاكِبٌ بالخلعَة، فقال الرَّجُل: في حَلْقَتي رَجُلٌ عَظيمُ القَدْر، شَائِعُ الذِّكْر، مَلِكٌ في زيّ سُوقَة، أعْلَمُ النَّاس، وأكْرَمُ النَّاس، وأجْمَلُ النَّاس؛ فأرني إيَّاهُ، فشَقَّ ذلك التَّيْس الحَلقَة، وخَرَج حتَّى وضَعَ يَدُه على مَلِك النُّحَاةِ، فلم يَتَمالك مَلِكُ النُّحَاة أنْ نَزَع الخلعَة ووَهَبَها لصَاحِب التَّيْس، فبلَغَ ذلك نُور الدِّين، فعَاتبَهُ على ما فَعَلَ، فقال: يا مَوْلَانا، عُذْري في ذلك وَاضِحٌ، لأنْ في هذه المَدِينَة مائة ألْف تَيْس ما فيهم مَنْ عَرِفَ قَدْري غير ذلك التَّيْس! فضَحِكَ نُور الدِّين منه. أنْبَأنَا أبو الوَحْش بن نَسِيم، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ (¬١)، قال، ح. وقَرأتُ بخَطِّ عُثْمان بن جَلْدَك المَوْصِلِيّ، قال: سَمِعْتُ الحافِظ أبا مُحَمَّد -يعني القَاسِم ابن الحافِظ أبي القَاسِم- يَقُول: تُوفِّي أبو نِزَار يَوْم الثّلاثَاء، ودُفِنَ يَوْم الأرْبَعَاء التَّاسِع من شَوَّال سَنَة ثَمانٍ وسِتِّين وخَمْسِمائَة، ودُفِنَ بمَقْبَرَة الباب الصَّغير، ﵀. وقال القَاسِم: ودُفِنَ في مَقْبَرَة باب الصَّغير ﵀، قالا: وكان صَحِيْحَ الاعْتِقَاد، كَريم النَّفْس. قال شَيْخُنا أبو نَصْر مُحَمَّد بن هِبَة اللَّه بن الشِّيْرَازيّ القَاضِي، وأخْبَرَنا بذلك ولده أبو الحَسَن عليّ، قال: أخْبَرَني أبي، قال: رُؤي مَلِك النُّحَاة في النَّوْم بعد وَفَاته، فقيل له: ما فَعَلَ اللَّهُ بكَ؟ فقال: وَقفني بينَ يَدَيْهِ فأنْشَدته القَصِيدَة اللَّامِيَّة، فقيل له: ما هي؟ فقال (¬٢): [من المنسرح] يا رَبّ ها قد أتَيْتُ مُعْتَر … فًا بما جَنَته يَدَايَ من زَلَلِ ملآنَ كَفٍّ من كُلّ (a) مَأثَمةٍ … صِفْرَ يَدٍ من مَحَاسِن العَمَلِ فكيفَ أخْشَى نارًا مُسَعَّرةً … وأنْتَ يا رَبِّ في القِيامَة لي قال: فقال تعالَى: اذْهَبُوا به إلى الجَنَّة. قال: ولم يَعْرف أحدٌ هذه الأبْيَات له إلَّا في المَنَام. قَرَأتُ في كتاب عَجَائِب الأشْعَار وغَرَائِب الأخْبار (¬١)، جَمْعُ مُسْلِم بن مَحْمُود بن نِعْمة الشَّيْزَرِيّ (¬٢)، قال: حَدَّثَني الشَّيْخُ الإمَامُ العَالِمُ مُهَذَّب الدِّين (a) أبو السَّخَاء فِتْيَان البَانيِاسِيّ في سَنَة تِسْعٍ وسِتِّين وخَمْسِمائَة، قال: رأيْتُ مَلِك النُّحَاة أبا نِزَار في النَّوْم، فسَألتُه ما لَقي من رَبِّه، فقال: دَعْ هذا واسْمَعَ منِّي، ثمّ أنْشَدَني أبْيَاتًا لَم أحْفَظ منها سوى هذين البَيْتَيْن وهما المَعْنَى: [من الكامل] فإنْ نحنُ أجْتَمعنا بعْدَ بُعْدٍ … شَفينا النَّفْسَ من ألَمِ العِتَاب وإنْ ألْوى بنا صرفُ اللَّيالِي … فكُم من حَسْرة تحتَ التُّراب