page 2928, entry [1031]Open original source
الحَسَنُ بن سَعيد بن عَبْد اللَّه بن بُنْدَار بن إبْراهيم، أبو عليّ الشَّاتَانِيّ الدِّيَار بَكْرِيّ المَعْرُوف بالعَلَم (¬١) وكان يُنْبَزُ بِقَاع، وشَاتَان قَلْعَة من نَوَاحِي دِيَار بَكْر. كان فَقِيهًا، أَدِيْبًا، شَاعِرًا، جَيِّد الشِّعْر ظَريفًا، رَحَلَ إلى بغداد وتَفَقَّهَ بها على مَذْهَب الإمَام الشَّافِعيّ، بالمَدْرَسَة النِّظَاميَّة، على أبي الحَسَن عليّ بن سَلمان الأصْبَهَانِيّ، ثمّ قَرَأ الفِقْه من بعده على أبي عليّ الحَسَن بن إبْراهيم الفَارِقِيّ، وأبي مَنْصُور سَعِيْد بن مُحَمَّد الرَّزَّاز. واشْتَغَل بالأدَب على الشَّريف أبي السَّعَادَات ابن الشَّجَرِيّ، وأبي مَنْصُور ابن الجَوَالِيقِيّ، وسَمِعَ بها الحَدِيْث من القَاضِي أبي بَكْرٍ مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ، وأبي مَنْصُور عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد القَزَّاز، وأبي البَرَكَات عَبد الوَهَّاب بن المُبارَك الأنْمَاطِيّ، وأبي القَاسِم إسْمَاعِيْل بن أحْمَد بن السَّمَرْقَنْديّ، وأبي الحَسَن عليّ بن هِبَة اللَّه بن عَبْد السَّلام، وأبي القَاسِمِ هِبَة اللَّه بن الحُصَيْن الشَّيْبَانِيّ، وأبي الفَضْل مُحَمَّد بن نَاصِر السَّلَامِيّ، وأبي بَكْر مُحَمَّد بن القَاسِم الشَّهْرَزُورِيّ. كَتَبَ عنهُ الحافِظ أبو القَاسِم ابن عَسَاكِر، والحافِظ أبو المَوَاهِب الحَسَن بن صَصْرَى، والعِمَاد أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الأصْبَهَانِيّ. رَوَى لنا عنْهُ شَيئًا من الشِّعْر أبو مُحَمَّد المُعَافَى بن إسْمَاعِيْل بن الحَدَوْس، والفَقِيه أبو مُحَمَّد إسْمَاعِيْل بن هِبَةِ اللَّه بن بَاطِيْش. وقَدِمَ الشَّامَ سَنَة إحْدَى وثَلاثين وخَمْسمائَة، وعَقَدَ بها مَجْلِسَ الوَعْظ، وعاد إلى شَاتَان، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى المَوْصِل وسَكَنَها مُدَّةً، وسَيَّرَهُ أتَابِك زَنْكِي بن آقْ سُنْقُر، وكان صاحب المَوْصِل، رَسُولًا منه إلى دار الخِلَافَة، وإلى عدَّة أطْرَاف مِرَارًا مُتَعدِّدةً، وأقْبل عليه الوَزِير أبو المُظَفَّر يَحْيَى بن هُبَيْرَة، وأكْرَمَهُ، ومَدَحَ الوَزِير بقَصِيدَةٍ حَسَنةٍ، وكان بالمَوْصِل في كَنَف الوَزِير جَمال الدِّين مُحَمَّد بن عليّ، وَجِيْهًا عندَهُ، وتولَّى البِيْمَارِسْتان بالمَوْصِل، وتصرَّف في وَقْفه، فلمَّا نُكِبَ الوَزِير جَمال الدِّين، اخْتَلَّ أمْرُه فارْتَحل إلى الشَّام، وقَدِمَ حَلَب، وأقامَ بها مُدَّةً يَغْشَى القَاضِي مُحْيى الدِّين أبا حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الشَّهْرَزُورِيّ الحاكمِ بها يَوْمئذٍ. ثُمَّ انْتَقَلَ إلى دِمَشْقِ، وأكْرَمَهُ المَلِكُ العادِل نُور الدِّين مَحمُود بن زَنْكِي، وجَعَل له مَعْلُومًا من البرِّ، وكان يَغْشَى بها قاضِي القُضَاةِ كَمَال الدِّين أبا الفَضْل مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه بن الشَّهْرَزُورِيّ، ولم يَزَل كذلك حتَّى ماتَ نُور الدِّين مَحْمُود بن زَنْكِي، فقَطَعَ وَزِيرُهُ أبو صالح عبدُ الرَّحيم بن عبد الرَّحْمن بن الحَسَن بن العَجَمِيِّ مَعْلُومَه فهَجَاهُ، وقصَدَ المَلِكَ النَّاصِر صَلاحِ الدِّين يُوسُف بن أيُّوب ومَدَحَهُ، فنَفَقَ عليه، وأكْرَمَهُ، وزَادَ في إكْرَامِه وبرِّه، ثمّ رجع إلى المَوْصِل، وحدَّث بشيءٍ يسَيْر من مَسْمُوعَاته، وكان بينَهُ وبين العِمَاد الكَاتِب مَوَدَّةً أكيْدَة، ومُؤَانَسَةً، ومُكَاتَبةٌ بالشِّعْر والنَّثْر. قال لي الفَقِيه عِمَاد الدِّين إسْمَاعِيْل بن بَاطِيْش: إنَّ مَوْلد العَلَم الشَّاتَانِيّ في سَنَة خَمْس عَشرة وخَمْسِمائَة. وأنْبَأنَا أبو نَصْر مُحَمَّدُ بن هِبَة اللَّه بن الشّيْرَازيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن بن هِبَة اللَّه الحافِظ (¬١)، قال: ذَكَر لي -يعني الشَّاتَانِيّ- أنّ مَوْلده سَنَة عَشْرٍ وخَمْسِمائَة بقَلْعَة شَاتَان. سَمِعْتُ شَيْخَنا أبا الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَريم الجَزَرِيّ (¬٢)، قال: أخْبَرني أبي، قال: كان العَلَم الشّاتَانِيّ يَمْدَحُ مُجَاهِدَ الدِّين قَايْمَاز، وكان مُحْسِنًا إليه، فلمَّا قُبِضَ على مُجَاهِد الدِّين هَجَاهُ الشَّاتَانِيُّ، فأُطْلِق مُجَاهِد الدِّين من الاعْتِقَال، فقَطَعَ جَارِي العَلَم الشَّاتَانِيّ الّذي كان له على جَامع المَوْصِل، فدَخَلَ عليه وأنْشَدَهُ أوَّل قَصِيدَة عَملها: [من الطويل] كَفَاني عِقَابًا ما جَنَيْتُ على نَفْسِي فقال له مُجَاهِد الدِّين قَايْمَاز: حَسْبُكَ لا تَزد على هذا؛ فلو أنَّك امْرُؤ القَيْس ما أتَيْتَ في الاعْتِذَار بأبْلَغَ من هذا، ثمّ عَفَا عنه، وأطْلَق جَارِيَهُ على ما كان. أنْشَدَني أبو مُحَمَّد المُعَافَى بن إسْمَاعِيْل بن الحَدَوْس المَوْصِلِيّ، قال: أنْشَدَنا عَلَم الدِّين الحَسَن بن سَعيد الشَّاتَانِيّ لنَفْسِه: [من الخفيف] قُلْتُ: ثَقَّلْتُ إذ أتيْتُ مِرَارًا … قال: أثْقَلْتَ كَاهِلي بالأيَادِي قُلْتُ: طوَّلْتُ، قالَ: أَوْلَيْتَ طَوْلًا … قُلتُ: أَبْرَمْتُ، قال: حَبْلَ الوِدَادِ وأنْشَدَني أبو مُحَمَّد ابنُ الحَدَوْس الفَقِيه، قال: أنْشَدَني الشَّاتَانِيّ أيضًا لنَفْسِه: [من الرمل] عَمَّ بالمَعْرُوف حتَّى لَم يَدَع … أحَدًا ينْفَكُّ عن مِنَّتِهِ صَدَقَتْ نِيّتُهُ في فعْلِهِ … فاهْتَدَى بالصِّدْقِ مِن نيَّتِهِ أنْشَدَني عِمَاد الدِّين أبو المَجْد إسْمَاعِيْل بن هِبَة اللَّه بن سَعيد الشَّافِعيّ الفَقِيه، قال: أنْشَدَنا عَلَم الدِّين الشَّاتَانِيّ بالمَوْصِل بالجامع النُّوْرِيّ، قَبْل وَفاتِهِ بقَلِيل، وأحْضَر دوَاةً ورُقْعَةً وكَتَبْتُهما من لَفْظه في ذلك المَجْلِس، ولم يُسَمّ قَائلًا (¬١): [من الخفيف] مِلْ مَعي ما عليكَ ضرِّي ونَفْعِي … نَسْأل الجَزْعَ عن ظباءِ الجزْع فعليَّ السُّؤَالُ ليسَ عليَّ الـ … ــعارُ إنْ ضَنَّتِ الغَوَاني (a) برَجْعِ أنْبْأنَا القَاضِي أبو نَصْر ابن الشِّيْرَازيّ، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الدِّمَشقيّ (¬٢)، قال: الحَسَنُ بن سَعيد بن عَبْدِ اللَّه بن بُنْدَار، أبو عليّ الدِّيَار بَكْرِيّ الشَّاتَانِيّ، قَلْعَةٌ من دِيَار بَكْر، ذَكَرَ أنَّهُ سَمِعَ ببَغْدَاد أبا القَاسِم بن الحُصَيْن، وأبا بَكْر ابن صِهْر هِبَة (¬٣)، وأبا مَنْصُور بن زُرَيْق، وأبا الحَسَن بن عَبْد السّلام الكَاتِب، وأبا البَرَكَات الأنْمَاطِيّ، وأبا الفَضْل بن نَاصِر، وأبا بَكْر مُحَمَّد بن القَاسِم بن الشَّهْرَزُورِيّ. وتَفَقَّهَ على أبي عليّ الحَسَن بن سَلْمَان، وأبي مَنْصُور ابن الرَّزَّاز ببَغْدَاد، وعلى أبي عليّ الحَسَن بن إبْراهيم بن بُرْهُون الفَارِقِيّ، وتَأدَّبَ على الشَّريف ابن الشَّجَرِيّ، وأبي مَنْصُور ابن الجَوَالِيْقِيّ، وقال الشِّعْرَ، وأنْشأ الرَّسَائِل، وقَدِمَ دِمَشْق في سَنَة إحْدَى وثَلاثين وخَمْسِمائَة، وعَقَدَ مَجْلِسَ الوَعْظ، وعَاد إلى وَطَنِهِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى المَوْصِل، وخَدَمَ دَوْلة أتَابِك زَنْكِي ووَلده ﵀، ورُسِّلَ إلى الخَلَيفَة المُقْتَفِي، وإلى عدَّة أطْرَاف، وعاد إلى دِمَشْق سَنَة ثمانٍ وسِتِّين وخَمْسِمائَة. فممَّا أنْشَدَني (¬١) لنَفْسِه ممَّا كَتَبَ به إلى خَطِيْب خُوارَزْم أحْمَد بن مَكِّيّ، وكان مَشْهُورًا بالفَضْلِ، جَوَابًا له عن أبْياتٍ كَتَبَ بها إليه: [من الطويل] سَلَامٌ كنَشْرِ الرَّوْض تَسْري (a) بهِ الصَّبَا … فتَعْبَقُ مِن أنْفَاسِهِ وتَطِيْبُ على منْ يَرَاهُ القَلْبُ مَعْ بُعْدِ دَارِهِ … قَرِيْبًا ويَدْعُو وُدَّهُ فيُجِيْبُ إمِامٌ لهُ في الفَضْلِ أَشْرَفُ رُتْبَةٍ … إذا رَامَهَا خَلْقٌ سِوَاهُ يَخِيْبُ وَقُورٌ إذا طَاشَ الحَلِيمُ حَيَاؤُهُ … على نَفْسِهِ فيما يَرُومُ رَقِيْبُ تَفُلّ (b) غرَارَ السَّيْف حِدَّةُ عَزْمِهِ … فيَرْتاعُ منها الرَّوْعُ وَهْوَ مَهِيْبُ إذا ما عَلَا صَدْرَ الأئمَّةِ مِنْبَرًا … فقُسٌّ عليهِ بالبَيَانِ خَطِيْبُ حَبِيْبٌ حَبَاني مِن جَوَاهِرِ لَفْظِهِ … بما قَلّ عنه (c) جَرْوَلٌ وحَبِيْبُ فحَلَّى بها جِيْدِي وقد كان عَاطِلًا … وجَدَّد بُرْدًا أنْهَجَتْهُ (d) خُطُوبُ وصَفَّى ليَ العَيْشَ الّذي هُوَ دَائمًا … بتَكْدير أحْدَاثِ الزَّمانِ مَشُوْبُ يُلقّح أبْكَارَ القَرَائِح فِكْرُهُ … نَسِيْبٌ لأرْوَاحِ الأنامِ نَسِيْبُ ألَا هَلْ أرَى نَادِي نَداهُ فأرْتَوي … فقد كدْتُ مِن بَرْحِ الغَرَام أَذُوْبُ والأبْيَاتُ الّتي كَتَبَ بها خَطِيْبُ خُوارَزْم ابتَداءً (¬٢): [من الطويل] هُدَى عَلَمِ الدِّين المُفَخَّمِ شَأنُهُ … له في عِظَامِي والعُرُوقِ دَبِيْبُ تُشُوِّقني الذِّكْرَى إليهِ فأَنْثَني … وأَيْسَرُ ما بينَ الضُّلُوعِ لَهِيْبُ أَحِنُّ إليه حَنَّةً كُلَّما دَعَتْ … شَآبيْبُ دَمْعِ العَينْ فَهْي تَجِيْبُ بَعِيدٌ (a) إذا قلَّبْتُ طَرْفيَ نَازِحٌ … وإنْ لحظَتْهُ فِكْرتي فقَرِيْبُ يَشِيْمُ لكَشْفِ الغَامِضَاتِ مُهَنَّدًا … يُطَبّقُ في أوْصَالها ويُصِيْبُ أتَاني كتَابٌ منه عَمَّ سُرُورُهُ … يَهَشُّ لَهُ دَامِي الجُفُون كَئِيْبُ أرَاهُ افْتِخَارًا للفَرَزْدقِ زَانَهُ … بطَبعْ جَرِيرٍ مَدْحُهُ ونَسِيْبُ تَخَيَّرَهُ عَذْبَ الكَلَامِ كأنَّهُ … رضيْعُ هُذَيْلٍ بالعُذَيْبِ رَبِيْبُ ﷽ وبه توفيقي أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن إسْمَاعِيْل بن أبي الحَجَّاج إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حَامِد الأصْبَهَانِيّ الكَاتِبُ (¬١)، قال: عَلَم الدِّين الشَّاتَانِيّ أبو عليّ الحَسَنُ بن سَعيد بن عَبْدِ اللَّه، وشَاتَان من نَوَاحِي دِيَار بَكْرٍ، مقَامُهُ بالمَوْصِل، ومَقَرُّ أهْلِهِ، ومَطَارُ فَضْله، ووَكْرُ فِراخِهِ، ووِرْدُ نُقَاحِهِ، ومُنَاخُ أشْيَاخِهِ، ومَرْمَى مَرَامِهِ، ومَرْعَى سَوَامِهِ، ومَرَادُ مُرَادِهِ، ومَرْيَضُ جَوَادِه، ومَرَاحُ مِرَاحِهِ، ومَغْدَى (a) فَلاحِهِ، ومَرْبَع اغْتباقِهِ واصْطباحِهِ، ومَرْتَعُ اغْتباطِهِ واصْطِلَاحِهِ، ومَنْبَت (b) عَملِهِ، ومُثْبت (c) أمَلِهِ، ومَغْنَى غِنَاه، ومَبْنى بُنَاه (d)، وأرْض رِضاهُ، ورَوْض هَوَاهُ، ووَطَن وَطَره، وحَضِيرة (e) حَضَرِه، وبُقْعَة شَاتِه، ورُقْعَة شَاهِهِ، وقَلْعَة (f) نَجاتهِ، وبُلْغَة (g) جَاهِهِ، وهو في مَارَسْتَانها مُتَوَلٍّ، وعلى ضَبْطِ (h) الأوْقَافِ مُسْتَول. وله شِقْشِقةٌ في الأدَب تَهْدِر فَصَاحَةً (i)، وحَمْلَقةٌ في النَّظَر للعجب يُسَمِّيها حُسَّادُهُ حَمَاقَة، قد وفَّر اللَّهُ حَظَّهُ من النَّطْق فما يرى السُّكُوت، ويَسْتَلذُّ بالاسْتِكْثَار من الكَلَامِ ومُوَاصَلَته ولو هَجَر القُوْت، إذا حَضَر أدَبًا (j) لَم يَرْضَ إِلَّا بأنْ يَنْفَرد (k) بالقَوْل وغَيْره يَسْتَمِع (l)، ويُرْفَع (m) بالفَضْل والكُلُّ مُتَّضِع، لا جَرَمَ تَرْشُقُهُ سِهَامُ الإيْذَاءِ، وتَطْرقُه قَوَارضُ الطُّرَقاء (n). ولقد كانَ في أمَانٍ من الطَّيْشِ، وضَمَان من طِيْب العَيْش، وفَرَاغٍ ورَفاغة، وبُلْغَةٍ من بَلَاغة، ورَفاهيَةٍ بغير كَرَاهِية، ونِعْمَةٍ لقَدْر فَضْله مُضَاهيَة، وبَضَائع نَافِقَة، وذَرَائع مُوَافقة، ونُقُودٍ رَائجة، وعُقُود مُتَناسِقة، ذلك والصَّدْرُ الوَزِيرُ جَمالُ الدِّين بالمَوْصِل في صَدْرِ وزَارتهِ مُشْرق الجَمَال، مُتألِّق الإقْبَالِ، فَائِضُ السِّجَال، مُسْتَفِيض النَّوَال، غَامرُ أُولي الفَضْلِ بالإفْضَالِ، وهُمْ في ظلِّهِ يَقِيْلُونَ، وإلى نَيْلِهِ يَميْلُونَ، وبطَوْلهِ يَطُوْلُونَ، وبصَوْله يصُولُونَ، وإلى فَيْضهِ يُوْفِضُون، وفي رَوْضهِ يَرْتَاضُونَ، ولنَدَاهُ يُنَادُونَ، ولجَدَاهُ يَجْتَدُونَ، وبَنْجمِهِ يَهْتَدُونَ، ولهَدْيهِ يَسْتَهْدُونَ، وعَلَمُ العَلَم في العِلْم عندَهُ عالٍ، وسِعْر الشِّعْر في سُوق الرَّجَاء رَائِجٌ غَالٍ. فلمَّا نُكِبَ الوَزِير، نَضَبَ الغَدِيرُ، وفاضَ الجَهْلُ، وباضَ الجَوْر، وغَاضَ الماءُ، وقُضِيَ الأمْرُ، وانْهَزَّ (a) جُوْدِيُّ الجُوْد، وذَوَى عُوْدُ الوُعُود، وابْتُليَتْ بالحُزْن النُّهَى، وبالخَزْن اللُّهَى، وصِيْنَ العَرَضُ، وبُذِلَ العِرْضُ، وقَصُرَ الطُّوْلُ، وضَاقَ العَرْضُ، وحَال الجَرِيْض دونَ القَرِيْض، وأغْنَى التَّصْريح بردِّ ذَوي الحَاجَاتِ عن التَّعْريض، وانْقَطَعَ الوَاصلُونَ إلى المَوْصِل، وتفَرَّق الفَاصِلُونَ (b) عن المَحْفِل، وغَلَبَ اليأسُ علِى الرَّجَاءِ، والبُخْل على السَّخَاءِ، وأظْلَم الجَوُّ، وعُدِمَ الضَّوُّ، وشَتَّا الشَّاتَانِيّ بعدَهُ وَصَاف، ففَقَد الإنْصَاف، وحُرِمَ الإسْعَاف، ووقَف أَمْرُه في الوَقْف، وعُوِّض بدَفْعه (c) بالعُنْف، ونُفي حقُّه ونُسِي، وأُرْجي رَجَاؤُه وأُنْسِي، ورَأى المُوْصِل مُقْطعًا والمَفْزَغَ مُفْزعًا، والمَوْلَى مُوَلِّيًا، والسَّابِق مُصَلِّيًا، والمعْرَفة نَكِرَة، والمَغْرَفَةَ (d) مُنْكَسِرة، والمَرَقَةُ مُرَاقَة، والوَرَقَة مُتَخَرِّقَة (e)، ورِفْقَة الأدَب عن المَأْدُبَةِ مُتَفَرِّقَة، وطلَب إِسْفَار صُبْح حَالِهِ، وسُفُور وُدّ (f) جَمَالِهِ، في أَسْفَاره وحَلِّهِ وتَرْحَالهِ. فلمَّا سَارَ آنَسَ بالشَّام (a) من نُور الدِّين نارًا بل نُوْرًا، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (¬١)، فاتَّخَذَ دِمَشْقِ دَارَ هِجْرَتهِ، وغَار أُسْرَتِهِ، ومَبْرَك مَبرَّتهِ، ومَسْرَح مَسَرَّتهِ، ومَجْثَمَ رُبُوضِه، ومَوْسِم سُنَنِه وفرُوضِهِ، ومَرْح مَرَحِه، وبُرْج فَرَحهِ، وبَيْت قَصْدِه، وبَيْت قَصِيْدَته، فأَشْرَقَ عند النُّورِ نُوْره، وانْتَظمَتْ بأمْرِه أُمُوره، ودَرَّتْ أنْوَاءُ إدْرَاره، وذَرَّتْ أنْوار أبْدَاره (b)، فلمَّا خَبَا ذلك النُّور، طُوِيَ المَنْشُور، وأطْبَق الدُّسْتُور، وتَوَلَّى أبو صَالِح (¬٢)، مُلْكَ المَلِك الصَّالِح، بَدَأ بتَبْطِيْل المَصَالِح، وتَعْطِيل المَنَائِح، ومَنعْ الصِّلَات، ورَفْعِ الصَّدَقَاتِ، وقال للشَّاتَانِيّ: غِبْ وخِبْ، وإذا دُعِيْتَ فلا تُجِبْ، فما لأريبٍ عندنا أَرَب، وما لأدِيْبٍ لدينا إلَّا الدَّأَبْ، والفَضْلُ فضُول، والعِلْم غُلُول، وما عَلمَ العَلَمُ حينئذٍ كيفَ العَمَلُ، وفِيْم الأمَل؛ أيحْتَمل أم يتحَمَّل، أيُغَرِّبُ أم يُشَرِّق، أيُنْجِد أم يُعْرِق، حتَّى تَدَاركَ اللَّهُ ذَماء الفَضْل، ورَعَى ذِمَام أهْلِهِ، بإنَاره صُبْح الحَقّ، وإيْضَاح (c) سُبلهِ، وإعْلَاءِ أعْلَام النَّدَى، وإحْكَام أحْكَام الهُدَى، ووُصُول الرَّايَاتِ المَلكِيَّة النَّاصِرِيَّة إلى الشَّام، وقيامه بنَصْر الإسْلَام، انْتَعَش جَدُّ الكَرم (d) العَاثِر، وحَيي رَسْمُ الجُوْد الدَّاثِرِ، وفَرَّ ذلك الشَّيْطان من ظِلِّ عُمَر، وغَمَّ ذلك الغَمّ (e) ما أفاضَ من البِرِّ وغَمَر، وصَار الشَّام بيُوسُفَ مِصْرَ مِصْرًا آخر بإحْسَانه، قد فَرَّ عَوْن فِرْعَونه وهَامَانه، وبَسَط المَكْرُمَاتِ، وأدَرَّ المَبَرَّات، ورَدَّ الصِّلَات والصَّدَقَات، وعادَتْ حالُ هذا الفَاضِل حَالِيَة، وقِيْمته غَالِيَة، ودِيْمَةُ حَظِّه هَامِيَة، وحِظْوَة فَضِيْلَته نَامِيَة، ومَدَحَهُ بقَصِيدَةٍ أوَّلُها (¬١): [من الطويل] أرَى النَّصْرَ مَعْقُودًا برايتك الصَّفْرا … فَسِرْ وافْتَح الدُّنْيا فأنْتَ بها أَحْرَى ومنها: يَمِيْنُكَ فيها اليُمْن واليُسْرُ في اليُسْرَى … فبُشْرَى لمَنْ يَرْجُو النَّدَى بهما (a) بُشْرَى وهذا عَلَمُ الدِّين ذو العِلْم الغَزِير، والفَضْل الكَثِيْر، والمَحْفُوظ (b) الوَافِر من كُلّ فَنّ، وهو المَحْظُوظ بكُلّ قَبُول ومَنِّ، قد وَفَدَ في رَبْعَان عُمْره إلى عَمِّي العَزِيز ببَغْدَاد، واتَّخَذَهُ المَعَاذ، ومَدَحَهُ، فأجازهُ ومَنَحه، وسلَّمَهُ إلى ابن سَلْمَان (¬٢)، فقرأ عليه الفِقْه، وبلغَ من مَعْرفَته الكُنْهَ، واكْتَسَبَ خُلُقه الظّرْفَ، واكْتَسَى شِعْره الرِّقَّة واللُّطْفَ، حَاوِي المَحَاسِن، صَافِي البَاطِنِ، سَلِيْم القَلْب، قَويم اللُّبَ، حُلْو الفُكَاهَة، خلْو من السَّفَاهَة (c)، بَدِيْع الفِقْرة، سرِيع النَّفْرَة، عَجِل الأوْبَةِ، طَويْلُ الفِكْرِة، قليلُ العَثْرَة، مُسْتَجيب العَبْرة، مُسْتَريب بالكَرَّة، وإذا أرَدْت أَنْ تغيْظَهُ فتَعَرَّضْ له أو اعْتَرض عليهِ، وتحدَّث بينَ يَدَيْهِ، وقُلُوب الفُضَلَاء مَغْسُوِلة، وحِكْمتُهم مَعْسُولة، وحِدَّتُهمِ مَقْبُولة، وشِدَّتُهم لِيْنٌ، وغَثُّهُم سَمِيْن، ومُقَارَنتهم (d) فَضِيْلة، ومُجَانَبتُهم رَذِيلة، وشَرَفهُم عَتيْد، وأنَفُهم شَدِيد. قد تَوَجَّه من المَوْصِل (a) إلى دار الخِلَافَة مِرَار [ا]، ووَجَد برِّها (b) وكَرَامتها على الأغْيَار إبْرَارًا، وأقْبَل عليه الوَزِير الهُبَيْرِيّ لشَغَفه بأمْثَاله من أهْلِ الفَضْل، وعَاد نجيْح السَّعْي مَوْفُور المَحَلّ. أنْشَدَني لنَفْسِه من قَصِيدَة وازَنَ بها قَصِيدَةً لي نَظَمْتُها في ابن هُبَيْرَة الوَزِير (¬١): [من الكامل] أهْدَى إلى جِسْمي (c) الضَّنَى فأعَلَّهُ … وعَسَى يرقّ لعَبْدِه ولعَلَّهُ ما كُنْتُ أحْسبُ أنَّ عَقْدَ تَجَلُّدِي … يَنْحَلُّ بالهِجْرَان حتَّى حَلَّهُ يا وَيْحَ قَلْبي أين أطْلبُهُ وقد … نَادَى به دَاعِي الهَوَى فأضَلَّهُ إنْ لَم تَجدُ بالعَطْف منه على الّذي … قد ذَاب من بَرْح الغَرَام فَمْنْ لَهُ وأشَدُّ ما يَلْقَاهُ من ألَم الهَوَى … قَوْلُ العَوَاذِل أنَّهُ قد مَلَّهُ قال العِمَاد (¬٢): وعَتِب عليَّ ونحنُ بدِمَشْق مُتَجَنِّيًا، وضَنَّ بمُوَاصَلَته مُتَظَنِّيًا؛ فإنَّهُ كان يَسْتَشِيطُ من كُلّ كَلمة فيها قَاع (¬٣)، حتَّى يَغْضَبَ من ذكْر الفُقّاعَ، فعُمِلَتْ أبياتٌ لا يَخْلُو بَيْتٌ فيها من هذه اللَّفْظَة، في مَعَان حِكَمِيَّةَ ليسَ فيها ذِكْره (d)، وكانت تُنْشَدُ وهو يَغْضَبُ ويَحْرَدُ، ونَسَبَها مَنْ أراد إغْرَاءَهُ بي إليَّ، فعَتَب لأجْل ذلك عليَّ، وكَتَبْتُ إليه: [من المنسرح] لا أوْحَشَ اللَّهُ منكَ يا عَلَم الدِّ … يْن نَدِيَّ الكِرَام والفُضَلَا أَعَنْ قِلًى ذا الصُّدُود أم مَلَلٍ … حَاشَى العُلَى مَلَالةٍ وقِلَى هَلْ حَالةٌ (e) في العُلَى لرَبِّ عُلى … إنْ يَغْتَدي هَاجِرًا لرَبّ عُلَى كُنْتَ أخًا إنْ جَفَا الزَّمان وَفَى … أو قَطَعَ الوُدَّ أهْلُهُ وَصَلَا إنْ أظْلَمَتْ خُطَّةٌ أضَاءَ لها (a) … أو ظَلَمَ الخَطْبُ جَائرًا عَدَلَا رفيقُ رِفْقٍ لنا إذا عَنفَ الدَّ … هْرُ وخلًّا يُسَددُ الخلَلَا صَدِيقُ صِدْقٍ ما زال إنْ كذَبَ السُّـ … ــعَاةُ للأصْدِقَاءِ مُحْتَمِلا فما الّذي كدَّر الصَّفَاء مِنَ الـ … ــوُدِّ ولم يُرْوِ وِرْدُهُ الغُلَلَا فَضْلُكَ رُوْح العُلَى وهَل بَدَنٌ … من رُوحهِ الدَّهْرَ واجِدٌ بَدَلَا عَذِّبْ بما شِئْتَ من مُعَاتَبةٍ … أمَّا بهذا الهَجْر المُمضِّ فَلَا في العُمْر ضِيْقٌ فصُنْهُ مُنْتَهِزًا … في سَعَة الصَّدْر فُرْصَةُ العُقَلَا أمَا كَفَى نائبُ الزَّمانِ على … تَفْريقِ شَمْل الأُلَّافِ مُشْتَملا ما بَالنُا ماشَى ما نَرى وإنْ كَرُمُوا … إلَّا منَ الأصْدِقَاء كُلَّ بَلَا إذِا شُعِفْنا بقُرْب ذِي شَعَفٍ … بقُرْبنا (b) قيل قد نَأىْ وَسَلَا زهِدْتَ فينا وسَوْفَ تطْلُبُنا … رُبَّ رَخيْصٍ بعدَ الكَسَادِ غَلَا إنْ كان في طَبْعِكَ المَلَالُ من الشَّـ … ــيء فهَلَّا أقْلَلْتَ (c) ذا المَلَلَا بعدَ كَمَال الإخاءِ تنقُضُهُ … فَخاذِرِ النّقْصَ بَعْدَما كَمَلَا كم صَاحبٍ قالَ لي: ألَسْتَ على … بَلَاءِ وُدِّي تُقِيْمُ قُلْتُ بَلَى كَفَى لخِلِّى بدَيْنِ خُلَّتِهِ … مَجْدِي وفَضْلي ومَحْتَدِي كُفَلَا وكُلُّ عِلْمٍ لَم يَكْسُ صَاحِبَهُ … حِلْمًا تَرَاهُ عُطْلًا بغَيْر حُلَى لحفْظِ قَلْب الصَّدِيْق أَجْتَرعُ الصَّـ … ــابَ وأُبْقي لكأسهِ العَسَلَا إنْ أنْكَرَ الحَقَّ كُنْتُ مُعْتَرفًا … به أوِ اعْوَجَّ كُنْتُ مُعْتَدِلَا أو قالَ ما قال كُنْتُ مُسْتَمِعًا … إليه بالقَول منهُ مُحْتَفِلَا فَضْلُكَ في العَالَميْنَ ليسَ لهُ … مِثْلٌ وقد سَارَ في الوَرَى مَثَلا فأَوْلِنَا الفَضْلَ يا وَلِيَّ أُولِي الـ … ـــفَضْل ولا تَبْغ حَلَّ عَقْدِ وَلَا يا عَلَمَ الدِّين أنْتَ عَلَّامَةُ الـ … ــعِلْم الجَليُّ الأوْصَاف وابنُ جَلَا عَرَّفنيَ العُذْرَ في اجْتِرَاحِكَ ذَنْـ … ــبَ العَبْد (a) واحْضُر مُسْتَحْيِيًا خَجِلَا وافْصِل جَمِيلًا هذي القَضِيَّة بالـ … ـــعَدْل وخَلِّ التَّفْصِيْلَ والجُمَلَا واعْذُر جَهُولًا إذا حُسِدْتَ فما … صَار حَسُودًا إلَّا لِمَا جَهِلَا وجِلْتُ من هَجْركَ المَخُوف فَصِلْ … واجْلُ عن القَلْب ذلكَ الوَجَلَا وابْخَل بوُدِّي يا سَمْحُ فالسُّمَحَا … ءُ الغُرُّ صُبْرٌ (b) بوُدِّهم بُخَلَا إنَّ الكِرَام الّذين أعرفُهم … قد أوْضَحُوا لي من عُرْفِهِمْ سُبُلَا يُسَامحُونَ الصَّدِيْقَ إنْ زَلَّت النَّـ … ــعْلُ ويُغْضُونَ إنْ رَأوا زَلَلَا وهُمْ خِفَافٌ إلى المَكَارِم لي … لكنَّهُم عن مَكَارِهي ثُقَلَا فكُنْ مِنَ المُرْتَجى غَنَاؤُهُمُ … في صدْق وُدِّي وحَقِّقِ الأَمَلَا قال (¬١): فكَتَبَ إليَّ مُتَعَتِّبًا (c)، ووَصَل مُتَقَرِّبًا: [من المنسرح] قُلْ لعِمَادِ الدِّين الّذي رَقَمَتْ … أقْلَامُهُ في طُرُوسهِ الحُلَلَا تَزِيدُ أبْصَارَنا إذا نُشِرَتْ … نُوْرًا فتَجْلُو بحُسْنِها المُقَلَا فابنُ هِلَالٍ ونَجْلُ مُقْلَةَ لو … رَامَا مَدَاهُ في الخَطِّ ما وَصَلَا فكُلُّ تَالٍ لها ومُسْتَمِعٍ … يهُزُّ عِطْفًا مِن رَاحها ثَمِلَا يا بَحْرَ عِلْم عَذْبًا لوَاردِهِ … كَيْفَ أُسَاوِي بفَضْلِهِ (d) وَشَلَا لكَ اليَرَاعُ الّذي تَفُلُّ بهِ الـ … ــبِيْضَ المَوَاضِي وتَعْزِلُ الأسَلَا أوْدَعَهُ اللَّه ذُو الجَلَالِ كما … أرادَ رزْقَ العِبَادِ والأجَلَا عَمُّكَ عَمَّ الأنَامَ نَائلُهُ … فصَيَّرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ خَوَلَا وسَادَ كُلَّ الوَرَى بسُؤْدَدِهِ … وشَادَ مَجْدًا سَامَى بهِ زُحَلَا مَنْ كُنْتُ قِدْمًا رَبيْبَ نِعْمَتِهِ … نَشْوًا وغُصْنُ الشَّبَابِ ما ذَبَلَا فلو رَأى حَاتِمٌ مَوَاهِبَهُ … لصَارَ مِن جُوْدِ كفِّهِ خَجِلَا أرَاهُ مَوْلَاهُ ما أَعَدَّ لهُ … في الخُلْدِ فانْقَادَ للرَّدَى جَذِلَا وارْتَاحَ للرَّاحَةِ الّتي امْتَزَجَتْ … بالرُّوْح فيها وعَافَ دَارَ بَلَا حَيَّا الحَيَا قَبْرَهُ وأنْبَتَ ما … علَيهِ مِن رَوْضِهِ الأنيْقَ حُلَى تَاللَّهِ ما حُلْتُ عن وَلائكُمُ … يَوْمًا ولا اعْتَضْتُ عنْكُمُ بَدَلَا لكن رأيْتُ الخُمُولَ أَرْوَحَ لي … ممَّا (a) أُعَانِي الخِصَامَ والجَدَلَا في دَار مَوْلًى تُقِيْمُ لي أبَدًا … جُمُوعَهُ في خُصُومَتِي رُسُلَا يُشِيرُ إلى قاضِيِ القُضَاة كمال الدِّين ابن الشَّهْرَزُورِيّ، فإنَّ الجَمَاعَة كانوا يُدَاعبُونَهُ بحَضْرته، ويَعْضَهُونه (b) بكَلمته. مَنْ كُنْتُ لَيْثَ الشَّرَى فغَادَرَني … بحَمْلِ أثْقَالِ جَوْرِهِ جَمَلَا أَرَى نَهِيْقَ الحِمَار يُطْربُهُمْ … ويُنْكِرُونَ الجَوَادَ إنْ صَهَلَا يُجْحَدُ فَضْلي وكُلُّ ذي أدَبِ … يَمْتَارُ ممَّا أصُوغ مُرْتَجِلَا مَنْ لي بخِلٍّ تَدُومُ خُلَّتُهُ … ولا أَرَى في خِلَالهِ خَلَلَا تَرَى ميَاهًا عَيْنْي وبي ظَمَأٌ … وما أُرَوِّي بوِرْدها الغُلَلَا وهذه قِصَّتي مُخَمَّرةً (c) … نَظَمْتُ تَفْصِيلَهُ (d) له جُمَلَا أنْشَدَنا إبْراهيمُ بن سُلَيمان بن النَّجَّار الكاتِبُ الدِّمَشقيّ بها، قال: أنْشَدَني شِهَابُ الدِّين فِتْيَان الشَّاغُورِيّ لنَفْسِهِ، وذَكرَ أنَّهُ أنْشَدها صَفِيّ الدِّين أبا الفَضْل بن القَابِض وكان في مَجْلِسه العَلَم الشَّاتَانِيّ وكان يُنْبَزُ بِقَاع، ويَغْضَبُ إذا ذُكِرت هذه الكَلِمَة بحَضْرته (¬١): [من الدوبيت] هَاجتْكَ رُسُومٌ عَفَتْ لزَيْنَبَ بالقَاع … أَمْسَتْ دُرُسًا بَعْدَها مُعَطَّلَةً قَاعْ لا جَادَ عليها من السَّماءِ مُلِثٌّ … يَنْهَلُّ بمُثْعَنْجِرِ الوَدِيْقَةِ وَقَّاع (a) إنْ كُنْتَ كَرِيْمًا على الجَمِيْل مُسِفًّا … لم تُمْسِ على هَامَةِ الدَّنَاءَة وقَّاع فاسْلُك سَنَنَ الفَضْل مَادِحًا لأبي … الفَضْل تكُن عندَهُ ابن شَوْذَب قَعْقَاع (b) واسْمَع مثلًا هَلْ يُقَاسُ شَارِبُ خَمْر … [في النَّاس] (c) إذا مَا انْتَشَى بشَارب فُقَّاع قال: فغَضِبَ لذلك واسْتَشَاط غَيْظًا، والأبْيَاتُ أكْثر من ذلك لَم يكُن على خَاطِره غير هذه الخَمْسة منها. أخْبَرَني مُوَفَّق الدِّين عليّ بن مُحَمَّد البَغْدَاديّ الشَّاعر بسِنْجَار مُذَاكَرَةً، قال: كان البَهَاء السِّنْجَارِيّ في خِدْمَة تَقِيّ الدِّين عُمَر بن شَاهَنْشَاه، فقال له يَوْمًا أُرِيْدُ أنْ أصِيْح على العَلَمِ الشَّاتَانِيّ: قَاع، بحَضْرَة السُّلْطان المَلِك النَّاصِر، وكان الشَّاتَانِيّ يُنْبَزُ بِقَاع، ويَغْضَبُ من ذلك، قال: وكان يَجْلسُ إلى جَانِب المَلِك النَّاصِر في المَجْلِس، ويُظْهر تيْهًا على غيره من الشُّعَراء، فقال له تَقِيّ الدِّين: لا تَفْعَل، فما يُعْجب السُّلْطان هذا، فقال له البَهَاء السِّنْجَارِيّ: بلى ولا أقُول ذلك إلَّا على وَجْهٍ لَطِيْفٍ يُعْجِبُ السُّلْطان، فحَضَر اليَوْم الثَّاني والعَلَم إلى جانب السُّلْطان، فوقَف بين يَدَي السُّلْطان فأمَرَهُ بالجُلُوس، فقال: معي خدْمةٌ، فأمَرَهُ بالإنْشَاد، فابْتَدأ وقال: [من السريع] ما للصَّدى إلَّا لديك انْتِقَاعْ … مَلَّكَكَ اللَّهُ جَمِيْع البِقَاعْ وذَكَرَ قَصِيدَةً طَوِيلَةً على هذه القَافِيَة يمدَحُه فيها، قال: فتَبَرَّم العَلَمُ، وجَعَل يَكْظم غَيْظه، والسُّلْطان قد اسْتَغرق في الضَّحك وجَعَل يَسْتَتر في البُرْج (a) المَنْصُوب في الخَيْمَة عن العَلَم، ويَجْتَهدُ أنْ لا يَرَاه، وأهْل المَجْلِس منهم مَنْ خَرَج إلى خارج الخَيْمَة، ومنهم مَنْ جَعَل يَضْحَكُ ويُخْفِي ذلك جُهْدَهُ، فلمَّا فَرَغ من الإنْشَادِ، جَلَس إلى جانب العَلَم وسَكَت سَاعةً، ثمّ الْتَفَتَ إليه وقال له: يا مَوْلَانا عَلَم الدِّين، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا﴾ (¬١)، يا عَلَم الدِّين، قاع على أيّ شيءٍ انْتَصَبَ؟ فصَاحَ فيه، وقال: على كذَا وكَذَا من عِيَالك، وشَتَمهُ شَتْمًا قَبِيْحًا. أخْبَرَني عِزّ الدِّين أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد الكَريم الجَزَرِيّ (¬٢)، قال: كان العَلَم الشَّاتَانِيّ طَرِيفًا، وكان كَثِيْر المُخَالَطة لكَمَال الدِّين ابن الشَّهْرَزُورِيّ، وكان يُدَاعبُه كَمَال الدَّين، فَحَضَر يَومًا عنده وسَبَّ الإسْمَاعيليَّة وكَفَّرَهُمِ وسَخَّفَ آراءَهُم، فسَيَّرَ كَمَال الدِّين رَجُلين من أصْحَابه ليُفَزِّعَاهُ، ونَزَلا عليه ليلًا، وجذَبَا عليه سِكِّيْنَتَيْن، وقالا له: نحنُ قد سَيَّرَنا سِنَانٌ (¬٣) إليكَ لنَقْتُلَكَ، وهو يَقُولُ لك: وَيْلك كَمْ تَتَجَرَّأ علينا وتَشْتِمُنا وتَتَسَمَّج في حَقِّنا؟ قال: فطَارَ عَقْلُهُ، وجَعَل يتَضَرَّعُ إليهما ويَسْألهما أنْ لا يَقْتُلاه ويقُولُ: يُكْذَبُ عليَّ، وما قلتُ شيئًا، ومع هذا فأنا تائبٌ، ولا أعُودُ إلى شيءٍ من ذلك أبدًا، فقالا له بعد الجُهْد: فما يُمْكنُنا أنْ نَمْضي إليه إلَّا بعَلَامَةٍ أَمَرَنا بها ليَعْلَم أنَّنا وَصَلْنا إليك، وقَدَرْنا على قَتْلك، ولا بُدَّ من قُفْلٍ نَقْفِلُهُ على أُنْثَيَيْكَ، فقال لهما العَلمٌ: افْعَلا ما شِئْتُما، ولا تُبْطِئا عليَّ أكْثر من يوْمَيْن، فأخَذَا قُفْلًا وقَفَلَاهُ على أُنْثَيَيْهِ، ومَضَيَا. فلهَّا أصْبَحَ، أرْسَل كَمَال الدِّين ابن الشَّهْرَزُورِيّ إلى العَلَم يَطْلبُه إليه، فاعْتَذَر عن الحُضُور وكَتَمه أمْره، وقال: قد طَلعَ لي دُمَّلٌ ولا سَبِيل لي إلى المجيّ إليكَ، فأرْسَل إليه: لا بُدَّ من حُضُوركَ، فاعْتَذَرَ، وقال: لا أُطِيْقُ، فأرْسَل إليه مِحَفَّةً، وقال: تَحْضُر في المحَفَّة، فُحمِلَ في مِحَفَّة، وأحْضر عند القَاضِي كَمَال الدِّين وهو على غايةٍ من الألم لأنَّ القُفْل يَنْحَدر على أنْثَييْهِ فيُؤلمُه، وهو بين فَخِذَيهِ لا يُطِيْقُ المَشْي منه، فقال: ما بكَ؟ فقال: دُمَّل، فقال: نَدْعُو لك طَبِيْبًا يَبْصرُكَ، فقال: لا حاجَة لي إليه، فألَحَّ كمال الدِّين عليه في إِحْضَار الطَّبِيْب فصَدَقَهُ الحالَ، وقال: إنَّهُ حَضَر عندي رَجُلان ليلًا وذَكرَ له ما جرَى عليه، فقال له كَمَال الدِّين كالجَاهِل بالقَضِيَّة: ألَم أنْهَكَ وأَقُلْ لك لا تَتعَرَّض لهم ولا تَذْكُرهم بسُوْءٍ؛ فإنَّكَ لا تَأْمَنُ غَائِلَتَهم، ثمّ قال له: فنحنُ نَسْتَدْعي رَئيْسَ البَاطِنِيَّة هَا هُنا ونَسْألهُ في أَمْرك، فقال: افْعَل، فأرْسَل إلى رَجُل من أصْحابهِ وأحْضَرَهُ على أنَّهُ رئيسُ البَاطِنِيَّة، وخَاطَبَهُ في مَعْناهُ، فقال: مِفْتاحُ القُفْل عندي وقد تَرَكَهُ عندي الرَّجُلان ومَضَيَا، فإنْ شَرَطْتَ عليه أنَّهُ لا يَعُودُ إلى ذِكْرنا بسوءٍ أطْلَقْناهُ، فشَرَطُوا عليه ذلك، وفُتحَ القُفْلُ وأُطْلِقَ. وكانت هذه من مُطَايَبَاتِ كَمَالِ الدِّين له. سَمِعْتُ القَاضِي نَجْم الدِّين الحَسَن بن عَبْدِ اللَّه بن حَمْزَة بن أبي الحَجَّاج العَدَوِيَّ، قاضي حَلَب يَقُول: كان بدِمَشْق رَجُلٌ يُقال له البَدْر الأُرْمَوِيّ، وكان بينه وبين العَلَم الشَّاتَانِيّ شيءٌ، فحضَرا يَوْمًا ولِيْمَةً عند القَاضِي كَمَال الدِّين ابن الشَّهْرَزُورِيّ، وكان البَدْر الأُرْمَوِيّ يَجْعَل في كُمِّه قِدْرًا صَغِيرَةً مَرْبُوطة في زَنْده ليَجْعَل فيها طَعَامًا يُزِلّه من الوَلِيْمَة الّتي يَحْضُرها، وكان وَاسِع الأكْمَام، فراقَبَهُ العَلَمُ الشَّاتَانِيّ إلى أنْ وَضَعَ فيها الطَّعَام، ومَلَأها، وغَافَلَهُ وضَرَب القِدْر على كُمِّه فانْكَسَرت، وتبدَّد جميع ما فيها من الطَّعَام وسَال في كُمِّه وامْتَلأ كُمُّهُ به، نجعَل البَدْر الأُرْمَوِيّ يَنْفُضُ كُمَّهُ ويُلوَّث به ثِيَاب النَّاس حتَّى وَصَل من ذلك إلى كَمَال الدِّين وجميع مَنْ في المَجْلِس. قال لي الفَقِيه عِمَاد الدِّين أبو المجد إسْمَاعِيْل بن بَاطِيْش: ماتَ العَلَمُ الشَّاتَانِيّ في حُدُود سَنَة تسْعين وخَمْسمائَة بالموصِل، وهذا وَهْمٌ؛ والصَّحيحُ ما أنْبَأنَا به أبو الوَحْش عبد الرَّحْمن بن أَبي مَنْصُور بن نَسِيمِ، قال: أخْبَرَنا الحافظُ أبو المَوَاهِب الحَسَن بن هِبَة اللَّه بن صَصْرَى، قال: بَلَغَني وفَاته -يعني الشَّاتَانِيَّ- في شَهْر شَعْبان سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين، وقد جاوز السَّبْعِيْنَ، وقرأتُ ذلك بخَطِّ الحافِظ أبي المَوَاهِب في مُعْجَم شُيُوخه. وكَتَبَ إلينا أبو عَبْد اللَّه ابن الدُّبَيْثِيّ (¬١) من بغداد أنَّ العَلَم الشَّاتَانِيّ تُوفِّي في شَعْبان سَنَة تِسْعٍ وسَبْعِين وخَمْسِمائَة، قال: وبَلَغَني أنَّهُ تَغَيَّر في آخر عُمْرِه.