Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

ألب أرسلان بن جغري بك بن سلجوق بن تقاق بن سلجوق، وقيل: سلجق

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان · page 2436, entry [881]

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان — كمال الدين ابن العديم

page 2436, entry [881]Open original source
ألْب أَرَسْلَان بن جَغْرِي بك بن سَلْجُوق بن تُقَاق (¬٢) بن سَلْجُوق، وقيل: سُلْجُق (¬٣) وله ولكُلِّ واحدٍ من آبائه اسْم آخر بالعَرَبِيَّة، واسْمُه بالعَرَبِيَّةِ: مُحَمَّد بن دَاوُد بن مِيْكائِيل بن سُلَيمان، أبو شُجَاع بن أبي سُليْمان المُلَقَّب بالعَادِل النُّوْرِيّ، أصْلهم من قَرْيَة يقال لها النُّور. وتُقَاق أوَّل مَنْ دَخَل منهم في الإسْلَام، وتُقَاق بالتُّرْكيَّةِ: القَوْس من الحَدِيد، وقيل في نَسَب سُلْجُق الأعْلَى: هو سُلْجُق بن دَاوُد بن أَيُّوَب بن دُقَاق بن إلْيَاس بن بَهْرَام بن يُوسُف بن عَزِيْز (¬١). مَلَك ألْب أَرَسْلَان خُرَاسَان بعد أبيه جَغْرِي بك، وفَتَح العِرَاقَ من يد ابن عَمِّ أبيهِ قُطَلْمش بن إِسْرَائِيل سَنَة ستٍّ وخَمْسِين وأرْبَعِمائة، واسْتَقرَّ في السَّلْطَنَة حين تُوفِّي عَمُّه السُّلْطان طُغْرِلبِك في الثَّامن من شهر رَمَضَانَ سَنَة خَمْسٍ وخَمْسِين وأرْبَعِمائة، وكان ولي عَهْد عمّه، لأنَّ عمَه لَم يكُن له نَسْل، فملَّكَ ألْب أَرسْلَان بعده، وهو أوَّلُ مَنْ ذُكِرَ على مَنَابِرِ بَغْدَاد بالسُّلْطان. وقَدِمَ حلَبَ مُحَاصِرًا لها، وفيها مَحْمُود بن نَصْر بن صاِلح بن مِرْدَاس، سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة، فدام على حِصَارها إلى أنْ خَرج إليه مَحْمُود مع والدته السَّيّدة، فأنْعَم عليهِ بحَلَب، وسار إلى اللك ديُوجَانسِ (a) وقد خَرَج من القُسْطَنْطِينيَّة، فالْتَقاه وأَسَره، ثمّ مَنَّ عليه وأطْلَقَهُ (¬٢)، وغَزَا الخَزَر والأَبْخَاز، وبلغَ ما لم يبْلغُ أحد من المُلُوك. وكان مَلِكًا عَادِلًا مَهِيْبًا مُطَاعًا. حدَّثني والدِي، ﵀، يَأْثِرهُ عن سَلَفِهِ، قال: قَدِمَ السُّلْطانُ -يعني ألْب أَرَسْلَان- وحَاصَر حَلَبَ، وكان نازلًا بمَيْدَان باب قِنَّسْرِيْن، ونصَبَ على بُرْج الغَنَم مِنْجَنِيْقًا، وتَواترَ ضَرْبُ المِنْجَنِيْق عليه، فأخَذَ عَوامُّ حَلَب شُقَّة أطْلَس وربطُوها على ذلك البُرْج اسْتزاءًا به، يَعْنُون أنَّ البُرْج قد صدَّعه رَأسُه من ضَرْب المِنْجَنِيْق، فسَأل السُّلْطان عِن ذلك، فقالوا: إنَّهمِ قد عَصَّبُوا البُرْج، يَعْنُونَ أنَّ البُرْج قد صَدَّعَهُ رأسُه من ضَرْب المِنْجَنِيْق، وقد عصَّبُوه على رأسه ليَسْتريح من الصُّدَاع الّذي يلحَقُه من ضَرْب المِنْجَنِيْق. قال: فاسْتَشَاط السُّلْطانُ غَضَبًا، وفرَّق تلك اللَّيْلةَ في عَسْكَره كَذَا كَذَا ألف (¬١) فرْدَة نُشَّاب من الخَلَنْج غير ما كان من غيرها، وباكَرَ البَلَد بالزَّحْف حتَّى أشْرَفَ (a) على الأخْذِ، فخرَجَت إليه السَّيِّدة (¬٢) أُمّ مَحْمُود ومعها ابنها مَحْمُود، وحَمَلا مَفاتِيْح البَلَدِ والقَلْعَة ودَخَلا تحت طَاعته، ووطئا بسَاطة، والنَّاسُ في خِدْمته بالمَيْدَان صفَّان (b)، فدخَلَتْ وأبْنُها بين الصَّفَّيْن، وجَعَلا يُقَبِّلان الأرْض خِدْمَة له حتَّى انْتَهيا إليهِ، فأكْرَمهما وقال للسَّيِّدة: أنْت السَّيِّدةُ؟ فقالت: سَيِّدةُ قَوْمي، فاسْتَحْسَن ذلك منها، وردَّ البَلَد على ابنها وأكْرَمَهُ، وعاد إلى المَدِينَة مُكَرَّمًا مَسْرُورًا. قال: وقَصَد بتَطْويل الحِصَار تَعْظيمَ البَلْدة لكونها مجُاورةً للرُّوم، فيَقَع عندهم أنَّ هذا السُّلْطان -مع عِظَم قَدْره، وكَثْرة عَسَاكِره- نَزَل عليها هذه المُدَّة، ولم يَنَل منها ما أراد، فلا يَطْمَعُ فيها العَدُوّ. وقيل إنَّ السَّيِّدة أقامَتْ في البَلَد، وخَرَج مَحْمُودُ إليه، وأنَّ دُخُولَها عليه كان بالرُّها، توجَّهت إليهِ وهو مُتَوَجِّهٌ إلى حَلَب، فسَألها: أنْتِ السَّيِّدة؟ فأجابته بما ذَكَرَناهُ. وقَرأتُ بخَطِّ أبي الفَوَارِس حَمْدَان بن عبد الرَّحيم (¬١): أنَّ مَحْمُودًا ووالدتَهُ خَرَجا إليه، فعَفَا لهما عن حَلَب بعد أحدٍ وثَلاثين يَوْمًا من مَقامهِ. وسَمِعَ أنَّ مَلِك الرُّوم ديُوجَانِس قد خَرَجَ من القُسْطَنْطِينِيَّة على طَريق الثُّغُور والدُّرُوب، فرَحَلَ عن حَلَب بعد خُرُوج مَحْمُود إليه بخَمْسة أيَّام، وقصدَهُ حتَّى لحقَهُ على مَنَازْكِرْد، فحاربه حتَّى هَزَمَهُ، وأسَر مَلِكَ الرُّوم، وغَنِم مُعَسْكَره، وكانت عدَّة التُّرْك ستمائة ألف رَجُل. وقَرأتُ في بعض التَّوَاريخ الّتي لم يُسَمّ جَامِعُها: أنَّ ألْب أَرَسْلَان العَادِل نَزَلَ على حَلَب مُحَاصِرًا لها في سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة، وبها مَحْمُود بن نصْر بن صالح، ثمّ مَلَكَها بالأمَانِ، [و] خرَج إليه مَحْمُود بنِ نَصْر في يَوْم الثّلاثَاء سَابع عَشر جُمَادَى الآخرة من السَّنَة، فأنْعَم عليه وآمنَهُ، وولَّاهُ حَلَب من قِبَله. ثُمَّ رَحَلَ عنها في الثَّالث والعشرين من جُمَادَى الآخرة قَاصِدًا بَلَد الرُّوم في طَلَب مَلِكهم وقد تَوَجَّه إلى مَنَازْجِرْد، فلحقَهُ في عَسَاكِره وأوْقعَ به، فهزمَهُ، وقيل إنَّ مَلِكَ الرُّوم كان في ستّمِائة ألف، وألْب أَرَسْلَان في أرْبَعمائة ألف من الأتْراك، وحَصَل مَلِكُ الرُّوم أسِيْرًا في أيْدي المُسْلمِيْن، وصَار إلى ألْب أَرَسْلَان، فِلم تَزَل المُرَاسَلات بينه وبينه إلى أنْ تقرَّر إطْلاقه على مُهَادَنَة منها: أن لا يَعْرضَ لبلَادِ المُسْلمِيْن، ثمّ سيَّره إلى بلاده، فيقال إنَّ أهْل مَمْلكَته قتلُوه لأُمُور نَقَمُوها عليه. قَرأتُ بخَطِّ الحافِظ أبي الخَطَّاب عُمَرَ بن مُحَمَّد العُلَيْمِيّ، وأنْبَأنَا بهِ أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بن أحْمَد بن مُحَمَّد النَّسَّابَة عنهُ، قال: وَجَدْتُ بخَطِّ أبي الحَسَن يَحْيَى بن عليّ بن مُحَمَّد بن زُرَيْق: ذِكْرَ أخْبَارِ السُّلْطانِ الشَّهِيْدِ المُعَظَّم ألْب أَرَسْلَان، أبي شُجَاع مُحَمَّد بن دَاوُد، بُرْهان أَمِير المُؤْمنِيْن، نَضَّر اللَّهُ وَجْهَهُ، والسَّبَبَ في وُصُوله إلى الشَّام: كان هذا السُّلْطانُ، ﵀، ولِيَ الأمْر بعد وفاهَ عَمّه السُّلْطان الأعْظَم أبي طَالِب طُغْرِلبك بن مِيْكائِيل في سَنَة سَبْعٍ وخَمْسِين وأرْبَعِمائة، وعُمْرُ السُّلْطان طُغْرِلبِك على ما ذُكِرَ قد أناف على ثَمانين سَنَةً، ونَازَعَ السُّلْطانَ المَذْكُورَ في المَمْلَكَة قُتَلْمش ابن عَمّه، ولم يَثْبُت لمُقَاومته، وذَكَر أنَّهُ لقيَه في تِسْعين ألفًا، ومع السُّلْطان يَوْمئذٍ اثنا عَشر ألفًا، فكَسَرهُ، وانْهَزَم قُتَلْمش على وَجْهه، وسقَطَ عن دَابَّتِه في هَزِيْمته، فوُجِدَ مَيِّتًا، وحُمِلَ ودُفِنَ بالرَّيّ. وكانت الدَّامِغَانُ دَارَ مَمْلكته، وقيل إنَّ اللِّقَاءَ بقُرْب ضَيْعَةٍ تُعْرف بِدِهْ نَمَك (¬١)، وكان أخُو السُّلْطان قَاورْت (a) مُتَمَلِّك كَرْمَان، وكان بينهما مُنَازَعات، وآلت الحال بينهما إلى الصُّلْح والاتِّفَاق. وفي أيَّامِه أُغْمدَت سُيُوف الفِتْنَة بخُرَاسَان، وبَطُل ما كان عليه التُّرْكُ من الفَسَادِ والعَيْثِ قَبْل اسْتِقْرار المَمْلَكَةِ، وفَتْح البِلَادِ، وعَظُمَتْ هَيْبَتُه، واسْتَقامَتْ مَمْلكَتُه، وانْتَشر عَدْلُه ودَعْوَتُهُ. وكان سَبَبُ ظُهُوره إلى الشَّام، ما حَدَّثَنِي به الفَقِيهُ أبو جَعْفَر مُحَمَّدُ بن أحْمَد بن البُخَاريّ (b) رسُولُ ناصِر الدَّوْلَةِ ابن حَمْدَان، المُتَغَلِّب على مِصْر إليه، يَسْتَدعي عَسَاكِرَهُ لتُسَلِّم (c) ديار مِصْر، ويُغَيِّر الدَّعْوَة، وذلك لمَا كان بينه وبين جَمَاعَة من الأُمَرَاء بمِصْر، منهم يَلْدكُوز العَجَمِيّ وغيره بمِصْر، وَأمير الجُيُوش بَدْر الجَمَالِيّ بالشَّام، وكانت المُرَاسَلَةُ في سَنَة اثْنَتَيْن وسِتِّين على يدِ الفَقِيهِ المَذْكُور، فحين وَرَد عليه إلى خُرَاسَان، جَهَّز العَسَاكِر الّتي تملأُ الفَضَاءَ، وتَضِيْق بها (a) الدّهْنَاء، عِدَّةً وعُدَّةً، ووصَل من بِلَادهِ على طَريقِ دِيَار بَكْر، ونَزَل الرُّهَا في أوَّل سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين، وأقام عليها نيفًا وثَلاثين يوْمًا، وسيَّر الفَقِيهَ المَذْكُور رَسُولًا إلى مَحْمُود بن نَصْر بن صَالِح صاحب حَلَب يَسْتدعيه إلى وَطْء بسَاطه وخِدْمَته أُسْوَة مَنْ وَفَد عليهِ من المُلُوك، مثْل شَرَف الدَّوْلَة مُسْلِمِ بن قُرَيْشٍ، وابن مَرْوَان، وابن وَثَّاب، وابن مَزْيَد، وأُمَرَاء التُّرْك والدَّيْلَم، فلم يَفْعَل، وخَاف منهُ. فسَار عن الرُّهَا إلى الشَّام قَاصدًا له، وقَطَعَ الفُرَاتَ في النِّصْف من شَهْر رَبيع الآخر من السَّنَة، وهو اليَوْم التَّاسع عَشر من كانُون الثَّاني، وكان قد رَاسَلَهُ السُّلْطانُ في سَنَة اثْنَتَيْن وسِتِّين يأمرُه بإقامة الدَّعْوَة العبَّاسيَّة، والمُسَارَعة إلى الخِدْمَة، وأنْفَذ له خلعًا وتشريفًا، فامْتَثل ما أمَرَه من إقامة الدَّعْوَة للإمام القَائِم بأمْرِ اللَّه أَمِير المُؤْمنِيْن، والسُّلْطان المُعَظَّم بعده، ولبس الخَطِيبُ السَّوَاد، وبطلَت الدَّعْوَةُ المِصْرِيَّةُ من الشَّام في شَوَّال من سَنَة اثْنَتَين وسِتِّين. ولمَّا قَطَع السُّلْطانُ المُعَظَّم الفُرَاتَ من نَهْرِ الجَوْز، نزَل بعض المُرُوج على الفُرَاتِ، فرآه حَسَنًا، فأُعْجِب به، فقال له الفَقِيه أبو جَعْفَر (¬١): يا مَوْلَانا، أحْمَد اللَّه تعالَى على ما أنْعَم به عليك، فقال: وما هذه النّعْمَةُ؟ فقال: هذا النَّهْرُ لم يَقْطَعْهُ قَطُّ تُرْكِيٌّ إلَّا مَمْلُوك، وأنتُم اليَوْم قد قَطَعْتُموه مُلُوكًا (b)، قال: فلعَهْدي به وقد أحْضَر جَمَاعَةً منِ الأُمَرَاءَ والمُلُوك، وأمَرَني بإعادةِ الحَدِيْث، فأعدْتُه، فَحمدَ اللَّه هو وجَمَاعَة مَنْ حَضَر عندَهُ حَمْدًا كَثِيْرًا. ونَزَلَ السُّلْطانُ المُعَظَّمُ بنُقْرَة بَني أَسَدٍ إلى أرض قِنَّسْريْن إلى الفُنَيْدق (¬١)، والرُّسُلُ مُتَرَدِّدَةٌ إلى مَحْمُود ليَخْرُج إلى الخِدْمَة، وهو خائفٌ منه مُمْتَنِعٌ عليه، وتَمادَى الأمرُ نحو شَهْرين، وحصَّن مَحْمُود حَلَب، وجَفَل النَّاسُ من سَائر الشَّام إليها، ودَخَل الرُّعْبُ في قُلُوب النَّاسِ لعِظَم (a) هَيْبَته وبَأْسه ونَجْدَتهِ وما اجْتمع إليه من العَسَاكِر الجَمَّة والجُيُوش الكَثِيْفَة الضَّخْمَة (b)، وكان الأمرُ بخلاف ما ظَنّ النَّاس من ذلك الخَوْف (c)، وأنَّهُ، ﵀، لمَّا يَئِسَ من خُرُوج مَحْمُود إليه عاد مُنْكَفئًا من مَنْزِل يُعْرَفُ بالفُنَيْدق، ونَزَلَ حَلَبَ في آخر جُمَادَى الآخرة من السَّنَة، وكانت الخيامُ والعَسَاكِرُ من حَلَب، إلى نُقْرَهَ بَني أَسَد، إلى عَزَاز، إلى الأثَارِب، مُتَقاربَةٌ بعضُها من بعضٍ، وبعضُ العَسَاكِر ببلَد الرُّوم وسَائر مُرُوج الشَّام. وسَار بعضُ عَسَاكِره مع ابن جَابِر في سِقْلَاب المَوْصِلِيّ، أحد الكُتَّاب، إلى طَرابُلُس لتَقْرير أمْرها. وأقام مُحَاصِرًا لحَلَب شَهْرًا واحدًا وبَوْمَيْن، ولم يقاتلها غير يَوْم واحدٍ، فحَدَثَني مَنْ كان مع الأمير مَحْمُود صَاحِب حلَب وهو يَطُوف داخل السُّور لتَحْريض النَّاس على القِتَالِ في وَقْت (d) الزَّحْف، وأنَّهُ لم يَعْبر مَحَلَّةً من مَحَالِّ حَلَب إلَّا وأهْلُها قد أشْرَفُوا على الهَجْم عليهم، ونُقِبَ البُرْج المَعْرُوف ببُرْج الغَنَم، وهو أحْصَنُ بُرْجٍ بها، وعُلِّق فظَفِر أهْلُ حَلَبَ بمَن دَخَل (e) ذلك النَّقْبَ، فأخَذُوا بعضَهُم ووِقع الرَّدْمُ على البَاقنِن، وحَمَل السُّلْطانُ في ذلك اليَوْم (f)، فوقَعَتْ يَدُ فَرَسه في خَسْف كان هُناك، وأصَابَ في الحالِ رأسَ فَرَسِه حَجَر المَنْجَنِيْق فرَكِبَ غيرها وعاد وصَرَف النَّاس عن الحَرْب بعد أنْ أشْرفَ البَلَدُ على الأخْذ. وذُكِرَ عن هذا السُّلْطان أنَّهُ قال: أخْشَى أنْ أفْتحَ هذا الثَّغْر بالسَّيْفِ فيَصيرَ إلى الرُّوم، وراسَل السُّلْطانُ أُمَرَاءَ بني كِلَاب وأحْضَرهم من البَرِّيَّة، فوصَلُوا إليه، وعزَمَ على تقليدِ بعضهم وتَرْكه في مُقاتَلة (a) مَحْمُود، وعَوْده لأجْل ما بلغه من ظُهُور مُتَمَلّك الرُّوم ووُصُوله في الخَلْقِ العَظِيْمِ إلى بلادِ أَرْمِينيَة طَالِبًا لبِلَادِ خُرَاسَان، فشَعَر مَحْمُودٌ بوُصُول أُمَرَاءِ العَرَب، وأنَّهُ إنْ تمَّ ذلك خَرَج الشَّام من يده، فراسَل السُّلَيْمَانِيّ المُتَرَدِّد إليه كان في المُرَاسَلَة، يُعْلمه أنَّهُ قد عَزَم على وَطْء بسَاطِه وخِدْمته خَوْفًا ممَّا أشْرَف عليه، وخرَجَ إلى السُّلْطان (b) على غَفْلَةٍ منه في أوَّل شَعْبان من السَّنَة، فرأى منه من الإكْرَامِ والتَّشْرِيْف والخِلعَ (c) ما زادَ على أُمْنِيَّته، وفي الحال ردَّه إلى حَلَب، وقال: ارْجعِ إلى وَالدتكَ، وكانت والدتُه المَعْرُوفة بالسَّيِّدة علويَّة بنتُ وَثَّاب قد خَرَجَت إليه برسَالةِ ابْنها عند كَوْنه بالرُّهَا، وتردَّد خُرُوج مَحْمُود دفْعَةً بعد أُخْرى، وقرَّر معه السُّلْطانُ أنْ يَخْرُجَ بعَسْكَره ويُضِيفَ إليه السُّلَيْمَانِيّ، وأنْ يَتَوجَّها إلى بلاد دِمَشْق والأعْمَال المِصْرِيَّة ليفْتَحها، ففعَل ما أمر به (d). وحَكَى الأَمِيرُ أبو الحَسَن عليُّ بن مُنْقِذ أنَّ خُوَاجَا بُنُ بُزُرْك الوَزِير سَألَهُ عندَ حُضُوره عنده وَقْت (e) خُرُوج مَحْمُود إليه عمَّن قُتِلَ بحَلَب في (f) يَوْم الحَرْب، فقال: إنَّهم نَفَرٌ يَسِيْر، فتعجَّب من ذلك، وقال: في ذلك اليَوْم رمي من الخِزَانَة بثمانين ألف فردَة نُشَّاب، سوى ما رَمَاهُ بَقِيَّة العَسْكَر، ودَفعَ اللَّهُ عن أهْل الشَّام، ولم يقاتل فيه مَدِينَةٌ ولا حِصْنٌ ولا سُبِيَتْ حُرْمَةٌ، ولا اعْتَرض لأحَدٍ (g) من المُسْلمِيْن وذلك من حُسْنِ سِيْرة (h) هذا السُّلْطان، وعِظَم هَيْبَته تَغَمَّدهُ اللَّهُ بالغُفْرَان. وعاد السُّلْطانُ مُنْكَفئًا إلى بلادهِ على طَريق العِرَاق، مُعَرِّجًا منه نحو بلادِ أَرْمِينيَة قَاصِدًا لمتُمَلِّك الرُّوم، وأسْرَعَ في سَيْره بمَنْ خَفّ معَهُ، ووصَل فالْتَقَى مُتَمَلِّكَ الرُّوم بالقُرْبِ (a) من خِلَاط وتلك البِلاد، فاعْتَبر مَنْ وَصَلِ معه من عَسْكَره، فكانت عِدَّتُهم ثلاثةَ عَشر ألفًا، وتَصَافَّ العَسْكَران في يَوْم جُمُعَة، ووَقَف السُّلْطانُ عن قِتَالهِ (b) انْتِظَارًا لوَقْت الصَّلاة والدُّعَاءِ على مَنَابِر الإسْلَام، وتَرقُّبًا للإجَابَة في نُصْرة المُسْلِيْن، فلمَّا صَلَّى الظُّهْر ناجَزَهم الحَرْبَ فأظْفره اللَّهُ تعالَى بعَسْكَر الرُّوم، وأجْراهُ على جَمِيل العَادَة في الظَّفَر، ومَكَّنه ممَّن بَغَى وكَفَر، ونَهَبَ العَسْكَرَ بأَسْره، وأسَرَ مُتَمَلِّك الرُّوم، وأقامَهُ بينَ يَدَيْهِ ومعه باز وكَلْب صَيْدٍ، ثمّ أنْعَمَ عليه، وخَلَعَ وأكْرَمَهُ، واصْطَنَعَهُ وسيَّرَهُ مع قِطْعَةٍ من عَسْكَره ليُعيْدَهُ إلى بلادِهِ ومَمْلَكَته، فاخْتَلَّت الأُمُور عليه، ولم يتمّ له ما أراد، وذكر أنَّهُ كُحِّل ومات بعد مُدَّة. ولَم يَجْرِ (c) في الإسْلَام منذ ظَهَر مثْلُ هذا الظَّفَرِ، ولا أُسِرَ للرُّوم مُتَمَلِّكٌ قبلِ هذا في الإسْلَام، وكان السُّلْطان سَأل مُتَمَلِّك الرُّوم عند حُضُوره بينَ يَدَيْهِ ما سبَبُ خُرُوجه وتَعْريضه نفسه وعَسْكَره لهذا الأمر، فذَكَرَ أنَّهُ لم يُرد إلَّا حَلَب، إذ كان كُلّ ما جَرَى على الرُّوم كان مَحْمُود هو السَّبَب فيه، والبَاعِث عليه لمَنْ قَصَدَها من التُّرْك. وغَنِمَ من هذا العَسْكَر ما يَفُوت الإحْصَاء والعَدَّ، وتُجاوز الأمَدَ والحَدَّ، وبِيْعَ من غَنائمهِ ما يسُاوي مائة دِيْنار (d) بدِيْنارٍ واحدٍ، فللَّه الحَمْدُ على ذلك كَثِيْرًا. قُلتُ: ومن ذلك اليَوْم عُرِفَ تَلُّ السُّلْطان بتَلِّ السُّلْطان (e) لنُزُول ألْب أَرَسْلَان على التَّلّ، وكان يُعْرف المكان أوَّلًا بالفُنَيْدق، وكان فيه فُنْدُق صَغِير يأوي إليهِ النّاس، شَاهدْتُه قبل أنْ يُجدِّد الأَمِير سَيْف الدِّين عليّ بن سُلَيمان بن جَنْدَر هذا الخانَ الّذي هو الآن موجُود. قَرأتُ بخَطِّ أبي الحَسَن عليّ بن مُرْشِد بن عليّ بن مُنْقِذ في تَارِيْخهِ في سَنَة ثَلاثٍ وسِتّين وأَرْبَعِمائة، في ذِكْر العَادِل ألْب أَرَسْلَان وحِصَاره حَلَب، قال: حدَّثَ الأَمِيرُ أتَابَك طُغْتِكِين صَاحِب دِمَشْق أبيّ، قال: كُنْتُ حَامِلًا (a) وراءَ السُّلْطان السِّلَاح حين ضَرَبَهُ حَجَر المِنْجَنِيْق، ولو سَلِم ساعةً لأخَذَها، وكان قد وَصَل الشَّام يُرد الطُّلُوع إلى مِصْر ليَفْتَحَها، ولو طلَعَ لأخَذَ البِلادَ جَمِيْعَها، وأخَذَ مِصْر. قال: وحَدَّثَني مَوْلاي أبيّ، قال: كانت خِيَامُهُ من شَماليّ مَسْجِد مَرْج دَابِق إلى قَنَاطِر قِنَّسْرِيْن، أيّ مَوضِعٍ عَبَرْتَ فيه ورأيت السُّرَادِقَ والخِيَام قُلْتَ في هذه السُّلْطان. وقال هَمَّامُ بن الفَضْل (¬١): كانت خِيَامُ السُّلطان على المَعْشَرِيَّةِ (¬٢)، وهي مُتَّصِلةٌ إلى الفُرات بعضُها ببعضٍ. وقال: قال أبي: وحَدَّثَني وَزِيرُ تاج الدَّوْلَة أبو النَّجْم (b)، قال: شَرِبَ السُّلْطان على حَلَب وسَكِرَ، وضَلَّ رُشْدُه بالسُّكْر، فقال: هاتُوا الأَمِير البَدَوِيّ، يعني مَحْمُود، لأضْرب رَقَبتَهُ، فجاءَ الغِلْمَانُ إلى خُوَاجَا بُزُرْك وقالوا: قد قال السُّلْطان كَذَا وكذا، فمَضَى إليهِ خُوَاجَا بُزُرْك، وقال له: يا سُلْطان العَالَم، يَظْهَر عنك مثْل هذا، وكان السُّلْطان قد بلغَ منه السُّكْر، فضَرَبَهُ بالمَغْسَل الّذي في دَسْت الشَّرَاب، وقال: أُريدُه، ففَتَح أثرًا في وَجْهِهِ فمَضَى خُوَاجَا إلى جانب السُّرَادِق إلى خَاتُون، فقال: بَادِريْنا (a) يا خَاتُون وإلَّا السَّاعَة يتلف العَسْكَر ويَنْهب بعضُهُ بعضًا، كان كَذَا وكذا، فقامَت تَمْشِي إليهِ. فقال لها: خَاتُون ما جاءَ بك؟ فقالت: نَم أنْتَ سَكْران. وتفَرَّقُوا، فلمَّا أصْبَحت قالت له: ما تَحْتَشم؟ تَفْتَح عليك بابَ غَدْر! قال: لا إنْ شَاءَ اللّهُ! قالت: بَلى؛ البَارِحَةَ أردْتَ تُحْضر الأَمِير البَدَوِيّ وتَضْرب رَقَبتهُ، وأنْتَ قد أعْطَيْتَهُ أمانَكَ، هذا (b) وأنت تُريد تَفْتَح مِصْر وما دُوْنَها، وفعَلْتَ كَذَا وكَذَا بخُوَاجَا بُزُرْك! قال: واللّهِ ما معي عِلْم من هذا جَميْعه، ولمَّا حضر عنده خُوَاجَا قال له: يا حَسَنُ، ما هذا الأثَرُ في وَجْهكَ؟ فقال (c): يا سُلْطانَ العَالَم، هذا أثَر (d)، وقَعْتُ البَارِحَة وأنا خارج من خَيْمَتي ضَرَبني عَمُودُ الخَيْمَة، ولم يُعْلِمهُ بذلك، فاسْتَحْسَن النَّاسُ منه ذلك. ثمّ رحَل السُّلْطان من حَلَب يُريدُ مِصْر، فرَحَل مَرْحَلَةً واحدةً فجاءهُ الخَبَرُ بأنَّ مَلِكَ الرُّوم ذيُوجانِس (e) قد خَرَج لمَّا رَأى البِلاد خَاليةً من العَسَاكِر، فرَحَل على أدْرَاجهِ يُرِيد مَلِكَ الرُّوم. قَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب عَبْد الوَاحِدِ بن مَسْعُود بن الحُصَيْن (¬١): سَارَ السُّلْطان ألْب أَرَسْلَان - يعني في سَنَة ثَلاثٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة - إلى دِيَار بَكْر، فخرج إليهِ نَصْر [الدَّولَة] (a) ابن مَرْوَان وخَدَمَهُ بمائةِ ألف دِيْنار، وقَصَد حَلَب وحَاصَرَها، فخرج إليهِ مَحْمُود بن نَصْر ليلًا، ومعه والدتُه، فدَخَلا على السُّلْطان، فقالت له: هذا وَلَدِي فافْعَل به ما تُحبّ، ففَعل معه الجَمِيلَ، وخَلَعَ عليه. وغَزَا السُّلْطانُ ألْب أَرَسْلَان بلادَ الرُّوم، وخَرَجَ أمرُ الخلَيفَة القَائِم إلى الخُطَبَاءِ على المَنَابِر بالدُّعَاءِ له بما صِيْغَتُه (¬١): اللَّهُمَّ أَعْلِ رَايةَ الإسْلَام ونَاصِرِهِ، وادْحَض الشِّرْكَ بجَبِّ غَاربهِ، وقَطْع أوَاصِره، وامْدُد المُجَاهِدينَ في سَبِيلكَ، الّذين في طَاعَتك بنفُوسِهم سَمحُوا، وعلى مُتَابعَتك بمهُجَهم (b) فازُوا ورَبحُوا، بالعَوْن الّذي تُطِيل (c) بهِ باعَهُم، وتَمْلأُ بالأمْن والظَّفَر رباعَهُم، واحْبُ (d) شَاهَنْشَاه الأعْظَم بُرْهانَ أَمير المُؤْمنيْن بالنَّصْر الّذي تُنْشَرُ (e) بهِ أعْلَامُه، ويَسْتَبْشر (f) بمَكَانِه من اخْتِلَاف الظِّلَالِ (g) أَيَّامُهُ، وأَوْلِهِ من التَّأييدِ الضَّاحِكَة مَباسِمُه، القَائِمة أسْوَاقُهُ ومَوَاسِمُه، ما تَقْوَى (h) به في إعْزَاز دِيْنك يَدهُ، ويَقْضي (i) بأنْ يَشْفَع يَوْمَه (j) في الكُفَّار غَدُه، واجْعَل جُنُودَهُ بمَلائكتِكَ مَعْضُودَة، وعَزَائمهُ على اليُمْن والتَّوْفِيق مَعْقُودَة، فإنَّهُ قد هَجَر في كَريم مَرْضَاتكَ الدَّعَةَ، وتَاجركَ من بَذْلِ (k) المالِ والنَّفْس ما انتَهج فيه مَسَالكَ أوَامركَ المُمْتَثلة المُتَّبَعَة، فإنَّكَ تقُولُ، وقَوْلُكَ الحَقُّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (¬١). اللَّهُمَّ فكما أجَابَ نداءَكَ (a) ولبَّاهُ، واجْتَنَبَ التَّثاقُّلَ عن السَّعْي في حِيَاطَة (b) الشَّريْعَةِ وأبَاهُ (c)، ولَاقَى أعْدَاءَك بنَفْسِه، ووَاصَل في الانْتِصَار لدِيْنك يَوْمه بأَمْسه، فأنت (d) اخْصُصْهُ بالظَّفَر، وأعِنْهُ في مقَاصِده بحُسْن مَجاري القَضَاءِ والقَدَر، وحُطْهُ (e) بحِرْزٍ يَدْرَأُ عنهُ من الأعْدَاءِ (f) كُلّ كَيْد، ويَشْمَله من جَمِيْل صُنْعكَ (g) بأقْوَى أَيْد، ويَسِّرْ له كُلَّ مَرَام يُحَاولُه، ومطْلَب يَرُومُه (h) ويُزَاولُهُ، حتَّى تكُون نَهْضَتهُ (i) المَيْمُونَة عن النَّصْر مُسْفرة، ومُقْلَة أحْزَاب الشِّرْك (j) مع إصْرَارهم على الضَّلَالِ غير مُبْصرة، فابْتَهِلُوا مَعَاشِرَ المُسْلمِيْن إلى اللّه تعالى في الدُّعَاءِ (k) له بنِّيَّةٍ صَافيَة (l)، وعَزِيْمَةٍ صَادِقة، وقُلُوب خَاشِعَة، وعَقَائد في ريَاض الإخْلَاص (m) رَاتِعة، ووَاصِلُوا الرَّغْبَة إلى اللّه (n) في إعْزَاز جانبهِ، وفَلِّ غَرْب مُجَانبهِ، وإعْلَاءِ رَايَتِه، وإنالتَه من الظَّفَر أقْصَى حَدِّه وغَايَتهِ (o). وأنفَذ السُّلْطانُ في مُقدِّمته أحَدَ الحُجَّاب، فصَادَفَ عند خِلَاط صَلِيبًا تحتَهُ مُقَدَّمُ (p) الرُّوْسيَّة في عَشْرة آلاف من الرُّوم، فحاربُوهم، وأعْطَى الله المُسْلمِيْن النَّصْرَ عليهم، فأُخِذَ الصَّلِيب، وأُسِرَ المُقَدَّم، وتقاربَ السُّلْطانُ وعَظيمُ الرُّوم في مكان يُعْرَفُ بالزّهْرَة (a) بين خِلَاط ومَنَازِكْرْد في يَوْم الأرْبَعَاء خامس (b) ذي القَعْدَة، وكان السُّلْطانُ في خَمْسةَ عَشرَ ألفًا، وصاحبُ الرُّوم في مَائِيْنَ أُلُوف. ورَاسَل السُّلْطانُ مَلِكَ الرُّوم (¬١) في الهُدْنَةِ، فقال مَلِك الرُّوْم: لا هُدْنَة (c) إلَّا بالرَّيّ، فعَزَم اللّه على السُّلْطان على الرّشْد، ولَقِيَهُ يَوْم الجُمُعَة وقْت الزَّوَال، وهو سَابعُ ذي القَعْدَة، وأعْطَى اللّه المُسْلِمِيْن النَّصْر فقَتلُوا منهم قَتْلًا ذَريعًا، وأُسِرَ مَلِك الرُّوم، وضَرَبَهُ ألْب أَرَسْلَان ثلاث مَقَارِع، وقطعَ عليهٍ ألْفَ ألف وخَمْسِمائَة ألف دِيْنار، وأيّ وَقْتٍ طَلَبَ السُّلْطانُ عَسَاكِرَ الرُّوم نَفَّذَها مَلِكُهم إليهِ، وأنْ يسُلِّم كُل أسِيْر من المُسْلمِيْن عنده (d). ذَكَرَ صَاحِبُ كتَاب مَلِك نَامَه (¬٢) الّذي صنَّفهُ لألْب أَرَسْلَان مُحَمَّد بن دَاوُد أنَّهُ اسْتَفَادَ أَنْسَابَهُم وأحْسَابَهُم من الأَمِير إِينْانج بك، إذْ كان أسَنَّ القَوْم وأعْرفهُم بأنْسَابهم وأحْسَابهم، قال: كان الأَمِيرُ سَلْجُوق بن دُقَاق من أعْيَان تُرْك خَزَر، وكان دُقَاقُ يُلَقَّبُ بتَمر بَالغ أي: شَدِيد القَوْس. قال إِيْنَانج بك (e): لمَّا مَرَّ زَمان على الأَمِير دُقَاق، وُلد له مَوْلُود مُبَارَك سمَّاه سَلْجُوقًا، وكان يُلَقِّبه بسُبَاشِي (¬١)، يعني: مُقَدَّم الجَيْش، وكان لسَلْجُوق أرْبعة أوْلَاد: مِيْكائِيل، ومُوسَى، وأَرَسْلَان المُلَقَّب بيَبْغُو أكلان، وآخر تُوفِّي في زَمان شَبَابهِ. وكان للأمير مِيْكائِيل بن سَلْجُوق ولدان: طُغْرِلبِك، ودَاوُد جَغْرِي بك، فعَلَى هذا يكُون ألْب (a) أَرَسْلَان مُحَمَّد بن جَغْرِي دَاوُد بن مِيْكائِيل بن سَلْجُوق بن دُقَاق. وقَراتُ في بعض التَّوَاريخ (¬٢): أنَّ أباه جَغْرِي بك عَهِدَ إليهِ في سَنَة إحْدَى وخَمْسِين وأرْبَعِمائة حين مَرض باليَرَقَان، وضَعُف مَزَاجُه، وجَهَّز إليهِ السُّلْطان مَوْدُود جَيْشًا إلى خُرَاسَان، ففوَّض وِلَايَة عَهْده إلى ابْنِه ألْب أَرَسْلَان، فأقام ألْب أَرَسْلَان ببَلْخ مُدَّةً حتَّى انْكَشَفثْ عنهُ وَعْثاءُ السَّفَر. ولمَّا سَمِعَ مَوْدُود بذلك جَمعَ الجُنُود ولَزمُوا مكانَهُمِ، فحَمَل عليهم السُّلْطانُ ألْب أَرَسْلَان حَمْلَةً ساق التَّقْدير منها إلى جُيُوش غَزْنة قَتْلًا ذَرِيعًا، وانْهزامًا سَرِيعًا، وأَسَر ألْب أَرَسْلَان ألفَ رَجُل من القُوَّادِ، وغَنِم من الخَيْلِ والسِّلاح ما لا يَدْخُل في الحِسَاب، فلمَّا دَخَلَ على أبيهِ جَغْرِي بك سُرَّ بذلك وزَالَ مَرَضُهُ، ثمّ سَار بعد ذلك جَغْرِي بك وألْب أَرَسْلَان إلى تِرْمِذ ووالي القَلْعَة بها الكَاتِب البَيْهَقِيّ، فخَرَجَ منها، وتَوَجَّه إلى غَزْنَة، وسَلَّها إلى جَغْرِي بك، ففوَّض جَغْرِي بك وِلَايَة بَلْخ وطَخَيْرستَان وتِرْمِذ ووَخْش ووَلْوَالِج (b) إلى ألْب أَرَسْلَان، وشَدَّ أزْرَهُ بوِزَارَة أبي (c) عليّ بن شَاذَان، فعمر بلادَهُ بحُسْن كفَايَتهِ، ولمَّا قَرُبَ مَوْتُه سَأل ألْب أَرَسْلَان أنْ يُفَوِّض الوِزَارَة بعده إلى نِظَام المُلْك. ثُمَّ وَرَدَ خَاقَانُ التُّرْك تِرْمِذ وخرَّبها ونَهَبَهَا، فطَرَدَهُ ألْب أَرَسْلَان عنها، فمَضَى الخَاقَان وخيَّم على جَيْحُون من جَانب بُخَارَى، وطَلَبَ المُصَالَحَة؛ مُصَالَحَة جَغْرِي بك، واجْتَمع به، ثمّ افْتَرَقا، وأثَّر المَرَضُ في جَغْرِي بك، وزادَ ضَعْفُه (a)، وكان عُمْرُهُ سَبْعِين سَنَةً، فقَضَى نَحْبَهُ في صَفَر سَنَة اثْنَتَيْن وخَمْسِين وأرْبَعِمائة في سَرْخَس، وقامَ مقامَهُ في المُلْك السُّلْطان ألْب (b) أَرَسْلَان، وكان مَلِكْشاه حينئذ ابن سِتّ سِنيْن، وعاشَ طُغْرِلبِك السُّلْطان بعد (c) جَغْرِي بك ثلاث سنين. قَرَأتُ في كتابِ الرَّبيع، تأليفُ غَرْس النِّعْمَة أبي الحَسَن مُحَمَّد بن هِلِّل بن المحسِّن بن إبْراهيم بن هِلِّل الصَّابِئ، وأخْبَرَنَا به أبو مُحَمَّد عَبْد اللَّطِيْف بن يُوسُف بن عليّ البَغْدَاديّ وغيره إجَازَةً، عن أبي الفَتْحِ مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي بن البَطِّيّ، قال: أنْبَأنَا أبو عَبْد اللّه الحُمَيْدِيّ، قال: أخْبَرَنا غَرْسُ النِّعْمَةِ أبو الحَسَن، قال: حَدَّثني بعضُ الخُرَاسَانيَّةِ، قال: خَرَج ألْب أَرَسْلَان بن دَاوُد، المُلَقَّبُ عَضُد الدَّوْلَة، وهو صَبيٌّ إلى الصَّيْد فرأي شَيْخًا ضَعِيْفًا على رَأسِه شَوْكٌ قد قَطَعَهُ وتعبَ به، وهو ذا يُقَاسِي من حَمْلِهِ شِدَّةً وصُعُوبَةً، فقال له: يا شَيْخُ، قال: لَبَّيْكَ، قال: أتُحبُّ أنْ أُريْحَكَ ممَّا أنتَ فيه من هذا الكَدِّ والتَّعَبِ (d) والنَّصَب مع الشَّيْخُوخَة وكِبَر السِّنّ؟ فظَّنَ الشَّوْكِيُّ أنَّهُ يُعْطِيْه ما يُكْفهِ به عن ذاك ويُعِيْنُهُ (e)، فقال: إيْ واللّهِ يا مَوْلايّ، فرَماهُ بنُشَّابَةٍ قتلَتْهُ مكانَهُ!. وهذا صَدَرَ من ألْب أَرَسْلَان في حال الصُّبُوَّة والجَهْل، وحملَهُ عليه سُكْر الشَّبَاب، أمَّا في حالة اكْتِهَاله واسْتِقرَاره في المُلْك، فكان من أعْدَلِ المُلُوك وأحْسَنهم سِيْرة، وأرْغَبِهم في الجِهَادِ ونُصْرة الدِّين. قَرَأتُ في مُنْتَخَبٍ من كتاب زُبْدَة التَّوَاريخ للأميْر أبي الحَسَن عليّ بن الشَّهِيْد أبى الفَوَارِس نَاصِر بن عليّ الحُسَيْنيّ (¬١)، قال: لمَّا اسْتَبَدَّ السُّلْطان ألْب أرسْلَان بالأمْر، واسْتَوَى على سَرير المُلْك، بَسَطَ على الرَّعَايا جَنَاحَ العَدْلِ، ومَدَّ عليهم ظلَّ الرَّأفَة والبَذْلِ، وقَنعِ من الرَّعَايا بالخَرَاج الأصْليّ في نَوْبَتَين من كُلِّ سَنَة، وكان يَتَصَدَّق في كُلِّ سَنَةٍ في شَهْر رَمَضَان بأربعة آلاف دِيْنارٍ ببَلْخ، وألف بمَرْو، وألف بهَرَاة، وألف بنَيْسَابُور، ويَتَصَدَّق بعَشرة آلاف دينارٍ في حَضْرته. وكَتَبَ السُّعَاةُ إليهِ سِعَايةً بنِظَام المُلْك (a)، وتَعَرُّفًا بمكَاسِبهِ، ووضَعُوه على طَرَف مُصَلَّاهُ، فدَعا السُّلْطانُ نِظَامَ المُلْك وقال له: خُذْ هذا الكتابَ، فإنْ صَدَقُوا فيما كَتَبُوه فهَذِّب أخْلاقكَ، وأَصْلِح أحْوَالكَ، وإنْ كَذَبُوا فاغْفِر للجَارِم (b)، واشْغل السَّاعِي بمُهِمٍّ من مُهمَّات الدِّيْوَان حتَّى يُعْرِض عن الكَذِب والبُهْتَان. قَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب بن الحُصَيْن: في شَهْر رَمَضَان - يعني من سَنَة ستّ وخَمْسِين وأرْبَعمائة - وصَل رِكَابيٌّ من تِبْرِبن بكتابٍ من (c) نِظَام المُلْك يُخْبر أنَّ السُّلْطان ألْب أَرَسْلَان أوْغَل في الغَزَاة ببلادِ الخَزَر، وبَلَغَ حيثُ لَم يبلغُ أحدٌ من المُلُوِك، وافْتَتَح بَلَدًا عَظيْمًا يُسَمَّى أسبيذ شَهْر (d)، وقَتَل نحو ثلاثين ألف رَجُل، وسَبَى ما يُوْفي على خَمْسِين ألف مَمْلُوك، وهَادَن مَلِكَ الأَبْخَاز، وعاد من ذلك الثَّغْر، ونَزَلَ على مَدِينَة آنِي من بلاد الرُّوم (e)، ففَتَحَها عَنْوَةً، وهي مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ تَشْتَمِل على سَبْعمائة ألف دارٍ، وأَسَرَ منه خَمْسمائة ألف إنْسَان. قال: وهو أوَّلُ مَنْ ذُكِرَ على مَنَابِر مَدِينَة السَّلام بالسُّلْطان عَضُدِ الدِّين ألْب أَرَسْلَان. وقَرأتُ بخَطِّ أبي غَالِب أيضًا: سَنَة خَمْسٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة، في أوَّلها غَزَا السُّلْطان ألْب أَرَسْلَان جَيْحُون، وكان معه زِيَادَة على مائتي ألف فارس، وعَبَرَ عَسْكَرُه إليهم في نَيف وعِشْرين يَوْمًا من صَفَر، وكان قد قَصَدَهُ شَمْسُ المُلُوك تِكِيْن بن طُمْغَاج (¬١)، وأتاهُ وأصْحَابه بمُسْتَحْفِظ قَلْعَة يُعْرَفُ بيُوسُف الخُوارَزْمِيِّ، وحُمِلَ إلى قُرْب سَرِيْره، وهو مع غُلَامَيْن، فتقدَّم بأنْ يُضْرب له أرْبَعة أوْتاد، وتُشَدّ أطْرَافُه إليها، فقال: يا مُخَنَّث، مثْلي يُقْتَل هذه القَتْلة! فاحْتَدَّ السُّلْطان ألْب أَرَسْلَان، وأخَذَ القَوْسَ والنُّشَّابَة، وحَرِصَ (a) على قَتْله، وقال للغُلَامَيْن: خَلِّياهُ، فخَلَّيَاهُ ورَمَاهُ، فأخْطَأهُ، ولم تُخْطئ له قَطُّ نُشَّابَة غير هذه، فعَدَا يُوسُف إليهِ، وكان السُّلْطانُ جالِسًا على سُدَّة، فنَهَض ونَزَل فعَثَر ووَقعَ على وَجْهِهِ، وقد وصَلَهُ يُوسُف فبَرَك عليه وضَرَبَهُ بسِكِّين كانت معه في خَاصِرتِه، ودَخَل السُّلْطان إلى خَيْمته وهو مُثْقَل، ولَحِقَ بعضُ الفَرَّاشين يُوسُفَ فقَتَلَهُ بمَرْوَةٍ (b) كانت في يده، وقَضَى ألْب أَرَسْلَان نَحْبَهُ، وجُلِسَ للعَزَاء به ببَغْدَاد في ثامن جُمَادَى الآخرة، ومولدُه سَنَة أرْبَعٍ وعشرين وأرْبَعِمائة، وبَلَغ من العُمر أرْبعيْن سنةً وشَهْرين. ودُفِنَ السُّلْطان ألْب أَرَسْلَان عند قَبر أبيه بمَرْو. أخْبَرَنا أبو هَاشِم عَبْدُ المُطَّلِب بنُ الفَضْل بن عَبْدِ المُطَّلِب الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد السَّمْعَانيّ، قال: مَلَكَ البِلاد ألْب أَرَسْلَان وهو مُحَمَّدُ بن دَاوُد، كَسَر قُتَلْمش بدِيه نَمَك (a) في ذِي الحِجَّة سَنَة خَمْسٍ وخَمْسِين، واسْتَخْلَصَ المُلْك، وغَزَا الرُّوم في شَعْبان سَنَة ثَلاثٍ وسِتَّين، وكَسَرَ الرُّوم، وأَسَر مَلِكهُم، ونُودي عليه في السُّوق، ثمّ مَنَّ عليه وخَلَّاه، ورَدَّهُ إلى مُلْكه، وقُتِل ببُلَيْدَة يُقالُ لها: نَرَزْم (b)؛ على طَرَف جَيْحُون، سَلْخ صَفَر، أو غُرَّة شهر رَبيع الأوَّل سَنَة خَمْسٍ وسِتِّين وأرْبَعِمائة، وحُمِلَ إلى مَرْو، ودُفِنَ بجَنْب أبيهِ. أنْبَأنَا عُمَرُ بن طَبَرْزَد، عن أبي القَاسِم بن السَّمَرْقَنْديّ، عن مُحَمَّد بن هِلِّل، قال: حَدَّثني أبو الحَسَن البُصْرَوِيّ الشَّاعر، قال: رأيْتُ أبا طَاهِر بن أبي قِيْرَاط العَلَويّ في المَنَام وأنا أقُول له: ما فَعَلَ اللّهُ تعالى بك؟ وكُنْتُ أعْلَم فَسَادَ اعْتِقَاده، فلم يُجبْنيّ، فلمَّا كَرَّرت عليه القَوْل وهو على حَالهِ في تَرْك الإجَابَة قال لي: دَعْ عنك هذا فقد ضَرَبَ اللّهُ نَيْسَابُور اثْنَين وسَبْعِين عَصَا، وانْتَبَهْتُ، ففَسَّرته على بعض مَنْ يَدْخُل إليَّ ممَّن له بذاك مَعْرفَة، فقال: عُدَّ يا سَيِّدَنا اثنَيْن وسَبْعِين يوْمًا وانْظُر ما يتجدَّد بنَيْسَابُور. فكان قَتْل عَضُد الدَّوْلَةِ ألْب أَرَسْلَان بن دَاوُد سُلْطانها على جَيْحُون في الجانب الشَّرْقيّ، وقد عَبَرَ لقِتَالِ شَمْس المُلْك بن بُوْرِيجان (c) صاحب سَمَرْقَنْد وبُخَارَى وتلك الأعْمَال في اليَوْم الثَّالث والسَّبْعين من المَنَام، وكان ذلك عَجيْبًا، ويُقالُ إنَّ أهل بُخَارَى وسَمَرْقَنْد وما يُتَاخِمُها من الأعْمَال اجتمعُوا بسَمَرْقَنْد لمَّا أظلَّتهُم من عَسَاكِر ألْب أَرَسْلَان، وكانت عَظِيمَة، والأكْثَر يَقُول: إنَّها قاربت مائتي ألف فارس، وأنَّهُ (d) لم يَكُن لسُلْطَانهم ولهم به قُوَّة، وبدأ الاجْتياحُ والنَّهْب في الأعْمَال، وباتَ صُلَحَاءُ النَّاس بسَمَرْقَنْد في الجَامِع مُدَّة أسْبُوع يَصُومُون ويُفْطِرون على الرَّمَادِ والمِلْح، ويَدْعُون اللّه كفايتَهم ما قد أظلَّهم، وأمْرُ مَنْ قد قَصَدَهُم، فلم تَنْسلخ أيَّام الأسْبُوع حتَّى وَرَدَ إليهم خَبَر قَتْله، وأنَّ يُوسُفَ - أحد أصْحَاب شَمْس المُلْك - لمَّا أُخِذَ منِ قَلْعَة هناك أُحْضر بينَ يَدَيْهِ، فتهدَّدَهُ وتوعَّده، ثمّ ضَرَب إليهِ نُشَّابةً، وقال لغُلَاميْن [تُرْكيَّيْن] (a) كانا يمسكانه: خَلِّياه ورَمَاه فلم يُصِبْهُ، وعَدَا إليهِ يُوسُف فبَرَك عليه وجَرَحه بسِكِّين كانت في خُفِّه جراحةً عاش منها ثلاثة أيَّام ومات.
Parsing and provenance details
Local passage ID
885130
Book record
shamela-1160
Source record
974206
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain