page 2235, entry [805]Open original source
إسْمَاعِيْلُ بن مُحَمَّد بن عليّ بن حُمَيْد بن مِكْنسَة القُرَشِيّ، أبو الطَّاهِر الإسْكَنْدَرَانِيّ الشَّاعر، ويُعْرَفُ بالقَائِد (¬٢) شَاعِرٌ مُجِيْدٌ مَشْهُورٌ، وفَاضِلٌ بَليْغٌ مَذْكُورٌ، رَوَى عنهُ شَيئًا من شِعْره عليّ بن مُنْجِب بن سُلَيمان المَعْرُوف بابنِ الصَّيْرَفِيّ، وعَطَايَا بن الحَسَن القُرَشِيّ، ودَخَلَ حَلَب، وسَمِعَ بها إنْشَاد أبي الحَسَن عليّ بن مُقَلَّد بن مُنْقِذ. قَرَأتُ في رِسَالَةِ أبي الصَّلْت أُمَيَّة بن عَبْد العَزِيْز في صِفَة مِصْر ومَنْ بها من الفُضَلَاء (¬١)، قال: ومن شُعَرائها المَشْهُورين أبو الطَّاهِر إسْمَاعيْل (a) بن مُحَمَّد المَعْرُوف بابنِ مِكْنسَة، وهو شَاعِرٌ كَثِيْرُ التَّصَرُّف، قليلُ التَّكَلُّف، مُفْتَنٌ في نَوْعَي (b) جدّ القَرِيْض وهَزْلهِ، وضَاربٌ بسَهْم دَقِيْقه (c) وجَزْلهِ، وكان في رَيْعَان شَبِيْبته، وعُنْفُوَان حَدَاثَتهِ، يتعَشَّق (d) غُلامًا من أبْناءَ العَسْكَريَّةِ المِصْرِيِّيْن يُدْعى عِزّ الدَّوْلَةِ بن فَائِق (e)، وهو الآن بمِصْر من رجال دَوْلَتها المَعْدُودين، وأكَابِرها المُقَدَّمِين، ولم يزلْ مُقِيْمًا على عِشْقِه له، وغَرَامِه بهِ إلى أنْ مَحَا مَحَاسِنَهُ الشَّعرُ، وغيَّرَ مَعَالِمَهُ الدَّهْرُ، ولم يَزَل عِزُّ الدَّوْلَة هذا مُتَعَهِّدًا له، مُحْسِنًا إليه، مُشْتَملًا عليه، إلى أنْ فرَّق المَوْت (f) بينهما. وكان في أيَّام أمير الجُيُوش بَدْر الجَمَالِيّ مُنْقَطِعًا إلى عاملٍ من النَّصارَى يُعْرَفُ بأبي مَلِيْح بن مَمَّاتِيّ، وأكْثرُ أشْعَاره فيه، فلمَّا انْتَقل الأمرُ إلى الأفْضَل تعرَّض لامْتداحهِ واسْتماحهِ، فلَم يَقْبَلْهُ ولم يُقْبِل عليه، وكان سَبَبُ حرمانه ما سَبَق من مَدَائِحه لأَبي مَلِيْح ومَرَاثِيه (g)، ولا سِيَّما قَوْلهُ (¬٢): [من مجزوء الكامل] طُوِيَتْ سَمَاءُ المَكْرُما … تِ وكُوِّرَتْ شَمْسُ المَدِيْح وتَنَاثرتْ شُهْبُ العُلَا … لمَّا ثَوَيْتَ أبا مَلِيْحِ من أبياتٍ منها: ماذا أُرَجِّي في حَيَاتِـ … ــي بعدَ مَوْت أبي المَلِيْحِ كَفَرَ النَّصارَى بعدَمَا … غَدَرُوا (a) به دِيْنَ المَسِيْح فكَفَاهُ (b) عِزُّ الدَّولَةِ بن فَائِق، وقَام بحالهِ إلى أنْ مات. قَرأتُ بخَطِّ صَدِيْقنا عُمَر ابن الرَّبِيْب أبي المَعَالِي أَسْعَد بن عَمَّار المَوْصِلِيّ في مَجْمُوع وذَكَرَ أنَّهُ نقَلَ هذا الخَبَر من مَجْمُوع بالدِّيَار المِصْرِيَّة: لمَّا تُوفِّي ابن مَمَّاتِيّ عَامِل دِيْوَان النَّظَر الخاصّ يَوْمئذٍ فرَثَاهُ ابن مِكْنسَة، شَاعِر الدَّوْلَة المِصْرِيَّة، والوِزَارَة الأفْضَلِيَّة بقَصِيدَةٍ من جُمْلَتها: [من مجزوء الكامل] طُوِيَتْ سَمَاءُ المكرُما … تِ وكُوِّرت شَمْسُ المَدِيْح يا نَفْس ماذا تَصْنَعِيـ … ــنَ وقد فقَدْت أبا مَلِيْح وكان مُتَواتر الصِّلَةِ إليه، فاتَّصَل ذِكْرُ هذه الأبْيَات بالأفْضَل ابن (a) أمير الجُيُوش، وَزِير الآمر، فعَظُم عليه، وقال: تَقُول كَذَا وكذا، وكَرَّر القَوْل مِرَارًا، وقال: إذا كان قَوْلك هذا في نَصْرَانيّ خِنْزِيْر فما الّذي أبْقَيْتَ لنا؟ تقُول: طُوِيَتْ سَمَاءُ المكرُماتِ وما بقي بعدَهُ كَرِيمِ، ثمّ أمرَ بإبْعادِهِ من مِصْر وقطَع جَارِيَهُ وجرايَتُه ورَسْمَهُ، وقال: إنْ سَمِعْتُ بخَبَره ضَربْتُ رقَبَتُه، فلمَّا طال الأمْرُ عليه، وحُرمَ رِزْقهُ وعجَز عن قيام أودَهِ، عدَّى في مَرْكبٍ حتَّى أرْسَى تحت الرَّوْضَةِ، فلمَّا رآهُ الأفْضَلُ انْتَهَره وقال: ما سَمِعْتُ أنِّي متَى رأيتُكَ في الدُّنْيا ضَربْتُ عُنُقكَ؟ أحْضروا السَّيَّاف، فقال: وحقّ نِعْمتك ما أنا في الدُّنْيا، ولا أنا إلَّا في الآخرة في النَّعيم المُقِيْم، وهذه رَوْضَة الجنَّةِ، ثُمَّ أنْشَده قَصِيدَةً من جُمْلَتها: [من المنسرح] أين مَحَلُّ النُّجُوم من هِمَمِكْ … وأين فَيْضُ السَّحَاب من كَرَمِكْ وبالمَعَالِي الّتي شَرُفتَ بها … حتَّى كأنَّ النُّجُومَ من خَدَمِكْ احتَكَمتْ فيهِ كُلّ نَائِبَةٍ … حُكْم المدَادِ الّذي على قَلَمِكْ فعَفَا عنه، وأجْرَى عليه راتبَهُ، وأجرى على الإنْشَاد بالحَفْرة الأفْضَليَّة، وقيل إنَّهُ أنْشَدَهُ القَصِيدَة الّتي فيها (¬١): [من الكامل] لا تغرُرنكَ (a) وَجْنَةٌ مُحمرَّةٌ … رَقَّتْ ففي اليَاقُوت طَبْعُ الجَلْمَدِ وقيل إنَّهُ كَتَب إليه: [من البسيط] هل أنْتَ مُنْقِذ شلوِي من يدي زمَن … أضْحَى يَقُدّ قَمِيْصي قدّ مُنْتَهسِ دعوتُك الدَّعْوَةَ الأُوْلَى وبي رمقٌ … وهذه دَعْوتِي والدَّهْر مُفْترسي فأحْضَرهُ وعَفا عنه، وسألَهُ عن قيام أودَهِ في هذه المُدَّة، فأخْبَره أنَّهُ باع حتَّى الثَّوب الّذي عليه، إلى أنْ سَبَّب اللَّه له باجْتِمَاعه بإنْسَان فأعْلَمه بعِلَّته، فاشْتَراهُ، فاسْتَعْلَمَها (b) الشَّيْخ الأجَلّ منه، فقال له الأفْضَل: ما سَألتَه عن حاله في أيَّام عُسْرته، دتَسْأله عن شيءٍ أغْناهُ اللَّه بهِ عنَّا! واسْتَكْتَمه، وقال له: أمْسِك، ثمّ قال: أنْشدنا ممَّا رَقَّقْتَ وزَيَّنْت لفظَهُ ولفَّقْتَ، فقال ارْتِجَالًا: [من المتقارب] لمَّا رأيتُكَ فَوْق السَّريْر … ولاحَ لي السِّترُ والمَسْنَدُ فقال: ما أتيْت بشيءٍ، فما انقَطع، وقال (c): رأيتُ سُليْمانَ في مُلكِهِ … يُخَاطبُنِي وأنا الهُدْهُدُ قُلتُ: والبَيْتان اللَّذان على قافية السِّيْن هُما لبعض الشُّعَراء المُتَقدِّمين، وليسَا له، بل تمثَّل بهما. أنْبَأنَا أبو الحَسَن عليُّ بن المُفَضَّل بن عليّ المَقْدِسِيّ، قال: حَكَى لي الشَّيْخُ الفَقِيهُ أبو عليّ مَنْصُور بن أحْمَد بن مُحَمَّد بن أحْمَد الأنْصَاريّ، قال: حَدَّثَني الشَّيْخُ الفَقِيهُ أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن قَيْصَر الأزْدِيّ، قال: حَضَر ابنُ مِكْنسَة الشَّاعِر وولد ابن مُنْقِذ الشَّاعر بين يَدَي الأفْضَل شَاهَنْشَاه بن بَدْر أمير الجُيُوش، وقد رأيتُ أنا (a) ابن مِكْنسَة هذا، فقال له الأفْضَل: يا أبا الطَّاهِر، والدُ هذا يَزْعُمُ أنَّك كَذَّابٌ، فقال: يا مَوْلَانا، ما الّذي أطَّلَعَ من كَذبي؟ قال: قَوْلُكَ (¬١): [من الطويل] أقُول ومَجْرى النّيْل بيني وبينَكُمْ … ونَار الأسىَ مَسْعُورةٌ (b) بضُلوعِي تُرَاكُم عَلِمْتُم أنَّني لو بَكَيتكُمْ … على النِّيل لاسْتَغرقْتُهُ (c) بدُمُوعي فقال له: أنا أعْرف لوالد هذا أشَدّ من هذا، وقد خَرَجنا من حَلَب نَقْصدُ إلى شَيْزَر، فأنْشَدَني لنَفْسِه: [من البسيط] أحْبَابَنَا لو لَقِيتُم في إقامَتِكُمْ … منَ الصَّبَابَةِ ما لاقَيْتُ في ظَعني لأصْبَح البَحْرُ من أنْفَاسِكم يَبَسًا … والبرُّ من أَدْمعُيِ ينشَقُّ بالسُّفُنِ فالتفتَ الأفْضَل إلى ولد ابن مُنْقِذ فقال: ما تقول؟ فقال: هُما أهل صِنَاعَة واحدة، فلا أدْخُل بينهما. قُلتُ: وهذان البَيْتان لأبي الحَسَن عليّ بن مُقَلَّد بن مُنْقِذ. أنْشَدَنا رَشيْد الدِّين أبو الحُسَين يَحْيَى بن عليّ بن عَبْدِ اللَّه القُرَشِيّ من لَفْظه بالقَاهِرَة، قال: أَنْشَدَنا الحافِظُ أبو الحَسَن عليّ بن المُفَضَّل المَقْدِسيِّ، وقد أجازَ لنا أبو الحَسَن في كتابهِ، قال: أنْشَدَنا أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّه بن عبْدِ الرَّحْمن العُثْمانيّ، قال: أنْشَدَنا عَطَايَا بن الحَسَن القُرَشِيّ (d)، قال: أنْشَدَنا أبو الطَّاهِر إسْمَاعِيْل بن مِكْنسَة لنَفْسِه: [من البسيط] لئن تأخَّرْتُ عن مَفْرُوضِ خِدْمَتِهِ … تَحَشُّمًا فضَمِيْري غيرُ متَّهَمِ سَعَى إليه ابْتهالي بالدُّعَاءِ لَهُ … والسَّعْيُ بالقَلْب فَوْقَ السَّعي بالقَدَمِ نَقَلْتُ من خَطِّ عليّ بن مُنْجِب بن سُلَيمان المَعْرُوف بابنِ الصَّيْرَفِيّ، قال: أنْشَدني ابنُ مِكْنسَة في الخَمْر من أبْياتٍ: [من البسيط] أيَّامَ عُودُكَ مطلُولٌ بوابِلِها … والدَّهْرُ في غَفْلَةٍ من مَسّهَا خَبلُ تَنْزُو إذا قَرَعَتْها كَفُّ مَازِجِها … كأنَّما نارُها بالماءِ تَشْتَعِلُ وقَوْله في وَصْف كأسٍ: [من مجزوء الكامل] وخَضِيْبَةٍ بالرَّاح يَجْـ … ــلُوها عليكَ خَضِيْبُ رَاحِ ما زَالَ يَقْدَحُ نَارَها … في الكأسِ بالماء القراحِ ونَقَلْتُ من خَطِّه: وحَدَّثَني ابن مِكْنسَة، قال: حَضَرتُ جنَازَة ابن الطَّائيّ المُقْرِئ فرأيتُ من إعْظَامِ النَّاسِ له وهو مَحْمُول على نَعْشِه ما لم يكُن له منهم في حَيَاته، فقُلْتُ بَدِيْهًا: [من الطويل] أرَى وَلَدَ الطَّائِيّ أصْبَحَ يَوْمَهُ … تُعَظِّمُهُ الأقْوَامُ أكْثَر من أَمْسِ وقد كَرَّوه في المَمَاتِ تُرَاهُمُ … يَظُنُّونَ أنَّ الجِسْم أزْكَى من النَّفْسِ وممَّا وَقَعَ إليَّ من مُسْتَحْسَن شِعْر ابن مِكْنسَة، وأُنْشدتُهُ له، قَوْلهُ، واخْتارها أبو الصَّلْت (¬١): [من الكامل] رَقَّتْ (a) مَعَاقِدُ خصْره فكأنَّها … مُشْتَمَّةٌ من عَهْده (b) وتجَلُّدِي وتجعَّدَتْ أصْدَاغُه فكأنَّها … مَسْرُوقَهٌ من خُلْقِه المُتَجَعِّدِ ما بَالُهُ يَجْفُو وقد زَعَمَ الوَرَى … أنَّ النَّدَى يَخْتَصُّ بالوَجْهِ النَّدِي لا تَخْدعنَّكَ وَجْنَةٌ مُحْمَّرةُ … رَقَّتْ ففي اليَاقُوت طَبْعُ الجَلْمَدِ