Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، أبو العتاهية

كمال الدين ابن العديم - بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان · page 2155, entry [797]

بغية الطلب فى تاريخ حلب - ط الفرقان — كمال الدين ابن العديم

page 2155, entry [797]Open original source
إسْمَاعِيْلُ بن القَاسِمِ بن سُوَيْد بن كَيْسَان، أبو العتَاهِيَة (¬١) وقيل: اسْمُه القَاسِمُ بن إسْمَاعِيْل. وقيل: اسْمُه إبْراهيمُ، وكُنْيَتُهُ أبو إسْحاق، وأبو العَتَاهِيَة لقَبٌ له، ويُكْنَى كَيْسَان أبا سُوَيْد، وقيل: كَيْسَان لقَب جَدّ أبيهِ، وأبو سُوَيْدٍ اسْمُه، ولقِبَ كَيْسَانَ في صِغَره لذكائهِ وكَيْسهِ، وهو مَوْلَى لعَنَزة، قيل: هو مَوْلَى عَبَّادِ بن رِفَاعَة العَنَزِيّ، وقيل: هو مَوْلَى لعَطَاء بن مِحْجَن، وقيل: إنَّهُ كان بائعَ جِرَار. وكان شَاعِرًا سَهْل الألْفَاظ حلوَهَا، قَادِرًا على النَّظْم، غَزَا مع هَارُون الرَّشِيْدِ غَزَاتَهُ الّتي فتَح فيها هِرَقْلَة، ومَدَحَهُ عند فَتْحها بأبياتٍ سَنذْكُرُها إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى. لقي أبو العَتَاهِيَة بَقِيَّةَ بن الوَلِيد، وأظُنُّه كتَبَ عنهُ، ورَوَى عن سُليْمان بن مِهْرَان الأَعْمَش. رَوَى عنهُ ضُرَام - وقيل: صُدَام (a)، وقيل: صدران - بن رَيْحَان بن جَمِيل، ويَحْيَى بن مَعِيْن، والرِّيَاشِيّ، وأشْجَعَ السُّلمِيّ، وأبو سَلَمَة الغَنَويّ، وأبو أيُّوبَ سُليْمان بن أبي شَيْخ، وإبْراهيم بن أبي شَيْخ، وأحمد بن الحَسَن الصُّوْفيّ، ويَعْقُوب السَّوَّاق، وعبد الله بن الضَّحَّاك، وإسْحَاقُ بن إبْراهيم المَوْصِلِيِّ، وإسْحَاق بن أحْمَد (b) بن نَهِيْك، وأبو الشَّمَقْمَق (c)، ومُسَاوِر (d) السَّيَّاف، وابنُهُ مُحَمَّد بن أبي العَتَاهِيَة، وأبو رِيَاح، وسَلْمُ بن وَارع الخَوَّاص (e)، وعليّ بن عُبَيْدة الرَّيْحَانِيّ، ومَنْصُور بن عَمَّار الزَّاهِد، وأبو الحَوَاجب مُحَمَّد بن يَحْيَى الأنْصَاريّ، وأبو تَوْبَة صالح بن مُحمَّد بن عَبْدِ الله بن زِيَاد بن درَّاج، وأحمد بن عليّ بن مَرْزُوق، ومُشَرَّف بن سَعِيْد، وأبو سَعيد مُحَمَّد بن النُّعْمان، وحَسَنُ بن سقرة، وأبو شُعَيْب الحَجَّام، ومخَارِق المُغَنِّي، ومُحَمَّد بن صالح العَدَوِيّ، ومُحَمَّد بن عِيسَى الحَرْبِيّ، وأبو دِعَامَة إسْمَاعِيْل بن عليّ، ومُحَمَّد بن عَمْرو الطَّرَسُوسيّ الشَّاعر، ودَاوُد بن يَحْيَى بن عِيسَى بن النَّجَّار. أخْبَرَنا لُؤْلُؤ بن عَبْد الله الحارِمِيّ الفُنُونِيّ بالقَاهِرَة، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم البُوْصِيرِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن بَرَكات السَّعِيْدِيّ، إجَازَةً إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد الله القُضاعيّ (¬١)، قال: حَدَّثنا أبو حَازِم مُحَمَّدُ بن الحُسَين بن مُحَمَّد بن خَلَف بن الفَرَّاء البَغْدَاديّ، إمْلاءً من كتابهِ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن غالب الفَقِيه قِراءَةً عليهِ، قال: حَدَّثَنَا أبو صَخْر مالكُ بن الحَسَن بن مَالِك بن الحَكَم بن سِنَان بن عِصَام بن حشيتة (a) بن أَسْوَد بن مَرْثَد بن عَوْف بن كَعْب بن سَعْد بن زَيْد مَنَاة (b) بن تَمِيْم، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن (c) صَعْصَعَة بن الحُسَين الرَّقِّيّ الأنْصاريّ - حافطٌ ثِقَةٌ - بمَرْو، قال: حَدَّثَتَا مُحَمَّدُ بن ضُرَام بن رَيْحَان بن جَمِيل، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا أبو العَتَاهِيَة القَاسِم بن إسْمَاعِيْل الشَّاعر، خ. وأخْبَرَنا به عَاليًا أبو حَفْص عُمَر بن مُحَمَّد بن طَبَرْزَد، فيما أذِنَ لنا فيه، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور بن خَيْرُون، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت (¬٢)، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن طَلْحَة، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ الحَسَن بن عليّ بن عَبْدِ الله بن مُحَمَّد بن سَهْل الفَارِسِيّ - قَدِمَ علينا من مرو حَاجًّا - قال: حَدَّثَنَا [مُحَمَّد بن] (b) مَالِك بن الحَسَن بن مَالِك بن الحَكَم بن سِنَان السَّعْدِيّ المَرْوَزيّ من لَفْظه بمَرْو، قال: حَدَّثَنَا صَعْصَعَةُ بن الحُسَين الرَّقِّيّ بمَرْو، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ صُدَام بن رَيْحَان بن جَمِيل، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا أبو العَتَاهِيَة الشَّاعِر إسْمَاعِيْلُ بن القَاسِم، قال: حَدَّثَنَا سُليْمانُ بن مِهْرَان الأعْمَشُ، عن أبي سُفْيان طَلْحَة بن نَافِع، عن جَابِر بن عَبْد اللهِ (¬١)، قال: قال رسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ كَثُرَ - وقال أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن غالب: مَنْ كَثُرت - صَلَاتُه باللَّيْل حَسُنَ وَجْهُه بالنَّهَارِ. ونَقَلْتُ هذا الحَدِيْث من خَطِّ الحافِظ أبي طَاهِر السِّلَفِيّ، وذَكَرَ أنَّهُ انْتَخَبه من أُصُول سَمَاعَات القَاضِي أبي الطَّيِّب الجَنْزِيّ (a)، وقرأه عليه، وأنْبَأنَا به أبو القَاسِم عَبْدُ الله بن الحُسَين بن رَوَاحَة، قال: أنْبَأنَا أبو طَاهِر السِّلَفِيّ، قال: أخْبَرَنا القَاضِي أبو الطَّيِّب طَاهِر بن المُسَدَّد بن المُظَفَّر الجَنِزِيّ بثَغْر جَنْزَة، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن عبد الرَّحْمن بن الحَسَن النَّيْسَابُوريّ بثَغْر تَفْلِيْس، قال: أخْبَرَنا حَمْزَةُ بنِ عَبْد العَزِيْز بن مُحَمَّد المُهَلَّبيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر عبد الرَّحْمن بن مُحَمَّد بن عَلُّويَة الأبْهرِيّ، قال: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بن الحُسَين الرَّقِّيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن صدران بن رَيْحَان بن جَمِيل، قال: حَدَّثَني أبي، قال: حَدَّثَنَا أبو العَتَاهِيَة، واسْمُه القَاسِم بن إسْمَاعِيْل الشَّاعِر، قال: حَدَّثَنَا الَأعْمَش، عن أبي سُفْيان، عن جَابِر، قال: قال رسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ كَثُرَت صَلَاتُه باللَّيْل حَسُن وَجْهُه بالنَّهَار. أنْبَأنَا أبو اليُمْن زَيْدُ بنُ الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عليّ بن ثَابِت الخَطِيبُ (¬٢)، قال: إسْمَاعِيْل بنُ القَاسِم بن سُوَيْد بن كَيْسَان، أبو إسْحاق العَنَزِيُّ، المَعْرُوف بأبي العَتَاهِيَة الشَّاعِر. أصْلُهُ من عَيْنِ التَّمْر، ومَنْشؤه الكُوفَة، ثمّ سَكَنَ بَغْدَاد. وأبو العَتَاهِيَة لَقَبٌ لُقِّبَ به لاضْطِرَابٍ كان فيه. وقيل: بل كان يُحبُّ المُجُونَ والخَلاعَة، فكُنِّيَ لعتُوِّهِ: أَبا العَتَاهِيَة. وهو أحَدُ مَنْ سَارَ قَولُهُ، وانْتَشرَ شِعْرُهُ، وشَاعَ ذِكْرُهُ، ويُقال: إنَّ أحدًا لم يُجْمع (a) له دِيْوَانَهُ بكَمَالِه، لعِظَمِه، وكان يقُول في الغَزَل والمَدِيْح والهِجَاء قَديْمًا، ثمّ نَسَكَ وعَدَل عن ذلك إلى الشِّعْر في الزُّهْد، وطَريْقَةِ الوَعْظ، فأحْسَنَ القَوْل فيهِ وجَوَّدَ، وأرْبَى على كُلِّ مَنْ ذَهَبَ ذلك المَذْهَب، وأكْثَرُ شِعْره حكَمٌ وأمْثَالٌ. وكان سَهْل القَوْل، قريبَ المأخَذِ، بَعِيدًا من التَّكَلُّف، مُقدَّمًا في الطَّبْع. نَقَلْتُ من أخْبَار أبي العَتَاهِيَة للآمِدِيّ - وذَكَرَ كاتبُها أنَّهُ نَقَلها من خَطِّ الآمِدِيّ - قال: وكانَ مَوْلدُ أبي العَتَاهِيَة سَنَة اثنتَيْن وثَلاثين ومائة، ويُقال: بل وُلد في سَنَة ثلاثين ومائة. قال: وكان في صِبَاهُ غُلَامًا مَلِيْحًا قَصِّيْفًا (b)، له وَفْرةٌ جَعْدَةٌ سَوْداءُ. قال: وقال المُبَّرَدُ: بل كان قَبِيْح الوَجْهِ، مَليح الحَرَكاتِ والشَّمَائل، حُلوَ الإنْشَادِ، وكان مَنْشأه الكُوْفَة، وبها تأدَّب، وكان اعْتِزاؤُه إلى بني نَصْرٍ؛ بَطْنٌ من عَنَزةَ بن أسَد في رَبيعَة، وكانت أُمُّ أبي العَتَاهِيَة تُدْعَي أُمّ زَيْد بنْت زِيَاد، وكان زِيَاد من عُظَماء أهل بُخَارَى، وكان انْقِطَاعُ أبي العَتَاهِيَة لمَّا أثَرَ الاتِّصَالَ بالسُّلْطان إلى أبي عِصْمَة حمَّاد بن سَالَم الشِّيْعيّ، من أهْلِ كَرْمَان، وسَالِم هذا مَوْلَى أبي الهِنْديّ الشَّاعِر، فأثْبَتَ أبو عِصْمَة اسْم أبي العَتَاهِيَة في ديوانه في خلَافة المَنْصُور، وجَعَلهُ أحَدَ أصْحَابه إلى أنْ صُرِفَ أبو عِصْمَة فأسْقِط من الدِّيْوَان. قال: وكان لأبي العَتَاهِيَةِ ابنٌ يُقالُ له مُحّمَّدٌ، ويُكْنى أبا عَبْدِ الله، وابْنَتَان يُقال لأحدهما: باللهِ، والأُخرى: للهِ، وأُمّهم يقال لها هَاشِميَّةُ بنت عَمْرو اليَمامِيّ مَوْلَى مَعْن بن زَائدَة، كان اشْتَراها واسْتَولَدها. وقال (a): وكان مَعْنٌ أعْتَق عَمْرًا وولده، فلمَّا تُوفِّي مَعْن بيْعَ وَلَدُ عَمْرو (¬١)، وهم: ابْنَانِ وأرْبعُ بنَاتٍ، فاشْترى أبو العَتَاهِيَة هَاشِميَّة وأخَوَيها (b). قال: وقيل كَيْسَانُ جَدُّ أبيهِ لَقَب، وأبو سُوَيْد اسْمُه، ولُقِّبَ كَيْسَانَ في صِغَره لذكائه وكَيْسه، وكان من أهْل عَيْن التَّمْر من النَّيف والسَّبعين صَبِيًّا الّذين سَبَاهُم خَالِد في خِلَافة أبي بَكْر، ولم يكُن فيهم من أوْلَاد الأعَاجِم غير سِيْريْن أبي مُحمَّد بن سِيِرين، فأمَرَ بهم أبو بَكْرٍ، ﵁، ففُرِّقُوا في عَشَائرهم، فدُفِعَ أبو سُوَيْد الى عَبَّاد بن رِفَاعَة العَنَزِيّ؛ أحَدُ بني نَصْر، لأنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ من عَنَزة فتَبَنَّاهُ، وكان معَهُ بالكُوْفَة في عَسْكَر سَعْد بن أبي وَقَّاصٍ أيَّام القَادِسيَّة، فلمَّا أدْرَك كَيْسَانُ نَزَل له عَبَّادٌ عن سُرِّيَّةٍ كانت له وكان له منها وَلدٌ يُقالُ لهُ زَيْد، فولدَت لكَيْسَان ابْنًا سَمَّاهُ سُوَيْدًا، وكان زَيْد بن عَبَّاد وسُوَيْد بن كَيْسَان أخَوَين لأُمّ، ثُمَّ إنَّ عَبَّادًا وكَيْسَان تُوفِّيا وأعْقَب زَيْد بنين، ثُمَّ تُوفِّي فكان سُوَيْد الكَافِل لَهم، والقَائِم بأمْرهم، ووُلد لسُوَيْد القَاسِم أبو أبي العَتَاهِيَة، ومُحَّمد، وإسْمَاعيْل، وعَبْد الرَّحمن، وحَسَّان. فهؤلاء الأرْبَعة عُمومَةُ أبي العَتَاهِيَةِ. ونُقَلْتُ من كتاب المُسْتَنير في أخْبَار الشُّعَراء (¬١) تأليف أبي عُبَيْدِ الله مُحَّمد بن عِمْرَان المَرزُبانِيّ، قال: حَدَّثني مُحّمدُ بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا أحمدُ بن أبي خَيْثَمَة، قال: حدّثنا مُحمَّدُ بن أبي العَتَاهِيَة المُلَقَّب بعَتَاهِيَة، قال: اسْمُ أبي إسْمَاعيْل بن القَاسِم بن سُوَيْد بن كَيْسَان، وكُنْيتُه أبو إسْحاق، وهو مَوْلَىً لعَبَّاد بن رِفَاعَة العَنَزِيّ، وكان كَيْسَانُ جدُّه من أهْل عَنْ التَّمْر. قال المَرزُبانِيّ: وحَدَّثني عليُّ بن هَارُون، قال: أخْبَرَني أبي، قال: أبو العَتَاهِيَة اسْمُه إسْمَاعيْلُ بن القاسم بن سُوَيْد بن كَيْسَان مَوْلَى عَنَزة، يُقال مَوْلَى لعَطاء بن مِحْجَن العَنَزِيّ، أحدُ بني نَصْر بن سَعْد بن حِبَّان، ويقالُ اسْمُه إبْرَاهيْم بن إسْحاق ويُكْنى أبا إسْحاق. قال: وذَكَر عَافِيَة بن شَبِيْب، عن عليّ بن يُرَيْد أنَّ أبا العَتَاهِيَة اسْمَاعيْل بن إبْرَاهيْم، وكان جَرَّارًا من أهْل الكُوْفَة يَبيعُ الخَزَف. وقال المَرْزُبانِيّ: حَدَّثني مُحمَّدُ بن إبْرَاهيْم، قال: أخبرنا أحْمَد بن أبي خَيْثَمَة، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّد بن أبي العَتَاهِيَةِ، قال: كان سَبَبُ اسْم أبي حتَّى سُمِّي (ش) إسْمَاعيْل أنَّ أحَدَ عُمُومَته كان اسْمه إسْمَاعيْل، وعُمومته أرْبَعةٌ: مُحَّمد، وإسْمَاعيْل، وعَبْد الرَّحمن، وحسَّان، بنو سُوَيْد بن كَيْسَان، وكان يُقَال إنَّهُ من عَنَزة، وكان كَيْسَانُ في وَقْت دُخول خَالِد بن الوَليْد الكُوْفَة صَبيًّا صَغيرًا يَتيمًا من أبويهِ جَميعًا، فكَفِلهُ قَرابةٌ له، ولم يكن مُحَمَّدٌ ابنُه يَخْبُرُ من أمْره أكْثَرَ من هذه الجُمْلة. قال: فدخَل خالد النَّاحِية، وكَيْسَان صَغِير يَتِيم، فوقَع في يدِ خَالدِ مع عدَّةٍ منِ الصِّبْيان، فوجَّه بهم إلى أبي بَكْر الصِّدِّيق، وكان عَبَّادُ بن رِفَاعَةَ العَنَزِيّ، أحدُ بني نَصْر بن سَعْد، وهم بَطْنٌ من بني يُقْدُم بن عَنَزة بن أسَد بن رَبِيْعَة بن نِزَار حاضرًا لأبي بَكْرِ وَقْت مُوافاتهِ بالصِّبْيَةِ، فلمَّا سَائلَهُم أبو بَكْر عن أنْسَابهم خبَّره كُلّ واحد منهم بمَبْلغ معْرفَته بنَسَبهِ، ووقَع في أُذنِ عَبَّادِ بن رِفَاعَة من كَيْسَان ذِكْر عَنَزَة، فسَألَ أبا بَكْر هبتَهُ له، فأجابه إلى ذلك بعد أنْ كان كَيْسَانُ قد حصَل لأبي بَكْرٍ خالصًا لنَفْسه، وكَيْسَان لَقَبٌ غَلَب عليه في وَطَنه (a)، لكَيْسه وتَوَقُّده في حال صغَره وذكائهِ، فكان كَيْسَان في يدِ عَبَّادٍ، وتَبَنَّاهُ حتَّى شَبَّ، وأدْخلَهُ معه الكُوفَة في مُعَسْكَر سَعْد بن أبي وَقَّاص يَوْم القَادِسيَّة، وكان لعَبَّاد ابنٌ من سرِّيَّةٍ له اسْمه زيْد، فلمَّا بلغ كَيْسَان مَبْلغَ الرِّجال أعْتَقِ عَبَّادٌ أُمَّ وَلَدهِ، وزوَّجَهُ بها، فوَلَدَتْ له ابْنًا فسمَّاهُ عَبَّاد بن رِفَاعَة: سُوَيْدًا، فكان زيْد بن عَبَّاد وسُوَيْد بن كَيْسَان أخِوين لأُمّ، وتُوفِّيَ عَبَّاد، وبَعْدَه كَيْسَان، وبلغَ سُوَيْد مَبْلِغ الرِّجَال، وقد أعْقبَ زيْد أخوه لأُمِّهِ عدَّة بنيْن، وتُوفِّيَ زَيْد أيضًا، فكان سُويْد بن كَيْسَان هو القَائِم بأُمُور ولد أخيهِ زَيد، ورُزِق سُوبد الوَلد، فكان من ذُكُور ولده: القَاسِمُ، ومُحَمَّدٌ، وإسْمَاعِيْلُ، وعَبْد الرَّحمن، وحَسَّان. ثُمّ إنَّ البعْثَ ضُرِبَ على وَلد زَيْد بن عَبَّاد مع قُتَيْبَة بن مُسْلِم إلى خُرَاسَان، فخرجُوا جَمِيعًا، وأقام سُويْدُ بن كَيْسَان عمّهم وولده في ديارهم بالكُوفَة، وأعْقَب القَاسِمُ بن سُوَيْد ابنَيْن وبنتًا، فأحَدُ الابنين إسْمَاعِيْلُ أبو العَتَاهِيَةِ، وهو أصغَرُ ولدِه، والآخر زَيْد وهو بِكْرُه، وإنَّما سمَّاهُ القَاسِمُ زَيدًا باسْم عَمِّهِ زَيْد بن عَبَّاد بن رِفَاعَة، وكانت أُمُّ زيْد وإسْمَاعِيْلَ بنْتَ رَجُل من عُظَمَاء أهْل بُخَارَى يُقال له زِيَادَ، ومن وَلدِه يَحْيَى بن جَرِير، كان بالكُوفَة نَسْلٌ، ويَحْيَى هو ابن خالِ أبي العَتَاهِيَة لَحًّا، وكان زِيَادٌ جَدَّ أبي عَتَاهِيَة من قِبَل أُمِّهِ مَوْلَى مُحَمَّد بن هاشِم بن عَمْرو بن عُتْبَة الزُّهْرِيّ، زُهْرَة قُرَيْش، أخْوَال رسُولِ الله ﷺ، وعَمْرو بن مَالِك بن عُتْبَة هو الّذي كان على النَّاس يوْم جَلُولَاء الوقيْعَة، والمِرْقَال من بني عَمِّه. قال: ولمَّا لَم يَصِحّ لأبي العَتَاهِيَة من نَسَبِه أكْثر من هذه الجُمْلَة، اقْتَصَر على الظَّاهر دون الخَفيّ، وانْتَمى إلى ولاءِ عَبَّاد بن رِفَاعَة العَنَزِيِّ من قِبَل أعْمَامه، وإلى وَلاءِ مُحَمَّد بن هاشِم القُرَشِيّ من قِبَل أخْوَالهِ، وكان لا يَرَى التَّفَاضُل بالأنْسَاب والمَناكِح واجِبًا، وممَّا قال في ذلك (¬١): [من الكامل] وإذ تَنَاسَبَتِ الرِّجالُ فما أرَى … نَسَبًا يُقاسُ بصَالِحِ الأعْمَالِ وله أيضًا يُومئ إلى ذلك، (¬٢): [من السرج] ما بالُ مَنْ أوَّلُهُ نُطْفَةٌ … وجِيْفَةٌ آخِرُهُ يفخَرُ قال: ولَم يكُن يُصَاهرُ إلَّا المَوَالي، ولا يضَع نفسَهُ إلَّا في جُمْلَتهم وعدَادهم. وقال المَرْزُبانيُّ: حَدَّثني مُحَمَّدُ بن أحْمَد الكَاتِب، ومُحَمَّدُ بن يَحْيَى، قالا: حَدَّثَنَا أبو أحْمَد البَرْبَرِيّ، قال: حَدَّثني ابن مَهْرُوَيْه، قال: حَدَّثني الحَسَنُ بن عليّ، قال: حَدَّثَني أحْمَدُ بن الحَجَّاج العَنَزِيّ، قال: حَدَّثني صَعْبُ بن دَوْبَل أبو دَوبَل الحُدَّانِيّ، قال: كُنْتُ عند مَنْدَلَ وحِبَّانَ ابني عليٍّ بن الحَارِث بن قيس العَنَزِيّ، وهُما من وَلد عَمْرو بن عَامِر بن سَعْد بن حِبَّان بن حَبِيْب بن أَوْس بن طَرِيف بن النَّمِر بن يَقدُم بن عَنَزَة، فأتاهمُا أبو العَتَاهِيَة مَشْجُوجًا قد ضُرِبَ، فقال لهما: مَنْ أنا؟ فقال حِبَّان ومَنْدَل: أنْتَ إسْمَاعِيْلُ بن القَاسِم، أخُونا وابنُ عمّنا ومَوْلَانا، قال: فإنَّ فُلَانًا الجَرَّار ضَرَبني وقال لي: يا نبطِيُّ، فغَضِبا له، وقاما معه حتَّى أخذَا له بحَقِّه. وقال: حَدَّثَني أبو عَبْد اللّه الحَكِيْمِيّ، وأبو بَكْر الصُّوْلِيِّ، قالا: حَدَّثَنا مُحَمَّد بن مُوسَى، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد في القَاسِمِ بن مَهرُوَيْهِ، قال: حَدَّثَني الحَسَن بن عليّ البَصْرِيّ، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُعاوِيَة الأسَديّ، عن جُبَارَة بن المُغَلِّس، قال: أبو العَتَاهِيَة مَوْلَى لعَطَاءِ بن مِحجَن العَنَزيّ، أَحدُ بَني نَصْر بن سَعْد بن حِبَّان بن حَبِيْب، ابن عِمّ مَنْدَل بن عليّ. قال: وكان عَطَاء بن مِحجَن من سَادَة أهْلِ الكُوفَة، فخَاصَمَ يُسير بن عبد الرَّحْمن العِجليّ، وكان على شُرْطَة الكُوفَة، فذَهب ليُقَنِّعَهُ فبدَرَ عَطَاءُ بن مِحجَن فقَنَّعَهُ حتَّى فَرَّ منهُ. وقال المَرْزُبانيّ: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا أحْمَد بن أبي خَيْثَمَة، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن أبِي العَتَاهِيَةِ، قال: كُنْيَةُ أبي: أبو إسحاق، وأبو عَتاهِيَة لَقَبٌ، وكان المَهْدِيُّ قال له يَوْما: أنتَ إنسَانُ مُتَعَتِّهٌ مُتَحَذْلِقُ بجُهْدل (a)، فاسْتَوَت له من ذلك اليَوْم كُنْيَة غَلَبَتْ عليه، وسَارَت له دُونَ اسمهِ وكُنْيَتهِ. وقال الآمدِيّ فيما نَقَلْتُهُ من كتابه: وقيل إنَّما لقِبَ بهذا اللَّقَب لاضْطِرَاب كان في خَلقِه كأَنَّهُ مَعْتُوه. قال: ويقال: بل كان ابنُه مُحَمَّدُ يُلقَّبُ عَتاهِيَة فكُنِيَ بهِ. قُلتُ: وقد رَوَى بعضُ أصحَاب الجَاحِظ عنه أنَّهُ قال: كان أبو العَتَاهِيَة غُلامًا بالكُوفَة مُحَنَّثًا، وكان أبُوه جرَّارًا، وكان مَوْلَىً لعَنَزَة، وكان يُلَقَّب ثبَاتَة، فخَرَجَ من الكُوفَة على ذلك، فصار إلى بَغْدَاد ففتح له من الشِّعْر فقالَهُ، وكسبَ المالَ، وصارَ إلى ما صَار إليهِ. وقال أبو العبَّاس أحْمَدُ بن عُبَيْد اللّه بن عَمَّار في أخْبَار أبي العَتَاهِيَة (¬١): ولم يَصنع الجاحِظُ في قَوْله: كان مُخَنَّثًا، شيئًا، لكن حالتُه في أوَّل أمره كانت خسِيْسة، وكان أبُوه من السُّوْقَة بالكُوفَة، ففي كلامه لِيْنُ وترصيعُ بطَبعٍ رَقِيق وقَرِيْحَة صَحِيحة، فكان كلامُه نقيًّا مُخْتَصَرًا، ومَعَانيه (a) قريبة المأخَذ، وكان يُحبّ أنْ يحكى كَلام كُلّ صنْفٍ من النَّاس. قَرَأتُ في كتاب الوَرَقَة، تأليفُ مُحَمَّدِ بن دَاوُد بن الجَرَّاح (¬٢)، قال: أبو العَتَاهِيَة إسْمَاعِيْل بن القَاسِم بن كَيسَان، كُوفيٌّ، مَوْلَى لعَنَزَة، وكان يتكسَّبُ بالعشْق (b)، ويتَوصَّلُ إلى مَدْح الخُلفَاء، وله من الشِّعْر الجَيِّدِ في الرَّقِيْق والمَدِيح والزُّهْد ما ليس لأحدٍ، وعلى ذلك كَثُر غُثاؤُه وسقَطُه، وكان سَلِم (¬٣) يَقُول: هو أشْعَر الإنْس والجِنّ. وقَرَأَت في مُعجَم الشُّعَراء تأليف أبي عُبَيد اللّه مُحمَّد بن عِمران المَرزُبانيّ (¬٤) - وأنبَأنَا به ابن طَبَرْزَد، عن أبي غَالِب بن البَنَّاء، عن أبي مُحَمَّد الجوهَرِيّ، عن أبي عُبَيْدِ اللّه - قال: أبو العَتَاهِيَةِ إسْمَاعِيْل بن القَاسِم بن سُوَيْد بن كَيْسَان مَوْلَى عَبَّاد بن رِفَاعَة العَنَزِيّ الكُوْفيّ، وكان كَيْسَان جدّه من أهْل عَيْن النَّمر، وأبو العَتَاهِيَة لَقَبٌ وكُنْيَتُهُ أبو إسحاق، ولُقِّبَ لاضْطِرَابٍ كان فيه، ويقال: وهو مَوْلَى لعَطَاء بن مِحجَن العَنَزِيّ أحَدُ بَني نَصْر بن سَعْد بن حِبَّان. ويُقال: اسم أبي العَتَاهِيَة إبْراهيم بن إسحاقَ، والأوَّل أصَحُّ، وكان جَرَّارًا يبيع الخَزَفَ بالكُوفَة، وأُمُّهُ أُمُّ زَيْد بنت زِيَاد البُخاريّ (a)، مَوْلَى بَني زُهْرَة، ووُلد في سَنَة ثلاثين ومائة. وماتَ ببَغْدَاد في سَنَة عَشرٍ ومَائتَيْن، وقيل: في سَنَة إحدَى عَشرة، وقيل: قبلَ ذلك وبعده، والأوَّل أَصَحُّ، وقَبرُه في الجانب الغَرْبيّ من مَدِينَة السَّلام قُبالة قنطَرَة الزَّيَّاتين، وكان أبيضَ اللَّون، أسْوَدَ الشَّعَر، قَصِّيْفًا، طَرِيفًا (b)، له وَفْرَةُ جَعْدَة، وهَيْئَة حَسَنة، وخَضَبَ في آخر عُمْرِه بالحِنَّاء. وأخْبَاره مع المَهدِيّ، والهادي، والرَّشِيْد، والأَمِين، والمَأمُون مَشهُورةٌ، وكان ذا مَنْزِلةٍ عند الخُلفَاء والوُزَرَاء وعِلْيَةِ أهْل الدَّولةِ، ومَذْهَبُه في سهُولة الطَّبْع وقُرْب المأخَذ، والبُعد من التَّكَلُّف مُتَعالَم غير مُدَافع، حتَّى أنَّ قَائلًا لو قال: إنَّهُ أطْبعُ النَّاسِ أجْمَعِين لَما خُولفَ في قَوْله، وهو مفْتَنٌ في سَائر أجْنَاسِ الشِّعْرِ، وأنْفَدَ قَولَهُ في آخر عُمْرِه فيما لم يشركه فيه أحدُ ممَّن تقدَّمه من الشُّعَراءِ ولا منْ تأخَّر عنه من القَوْل في الزُّهْدِ، والمَوَاعِظ، والعِبَر، والأمْثَال. وقَرأتُ في كتاب المُسْتَنِيْر لأبي عُبَيْدِ الله المَرْزُبانيّ (¬١)، قال: حدَّثَني عليُّ بن أبي عَبْدِ اللّه الفَارِسِيّ، قال: أخبَرَني أبي، عن أبي دِعَامَة عليّ بن بُرَيْد (c)، قال: كان أبو العَتَاهِيَة كُوفيًّا مَوْلَى لعَنَزة، وكان جرَّارًا، وكان أبُوه يُكنَى أبا إسْمَاعِيْل، وكان في الدِّيْوَان دَهْرًا، فلمَّا نسَكَ أبو العَتَاهِيَة، وترك الدِّيْوَان، وقال في الزُّهْد، تَعَلَّم الحِجَامَةَ ليُذلّ نَفسه بذلك وتتواضَع بهِ، فأُخبر يَحْيَى بن خَالِد، فقال: ما دعاهُ إلى هذا؟ قيل: أراد أنْ يُذلَّ نَفسَهُ، قال: أمَا كانت صِنَاعَهُ قبل هذا؟ قيل: بلى، كان يبيعُ الجِرَار، فقال: لقد كان له في بَيع الجِرَار من الذُّلّ ما يُغْنيه عن الحِجَامَةِ. أخْبَرَنا أبو الحسَن بن أبي عَبْد اللّه بن أبي الحَسَن البَغْدَاديّ بالقَاهِرَة، قال: أنبَأنَا أبو الفَضْل مُحَمَّد بن نَاصِر بن عليّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أَيُّوب البَزَّاز (a)، وأبو الفَضْل أحْمَدُ بن الحَسَن بن خَيْرُون، قالا: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَن بن أحْمَد بن شَاذَان، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الطُّوْمَارِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو العبَّاسِ أحْمَد بن يَحْيَى ثَعْلَب، قال: حَدَّثَنا أبو العبَّاس المُبَّرَدُ، عن الرِّيَاشِيّ، قال: أقْبَل أبو العَتَاهِيَة ومعه سَلَّةُ مُحَاجِمِ، فجلَس إلينا وقال: لستُ أبرَحُ أو تأتُوني بمَن أجْجمُه، فجئناهُ ببعض عَبِيْدِنا فَحجَمَهُ، ثمّ أنْشَأ يقُول (¬١): [من الطويل] ألا إنَّما التَّقْوَى هي العِزُّ والكَرَم … وحُبُّكَ للدُّنْيا هو الذُّلُّ والعَدَمْ وليسَ على عَبْد تَقيّ نَقِيْصَةُ … إذا صَحَّحَ التَّقْوَى وإنْ حَاكَ أو حجَم قَرَأتُ في كتاب المُستَنِير للمَرزُبَانيّ (¬٢)، وأنبَأنا بهِ أحمدُ بن أَزهَر، عن مُحمَّدِ بن عَبْد البَاقي (b)، عن أبي مُحَمَّد الجَوهَرِيّ، عنهُ، قال: وأخبَرَني الحُسَين بن مُحَمَّد العَرَمرَم، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن يَزِيد النَّحْوِيّ، قال: كان أبو العَتَاهِيَة يَبِيع الجِرَار بالكُوفَة، وكانت له ابْنَتَان سَمَّى أحدَهمُا: باللّه، والأُخرى: للّهِ، فخَطَب أحدَيْهما مَنْصُورُ بن المَهْدِيّ، فلم يزوِّجه أبو العَتَاهِيَة، وقيل: إنَّما مالَتْ نفسُه إليها لأنَّها بنْتُ أبي العَتَاهِيَة وأنَّ اسمها للّه، وكأنِّي به في غدٍ قد مَلَّها وضَامَهَا، فلم يكُن إلى الانْتصافِ منهُ سَبيل، وما كنتُ لأزَوِّجَها (c) إلَّا بائعَ جِرَارٍ لا يطُول عليها، ولكنِّي أخْتَاره مُوْسِرًا. وقال: حَدَّثَني عليّ بن أبي عَبْد اللّه الفَارِسِيّ، قال: أخبَرَنِي أبي، قال: حَدَّثني علي بن مَهدِي، قال: حَدَّثني عَبْدُ اللَّه بن عَطِيَّة، قال: رأيتُ أبا العَتَاهِيَة أيّام مُحَمَّدٍ على قَنْطَرَة الصَّرَاةِ شَيْخًا مَخضُوبًا عليه رِدَاءُ ونَعْلُ، يَوْمَ الجُمُعَة والنَّاسُ يمَرُّونَ إلى الصَّلاةِ وهو يَمشِي وخَلفه غُلَامُ له على حِمَارٍ، فسَألتُ غُلَامَهُ لَمَ لا يرْكَبُ؟ قال: لا يمضى إلى صَلاةِ الجُمُعَة إلَّا رَاجِلًا، فإذا انْصَرَفَ رَكِبَ. ﷽ وبه توفيقي وقال أبو عُبَيْد اللّه المَرْزُبانيّ: حَدَّثَني أبو عَبْد الله الحَكِيْمِيّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن مُوسَى البَربَرِي، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن الحَسَن، قال: حَدَّثَني يَحْيَى بن الحَسَن، قال: أخْبَرَني مُحَمَّد بن سَعيد بن مَنْصور خال المَهْدِيّ، قال: كان أبو العَتَاهِيَةِ من أهْلِ الكُوفَة، وكانوا ستّة أخْوَة يتصرَّفُونَ في تجارَاتهم، وكان أبو العَتَاهِيَة أوْضَعهم حالًا، فقالت له أُمُّه: كم تَصْبِرُ على هذا الضُّرّ وتنتَظرُ ما يكون من إخْوتِكَ، فلو صرْتَ إلى بَغْدَاد. فأطَاعَ أمرَها، وصارَ إلى بَغْدَاد واتَّخَذَ تَخْتًا يبيعُ فَوْقه الفُلُوسَ، قال أبو العَتَاهِيَة: فحَضَرتني أبياتُ قُلتُها في سَعيدِ بن مَنْصُور، فقال لي: لو قلتَ شيئًا في أَمِير المُؤْمنِيْن المَهْدِيّ أوْصَلْتُه إليه، فقلتُ أبيَاتًا على الدَّالِ، منها (¬١): [من الكامل] شهدَتْ قُرَيشٌ والقَبَائِلُ كُلُّها … بفَضْل أَمِير المُؤْمنِيْن مُحَمَّدِ فأمَرَ لي بعَشرة آلافِ دِرْهَم، فأخَذْتُها، وانْفَتح لي الشِّعْرِ فقلتُ فيه، فأمرَ لي بمثْلِها حتَّى وَصَلَ إليَّ منه مائةُ ألف دِرْهَم، وكان سَعيدُ بن منْصُور السَّبَبَ في ذلك. ثمّ انْفَتَحت لي الأُمُور. وقال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن أبي خَيْثَمَة، قال: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بن أبي العَتَاهِيَة، قال: كان أبي في صِغَره أحدَ أهْل الفَتْك والمَزْح، ولم يكن له تشَاغُل عن الأدَب بشيءٍ، وكان مكْفيًّا قد وَرثَ أباهُ عَقَارًا يُقِيْمُهُ، وكان يأتي الحِيْرَة ونَوَاحِيها كَثِيْرًا للنُّزهةِ والشُّرب هناك. وقال (¬١): كان أبي يَسلُكُ في الأدَب مَسْلَكَ عَبْدِ اللّه بن المُقَفَّع، ولم يكُن يقدِّم على عُلُوم الأوَائِل من الهِنْدِ والرُّوم وأهل فارس عِلمًا، ولا يَزِيد على حِكمَتهم شيئًا، وكان يقُول بالتَّوْحِيدِ، غير أنَّهُ كان يَزعُمُ أنَّ (a) الله ﷿ أحدَثَ جَوْهَرَين مُتَضَادَّين لا من شيءٍ، ثمّ أنَّهُ بَنَي العالَم هذه البِنْيَة منهما، وكان يَقُول: إنَّ العالَمِ حديثُ العَيْن والصَّنْعَة لا مُحْدِثَ لهُ ولجميع ما فيهِ إلَّا اللّه تعالَى وحدَه، وكان يَزعُمُ أنَّ اللّهَ ﷿ سيُعِيْد كُلَّ شيء ممَّا خَلَقَ على هذه الصَّنْعَة إلى الجوهَرَين المُتَضَادَّين، أو قال: الأصلين الحَديثين لا من شيء قبل أنْ تفنَى الأعْيَان جَمِيعًا، وكان يذهَبُ إلى أنَّ المَعَارف وَاقِعَةُ بقَدْر الفِكْر والبَحْث والاسْتدلال طِبَاعًا. وكان يَقُول: إنَّ اللّه ﷿ لم يَزَل (b) مَوْصُوفًا بالحيِّ، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (¬٢)، وكان يَذْهبُ إلى أنَّ الحَوَادِثَ كُلّها - خَيْرَها وشَرَّها مُذْ برأ اللّهُ العالَم وإلى أنْ يُبِيْدَهُ - فَلكَيَّة على مَذْهَب المُنَجِّمين ما خلا الإرادَة فقط، وكان يقُولُ بالوَعيْد، وبتَحريم المكَاسِب على مَذْهَب الزَّيديَّةِ، وكان يَتَشَيعُّ لآل رسُول اللّهِ ﷺ، غيرَ أنَّهُ لم يكن يَتَنقَّصُ أحدًا من أصحَاب رسُول اللّهِ ﷺ، ولا من أُمَّهات المُؤْمنِيْن رحمهُنَّ اللّه، ولم يَكُن يَرَى الخُرُوجَ على السُّلْطان، ولا يَرَى الجَدَل والمِرَاءَ في (c) الدِّين، وكان يَذْهبُ إلى خَلِعْ الدُّنْيا والزُّهْد فيها والتَّصَوُّف والقَنَاعَة، وكان يَقُول: الاسْتِطَاعَةُ مع الفعْل، وأنَّ اللّه ﷿ قضَى السَّيِّئات والحَسَنات. وقال (¬٣): كانت لأبي جارَهُ تُشرف على سَطْحه، فرَأتهُ ليلَةً يَقنُتُ، فَرَوَتْ عنه أنَّهُ يُكلِّم القَمَر، واتَّصَل الخَبَرُ بحَمدَوَيهِ صَاحب الزَّنادِقَة، فصَار إلى منْزِلها وباتَ وأشْرَفَ على أبي العَتَاهِيَة فرآهُ يُصَلِّي، فلم يزل يَرْقُبُه حتَّى قَنَت وصَار إلى مَضْجعه (a)، فانْصَرف حَمْدَوَيْه خَاسِئًا (b). قال المَرْزبانيّ: أخْبَرَني مُحَمَّدُ بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا أبو ذكوان، قال: حَدَّثَنَا العبَّاسُ بن رُسْتُم، قال: كان حَمْدَوَيْه صاحب الزَّنَادقة أراد أنْ يأخُذَ أبا العَتَاهِيَةِ ففَزع من ذلك فجلَس حَجَّامًا. قال المَرْزُبانيّ: وأخْبَرَني الصُّوْلِيّ (¬١)، قال: حَدَّثَني عَوْنُ بن مُحَمَّد، قال: سَمِعْتُ العبَّاسَ بن رُسْتُم يقول: كان أبو العَتَاهِيَة مُذَبْذَبًا في مَذْهَبهِ يَعْتقدُ شيئًا، فإذا سَمِعَ طاعِنًا عليه تَرَكَ اعْتِقَادَهُ وأخَذَ غيرَهُ، قال: وشِعْره يدلُّكَ على ذلك. وقال: أخْبَرَني مُحَمَّدُ بن يَحْيَى (¬٢)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن موسى، قال: حَدَّثَني شَيْخٌ من مَشَايخِنا، قال: حَدَّثَني أبو شُعَيْب الحَجَّام صاحبُ ابنِ أبي دُؤَاد (ح)، قال: قلتُ لأبي العَتَاهِيَة: القُرْآنُ مَخْلُوقُ أو غيرُ مَخْلُوق؟ فقال: سألتَ عن اللهِ أو عن غيرِ اللهِ؟ قُلتُ: عن غير الله، فأمْسَكَ، حتَّى أعدْتُ عليه هذا مَرَّات، يقُول لي مثل قَوْله، فقُلتُ: ما لك لا تُجِيْبني؟ قال: قد أجبْتُكَ، ولكنَّكَ حِمَارٌ!. قال (¬٣): وأخْبَرَني مُحَمَّدُ بن العبَّاس، قال: حَدَّثَني أبو أحْمَد يَحْيَى بن عليّ، قال: حَدَّثَني ابن مَهْرُوَيْه، قال: حَدَّثَنا العبَّاس بن مَيْمُون طَابِع، عن رَجَاءِ بن سَلَمَة، قال: سَمِعْتُ أبا العَتَاهِيَة يقُول: قرأتُ البَارِحَة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (¬٤) ثمّ قُلْتُ قَصِيدَةً خَيْرًا منها (d). وقال: أخْبَرَني الحسُينُ بن عليّ، قال: حَدَّثَني الحَسَنُ بن عُلَيْلِ العَنَزِيّ، قال: حَدَّثَني أحْمَدُ بن سُلَيمان الحَنَفِيّ، قال: حَدَّثَني أبي، قال: شَهِدَ رجُلٌ على أبي العَتَاهِيَةِ بالزَّنْدَقَة، ونحنُ بطُوْس مع الرَّشِيْد، فَحبَسَهُ الرَّشِيْدُ منذ غُدْوَة إلى العَصْر، وطَلبُوا شَاهدًا آخر فلم يَجدُوا فأطلَقَهُ، ثمَّ حبَسَهُ ثانيةً، فدَخَلْنا عليه الحَبْسَ فأنْشَدَنا (¬١): [من مجزوء الوافر] هِيَ الأيَّامُ والعِبَرُ … وأمْرُ اللهِ يُنْتَظَرُ أتَيْأَسُ أنْ تَرَى فَرَجًا … فأَيْنَ اللهُ والقَدَرُ فأطْلَقَهُ الرَّشِيْدُ. أخْبَرَنا (a) أبو اليُمْن زَيْدُ بن الحَسَن الكِنْدِيّ، فيما أذن لنا أنْ نَرْوِيه، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ بن ثَابِت (¬٢)، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر البَرْقَانِيُّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن العبَّاس بن مُحَمَّد (b) الخَزَّازُ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن المَرْزبَان، قال: أخْبَرَني عَبْدُ الله بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَني الحُسَينُ بن عبد الرَّحْمن، قال: قال الرَّشِيْدُ لأبي العَتَاهِيَة: النَّاسُ يَزْعُمُون أنَّكَ زِنْدِيق؟! فقال: يا سَيِّدِي، كيفَ أكونُ زِنْدِيقًا وأنا القائلُ (¬٣): [من المتقارب] أيا عَجَبي، كيفَ يُعْصَى الإلَـ … ــهُ (c) أم كيفَ يَجْحَدُهُ جَاحِدُ وفي كُلِّ شيءٍ لهُ آيةٌ … تَدُلُّ على أنَّهُ وَاحِدُ (d) أنْبَأنَا أبو القَاسِم عبدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد القَاضِي، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد الغَسَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ البَغْدَاديّ (¬٤)، قال: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن عليّ الجوهَرِيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن عِمْران بن مُوسَى الكَاتِبُ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِد بن مُحَمَّد الخَصِيْبِيّ (a)، قال: حَدَّثَني أبو الفَضْل مَيْمُون بن هَارُون، قال: حَدَّثَني العَبَر (b)، قال: جلسَ مَنْصُورُ بن عَمَّار بعضَ مَجَالِسِه، فحَمِدَ الله وأثْنَى عليهِ، وقال: إنِّي أُشْهدُكم أنَّ أبا العَتَاهِيَة زنْدِيقٌ، فبلَغَ ذلك أبا العَتَاهِيَة، فكتَبَ إليهِ (¬١): [من الخفيف] إنَّ يَوْمَ الحِسَابِ يَوْمٌ عَسِيْرُ … ليسَ للظَّالمين فيه نَصِيْرُ فاتَّخِذ عُدَّةً لمُطَّلعَ القَبْـ … ـــر وهَوْلِ الصِّرَاطِ يا مَنْصُورُ ووَجَّه بها أبو العَتَاهِيَة إلى مَنْصُور، فنَدِمَ على قَوْله، وحَمِدَ الله وأثْنَى عليه، وقال: أُشْهدُكُم أنَّ أبا العَتَاهِيَة قد اعْتَرفَ بالمَوْتِ والبَعْث، ومَنْ اعْتَرف بذلك فقد بَرئ ممَّا قُرِفَ (c) بهِ. قَرَأتُ في كتاب المُسْتَنِيْر للمَرْزُبَانِيّ، قال: حَدَّثَني عليُّ بن أبي عَبْدِ الله، قال: أخْبَرَني أبي، قال: حَدَّثَني عليّ بن مَهْدِي الكِسْرَوِيّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن يَزِيد العَمِّيّ، عن عَمْرو بن مالكٍ المَذَارِيّ (d)، قال: كان أبو العَتَاهِيَةِ من عندنا، وكان أبُوه بيّاع الجِرَار، وكان ضيِّقَ المعَاش، وكان أبو العَتَاهِيَة كَثِيْرًا ما (e) يُجَالِسُ مَنْ يَجتاز بنا من النُّسَّاك، وكان قليلَ العِلْم، فخرَج مع بعض النُّسَّاكِ فأقام بعَبَّادَان حينًا، فرجَع وقد تَفَقَّهَ وحَسُنَ أدَبُه، وقال الشِّعْرَ في الزُّهْدِ، ثمّ شَخَصَ إلى الكُوفَة فتَأدَّب هناك، ثمّ قَدِمَ بَغْدَاد ورَأى نَفْسَهُ مُتَخلِّفة عن أُولئك الشَّيَاطِين، وأراد أنْ يكون له سَبَبٌ إلى المُلُوك يتعيَّش به، فأشَار عليه الهَيْثَمُ بنُ عَدِيّ أنْ يُشَبِبَ بالخَيْزُرَان، فَجَبُن عن ذلك، فأغْرهُ بعُتْبَة جَارِيَة رَيْطَة بنت أبي العبَّاسِ، فلبس مِدْرَعَة صُوْف، وطَلَبَ عُتْبَة، وسَألَ عنها فدُلَّ عليها وتُسَائِلُ بعضَ عجَائز القَصْر أرَقَّ مَسْألَةٍ، فتعرَّضَ لها أبو العَتَاهِيَة فقال (¬١): [من الطويل] فَدَيتُكِ تَجْمِيْشِ العَجُوزِ بليَّةٌ … ولا سِيَّمِا من بَرَّةٍ مُتَبَتِّلَهْ فأمَرَتْ فوُجِئَ (¬٢) في عُنُقه، ورَأتْهُ في زيّ مَجْنُونٍ فخَلَّتْ سَبِيلَهُ، فرَجَعَ إلى الهَيْثَمِ بن عَدِيّ فشَكَا إليه، فقال: إنَّما أشَرْتُ عليك أنْ تُشَبِبَ بها وتَدَّعِي عِشْقَها، لم أُشِرْ عليكْ أنْ تأمرَها بالمَعْرُوفِ وتَنْهاها عن المُنْكَر، وقد وقعَ الجنُونُ بحيثُ أردْت، فالْزَم هذا فعَسى أنْ تَنال خَيْرًا، ففَعَلَ، فكان يتْبَعُ عُتْبةَ في الطُّرُقاتِ ويُنْشِدُها أشْعَارَهُ، وإذا دَخَلَتْ إلى بَيْتِها جلسَ لها حتَّى تخرجُ، فاسْتَطرفِ (a) النَّاسُ ذلك منه، وكَنَوْهُ بأبي العَتَاهِيَة، وضُرِبَ وحُبِسَ فلم يزدهُ ذلك إلَّا بصِيْرةً في أَمْره، وكان ذلك سَبَبًا له إلى بُلُوغ ما أَمَّلَ. أخْبَرَنا عَبْدُ الصَّمَد بن الحَرَسْتَانِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن أحْمَد الغَسَّانِيّ، قال: أخْبرنا أحمدُ بنُ عليّ البَغْدَاديّ (¬٣)، قال: أخبَرَني عليُّ بن أيُّوبَ القُمِّيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بنُ عِمْران المَرْزُبانيّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن موسى البَرْبَرِيّ، قال: أخْبرَني أبو عَبْد الله مُحَمَّدُ بن عليّ الهاشِميُّ، عن أبي شُعَيْب أحْمَد بن يَزِيد صاحب ابن أبي دُؤَاد (b)، قال: قلتُ لأبي العَتَاهِيَة: يا أبا إسْحاق، حَدِّثني بقِصَّتكَ مع عُتْبَةَ؟ فقال لي: أُحَدِّثُكَ، قَدِمْنَا من الكُوفَة ثلاثةُ فتْيان شَبَابًا (ح) أُدَبَاء، وليسَ لنا ببَغْدَاد مَنْ نَقْصِدُه، فنزلنا غُرْفَةً بالقُرْبِ من الجِسْر، فكُنَّا نُبَكِّرُ فنَجْلسُ في المَسْجِد الّذي ببابِ الجِسْر في كُلِّ غَدَاةٍ، فمرَّت بنا يَوْمًا امرأةٌ رَاكبةٌ معها خَدَمٌ سُودَانٌ، فقُلنا: مَنْ هذه؟ قالوا: خَالِصَةُ، فقال أحَدُنا: قد عَشِقْتُ خَالِصَة، وعَمِلَ فيها شِعْرًا، فأَعَنَّاهُ عليه. ثمّ لَم نَلْبَثْ أنْ مرَّت أُخرى راكبةً معها خَدَمٌ بِيْضَان، فقُلْنا: منْ هذه؟ فقالوا: عُتْبَةُ، فقُلتُ: قد عَشِقْتُ عُتْبَةَ، فلم نَزل كذلك في كُلِّ يَوْم إلى أنْ التَأَمَتْ لنا أشْعَارٌ كَثِيْرةٌ، فدَفع صَاحبي شعْرَهُ إلى خَالِصَة، ودَفَعْتُ أنا شِعْري إلى عُتْبَةَ، وألْحَحْنا إلْحاحًا شَدِيْدًا، فمرَّةً تُقْبل أشعَارُنا، ومرَّةً نُطْرَد، إلى أنْ جَدُّوا في طَرْدنا، فجلَسَتْ عُتْبَةُ يَوْمًا في أصْحَاب الجَوْهَر، ومَضَيْتُ فلَبِسْتُ ثِيَابَ رَاهِبٍ، ودفَعْتُ ثِيَابي إلى إنْسَان كان معي، وسَألتُ عن رَجُلٍ كبيرٍ من أهْل السُّوق، فدُلِلْتُ على شَيْخ صَانِع (a)، فجئتُ إليه، فقُلتُ: إنِّي قد رغبْتُ في الإسْلَام على يَدَي هذه المَرْأةِ، فقام معي وجَمَع جَمَاعَةً من أهْل السُّوق، وجاءها فقال: إنَّ الله قد سَاقَ إليكِ أجْرًا، هذا رَاهِب قد رَغبَ في الإسْلَام على يَدَيْك، قالت: هَاتُوه، فدَنوْتُ منها، فقُلتُ: أشْهَدُ أنَّ لا إلَه إلَّا الله، وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسُولهُ، وقَطَعْتُ الزُّنَّارَ، ودَنَوْتُ فقبَّلْتُ يدَهَا (b)، فلمَّا فعَلْت ذلك رَفَعْتُ البُرْنُسَ فعَرَفَتْني، فقالت: نَحُّوهُ لعَنَهُ الله! فقالوا: لا تَلْعَنيه فقد أسْلَم، فقالت: إنَّما فعَلْتُ (c) ذلك لقَذَرِه، فعَرَضُوا عليَّ كُسْوَةً، فقلت: ليسَتْ بى حَاجَة إلى هذه، وإنَّما أرَدْتُ أنْ أَشْرُفَ بولَائها، فالحَمْدُ لله الّذي مَنَّ عليَّ بحُضُوركم، وجَلَسْتُ فجعَلُوا يُعلِّمونَني الحَمْدَ، وصَلَّيْتُ معهم العَصْر، وأنا في ذاك بينَ يَدَيْهِا (٤) أنْظُر إليها لا تَقْدرُ لي على حِيْلَةٍ، فلمَّا انصرَفَتْ لقِيَتْ خَالِصَةَ فشَكَتْ إليها، فقالت: ليسَ يَخْلُو هذان من أنْ يكُونًا عَاشِقَيْن أو مُسْتَأكِلَيْن، فصَحَّ عَزْمُهما على امْتِحاننِا بمالٍ على أنْ نَدَع التَّعرُّضَ لهما، فإنْ قَبِلْنا المالَ فنحنُ مُسْتَأكِلَان، وإنْ لَم نَقْبَلْهُ فنحنُ عَاشِقَانِ. فلمَّا كان الغَدُ، مرَّت خَالِصَةُ، فعَرَض لها صَاحِبُها، فقال لهُ الخَدَمُ: اتَّبِعْنا، فاتَّبَعَهُم (a)، ثُمَّ لَم نَلبَثْ أنْ مرَّت عُتْبَة، فقال لي الخَدَمُ: اتَّبِعْنا، فاتَّبَعْتُهم، فَمضَتْ بي إلى مَنْزِل خَلِيطٍ لها بَزَّازٍ، فلمَّا جَلَسَتْ دَعَتْ بي، فقالت لي: يا هذا، إنَّك شَابُّ وأرَى لك أدَبًا، وأنا حُرْمَةُ خَلِيفَةٍ، وقد تَأَنَّيْتُكَ، فإنْ أنْتَ كَفَفْتَ وإلَّا أَنْهَيْتُ ذلك إلى أَمِير المُؤْمنِيْن، ثُمّ لم آمَن عليك. قُلتُ: فافْعَلِي بأبي أنْتِ وأُمِّي، فإنَّكِ إنْ سَفَكْتِ دَمي أَرَحتني، فأسْألكِ باللهِ إلَّا فَعَلْتِ ذلك، إذ لم يكُن لي فيك نَصِيبٌ، فأمَّا الحَبْسُ والحيَاةُ ولا أراك فأنت في حَرَجٍ من ذاك، فقالت: لا تَفْعَل يا هذا وأبْقِ علِى نَفْسِك، وخُذ هذه الخَمْسَمائة الدِيْنار واخْرُج عن هذا البَلَدِ، فلمَّا سَمِعْتُ ذِكْرَ المال ولَّيْتُ هَارِبًا، فقالت: رُدُّوه، فلم تَزَلْ تَرُدُّنِي، فقُلتُ: جُعِلْتُ فداءَكِ، ما أصْنعُ بعَرَضٍ من الدُّنْيا وأنا لا أرَاك؟ وإنَّك لتُبْطئيْنَ يوْمًا واحدًا عن الرُّكُوب فتَضِيْقُ بي الأرْضُ بما رَحُبَت، وهي تأبَى إلَّا ذِكْر المال حتَّى جَعَلَتْ لي ألفَ دِيْنارٍ، فأبَيْتُ وجَاذبتُها مجُاذبةً شَدِيدةً، وقُلتُ: لو أعْطَيْتنِي جميع ما يَحْوِيه الخلَيفَة ما كانت لي فيه حاجَة وأنا لا أراك بعد أنْ أجدَ السَّبِيْل إلى رُؤيتِكِ. وخرجْتُ فجئْتُ الغُرْفَة الّتي كُنَّا نْنْزلها، فإذا صاحبي مُوَرَّمُ الأُذُنَيْن، وقد امْتُحِنَ بمثْل مِحْنَتي، فلمَّا مدَّ يدَهُ إلى المالِ صَفَعُوهُ، وحَلَفَتْ خَالِصَةُ لئن رَأَتهُ بعد ذلك لتُودِعنَّه الحَبْسَ (b)، فاسْتَشَارني في المقام، فقُلتُ: اخرُج وإيَّاكَ أنْ يُقْدَرَ عليك، ثمّ الْتَقَتَا فأخْبَرَتْ كُلُّ واحدةٍ صَاحبتَها الخَبَرَ، وأحْمَدَتْنِي عُتْبةُ وصَحَّ عندها أنِّي مُحِبٌّ مُحقٌّ. فلمَّا كان بعد أيَّامٍ، دَعَتْني عُتْبَةُ، فقالت: بحياتي عليك، إنْ كُنْتَ تُعِزُّها، إلَّا أخَذْتَ ما يُعطيْك الخادِمُ فأصْلحتَ به (c) من شَأنك، فقد غَمَّني سُوء حَالِكَ، فامتَنَعْتُ، فقالت: ليس هذا ممَّا تَظُنُّ، ولكنِّي لا أُحبُّ أنْ أراك في هذا الزِّيّ، فقُلتُ: لو أمْكَنني أنْ تَريني في زِيّ المَهْدِيّ لفعلتُ ذلك، فأقْسَمَتْ عليَّ، فأخَذْتُ الصُّرَّةَ فإذا فيها ثلاثمائة دِيْنارٍ، فاكْتَسَيْتُ كُسْوَةً حَسَنةً، واشْتَرَيْتُ حِمَارًا. أنْبَأنَا زَيْدُ بن الحَسَن، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرّحْمن بن زُرَيْق، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (¬١)، قال: أخْبَرَنا أبو حَنِيْفَة عَبد الوَهَّاب بن عليّ بن الحَسَن المُؤدِّب، قال: حَدَّثَنَا المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء الجَرِيْرِيُّ (¬٢)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن أحْمَد بن إبْراهيم الحَكِيْمِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن أبي خَيْثَمَة، قال: حَدَّثَنَا عَتاهِيَةُ بن أبي عَتاهِيَة، قال: أقْبَل أبي يَمْدَحُ المَهْدِيّ ويَجْتَهدُ في الوُصُول إليه، فلمَّا تَطَاولَتْ أيَّامُهُ أحَبَّ أنْ يُشْهِرَ نَفْسَهُ بأمرٍ يَصِلِ [به] (a) إليه، فلمَّا بَصُرَ بعُتْبَة راكبةً في جَمْعٍ من الخَدَم تَتَصرَّفُ في حَوَائج الخِلَافَة تعرَّضَ لها، وأَمَّلَ أنْ يكون تولُّعُه بها هو السَّبَبُ المُوْصِل إلى مَحبَّته (b)، وانْهَمكَ في التَّشْبيْبِ والتَّعرُّض في كُلِّ مكانٍ لها، والتَّفرُّد بذِكْرها وإظْهارِ شِدَّة عِشْقها، وكان أوَّل شِعْرٍ قالَهُ فيها (¬٣): [من الخفيف] رَاعَنِي يا يَزِيدُ صَوْتُ الغُرَاب … لحَذارِي للبَيْنِ من أحْبَابي يا بَلَائي ويا تَقلْقُلَ أحْشَا … ئي ونَفْسِي لطَائِرٍ نعَّابِ أفصَح البَيْنَ بالنَّعِيْب وما … أفصَح لي في نَعِيْبهِ بالإيابِ فاسْتَهلَّت مَدَامِعي جَزَعًا منـ … ــه بدَمْعٍ ينهلُّ بالتِّسْكَابِ ومُنِعْتُ الرُّقَادَ حتَّى كأنِّي … أرْمَدُ العَيْن أو كُحلْتُ بصَابِ (c) قلتُ للقَلْبِ إذ طَوَى وَصْلَ … سُعْدَى لهواه البَعِيدِ بالأنْسَاب أنْتَ مثْلُ الّذي يَفِرُّ من القَطْـ … ــر حَذَارَ النَّدَى إلى الميْزَاب وهي طَويْلَةٌ (d). قال: وقال في عُتْبَةَ (¬١): [من مجزوء الكامل] ولقد طَربْتُ (a) إليك حَـ … ــتَّى صِرْتُ من ألَم (b) التَّصَابي يَجِدُ الجلِيْسُ إذا دَنَا … رِيْحَ الصَّبَابَةِ (c) في ثِيَابي وقال فيها أيضًا (¬٢): [من الطويل] وإنِّي لمَعْذُورٌ على طُول حُبِّها … لأنَّ لها وَجْهًا يَدُلُّ على عُذْري إذا ما بَدَتْ والبَدْر لَيْلَة تَمِّهِ … رأيتَ لها فَضْلًا مُبِيْنًا على البَدْر وتَهْتَزُّ من تحت الثِّيَابِ كأنَّها … قَضِيْبٌ من الرَّيْحان في وَرَقٍ خُضْرِ أبَى اللهُ إلَّا أنْ أموْتَ صَبَابةً … بسَاحرَةِ العَيْنَين طَيِّبَة النَّشْرِ وتَبْسِم عن ثَغْر نقِيّ كأنَّهُ من … اللُّؤْلُؤ المَكْنُون في صَدَفِ البَحْرِ يُخَبِرُني عنهُ السِّوَاكُ بطِيْبِه … ولسْتُ به لولا السِّوَاكُ بذِي خُبْرِ أخْبَرَنا أبو جَعْفَر يحيى بن جَعْفَر بن عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عليّ بن الدَّامَغَانِيّ بحَلَب، قال: أخْبَرَنا أبي أبو مَنْصُور جَعْفَر ببَغْدَاد، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَدُ بن سَوَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن رِزْمَةَ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد السِّيْرَافيّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بنُ مَنْصُور، قال: حَدَّثنا الزُّبَيْرُ - يعني ابن بَكَّار - قال: حَدَّثَني جَعْفَرُ بن الحُسَين اللَّهَبِيُّ، قال (¬٣): أرْسَل أَمِيرِ المُؤْمنِن المَهْدِيُّ يَوْمًا إلى أبي العَتَاهِيَة فدعاهُ، فقال: أنت الّذي تقُول في عُتْبَة (¬٤): [من المنسرح] اللهُ بَيْني وبينَ مَوْلَاتي … أبْدَتْ لي الصَّدَّ والمَلَالَات متَى وَصَلتكَ حتَّى تُنْكر صَدَّها عنك (a)؟ قال: يا أَمِير المُؤمنِيْن، أنا الّذي أقُول (¬١): [من المنسرح] يا نَاقُ سِيْري (b) بنا ولا تَعدِي … نفْسَكِ ممَّا تَرَيْنَ رَاحَاتِ حتَّى تُنيخي (c) بنا إلى مَلِكٍ … توَّجَهُ اللهُ بالمَهَابَاتِ يَقُولُ للرِّيح كُلّمَا صَفَقَتْ (d): … هل لك يا رِيْحُ في (e) مُبَارَاتي قال: فأطْرَق مليًّا وجَعَل ينكتُ (d) بقَضِيبٍ كان في يَدِه، ثمّ رَفعَ رَأسَهُ فقال: أنْتَ الّذي تَقُول (¬٢): [من المتقارب] ألَا ما لسَيِّدَتِي ما لها … لقد (g) سَكَن الحُبُّ سِرْبَالَها ما يُدْريكَ ما في سِرْبالِها؟ فقال: يا أَمِيرَ المُؤْمنِيْن، وأنا الّذي أقُولُ (¬٣): [من المتقارب] أَتَتْهُ الخِلَافَةُ مُنْقَادةً … إليهِ تُجَرِّرُ أَذْيَالَهَا فلم تَكُ تَصْلُح إلَّا له … ولا كانَ يَصْلحُ إلَّا لها ولو رَامَها أحَدٌ غَيْرُهُ … لَزُلْزلَت الأرْضُ زِلْزَالَهَا قال: فنَكَّسَ رأسَهُ ونكَتَ بقَضِيْبِه، ثمّ رَفَع رأسَهُ فسَألَهُ عن شيءٍ، فعَيِيَ بجَوَابِه، فأمرَ به فجُلِدَ، ثمّ أُخْرِج مَجْلُودًا، فلَقِي عُتْبة على الباب، فقال (¬٤): [من السريع] بَخٍ بَخٍ يا عُتْبَ من مثْلُكُم … قد قَتَلَ المَهْدِيُّ فيكُم قَتِيْل قال: فدَخَلُوا فأخْبَرُوا المَهْدِيَّ بما قال، فضَحكَ، ثمّ أمر له بعشرين ألف دِرْهَمٍ فأخَذَها، فلمَّا خَرَج كان على الباب المُرَابطَةُ فقسَمها فيهم، فأُخْبِرَ المَهْدِيُّ بذلك، فدَعاهُ فقال له: ما الّذي حملَكَ على أنْ أكْرَمتُكَ بكَرَامةٍ فقَسَمْتَها؟ فقال: يا أَمِيرَ المُؤْمنِيْن، ما كنتُ لآكُلَ ثمن مَنْ أَحْبَبْت، فأطلَقَها له، وتقدَّمَ إليه ألَّا يُبَذِّرَها. أنْبَأنَا القَاضِي أبو القَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد الغَسَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ الحافِظ (¬١)، قال: أخْبَرَنا أبو حَنِيْفَة المُؤدِّبُ، قال: حَدَّثَنَا المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء (¬٢)، قال: حَدَّثَنَا الحُسَين بن القَاسِم الكَوْكَبِيّ، قال: حَدَّثَنَا عَسَلُ (a) بنُ ذَكْوَان، قال: أخْبَرَنا دِمَاذٌ، عن حَمَّاد (b) بن شَقِيق، قال: قال أبو سَلَمَة الغَنَويّ: قلتُ لأبي العَتَاهِيَة: ما الَّذي صَرفكَ عن قَوْل الغَزَل إلى قول الزُّهْدِ؟ قال: إذًا والله أُخْبِرُكَ، إنِّي لمَّا قُلْتُ (¬٣): [من المنسرح] اللهُ بينى وبينَ مَوْلَاتى … أهْدَتْ لي الصَّدَّ والمَلَالَاتِ مَنَحْتُها مُهْجَتي وخَالِصَتي … فكان هِجْرَانُها مُكَافَاتي هَيَّمني (c) حُبُّها وصَيَّرَنِي … أُحْدُوثَةً في جَميع جَارَاتي رأيتُ في المَنَام في تِلك اللَّيْلةِ كأنَّ آتيًا أتَاني، فقال: ما أَصَبْتَ أحدًا تُدْخِلُه بينكَ وبين عُتْبَة يَحْكُم لك عليها بالمَعْصِيَةِ إلَّا الله تعالَى؟! فانْتَبَهْتُ مَذْعُورًا، وتُبْتُ إلى اللهِ من سَاعتي من قَوْل الغَزَل. وذَكَرَ أبو الحَسَن المَسْعُودِيّ في كتاب مُرُوج الذَّهَب (¬٤): قال أبو العبَّاس يَحْيَى ثَعْلَبُ: كان أبو العَتَاهِيَة قد أكْثَرَ مَسْألَة الرَّشِيْد في عُتْبَة، فوعَدَهُ بتَزْوِيجها إنْ أجابَت، وتَجْهيزها. ثمّ إنَّ الرَّشِيْد سَنَح له شُغْل فحُجِبَ عنه أبو العَتَاهِيَة فدَفع إلى مَسْرُور الكَبِير ثلاثَ مَرَاوحَ، فدَخَل بها مُبْتسِمًا فقرأ الرَّشِيْدُ على أحديهنَّ (¬١): [من الكامل] ولقد تنسَّمْتُ الرِّيَاح لحاجَتي … فإذا لها من راحتَيْكَ نَسِيمُ (a) قال: أحْسَنَ الخَبِيْثُ. وإذا على الأُخْرى: أعْلَمتُ (b) نَفْسِي من رجائِكَ ما لَهُ … عَنَقٌ يَخُبُّ إليكَ بي ورَسِيْمُ (c) فقال: وقد أجَادَ. وإذا على الأُخرى: ولرُبَّما اسْتَيْأَسْتُ ثمّ أَقُولُ: لا، … إنَّ الّذي ضمِنَ النَّجَاحَ كَريمُ فقال: قاتلَهُ الله، ثمّ دَعَا به فقال: ضَمنْتُ لك يا أبا العَتَاهِيَة وإنِّي قاعدٌ لقَضَاءِ حاجتِكَ. وبَعَثَ إلى عُتْبَة: انْتَظريني اللَّيْلة في مَنْزِلك، فلي إليك حاجَةٌ، فصارَتْ هي إليه، فحلَف ألَّا يَذْكُر حَاجَتَهُ إلَّا عندَها، فلمَّا كان اللّيْلُ صارَ إليها في خَواصّ خَدَمِهِ، فقال: لستُ أذْكُر حاجتى أو تَضْمَنينَ لي قَضاءَهَا، قالت: أنا أَمَتُكَ وأمْرُكَ فيَّ نافِذٌ إلَّا أبا العَتَاهيَة؛ فإنِّي حلَفْتُ لأبيكَ ﵁ بأيْمانٍ لا تُحدّ كفَّارتها بالمضيّ (d) إلى مَكَّة حافيةً، كُلّما قَضَيْتُ حَجَّةً وجَبَتْ حِجَّةٌ أُخرى، وكُلّما أفَدْتُ شيئًا تَصَدَّقْتُ به، وبَكَتْ بينَ يَدَيْهِ، فرَحمها ورَقَّ لها، وانْصَرَف عنها. وغَدَا عليه أبو العَتَاهِيَة لا يَشُكُّ في الظَّفَر، فقال له: ما قصَّرتُ في أمْرك، ومَسْرُورٌ وحُسَينٌ ورَشِيْدٌ وغيرهم شُهُود لي، وشَرَح له الخَبَر. قال أبو العَتَاهيَة: لمَّا خبَّرني بذلك لَم أدرِ أين أنا، ثمّ قُلتُ: الآن يئسْتُ منها إذْ ردَّتْكَ، وعلمتُ أنَّها لا تُجِيْبُ أحدًا بعدك، فلبسَ الصُّوفَ، وقال (¬١): [من الكامل] قطَّعْتُ مِنْكِ حَبَائلِ الآمالِ … وحَطَطْتُ عن ظَهْر المطِيّ رِحالي ووَجَدْتُ بَرْدَ اليأسِ بين جَوَانِحي … فغنيْتُ عن حَلٍّ وعن تَرْحالِ (a) وذَكَرَ أبو عُبَيْد الله المَرْزبانيّ في كتاب المُسْتَنِيْر، وقرأتُه فيهِ في أخْبَار أبي العَتَاهِيَة، وأخْبَرَنا به إجَازَةً أحْمَد بن الأزْهَر بن السَّبَّاك، قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي، عن أبي مُحَمَّد الجوهَرِيّ عنه، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بِن أحْمَد الكَاتِب، ومُحَمَّد بن يَحيَى (¬٢)، قالا: حدَّثنا مُحَمَّدُ بن مُوسَى، قال: حَدّثنا الزُّبَير بن بكَّار، قال: حَدَّثَني ثَابِتُ بن الزُّبَيْر بن خُبَيْب (b)، قال: أخْبَرَني ابنُ أُخْتِ أبي خَالِد الحَرْبيّ (c)، قال: قال لي هَارُون الرَّشِيْد: احْبِسْ أبا العَتَاهِيَة حتَّى يقُول شِعْرًا رقيقًا، وأمرني بالتَّضْييق عليهِ، قال: فأخذْتُه فحبسْتُه في بيت خَمْسة أشْبَارٍ في خَمْسةِ أشْبارٍ، فصَاحَ: المَوْت، أَخْرجُوني، أنا أقُولُ لكم ما شئتُم! قال: فقلتُ له: فقُلْ، فقال: أخْرجني حتَّى أَتَنَفَّس، فأخرجْتُه وأعْطيتُه قِرْطاسًا ودَوَاةً فكَتَبَ فيهِ (¬٣): [من الخفيف] مَنْ لعَبْدٍ أذَلَّهُ مَوْلاهُ … ما لَهُ شَافِعٌ إليهِ سِوَاهُ يَشْتَكِي ما بهِ إليه ويَخْشَاهُ … ويَرْجُوه مثلما يَخْشَاهُ قال: فجئتُ بها مَسْرُورًا، فأدْخَلَها إلى أَمِير المُؤْمنِيْن، فتقَدَّم الرَّشِيْد إلى إبْراهيم المَوْصِلِيّ فغنَّى بها، ودَعَا بهِ، فقال: أنْشدني (¬١): [من الكامل] يا عُتْبَ سيِّدَتِي أمَا لك دِيْنُ؟ فأنْشَدَهُ إيَّاها، فوعَدَهُ أَنْ يُزوِّجَهُ بها، فلمَّا خَرَج قال له النِّسَاءُ: إنَّهُ شبَّبَ بها وشهَرها في النَّاسِ، وإنْ زَوَّجْتَهُ إيَّاها حقَّقْتَ عليها ما قال (a) فيها، فأمَر له عِوَضًا من ذلك بخَمسِين (b) ألفِ دِرْهَم. وقال المَرزُبانيّ: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بنُ أبي خَيْثَمَة، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن أبي العَتَاهِيَة، قال: غُنِّي الرَّشِيْدُ يَوْمًا في شِعْر أبي وهو في الحَبْس (¬٢): [من الطويل] خَلِيلَيَّ ما لي لا تَزَالُ مَضَرَّتي … تكونُ على الأقْدَارِ حَتْمًا منَ الحَتْمِ كفَاكَ بحقِّ اللهِ ما قد ظَلَمْتَني … فهذا مقَامُ المُسْتجيرِ من الظُّلْمِ ألَا في سَبِيْلِ اللهِ جِسْمي وقُوَّتي … أما (c) مُسْعِدٌ حتَّى أنُوح على جِسْمي فأمر الرَّشِيْدُ بإحْضَاره فقال له: أيَجُوز لكَ هذا؟ بالأمْسِ يَنْهاكَ أَمِير المُؤْمنِيْن المَهْدِيُّ عن القَوْل في عُتْبَة فتأبَى إلَّا لَجَاجًا ومحْكًا، واليوم آمرُكَ بالقَوْل فيها فتَأْبى ذلك؟! قال: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (¬٣)، كُنْتُ أقُول في الغَزَل وَلي شَبَابٌ وحِدَّةٌ، وبي حَرَاكٌ وقُوَّة، واليَوْم فأنا شَيْخ ضَعِيْفٌ لا يَحْسُنُ بمثلي لَهْوٌ ولا تَصَابٍ، فقال: والله لا رَضِيْتُ منكَ إلَّا بالّذي كُنت عليهِ. ثمّ قال له: أنْشدني بعضَ ما قُلتَ فيها، فسَكَت، فقال: واللهِ لتُنْشدَني شَيئًا من ذلك، فأنْشَدَهُ (¬١): [من البسيط] نَفْسِي بشيءٍ من الدُّنْيا مُعَلَّقَةٌ … اللهُ والقَائِمُ المَهْدِيُّ يَكْفِيْها إنِّي لآيَسُ (a) منها ثمّ يُطْمِعُني … فيها احْتِقَارُكَ للدُّنيا وما فيها فقال له الرَّشِيْدُ: هل لك في التَّزْويْج بها؟ قال: لا والله، قال: إنَّك إنْ قبلْتَ ذلك خَلَّيْتُ سَبِيْلكَ وزدْتُ في مَنْزِلتَك، قال: عليَّ عَهْدُ الله ﷿ ألَّا أتزوَّج على أُمّ ولدى حتَّى ألْقى الله، فاعْفنى من ذلك يا أَمِير المؤمنِيْن عفا اللهُ عنك، فأمرَ الرَّشِيْدُ بردِّهِ إلى الحَبْس. وقال المَرْزُبانيّ (¬٢): حَدَّثَني عليّ بن [أبي عَبْد الله] (b) الفَارِسِيّ، قال: أخْبَرَني أبي، قال: حَدَّثَني عليُّ بن مَهْدِى، عن أحْمَد بن حَمْدُون، قال: أخْبَرَني مُخارِقٌ، قال: لمَّا تَقَرَّأ (c) أبو العَتَاهِيَة ولبِسَ الصُّوْفَ، أمرَهُ الرَّشِيْدُ أنْ يقُول شِعْرًا في الغَزَل، فامْتَنَعَ؛ فضَرَبَهُ ستِّينِ عَصًا، وحَلَفَ ألَّا (d) يخرُجَ من حَبْسِهِ حتَّى يقُولَ شِعْرًا في الغَزَل، فامْتَنَعَ؛ رُفِعَت المقارِعُ عنه قال للرَّشيْدِ: كُلّ ممْلُوكٍ له حُرٌّ، ومَرَتْهُ طَالِقٌ إنْ تكلَّم سَنَةً إلَّا بلا إله إلَّا الله مُحَمَّدٌ رسُولُ اللهِ ﷺ (e)، فكأنَّ الرَّشِيْد تحَوَّبَ (f) ممَّا فَعَل بهِ، فأمَرَ بأنْ يُحْبَسَ في دارٍ ويُوسَّعَ عليه، ولا يُمْنَعَ من الدُّخُول إليهِ. قال مُخَارِقٌ: وكانت الحالُ بينِي وبين إبْراهيم المَوْصِلِيّ لَطِيْفة، فكان لا يزَالُ يبعَثُ بي إليه في الأيَّام أتعرَّف خَبَرَهُ، فإذا دَخَلْتُ إليه إلى حَبْسِهِ وَجَدْتُ بينَ يَدَيْهِ ظُهُورًا (g) ودَوَاةً يكتبُ إليَّ بجميع (h) ما يُرِيدُ، وأُكَلِّمُهُ أنا، فمكث كَذَا سَنَةً، واتَّفَقَ أنَّ إبْراهيم صنَعَ صَوْتَهُ: [من الكامل] أَعرَفْتَ أنَّ (a) الحَيّ بالحْجِرِ … فَسَرَورَيان فقُبَّة العُمْر (b) وهجرتَنا وأَلِفْتَ رَسْمًا باليًا … والرَّسْم كانَ أحقَّ بالعُمْر (c) فقال لي إبْراهيمُ: اذْهَبْ إلى أبي العَتَاهِيَة حتى تُغَنِّيهُ هذا الصَّوْتَ، فأتيْتُه في اليَوْم الّذي تَنْقَضي فيه يَمِيْنُه، فكَتَبَ إليَّ بعد أنْ غنَّيْتُه: هذا اليَوْمُ الّذي تَنْقَضي فيه يَمِيْني، فأُحِبُّ أنْ تُقيم عندي إلى اللَّيْل، فأقْمتُ عندَهُ نَهاري كُلَّهُ، حتَّى إذا أذَّن النَّاسُ المَغْربَ كَلَّمَني، فقال: [يا] (d) مُخَارِق، قُلتُ: لَبَّيْكَ، قال: قُل لصَاحِبكَ: يا ابن الزَّانيِة، أمَا والله لقد أبقيْتَ للنَّاس فِتْنَةً إلى يَوْم القِيامَة، فانظُر أين أنْتَ من اللهِ غَدًا. قال مُخَارِق: فقُلتُ لَهُ: دَعْني من هذا، قُلْتَ (c) شيئًا تتخَلَّصُ بهِ من هذا المَوضِع؟ قال: قد قُلْتُ في امْرأتي شِعْرًا، قُلتُ: فأنْشِدنيهِ، فأنْشَدَني (¬١): [من الخفيف] مَنْ لقَلْبٍ مُتَيَّم مُشْتَاقِ … شَفَّهُ شَوْقُهُ وطُوْلُ الفِرَاقِ طالَ شَوْقي إلى قعِيْدَةِ بَيْتي … لَيْتَ شِعْري فهل لنا من تَلَاقِ فهي حَظِّي قد اقْتَصَرتُ عليها … من ذَوَاتِ العُقُودِ والأطْوَاقِ جَمَعَ اللهُ عاجلًا بكِ شَمْلي … عنِ قريبٍ وفكَّني من وَثَاقي قال: فكتبتُها وصرْتُ بها إلى إبْراهيم، فصنَع فيها لَحنًا، ثمّ دخَل على الرَّشِيْدِ، فكان أوَّلَ ما غنَّاهُ في ذلك المَجْلِس، فأعْجبَهُ، وقال: لمَن هَذا الغِنَاءُ والشِّعْر؟ قال إِبْراهيم: أمَّا الغِنَاء فلي، وأمَّا الشِّعْرُ فلأسِيْركَ أبي العَتَاهِيَة، قال: أوَ فَعَل؟ قال: نعَم، قد كان ذاك، فدعا بهِ، ثمّ قال لمَسْرُور الخَادِم: كم كُنَّا ضَرَبْنا أبا العَتَاهِيَة؟ قال: ستِّين عَصًا، فأمَرَ له بستِّين ألفًا (a)، وخلَعَ عليه وأطْلَقَهُ. وقال المَرْزُبانيّ: حَدَّثَني! مُحَمَّد بن إبْراهيم، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ (b) بن أبي خَيْثَمَة، قال: حَدَّثَنا مُحَمَّد بن أبي العَتَاهِيَة، ح. قال: وحَدَّثَنَا مُحَمَّد بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَنا مُحَمَّد بن مُوسَى، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بنُ أبي سَعْدٍ، قال: قال لي مُحَمَّدُ بن أبي العَتَاهِيَة: لم يزل أبي يقُول الشِّعْر في عُتْبَة إلى أنْ خَرَج الرَّشِيْد في خِلَافَته إِلى الرَّقَّة، وكان أبو العَتَاهِيَةِ يُنَادِمُ الرَّشيْدَ، ولا يُفارِقُه في سَفَر ولا حَضَر إلَّا في وقْتِ الحَجِّ إِذا كان بالعِرَاق، وكان الرَّشِيْدُ يُجْري عليه في كُلِّ سنة خَمْسِينَ ألفَ دِرْهَم سِوى المَعَاون والجَوَائِز، فلمَّا قَدِمَ الرَّشِيْدُ الرَّقَّة أظْهَرَ أبو العَتَاهِيَة التَّزَهُّد، وتصَوَّف (c) وتركَ حُضُورَ المُنادَمَة والقَوْلَ في الغَزَلِ، فأمرَ الرَّشيْد بحَبْسِه فحُبِسَ، فلمَّا طالَتْ أيَّامُهُ في الحَبْسِ كتَبَ إلى الرَّشِيْد قَصِيدَةً لِقُول فيها (¬١): [من الطويل] تَذَكَّرْ أمينَ اللهِ حقِّي وحُرْمَتي … وما كُنْتَ تُوْلينى لعلَّك تَذْكُرُ لياليَ تُدْنِي مِنْكَ بالقُرْبِ مَجْلِسي … ووَجْهُكَ من ماءِ البَشَاشَةِ يَقْطُرُ فَمنْ لي بالعَيْنِ الّتي كُنْتَ قبْلها (d) … إليَّ بها نَفْسِي فداؤُكَ (ح) تَنْظُر فبَعَثَ إليه الرَّشِيْدُ لمَّا قرَأها: لا بأس عليك. فكتَبَ إليهِ (¬٢): [من الوافر] أَرِقْتُ وطارَ عن عَيْني النُّعَاسُ … ونَامَ السَّامرُونَ ولَم يُؤَاسُوا أمين اللهِ ظِلُّكَ ظِلٍّ (f) أمْنٍ … عليكَ من التُّقَى فيهِ لبَاسُ وجودُكَ يَسْتَهل ندى ويَحْيا … من كُلِّ نَاحيةٍ أُنَاسُ تُسَاسُ من السَّماءَ بكُلِّ سَعْدٍ (a) … وأنتَ به تَسُوسُ كما تُسَاسُ كأنَّ الخَلْقَ في تركيب رَوْح (b) … له جَسَدٌ وأنْتَ عليهِ رَاسُ قال: وحَدَّثَني أبو عَبْدِ الله الحَكِيْميّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّد بن مُوسَى، عن الزُّبَيْر، ح قال: وأخْبَرَني الحُسَينُ بن علِيّ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن سَعيد، قال: حَدَّثَني الزُّبَيْرُ بن بَكَّار، قال: حَدَّثَنَا أبو غَزِيَّة، قال: حَدَّثَني أبو يَحْيَى العَبَّادَانيّ، عن إسْحاقَ بن إبراهيم، قال: لمَّا حَبَسَ الرَّشِيْدُ أبا العَتَاهِيَة كَتَبَ إليَّ يَسْألُني أنْ أتكلَّم فيهِ، قال: فكتبتُ إليه: قد قال أَمِير المُؤْمنيْن: ليسَ عليكَ بأسٌ، وأنا أتَكلَّم في أمْركَ وأعْمل في خلاصكَ. قال: فكَتَبَ إلَيَّ (¬١): [من الوافر] أَرقْتُ وطَارَ عن عَيْني النُّعَاسُ … ونَامَ السَّامرُونَ ولم يُؤَاسُوا فَدَيتُكَ أنْ غَمَّ السِّجْنَ (c) باسٌ … وقد أَرْسَلْتَ (d): ليسَ عَليْكَ باسُ قال: فعَملتُ فيه لحنًا ثُمَّ غَنَّيْتُه الرَّشِيْد، فقال: لمَن هَذا الشِّعْرْ؟ قُلتُ: لأبي العَتَاهِيَة، فأمَرَ بإطْلَاقه. وقال المَرْزُبانيّ: أخْبَرَني إبْراهيمُ بن مُحَمَّد النَّحْوِيّ، عن مُحَمَّد بن يَزِيد النَّحْوِيّ (¬٢)، قال: كان على الرُّوم امْرَأةٌ، وكانت تكتُب إلى المَهْدِيّ، والهَادِي، والرَّشِيْد - في أوَّل خِلَافَته - بالتَّعْظِيم والتَّبْجِيل، وتُدِرُّ عليهم الهَدَايا حتَّى بلَغَ ابنٌ لها، فصَارَ المَلِكَ دُوْنَها، وإنَّما تُملِّكُ الرُّومُ المَرْأةَ من أهْل بَيْت المملَكَةِ إذا لم تَجد منهم رَجُلًا، وكذلك فَارِسُ تفعَل، فلمَّا بلَغَ ابنها عَاثَ وأفْسَد، وخَاشَن الرَّشِيْدَ، فخافَتْ على مُلْكِ الرُّوم أنْ يذهَبَ، وعلى بلادِهم أنْ تعْطَبَ، لعِلْمها بالرَّشِيْد، وخَوْفها من سَطْوَته، فاحْتَالتْ على ابنها فسَمَلَتْ عَيْنه، فبَطَل من المُلْكِ، فعادَ إليها، فاسْتَنْكَر ذلك أهْلُ المَمْلَكَةِ، وأبْغَضُوها من أجْلِهِ، فخرَجَ عليها نَقَفُور (a)، وكان كاتِبَها، فأعانُوه وعضَدُوه، فقام بأمْرِ المُلْكِ، وضَبَطَ أمْرَ الرُّوم، فلمَّا قوي على أمْره، وتمكَّنَ من مُلْكه، كَتَبَ إلى الرَّشِيْدِ: من نَقَفُور مَلِكِ الرُّوم إلى هَارُون مَلِكِ العَرَبِ، أمَّا بَعْدُ؛ فإنَّ هذه المَرَأةَ كانت قد وَضَعَتْكَ وأباكَ وأخَاكَ مَوضِعَ الشَّاهِ، ووضَعَتْ نَفْسَها مَوضعَ الرُّخّ، وأنا الشَّاهُ وأنْتَ الرُّخُّ، وقد عزَمْتُ على تَطَرُّقِ (b) بلادِكَ والهُجُوم على أمْصَاركَ، أو تُؤَدِّي إليَّ ما كانت المَرْأةُ تُؤدِّيهِ إليكَ، وكَلَامًا شَبِيهًا بهذا. فلمَّا وَرَدَ على الرَّشِيْدِ كَتَبَ إليه: بِسْم الله الرَّحْمن الرَّحِيْم. من عَبْدِ الله هارُونَ، أَمِيرِ المؤمنِيْن، إلى نَقَفُور كَلْبِ الرَّوم، أمَّا بَعْدُ؛ فقد فهمْتُ كتابكَ، وجَوَابكَ عندي ما تَرَاهُ فَضْلًا أنْ تَسْمَعَهُ. ثُمَّ شخَصَ من شَهْره يَؤُمُّ بلادَ الرُّوم في جَمْعٍ لم يُسْمَعِ بمثلِهِ، وقُوَّادٍ لا يُجَارَوْنَ رَأيًا ونَجْدةً، فلمَّا بلَغَ ذلك نَقَفُور ضَاقَتْ عليه الأرْضُ بما رحُبَتْ، وشَاور في أمْره، وجاءَ الرَّشِيْدُ حتَّى توَغَّل بلادَ الرُّوم يَقْتُل ويَسْبي ويَغْنَم، ويُخَرِّب الحُصُونَ، ويُعَفِّي الآثارَ حتَّى صَار إلى طَريقٍ مُتَضَايقَةٍ دُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فلمَّا بلَغَها ألْفَاها وقد أمَرَ نَقَفُور بالشَّجَر فقُطِعَ، ورُمِي به في تلكَ الطُّرُق، وأُشْعِلَتْ فيه النِّيْرَان، فكان ذلك ممَّا تَحَصَّنَ بهِ عند نَفْسه، فقال الرَّشِيْد: ما تَرَونَ في هذه النِّيْرَان؟ فكان أوَّل مَنْ تلَبَّس ثِيَاب النَّفَّاطِيْن وخَاضَها مُحَمَّدُ بن يَزِيدَ بن مَزْيَد الشَّيْبَانِيّ، ثمَّ اتَّبَعَهُ النَّاسُ، فبَعَثَ إليه نَقَفُور بالهَدَايا، وخضَعَ له أكْثَر الخُضُوع، وأدَّى إليه الجِزْية عن رأسِهِ فَضْلًا عن أصْحَابه، ففي ذلك يقُولُ أبو العَتَاهِيَة (¬١): [من الطويل] إمَامَ الهُدَى أصْبَحْتَ بالدِّين مَعْنِيًّا … وأصْبَحْتَ تَسْقِي كُلّ مُسْتَمطرٍ رِيَّا لكَ اسْمانِ شُقَّا من رَشَادٍ ومن هُدَىً … وأنْتَ الّذي تُدْعَى رشيْدًا ومَهْدِيَّا إذا ما سَخِطْتَ الشَّيءَ كان مُسَخَّطًا … وإنْ تَرْضَ شيئًا كان في النَّاسِ مَرْضِيَّا بَسَطْتَ لنا شَرْقًا وغَرْبًا يدَ العُلَى … فأَوْسَعْتَ شَرْقيًّا وأوْسَعْتَ غَرْبيَّا ووَشَّيْتَ وجْهَ الدِّين (a) بالجُوْدِ والنَّدَى … فأصْبَحَ وَجْهُ الأرْضِ بالرَّوْض (b) مَوْشيا وأنْتَ أَمِيرَ المؤمنِيْن فَتَى التُّقَى … نشَرْتَ من الإحْسان ما كان مَطْوِيَّا قضَى اللهُ أنْ صَفَّى (c) لهَارُون مُلْكَهُ … وكان قَضَاءُ اللهِ في الخَلْقِ مَقْضيًّا تحَلَّبَتِ (d) الدُّنْيا لهَارُونَ بالرِّضَا … وأصْبَحَ نَقَفُورٌ لهَارُونَ ذِمِّيَا فرجَع الرَّشِيْدُ عندما أعطَاهُ نَقَفُور إلى الرّقَّة، فلمَّا سقَطَ الثَّلْجُ، وأمِنَ نَقَفُورُ أنْ يُغْزَى، وتمكَّن بالمُهْلَةِ من التَّدْبِير نقَضَ ما كان بينه وبين الرَّشِيْدِ، ورجَع إلى حَالته الأُوْلَى، فلم يَجْتَرِ يَحْيَى بن خَالِدٍ، فَضْلًا عن غيره، على إخْبَارِ الرَّشِيْدِ بذلك، فبذَلَ هو وبنُوه للشُّعَراءِ الأمْوَالَ على أنْ يقُولُوا أشْعَارًا في إعْلَامِ الرَّشِيْدِ بغَدْر نَقَفُور، فكُلّهم كَاعَ وأشْفَق إلَّا شَاعِرًا من أَهْل جُدَّةَ (e) يُكْنَى أبا مُحَمَّد عَبْدُ الله بن يُوسُف، كان مُجِيْدًا جَيِّدَ النَّفَسِ، قَوِيَّ الشِّعْر، فاخْتَصَّهُ ذُو اليَمِيْنَين في أيَّام المَأْمُون، ورفَع قَدْرَهُ جدًّا، فإنَّهُ أخَذَ مائة ألفٍ، وأُدْخِل إلى الرَّشِيْدِ فأنْشَدَهُ (¬١): [من الكامل] نقَضَ الّذي أعطيتَهُ نَقَفُور … فعليهِ دَائِرَةُ البَوارِ تَدُورُ أبْشِرْ أَمِيرَ المُؤْمنِيْن فإنَّهُ … فَتْحٌ (a) أتَاكَ بهِ الإلَهُ كَبِيرُ فَتْحٌ يَزِيدُ على الفُتُوح تَأَمُّنًا … بالنَّصْر فيهِ لوَاؤُكَ المَنْصُور فلَقَدْ تَباشَرَتِ الرَّعِيَّةُ أنْ أتَى … بالنَّقْضِ عنهُ وَافِدٌ وبَشِيرُ ورَجَتْ بيُمْنكَ (b) أنْ تُعَجَّلَ غَزْوَةً … تَشْفي النُّفُوسَ نَكَالُها (c) مَذْكُور أعْطَاكَ جِزْيَتَهُ وطَأْطَأ خَدَّهُ … حَذَرَ الصَّوَارِم والرَّدَى مَحْذُور فأجَرْتَهُ من وَقْعها وكأنَّها … من حَرِّهَا (٤) شُعَلُ الضّرامِ تَطِيرُ وصرَفْت بالطَّوْل العَسَاكِر قافِلًا … عنه وجارُكَ آمِنٌ مسْرُورُ نَقَفُورُ إنَّكَ حين تَغْدِرُ إنْ نأَى … عنكَ الإمَامُ لجَاهِل مَغْرُورُ أَظَنَنْتَ حينَ غَدَرْتَ أنَّكَ مُفْلِتٌ … هبلَتْكَ أُمُّكَ ما ظَنَنْتَ مَغْرُورُ ألْقَاكَ حَيْنُكَ في زَوَاخر (e) بَحْرهِ … فَطَمَتْ عليكَ من الإمَام بُحُورُ إنَّ الإمَامَ على اقْتِسَارك قَادِرٌ … قَرُبَتْ دِيَاركَ أو نَأتْ بكَ دُوْرُ ليسَ الإمَامُ وإنْ غَفَلْنا غَافِلًا … عمَّا يَسُورُ (f) لحَزْمِهِ ويُدِيرُ مَلِكٌ تجَرَّدَ للجِهَادِ بنَفْسِهِ … فعَدُوُّهُ أبَدًا بهِ مَقْهُورُ يا مَنْ يُريدُ رِضَى الإلَهِ بسَعْيهِ … واللهُ لا يَخْفَى عليهِ كَيْرُ لا نُصْحَ يَنْفَعُ مَن يَغُشُّ إمَامَهُ … والنُّصْحُ من نُصَحائهِ مَشْكُور نُصْحُ الإمَام على الأنَام فَرِيْضَةٌ … ولأهْلهِ (a) كَفَّارَةٌ وطَهُورُ فلمَّا أنْشَدَهُ قال الرَّشِيْد: أوقَدْ فَعَل؟ وعَلمَ أنَّ الوُزَرَاء احْتَالُوا في ذلك، فغَزَاهُ في بَقِيَّةِ الثَّلْج، فافْتَتَح هِرَقْلَة في ذلك الوَقْتِ، فقال أبو العَتَاهِيَةِ (¬١): [من الوافر] ألَا نَادَتْ هِرَقْلَة بالخَرَابِ … من المَلِكِ المُوَفَّق للصَّوَابِ غَدَا هَارُون يُرْعِدُ بالمَنَايا … وببرِقُ بالمُذكَّرَة القِضَابِ (b) وغَايَاتٍ (c) يَحُلّ النَّصْرُ فيها … تَمُرُّ كأنَّها مَرُّ (d) السَّحَابِ أَمِيرَ المُؤْمنِيْن ظَفِرْتَ فاسْلَمْ … وأَبشرْ بالغَنِيْمَة والإيَابِ قال: أراد قول امْرِئ القَيْس (¬٢): [من الوافر] وقَدْ طوَّفتُ في الآفاق حتَّى … رَضيْتُ من الغَنِيْمَة بالإيابِ أنْبَأنَا أبو القَاسِم عبدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد بن قُبَيْس، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن عليّ (¬٣)، قال: حَدَّثَني عُبَيْدُ الله بنُ أبي الفَتْح، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن إبْراهيم بن الحَسَن، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بن عبدِ الرَّحْمن السُّكَّرِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن أبي سَعْد الوَرَّاقُ، قال: حَدَّثَني عليُّ بنُ الحَسَن بن عُبَيْد الشَّيْبَانِيّ، قال: حَدَّثَني هَارُون بن سَعْدَان، قال: كُنْتُ جالِسًا مع أبي نُوَاسٍ في بَعْضِ طُرُق بَغْدَادَ، وجَعَلَ النَّاسُ يَمُرُّونَ به وهو مَمْدُودُ الرِّجل بين بني هاشِم وفِتْيانِهم، والقُوَّادِ وأبْنائهم، ووُجُوهِ أهْل بَغْدَاد، فكُلّ يُسَلِّم عليه، فلا يَقُومُ إلى أحدٍ منهم، ولا يَقْبِضُ رِجْلَهُ إليه، إذ أَقْبلَ شَيْخٌ رَاكبًا على حِمَارٍ مَرِيْسيّ، وعليه ثَوْبَان دَبِيْقِيَّان؛ قَيْض ورِدَاءٌ قد تَقَنَّعَ بهِ، وردَّهُ على أُذُنَيْه، فوَثَبَ إليه أبو نُوَاسٍ، وأمْسَكَ الشَّيْخُ عليه حمَارَهُ، واعْتَنَقَا، وجَعَل أبو نُوَاس يُحَادِثُهُ وهو قائمٌ على رِجْليهِ، فمكُثا بذلك مَليًّا حتَّى رأيتُ أبا نُوَاس يَرْفَعُ إحْدَى رِجْليهِ ويَضَعُها على الأخرى مُسْتَريحًا من الإعْياء، ثمّ انْصَرَفَ الشَّيْخُ، وأقْبَل أبو نُوَاس فجلسَ في مَكانهِ، فقال له بعضُ (a) مَنْ بالحَضْرة: مَنْ هذا الشَّيْخُ الّذي رأيتُكَ تُعَظِّمُه هذا الإعْظَام، وتُجلُّهُ هذا الإجْلَال؟ فقال: هذا إسْمَاعِيْلُ بن القَاسِم أبو العَتَاهِيَةِ. فقال له السَّائِلُ: لِمَ أجْلَلْتَهُ هذا الإجْلال، وسَاعةٌ منكَ عند النَّاسِ أكثَرُ منه؟! قال: وَيْحَك، لا تفعَلْ، فواللهِ ما رأَيْتُهُ قَطُّ إلَّا توهَّمتُ أنَّهُ سَمَاوِيٌّ وأنا أرْضِيٌّ!. أخْبَرَنا أبو القَاسِم عِيسَى بن عَبْد العَزِيْز بن عِيسَى اللَّخْمِيّ، في كِتَابِه إليْنَا من الإسْكَنْدَرِبَّة، قال: أخْبَرَنا الحافِظ أَبو طَاهِر أحْمَدُ بن مُحمّد بن أحْمَد السِّلَفِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد جَعْفَر بنُ أحْمَد بن الحُسَين السَّرَّاجُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم المحسِّنُ بن حَمْزَة بن عَبْدِ الله الوَرَّاق، قال: حَدَّثَنَا أبو عليّ الحَسَنُ بن عليّ بن جَعْفَر الدَّيْبُلِي، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن مُحَمَّد بن عُبْدُوْس الكُوْفيّ، قال: حَدَّثَني أبو عليّ مُحَمَّد بن هَمَّام، عن يعْقُوب بن إسْحاق الرُّخَاميِّ، عن أَبِيهِ، قال: كُنْتُ جالِسًا مع أبي نُوَاس على بابِ دَاره بالبَصْرَة، فبَيْنا نحن كذلك إذا أقْبَل شَيْخٌ على حِمَارِهِ، فلمَّا بَصُرَ به أبو نُوَاس قام فتلقَّاهُ، ومَشَى معه يُحَادِثُهُ، وشَيَّعَهُ، ثمّ رجع، فقُلتُ لَهُ: بالله ما رَأب كاليَوْم قَطّ، قال: وما ذاك؟ قُلتُ: أنا جَالِسٌ معَكَ منذُ الغَداة يَمُرُّ بنا طَبَقَاتُ النَّاس من بني هاشِم وغيرهم، ما رأيتُكَ حَفِلْتَ بأحِدٍ منهم، حتَّى أقْبلَ هذا الشَّيْخُ ففَعَلْت به ما رأيْتُ، فقال: أوَما تَعْرفُ هذا؟ هذا أبو العَتَاهِيَة الّذي يَقُولُ (¬١): [من الطويل] إذا قَلَّ مَالُ المَرْء قَلَّ صَدِيْقُهُ … وضَاق (b) به عمَّا يُريْدُ طَرِيْقُهُ وقَصَّرَ طَرْفُ العَيْنِ منهُ كَلَالَةً … وأَسْرَع فيما لا يُحبُّ شَقِيْقُهُ (a) وذَمَّ إليهِ خِدْنُهُ طَعْمَ عُوْدِهِ … وقد كان يَسْتَحْلِيهِ حينَ يَذُوقُهُ أنْبَأْنَا أبو اليُمْن زَيْد بنُ الحَسَن، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطيبُ (¬١)، قال: أخْبَرَنا أبو نُعَيْم الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عليّ بن حبيش، قال: حَدثَنَا أحْمَدُ بن مُحَمَّد بن سْحاق الوَرَّاق، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن عبدِ الله الكُوْفيّ، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي شَيْخ، قال: بكَّرْتُ إلى سِكَّةِ ابن نيبُخْت في حَاجة، فرأيْتُ أبا نُوَاس في السِّكَّه، فجلَسْتُ إليهِ، فَمرَّ بنا أبو العَتَاهِيَةِ على حِمَارٍ، فسَلَّم، ثمّ أَوْمَأ برأسِهِ إلى أبي نُوَاس وأنْشأ يقُول (¬٢): [من الكامل] لا تَرْقُدَنَّ لعَيْنِكَ السَّهَرُ … وانْظُر إلى ما تَصْنعُ العِبَرُ انْظُر إلى عِبَر (b) مُصَرَّفةٍ … إنْ كان ينفعُ عَيْنَكَ النَّظَرُ وإذا سَألْتَ فلم تَجدْ أحَدًا … فسَلِ الزَّمان فعندَهُ الخَبرُ أنْتَ الّذي لا شيءَ تَملِكُه … وأحَقُّ منْكَ بمالكَ القَدَرُ قال: فنَظَر إليَّ (c) أبو نُوَاس، ثمّ قال: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (¬٣). أخْبَرَنا عَبْدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الغَسَّانيِّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ (¬٤)، قال: أخْبَرَنا أبو يَعْلَى أحْمَد بنُ عَبْد الوَاحِد الوَكيلُ، قال: أخْبَرَنا إسْمَاعِيْلُ بن سَعيد المُعَدَّلُ، قال: حَدَّثَنَا الحُسَينُ بن القَاسِم الكَوْكَبيِّ، قال: قال لي أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بن القَاسِم: أخْبَرَني العُتْبيِّ، قال: رُؤي مَرْوَان بن أبي حَفْصَة واقفًا بباب الجِسْر، كئيبًا اسِفًا، ينكثُ بسَوْطه في مَعْرفَة دَابَّتِهِ، فقيل له: يا أبا السِّمْط، ما الّذي نراهُ (a) بكَ؟ قال: أخبركُم بِالعَجَب، مَدَحْتُ أَمِيرَ المُؤْمنِيْن، فوصَفْتُ له نَاقَتي من خِطَامها إلى خُفَّيْها، ووصفْتُ الفَيَافي من اليَمَامَة إلى بابهِ أرْضًا أرضًا، ورَمْلَةً رَمْلَةً، حتَّى إذا أشْفَيْتُ منه على غِنَى الدَّهْر، جَاء ابنُ بيَّاعَة الفَخَاخِيْر - يعني أبا العَتَاهِيَة - فأنْشَدَهُ بَيْتَيْن، فضَعْضَعَ بهما شِعْري، وسَوَّاهُ في الجَاِئزَة بي! فقيل له: وما البَيْتان؟ فأنْشَدَ (¬١): [من الكامل] إنَّ المَطَايَا تَشْكيْكَ لأنَّها … تَطْوِي إِليكَ سَبَاسبًا ورِمَالًا فإذا رَحَلْن بنا رحَلْنَ مُخِفَّةً … وإذا رَجعْنَ بنا رجَعْنَ ثقَالا قُلتُ: أخَذَ هذا المَعْنَى من قَوْل النَّبِيِّ ﷺ (¬٢): لو اتَّكَلتُم على الله حَقَّ التَّوَكُّل لرَزَقَكُم كما يرزقُ الطَّيْر، تَغْدو خِمَاصًا وتعُودُ بِطَانًا. نَقَلْتُ من خَطِّ أبي بَكْر مُحَمَّد بن هاشم الخالِديّ، وحدَّثنا الصُّدَائيّ، عن المُبَرَّد، عن علِيّ بن عُمْرُوس الشَّاعِر، عن أشْجَعَ السُّلَمِيِّ، قال: أذنَ المهَدِيّ للشُّعَراءِ، فدَخَلْتُ مع منْ دَخَل، فاتَّفَقَ أنْ جَلَسْتُ إلى جانب بَشَّارٍ، فإنَّا لسكوتٌ إذ سَمِعْنا حِسًّا، فقال لي بَشَّار: مَنْ هذا يا أَشْجَعُ؟ قلتُ: أبو العَتَاهِيَة، فقال: أتُرَى تَحملُه قَحِتُهُ (¬٣) وجَهْلُهُ على أنْ يُنشِدَ في مثل هذا المَحْفِل شِعْرًا؟! قلتُ: لا عِلْم لي، إذ اسْتأذنَ في النَّشِيْدِ فأُذِنَ له، فأنْشَدَ (¬١): [من المتقارب] ألَا ما لسَيِّدَتِي ما لها … أَدَلَّتْ فأحْمِلُ (a) إدْلَالَهَا قال: فنَخَسَنِي بَشَّار ثمّ قال: أمَّا ترى ما أَجْبَس (¬٢) هذا الجَاهِل، يُنْشِد هذا الشِّعْر الرَّكِيْكَ في مثل هذا المَحْفِل العَظيم، فلمَّا بَلغَ إلى قَوْلِهِ (¬٣): [من المتقارب] أتَتْهُ الخِلَافَةُ مُنْقَادَةً … إليهِ تُجَرِّرُ أذْيَالَهَا فلم تكُ تَصْلُح إلّا ولَهُ … ولم يَكُ يَصْلُحُ إلَّا لها ولو رَامها أحَدٌ غَيْرُهُ … لَزلزِلَت الأرض زِلْزَالها ولو لم تُطِعْهُ بَنَاتُ النُّفُوسِ (b) … لَمَا قَبِلَ اللهُ أعْمَالَهَا فقال لي بَشَّارٌ: وَيْحَك يا أَشْجعُ، انْظُر هل طارَ أَمِيرُ المُؤْمنِيْن عن سرِيره سرُورًا؟! قال: فلا والله ما أخذَ أحدٌ من الشُّعَراء في اليَوْم جَائِزَة أسْنَى من جَائِزَتهِ. أنْبَأنَا القَاضِي أبو القَاسِم بن الحَرَسْتَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد الغَسَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ الحافِظ (¬٤)، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحُسَين صاحبُ العبَّاسيّ، قال: أخْبَرَنا عليّ بن الحَسَن الرَّازِيّ، قال: أخْبَرَنا الحُسَينُ بن القَاسِم الكَوْكَبيِّ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي سَعْد، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن عبد الرَّحْمن بن مُعاوِيَة المُهَلَّبيّ، قال: حَدَّثَني أبو تَمَّام، قال: يُكْتَبُ من شِعْر أبي العَتَاهِيَة خَمْسةُ أبيات، فإنَّ أحدًا لم يشركهُ فيها، ولا تهيَّأ لأحدٍ مثْلَهَا، قَوْله (¬١): [من مجزوء الكامل] النَّاسُ في غَفَلَاتِهمْ … ورَحى المَنِيَّةِ تَطْحَنُ والّذي قال في أحْمَدَ بن يوسُفَ (¬٢): [من الطويل] ألَم تَرَ أنَّ الفَقْر يُرْجَى لهُ الغِنَى … وأنَّ الغِنَى يُخْشَى عليهِ من الفَقْرِ وقوله في مُوسَى أَمِير المؤمنِيْن (¬٣): [من المتقارب] ولمَّا اسْتَقَلُّوا بأثْقَالِهم … وقد أزْمَعُوا بالّذي أزمَعُوا قَرَنْتُ الْتِفَاتي بآثَارِهمْ … وأَتْبَعْتُهُم مُقْلَةً تَدْمَعُ وقَوْله (¬٤): [من الوافر] هَب الدُّنْيا تُسَاقُ إليكَ عَفْوًا … أليسَ مَصيرُ ذاكَ إلى زَوَال وقال: أخْبَرَنا أحْمَد بن عليّ (¬٥)، قال: أخْبَرَني عليّ بن أيُّوبَ القُمِّيِّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن عِمْران المَرْزُبانيّ، قال: أخْبَرَنا إبْراهيم بن مُحَمَّد بن عَرَفَة، عن مُحَمَّد بن يَزِيد النَّحْوِيّ، قال: لا أعْلَمُ شَيئًا منِ (a) غَزَل أبي العَتَاهِيَة ومَدِيْحه يَخْلُو من صَنْعَةٍ، ورُبَّما كانت من القَصِيدَة في مَوضِعَيْن، فمن شِعْره الّذي كان يُسْتَطْرَفُ قَوْلهُ (¬٦): [من مجزوء الرمل] آه من غَمِّي وكَرْبي … آه من شِدَّة حُبِّي ما أشَدَّ الحُبّ يا سُبْـ … ـحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّي ولقد قلتُ وجَمْرُ الـ … ـحُبّ قد أقْرَحَ قَلْبي يا بَلَائي من غَزَالٍ … قد سَبَا قَلْبي ولُبِّي لم أنَل منهُ نَوَالًا … غيرَ أَنْ كدَّر شِرْبي أنْتَ ممَّن خَلَقَ الرَّحْـ … ـمَن من ذا الخَلْقِ حَسْبي قال: ومن مَلِيْح أشْعَاره قَوْلهُ (¬١): [من الكامل] مَنْ لم يَذُق لصَبَابةٍ طَعْمًا … فلقد أحَطْتُ بطَعْمها عِلْمَا إنِّي منَحْتُ موَدَّتي سكَنًا … فرأيتُهُ قد عَدَّهَا جُرْمَا يا عُتْب ما أنا عن صَنِيْعِكِ بي … أعْمَى ولكنَّ الهَوَى أعْمَى واللَّهِ ما أَبْقَيْتِ من جَسَدِي … لَحْمًا ولا أَبْقَيْتِ لي عَظْمَا إنَّ الّذي لم يدر ما كَلَفِي … لَيَرَى على وَجْهى بهِ وَسْمَا قال: ومن شِعْره المُخْتَار قَولُه (¬٢): [من الكامل] يا عُتْب هَجْرُكِ مُوْرث الأدْوَاءِ … والهَجْرُ ليسَ لوُدِّنَا بجَزَاءِ يا صَاحِي لقد لقيْتُ من الهَوَى … جهْدًا وكُلّ مَذَلَّة وعَنَاءِ عَلِقِ الفُؤَادُ بُحبِّها من شِقْوتي … والحُبُّ دَاعِيَةٌ لكُلِّ بَلَاءِ إنِّي لأرْجُوها (a) وأحْذَرُها فقَد … أصبَحْتُ بينَ مَخَافةٍ ورَجَاءِ بَخِلَتْ عليَّ بوُدِّهَا وصَفَائِها … ومَنَحْتُها وُدِّي ومَحْضَ صَفَائِي فتخالَفَ الأهْوَاءُ فيما بَيْنَنا … والمَوْتُ عند تخالفِ الأهْوَاءِ نَقَلْتُ من أخْبار أبي العَتَاهِيَة في كتاب المُسْتَنِيْر للمَرْزُبَانِيّ: أخْبَرَني مُحَمَّدُ بن يَحْيَى (¬١)، قال: حَدَّثَنَا عَوْن بن مُحَمَّد الكِنْدِيّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن النَّضْر كاتبُ غَسَّان بن عَبَّاد (¬٢)، قال: أُخْرِجْتُ رَسُولًا إلى عَبْد اللَّه بن طَاهِرٍ، وهو يُريد مِصْرَ، فنَزَلتُ على العَتَّابِيّ، وكان لي صَدِيْقًا، فقال: أنْشدْني لشَاعِر العِرَاق، يعني أبا نُوَاس، وكان قد ماتَ، فأَنْشدْتُه ما أحْفَظُ من مُلَحِه، وقُلتُ له: ظَنَنْتُكَ تَقُولُ: أنْشدني لأبي العَتَاهِيَةِ؟ فقال: لو أرَدتُ هذا لقُلتُ: أنْشدني لأشْعَر النَّاس، ولم أَقْتَصر على العِرَاق. وقال: أخْبَرَني مُحَمَّدُ بن يَحْيَى، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بنُ مُوسَى، قال: حَدَّثَني أحْمَدُ بن بِشْرٍ الحَلَبيِّ أبو طَاهِر، قال: حَدَّثَني إبْراهيمُ بن مُحَمَّد بُرَيْه (a) الهاشِميّ، قال: حَدَّثَني السِّدْرِيّ، قال: سَمِعْتُ الأصْمَعِيِّ يَقول: شِعْرُ أبي العَتَاهِيَة مثل كُسَاحَةِ المُلُوك يقَعُ فيه الجَوْهَرُ والذَّهَبُ. أخْبَرَنا أبو هَاشِمِ عَبْدُ المُطَّلِب بن الفَضْل الهَاشِميِّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْد الكَريم بن مُحَمَّد التَّمِيْمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر مُحَمَّد بن إبْراهيم الطَّرَازِيّ بأصْبَهَان، قال: أنْبَأنَا أحْمَدُ بن مَهْدِي السَّلَامِيِّ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن أبي القَاسِم الأزْرَقُ، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن الحَسَن بن زِيَاد النَّقَّاش أنَّ أحْمَد بن يَحْيَى بن زَيْد أخْبَرَهم، قال: أتَى أبا العَتَاهِيَة بعضُ إخْوانِه فقال له: أَعِرْنِي دَفْتَر كَذَا وكذا، فقال: إنِّي أكْرَهُ ذاكَ، فقال له: أمَا عَلِمْتَ أنَّ المَكَارِم مَوْصُولةٌ بالمَكَارِه، فدَفع إليهِ الدَّفْتَر. أخْبَرَنا أبو العبَّاسِ أحْمَدُ بن رُسْتُم بن كَيْلَان شَاه الدَّيْلَمِيّ بالبيت المُقَدَّس، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَنُ بن هِبَةِ اللَّه بن يَحْيَى، المَعْرُوفُ بابنِ البُوْقِيّ الوَاسِطِيّ، قال: حَدَّثَنَا وَالدِي أبو جَعْفَر هِبَةُ اللَّه، قال: قُرئ على أبي طَاهِر بَرَكَة بن حَسَّان الحَوْزِيّ (a)، وأنا حاضِرُ أسْمَعُ، فأقَرَّ بهِ؛ قيل له: أخْبَركُم أبو مَنْصُور زَيْد بن طَاهِر اللَّالكيّ (¬١)، قَدِمَ عليكُم، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليُّ بن عُمَر بن بِلَال بن عَبْدَان، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم عُمَرُ بن مُحَمَّد بن سَيْف، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن القَاسِم، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن بن النُّوبيّ (b)، قال: حَدَّثَني أبو العبَّاسِ الّذي يُكَثِّر (¬٢) لهَارُون الرَّشِيْدِ، قال: بَعَثَ الرَّشِيْدُ إلى أبي العَتَاهِيَة، وهو بالرَّقَّة، فأحضَرَهُ، قال: مَنْ أمَرَكَ بقَطِع القَوْل في الزُّهْدِ؟ عُدْ إلى القَوْل فيما كُنْتَ تقُول. فقال: يا أَمِير المُؤْمنِيْن، قد قلْتَ وما سَمِعْتَ منِّي، فإنْ اسْتَحْسَنْتهُ وأمَرْتَني بالقَوْل في مثْله فعَلْتُ، وإلَّا رجَعْتُ إلى ما كُنْت أَقُول، فقال: قُلْ، فقال: وأنا خَلْف القُبَّةِ (c): [من الخفيف] قُلْ لأهْلِ القُبُور: كيفَ وجَدْتُم … طَعْمَ مُرّ البِلَى وثقْلَ التُّرابِ في بُيُوتٍ سقُوفُها اللَّبِنُ فيها … أسْكنُ المَوْتُ جَوْفَها أحْبَابي وأتَاهَا البِلَى فمرَّ عليها … فأبَتْ أنْ تُسِيْغ رَدّ الجَوَابِ أَكَل الدُّودُ من وُجُوهٍ حسَانٍ … لم تَزَلْ في غضَارة وشَبَابِ بَدَّد المَوْتُ شَمْلَهُم فتَنَادوا … بنَزَالٍ إلى بُيُوتٍ خَرَابِ فلَهُ الحَمْدُ إذ قضَاهُ علينا … مُنْزلُ القَطْر من مُتُون السَّحَابِ فلمَّا بلَغَ أبو العَتَاهِيَة إلى قَوْله: أَكَل الدُّودُ من وُجُوهٍ حسَانٍ بَكَى هَارُون الرَّشِيْد، وقال له لمَّا فَرَغ منها: قُل في هذا المَعْنَى. قال: وكُنَّا رُؤسَاءَ المُكَثِّرين ثلاثةً، فأمَرَ لنا بعَشَرة آلاف دِرْهَم، فلم نَزَل نُكَثِّر بهذه الأبْيَاتِ حَوْلَ قُبَّتِه طُول لَيْلَتهِ. وذكَرَ أبو عُبَيد اللَّه (a) المَرْزُبانيّ فيما قرأتُه في كتاب المُسْتَنِيْر، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْدِ اللَّهِ الحَكِيمِيّ، ومُحَمَّد بن يَحْيَى، قالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن مُوسَى البَرْبَرِيُّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن صالح العَدَوِيّ، قال: أخْبرَني أبو العَتَاهيَة، قال: كان الرَّشِيْدُ يُعْجبُه غِنَاءُ المَلَّاحِيْن في الزَّلَّالَات إذا رَكِبها، وكان يَتَأذَّى بفَسَاد كَلَامِهم، وكَثْرة لَحْنهم، واسْتِحالَة مَعَاني ألْفَاظِهم، فقال يَوْمًا لعِيسَى بن جَعْفَر وجَمَاعَة من نُدَمائهِ: قُولوا لمَن معنا يَعْمَلُ شِعْرًا لهؤلاء الملَّاحِيْن حتَّى يَحْفظُوه، ويترنَّموا به ويُريحوني من هذا الّذي أَسْمَعُه منهمِ، فقيل له: ليس أحَدُ أحْذَق بهذا ولا أقْدَر عليه، وعلى ما أشْبَهَهُ من أبي العَتَاهِية، وكان الرَّشِيْدُ قد حَبَسَنِي وقال: لا أُطْلقُكَ أو تَقُول شِعْرًا في الغَزَل، وتُعاودُ ما كُنْتَ عليه، فبَعَثَ إليَّ وأنا في الحَبْس يأمرني أنْ أقول شِعْرًا للملَّاحِيْنَ، ولم يأمُر بإطْلاقِي، فغَاظَني ذلك، وقُلتُ: واللَّه لأقُولنَّ شِعْرًا يَحْزَن به ولا يَسُرُّه، فعَمِلتُ شِعرًا ودفَعتُه إلى مَنْ حَفَّظَهُ الملَّاحِيْن، فلمَّا رَكِبَ الحَرَّاقَة انْدفعَ الملَّاحُون يُغَنُّون (¬١): [من مجزوء الرمل] خَانَكَ الطَّرْفُ الطَّمُوحُ … أيُّها القَلْبُ الجَمُوحُ لدَوَاعِيِ الخَيْر والشَّـ .... هل لمَطْلُوبٍ بذَنْبٍ … تَوْبة منهُ نَصُوحُ كيفَ إصْلَاحُ قُلُوبٍ … إنَّما هُنَّ قرُوحُ أَحْسَنَ اللَّهُ بنا … أَنَّ الخَطَايا لا تَفُوحُ فإذا المَسْتُورُ منَّا … بين ثَوْبَيْهِ فُضُوحُ كم رأينا من عَزِيْزٍ … طُوِيَتْ عنه الكُشُوحُ صَاحَ منهُ برَحيلٍ … صَائِحُ الدَّهْر الصَّيُوحُ (a) مَوْتُ بعضِ النَّاسِ في … الأرْض على قَوْم (b) فُتُوحُ سيَصِيْرُ المَرْءُ يَوْمًا … جَسَدًا ما فيه رُوْحُ بَيْنَ عَيْني كُلّ حَيٍّ … عَلَمُ الدَّهْرِ (c) يَلُوحُ كُلُّنا في غَفْلَةٍ والـ … ــمَوْتُ يَغْدُو ويَرُوحُ لبني الدُّنْيا من الدُّنْـ … الكَريم بن مُحَمَّد، قال: سْمِعْتُ عَبْد اللَّه بن عُمَر -يعني الإصطَخْرِيّ- يَقُول: سَمِعْتُ أبا طَاهِر الرَّازِيّ يَقُول: سَمِعْتُ عَبْدَ الكَريم بن عَبْدِ الوَاحِد بن مُحَمَّد، أبا طَاهِر الصُّوْفيّ، يَقُول: سَمِعْتُ أبا الفَتْح مُحَمَّدَ بن أحْمَدَ بن مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن النُّعْمان النَّحْوِيّ الأنْبارِيّ، قال: سَمِعْتُ أبي أبا بَكْر أحْمَد، قال: سَمِعْتُ أبي أبا جَعْفَر مُحَمَّد يَقُول: سَمعْتُ أبي أبا الحَسَن عليّ يَقُول: سَمِعْتُ أبي أبا سَعيد مُحَمَّدَ بن النُّعْمان يَقُول: أنْشَدَني أَبو العَتَاهِيَة لنَفْسِه (¬١): [من البسيط] الخَيْرُ والشَّرُّ مُزْدَادٌ ومُنْتَقصٌ … فالخَيْرُ مُنْتقصٌ والشَّرُّ مُزْدَادُ فما أُسَائِل عن قَوْم صَحبْتُهم … ذَوي مَحَاسِنَ إلَّا قيل: قد بَادُوا ولا أُسَائِل عن قَوْم عرفْتُهم … ذوي مَسَاوِيَ إلَّا قيل: قد زَادُوا (a) فالخَيْرُ ليسَ بمَوْلُود له وَلَدٌ … لكن له من بَنَاتِ الشَّرِّ أوْلَادُ أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بن إبْرَاهيم بن مُسَلَّم بن سَلمان الإرْبِلِيّ بحَلَب، قال: أخْبَرَتْنا الكَاتِبةُ شُهْدَةُ بنتُ أحْمَد بن الفَرَج بن الإِبَرِيّ، قالت (b): أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللَّه الحُسَينُ بن أحْمَد بن طَلْحَة النِّعَالِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عُبيدِ اللَّه بن مُحَمَّد بن يُوسُف الحِنَّائِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو عُثْمانُ بن أحْمَد بن السَّمَّاكِ، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم إسْحاق بن إبْراهيم بن سُنَيْن الخُتَّلِيّ، قال: حدَّثني سُليْمانُ بن أبي شَيْخ أبو أيُّوبَ، قال: أنْشَدَني أبو العَتَاهِيَة (¬٢): [من الطويل] نُنافسُ في الدُّنْيا ونحنُ نَعِيْبُها … لقد حذرَتْناها لعَمْرِي خُطُوبُها وما نَحْسِبُ السَّاعَاتِ تُقْطَعُ مُدَّةً … على أنَّها فينا سَرِيعُ دَبِيْبُها كأنِّي برَهْطِي يَحْمِلُونَ جِنَازَتي … إلى حُفْرةٍ يُحْثَى عليَّ كَثِيْبُها فكم ثَمَّ منِ مُسْترجعٍ مُتَوَجِّعٍ … وباكيةٍ يَعْلُو عليَّ نَحِيْبُها ودَاعيَةٍ حَرَّى تُنَادى وإنَّني … لفي غَفْلَةٍ عن صَوْتها لا (a) أُجِيْبُها وإنِّي لمَمَّن (b) يَكْرَهُ المَوْتَ والبِلَي … ويُعْجِبُه ريْحُ (c) الحَيَاةِ وطِيْبُها أيا هَادِمَ اللَّذَّاتِ ما منْك مَهْرَبٌ … تُحاذِرُ منك النَّفْسُ (d) ما سيُصِيْبُها رأَيْتُ المَنَايا قُسِّمَتْ بين أنْفُسٍ … ونَفْسي (e) سيأتي بعْدَهنّ نَصِيْبُها قال أبو القَاسِم بن سُنَيْن: وأنْشَدَني -يعني مُحمَّد بن مَزْيَد- لأبي العَتَاهِيَة (¬١): [من السريع] قد نغَّصَ المَوْتُ عليَّ الحَيَاه … إذ لا أرَى منه لحيّ نَجَاهْ مَنْ جَاوَر المَوْتى فقد أبْعَد الدَّار … وقد جاوَرَ قَوْمًا جُفَاه ما أبْيَنَ الأمرَ ولكنَّني … أرَى جميعَ النَّاسِ عنهُ عُمَاه لو عَلمِ الأحياء ما عاينَ المَـ … ومَنْ ذَا الّذي يَنْجو من النَّاسِ سَالمًا … وللنَّاسِ قالٌ بالظُّنُونِ وقِيْلُ وقال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن عَبْد الجَبَّار، قال: أخْبَرَنا أبو يَعْلَى أحْمَدُ بن عَبْد الوَاحِد بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، قال: أخْبَرَنا أبو الفَرَجِ المُعَافَى بن زَكَرِيَّاء الجَرِيْرِيّ (¬١)، قال: حَدَّثَنا الصُّوْلِيّ، قال: حَدَّثَنَا الغَلَابِيّ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّه بن الضَّحَّاكِ، قال: رأيْتُ النَّاسَ في النَّفْرِ وقد اجْتَمَعُوا علىٍ رَجُلٍ وهو يُنْشد، فدَنَوْتُ، فقُلتُ: مَنْ هذا؟ فقيل: أبو العَتَاهِيَة، وهو يُنْشِد (¬٢): [من الهزج] أجَابَ اللَّهُ دَاعيْكِ … وعَادَى مَنْ يُعَادِيكِ كأنَّ الشَّمْسَ والبَدْرَ … جَمِيعًا (a) في تراقيْكِ وفي فيك جَنيّ النَّحْـ … الرَّحْمن بن الحَسَن بن عبد الرَّحْمن بن العَجَمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بنُ بَيَان الرَّزَّازُ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن عليّ بن الصَّقْر، قال: حَدّثَنَا أبو الحَسَن شَاكِر بن عَبْدِ اللَّه المِصِّيْصيُّ القَارِئُ، قال: حَدَّثَنَا عِمْرانُ بن مُوسَى، قال: سَمِعْتُ أحْمَد بن الحَسَن العَوْفِيّ، قال: سَمِعْتُ أبا العَتَاهِيَة يُنْشِدُ هذه الأبْيَات (¬١): [من الكامل] إنْ كان يُعْجِبُكَ السُّكُوتُ فإنَّهُ … قد كان يُعْجبُ قبْلك الأخْيَارا ولئن نَدمتَ على سكُوتكَ (a) مرَّةً … فلقد نَدِمْتَ على الكَلَام مِرَارَا إنَّ السُّكُوتَ سَلامَةُ ولرُبَّما … زَرَعَ الكَلَامُ عَدَاوَةً وضِرَارَا وإذا تقرَّب خَاسِرٌ من خَاسِرٍ (b) … زادا بذاكَ خَسَارة وَتَبَارَا أخْبَرَنا أبو القَاسِم بن قُمَيْرَة التَّاجرُ البَغْدَاديّ قِراءَةً عليهِ بحَلَب، قال: أخْبَرَتْنا الكَاتبِة شُهْدَةُ بنت ابن (c) الإِبَرِيّ قالت: أخْبَرَنا طَرَّادُ الزَّيْنَبِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ بنُ صَفْوَان، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بن أبي الدُّنْيا (¬٢)، قال: حَدَّثَني الحُسَين بن عبدِ الرَّحْمن، قال: كَتَبَ بَكْرُ بن المُعتَمِر إلى أبي العَتَاهِيَة من السِّجْن يَشْكُو إليه طُول السِّجْن (d) وشِدَّةَ الغَمّ، فكتَبَ إليه (¬٣): [من مجزوء الوافر] هي الأيَّامُ والعِبَرُ (e) … وأَمْرُ اللَّه يُنْتَظَرُ أتَيأَسُ (f) أنْ تَرَى فَرجًا … وأينَ اللَّهُ والقَدَرُ أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبد الرَّحْمن بن عَبد اللَّه بن عُلْوَان الأسَدِيّ، وعَبْدُ السَّلام بن المُطَهَّر بن أبي سَعْد بن أبي عُصْرُون، وأبو الحَجَّاج يُوسُفُ بن عُبَيْد (a) بن سَوَّار المِصْرِيّ، وأبو إسْحاق إبْراهيمُ بن عُثْمان بن عليّ الحَنَفِيّ قالوا: أخْبَرَنا أبو سَعْد عَبْدُ اللَّه بن مُحَمَّد بن هِبَةِ اللَّه بن أبي عُصْرُون، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن القَاسِم بن المُظَفَّر الشَّهْرَزُورِىّ، قال: حَدَّثَنَا أبو حَامِدٍ أحْمَدُ بن مُحَمَّد الشُّجَاعِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن اللَّيْثُ بن الحَسَن بن اللَّيْثِ بسَرْخَس، قال: أخْبَرَني عليُّ بن الفَضْل بن مُحَمَّد ببَغْدَاد أنَّ أبا العَتَاهِيَة كَتَبَ إلى بَعْضِ إخْوَانهِ (¬١): [من الطويل] صَدِيْقِي مَنْ يُقَاسِمُنِي هُمُوي … ويَرْمِي بالعَدَاوَةِ مَنْ رَمَانِي ويَحْفَظُني إذا ما غِبْتُ عنهُ … وأَرْجُوه لنَائِبَةِ الزَّمانِ أخْبَرَنا أبو بَكْر عَبْدُ اللَّه بن عُمَر بن عليّ بن الخَضِر القُرَشِيّ، قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو السَّعَادَات بن عبد الرَّحْمن القَزَّاز، والكَاتِبةُ شُهْدَةُ بنتُ أحْمَد بن الفَرَج، ح. وأخْبَرَنا أبو البَقَاء يَعِيْشُ بنُ عليّ بن يَعِيْش، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل عَبْدُ اللَّه بن أحْمَد بن مُحَمَّد الطُّوْسيُّ، قالوا: أَخْبْرَنَا أبو الحَسَن عليّ بن مُحَمَّد بن عليّ بن العَلَّاف، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ المَلِك بن مُحَمَّد بن عَبْدِ اللَّه بن بِشْرَان، قال: أخْبَرَنا أبو العبَّاس أحْمَد بن إبْراهمِ بن عليّ (b) الكِنْدِيّ، قال: أنْشَدَنا (c) أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن جَعْفَر بن سَهْل الخَرَائِطِيّ (¬٢)، قال: أنْشَدَني أَبو عَبْدِ اللَّه المَارَسْتَانِيّ لأبي العَتَاهِيَةِ (¬٣): [من الكامل] النَّاسُ يَخْدَعُ بعضُهُم بَعْضًا … مَحَضُوا التَّخَادُعَ بينهم مَحْضَا فلَقَلَّ ما تلْقَى بها أحَدًا … مُتَنَزِّهًا يَحْمي له عِرْضَا إلْبَسْ جميعَ النَّاس مُحْتَملًا … للعَالَمينَ وكُنْ لهم أَرْضَا فلئن غَضِبْتَ لكُلِّ حَادِثَةٍ … تُرْمي بها فلقَلَّ ما تَرْضَى أخْبَرَنا أبو الطَّاهِر إسْمَاعِيْلُ بن عَبْدِ القَوِيّ بن أبي العِزّ بن عَزُّون بالقَاهِرَة، وأبو مُحَمَّد يُونُس بن خَلِيل بن عَبْدِ اللَّه بحَلَب، قالا: أخْبَرَنا أبو الطَّاهِر إسْمَاعِيْل بن صالح بن يَاسِيْن، قال (a): أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللَّه الرَّازِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن عُبَيْد اللَّه بن مُحَمَّد (b) الهَمَذَانيّ بمِصْر، قال: حَدَّثَنَا أبو الفَتْح مُحَمَّد بن أحْمَد بن عليّ النَّحْوِيّ بالرَّمْلَةِ، قال: حَدَّثَني أبي، قال: أنْشَدَني إبْراهيمُ بن السَّرِيّ الزَّجَّاجُ لأبي العَتَاهِيَة (¬١): [من مجزوء الكامل] اصْبر لدَهْرٍ نالَ منْكَ … فهكذا مَضَتِ الدُّهُورُ فَرَحٌ وحُزْنٌ مرَّةً … لا الحُزْن دَامَ ولا السُّرُورُ أخْبَرَنا عَتِيقُ بن أبي الفَضْل بن سَلامَة السَّلَمَانِيّ بدِمَشْق، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليّ بن الحَسَن الحافِظ (¬٢)، ح. وحَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّدُ بن أحْمَد بن عليّ القُرْطُبِيّ، قال: أنْبَأنَا أبو المَعَالِي عَبْدُ اللَّه بن عبدِ الرَّحْمن، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عليُّ بن إبْراهيم النَّسِيبُ، قال: أخْبرَنا أبو الحَسَن رَشَاء بن نَظِيف بن ما شَاءَ اللَّه، قال: حَدَّثَنَا أبو مُحَمَّد الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل الضَّرَّابُ، قال: حَدَّثَنَا أبو بَكْرٍ أحْمَدُ بن مَرْوَان المالِكِيّ (¬٣)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن مُوسَى بن حَمَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن مَنْصُور البَغْدَاديّ، قال: لمَّا حَبَسَ أَمِيرُ المُؤْمنِيْن الرَّشِيْدُ أبا العَتَاهِيَةِ، جَعَل عليه عَيْنًا له يأتيهِ بما يقُول، فوجَدهُ يَوْمًا وقد كتَبَ على الحَائط (¬١): [من الوافر] أمَا واللَّهِ إِنَّ الظُّلْمَ لُوْمُ … وما زَالَ المُسِيئَ هو الظَّلُومُ إلى دَيَّان يَوْمِ الدِّين نمضِي … وعندَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الخُصُومُ قال: فأُخْبِرَ بذلك الرَّشِيْد فبَكَى، ودَعَا به، فاسْتَحَلَّهُ ووَهَبَ له ألفَ دِيْنار. أخْبَرَنا أبو اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ إذْنًا، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عَبْد البَاقِي الأنْصَاريّ كتابةً، عن أبي مَنْصُور مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد العَزِيْز العُكْبَرِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عُبَيْد اللَّه مُحمّد بن عِمْران بن مُوسَى المَرْزُبانيّ -إجَازَةً كَتَبَها لي سَنَة أرْبَعِ وثَمانين وثَلاثمائة- قال: أخْبَرَني عَبْدُ اللَّه بن يَحْيَى، قال: حدَّثنا مُحمّد بن خَلَف، قال: حَدَّثَنَا هَارُون بن الحَسَن، قال: أَتينا بَقِيَّةَ بن الوَلِيد ومَعَنا أبو العَتَاهِيَة، فانْقَبض بَقِيَّةُ ولم يُحَدِّث، فقال له أبو العَتَاهِيَة: بلَغَني رحمكَ اللَّهُ أنَّ لكُلِّ شَيءٍ دَسمًا، ودَسَمُ العُلَمَاء البَشَاشَة والطَّلَاقَة، فانْبَسَط، وسَألناهُ أنْ يُحَدِّثَ فأبَى، فقال أبو العَتَاهِيَة: إنَّ لكُلِّ شيءٍ زَكَاةً وزَكَاةُ العُلَمَاء الفَوَائِد، قال: فحدَّث. ﷽ وَبِهِ تَوفِيقِي أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن إبْرَاهيم بن مُسَلَّم، قال: أخْبَرَتْنا الكَاتِبةُ شُهْدَةُ بنتُ أحْمَدَ بن الفَرَج، قالت (a): أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّه الحُسَين بن أحْمَد، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد ابن عُبَيْد اللَّه بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبوِ عَمْرو بن السَّمَّاك، قال: حَدَّثَنَا إسْحاق بن إبْراهيم بن سُنَيْن، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن مَزْيَد، قال: حَدَّثَنَا سَعيدُ (b) بن أبي سُكَيْنَة، قال: أتَى أبو العَتَاهِيَة بابَ أحْمَد بن يُوسُف، فأخْبَره الحَاجِبُ أنَّهُ نائم، فمكُث ساعةً ثمّ دَعَا بدَوَاةٍ وقِرْطاسٍ، فكتَبَ هذا البَيْت، ثمّ قال للحَاجِب: إذا انْتَبه فادْفَع إليه هذه الرُّقْعَة (¬١): [من الطويل] ألَم تَرَ أنَّ الفَقْر يُرْجَى له الغِنَى … وأنَّ الغِنَى يُخْشَى عليه من الفَقْرِ قال ابن سُنَيْن: أنْشَدَني مُحَمَّد بن مَزْيَد لأبي العَتَاهِيَةِ (¬٢): [من الكامل] للَّه ما وَارَى التُّرابُ من الأُلَى … كانُوا الكِرَام هُمُ إذا نُسِبَ (c) الكِرَامْ أفْنَاهُمُ مَن لم يَزل يُفْنِي القُرونَ … وللفَنَاءِ وللبِلَى خُلِقَ الأنَامْ يا صَاحِبَيَّ نسِيْتُ دَارَ إقَامَتِي … وعَمَرْتُ دَارًا ليسَ لي فيها مُقَامْ دَار يُرِيْدُ الدَّهْر نُقْلَةَ أهْلِها … وكأنَّهُم عمَّا يُرِيدُ بهم نِيَامْ أخْبَرَنا أبو جَعْفَر يَحْيَى بنُ جَعْفَر بن عَبْدِ اللَّه بن مُحَمَّد بن عليّ بن (d) الدَّامَغَانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبي أبو مَنْصُور جَعْفَر، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَدُ بن سَوَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن رِزْمَة، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد السِّيْرَافيّ، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ ابن مَنْصُور، قال: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ -يعني ابن بَكَّار- قال: حَدَّثَني جَعْفَرُ بن الحَسَن اللَّهَبِيّ، قال: دخَل أبو العَتَاهِيَة إلى بعض الهاشِميِّيْن، فبَيْنا هو عندَهُ إذْ أتاهُ خَبَرٌ عن وَكِيْل له يُخْبره باخْتِلَال (a) في ضَيْعَتهِ، فغَمَّهُ ذلك حتَّى تبيَّن الغَمُّ في وَجْهِهِ، فقال أبو العَتَاهِيَةِ (¬١): [من الكامل] ليَدِ المَنِيَّةِ في تلَمُّسها (b) عن … ذُخْرِ كُلّ شقيقةٍ (c) فَحْصُ وكأنَّ مَنْ وَافَى منيَّتَهُ (d) لم … يَبْقَ (e) منه لنَاظِرٍ شَخْصُ نَبْغي من الدُّنْيا زيادَتَها … وزيادَةُ الدُّنْيا (f) هي النَّقْصُ قال: فأَسْفَر لَوْنُه، وسَكَن مَا بهِ. أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد عبدُ الرَّحْمن بن عَبْد اللَّه بن عُلْوَان الأسَدِيُّ، قال: أخْبَرَنا أبو عبد الرَّحْمن مُحَمَّدُ بن مُحَمَّدِ بن عبد الرَّحْمن الخَطِيب، قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر مُحَمَّدُ (g) ابن مَنْصُور السَّمْعَانيّ، ح. وأخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن عَبْد المُنْعِم بن عليّ بن بَرَكات، قال: أخْبَرَنا يُوسُف بن آدَم المَرَاغِيّ، قال: أنْبَأنَا أبو بَكْر السَّمْعَانيّ، قال: أخْبَرَنا الشَّيْخُ أبو سَعْد مُحَمَّدُ بن عَبْد المَلِك الأسَديّ، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَن بن عُبَيْد اللَّهِ الصَّفّار، قال: حَدَّثَنَا عُمَرُ بن مُحَمَّد بن سَيْفٍ، قال: أنْشَدَني أبو جَعْفَر أحْمَدُ بن مُحَمَّد الطَّبَريّ المَعْرُوف بابنِ رُسْتُم النَّحْوِيّ، قال: أنْشَدَني ابنُ أبي العَتَاهِيَة لأبيهِ (¬٢): [من البسيط] مَا مِن صَدِيْق وإنْ تَمَّتْ مَودَّتُهُ … يَوْمًا بأبْلَغَ في الحَاجَاتِ من طَبَقِ إذا تعمَّمَ بالمِنْدِيل مُنْطَلِقًا … لم يَخْشَ نَبْوَةَ بوَّابٍ ولا غَلَقِ لا تُكْذَبَنَّ فإنَّ النَّاسَ مُذ خُلِقُوا … عن رَغْبَةٍ يُعْظِمُون النَّاسَ أو فَرَقِ أمَّا الفعَالُ ففَوْق النَّجْم مَطْلِعُهُ … والقَوْلُ يُوْجَدُ مَطْروحًا على الطُّرُقِ أخْبَرَنا أبو حَفْص عُمَرُ بن مُحَمَّد بن مُعَمَّر بن طَبَرْزَد المُؤدِّب البَغْدَاديّ، قال: أخْبَرَنا الشَّريفُ أبو الحَسَن مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن عبد الصَّمَد ابن المُهْتَدي باللَّهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بنُ الحَسَن بن الفَضْل، قال: أنْشَدَنا أبو بَكْر مُحَمَّدُ بن القَاسِم الأنْبارِيّ، قال: أنْشَدَنا مُحَمَّد بن المَرْزُبَان، قال: أنْشَدَني الحَسَنُ بن صالح الأسَدِيّ لأبي العَتَاهِيَة (¬١): [من مجزوء الكامل] سُبْحانَ جَبَّارِ السَّمَاءِ … إنَّ المُحِبَّ لفي عَنَاءِ مَنْ لم يَذُق حُرَقَ الهَوَى … لم يَدْر ما جَهْدُ البَلَاءِ لو كُنْتُ أحْسُبُ عَبْرَتي … لوَجَدْتُها أنْهَارَ مَاءِ كم من صَدِيْقٍ لي أسَا … رقُهُ البُكَاءِ من الحَيَاءِ فإذا تَفَطَّنَ لامَني … فأقُول ما بي من بُكَاءِ لكن ذهَبْتُ لارْتَدِي … فأصَبْتُ عَيْني بالرِّدَاءِ حتَّى أُشَكِّكَهُ فيَسْـ … ـكُتَ عن مَلامِي والمِرَاءِ يا عُتْبَ مَنْ لَم يَبْكِ لي … ممَّا لَقِيْتُ من الشَّقَاءِ بَكَتِ الوُحُوشُ لرَحْمَتي … والطَّيْرُ في جَوِّ السَّماءِ والجِنُّ عُمَّارُ البُيوتِ … بَكَوا وسُكَّانُ الفَضَاءِ والنَّاسُ فَضْلًا عنهُمُ … لَمْ تَبْكِ إلَّا بالدِّمَاءِ يا عُتْبُ إنَّكِ لو شَهِدْ … تِ عليَّ وَلْوَلَةَ النِّسَاءِ ومُوَجّهًا مُسْتَبسلًا (a) … بين الأحِبَّةِ للقَضَاءِ لجَزَيْتَنِي غَيْرَ الّذي … قد كان مِنْكِ من الجَزَاءِ أَفما شَبِعْتِ ولا رَوِيـ … ـتِ من القَطِيْعَةِ والجَفَاءِ لِمَ تَبْخلِيْنَ على فَتًى … مَحْضِ المَوَدَّةِ والصَّفَاءِ يا عُتْبُ سيِّدَتي أَعِيْني … حُسْنَ وجَهْكِ بالسَّخَاءِ مَهْلًا عليكِ وإنْ بَخِلْتِ … عليَّ بالحَسَنِ العَزَاءِ وأكثرَ أكْثَر مَنْ تَرى … وأقلُّهُم أهْلُ الوَفَاءِ واليأسُ مَقْطَعَةُ المُنَى … والصَّبْرُ مِفْتاحُ الرَّجَاءِ أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن أبي عَبْدِ اللَّه بن أبي الحَسَن بن المُقَيِّر بمِصْر بالجامع العَتِيق، قال: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو أحْمَد مَعْمَر بن عَبْد الوَاحِد بن الفَاخِر، قال: أنْشَدَنا الإمَامُ أبو المَحَاسِن -يعنىِ عَبْدَ الوَاحِد بن إسْمَاعِيْل بن أحْمَد الرُّويَانِيّ- قال: أنْشَدَنا الإمَامُ إسْمَاعِيْلُ بن عبد الرَّحْمن الصَّابُونِيّ إمْلاءً، قال: أنْشَدَنا زَاهِرُ بن أحْمَد، قال: أنْشَدَنا أَبو الحَسَن أحْمَد بن جَعْفَر بن المُنَادِيّ (b)، قال: أنْشَدَني أبو بَكْر يُونُس بن يَعْقُوبُ المُقْرِئ الوَاسِطِيّ لأبي العَتَاهِيَة (¬١): [من الخفيف] كم يكُونُ الشِّتَاءُ ثُمَّ المَصِيْفُ … ورَبِيعٌ يَمْضِىِ ويَأتِي (c) الخَرِيْفُ وانْتقالٌ من الحَرُور إلى الظِّلِّ … وسَهْمُ الرَّدَى عليكَ مُنِيْفُ يا قَلِيْلَ (d) البَقَاءِ في هذه الدُّنْـ … ـيا إلى كَمْ يَغُرُّكَ التَّسْويْفُ عَجَبًا لامْرِئٍ يَذِلُّ لمخلُو … ق ويَكْفيه كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفُ أخْبَرَنا أبو الفَضْل إسْمَاعِيْلُ بن سُلَيمان بن أَيْدَاش الحَنَفِيّ الدِّمَشقيّ بها، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الخَالِق بن أسَدِ بن ثَابِت الحافِظُ (¬١)، قال: أخْبَرَنا عليُّ بنُ أحْمَد، قال: أخْبَرَنا رَجَاءُ بنُ عَبْد الوَاحِد، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْد اللَّه -يعني مُحَمَّدَ بن إبْراهيم اليَزْدِيّ- قال أنْشَدَنا أبو الحُسَين مُحَمَّدُ بن مُحَمَّد، قال: أنْشَدَنا مُحَمَّدُ بن القَاسِم بن بَشَّار، قال: أنْشَدَني مُحَمَّدُ بنُ المَرْزُبَان لأبي العَتَاهِيَة (¬٢): [من مجزوء الكامل] يا صَاحِبَ (a) الدَّار الّتي … ليسَتْ له بمُواتيَهْ أحْبَبْتَ دَارًا لم تَزَلْ … عن نَفْسِها لَكَ نَاهِيَه أَأُخيَّ فَارْمِ مَحَاسِنَ الـ … الِسَّمَّاك، قال: حَدَّثَنَا أبو القَاسِم بن إبْراهيم بن سُنَيْن، قال: أنْشَدَني مُحَمَّدُ بن أبي رجَاءٍ لأبي العَتَاهِيَة (¬١): [من الطويل] ألَا أيُّها القَلْبُ الكَثِيْرُ عَلَائقُهْ … ألَم تَرَ أنَّ (a) الدَّهْرَ تَجْري بَوَائقُهْ تُسَابِقُ ريْبَ الدَّهْر في طَلَب المُنَى (b) … بأيّ جَنَاحٍ خِلْتَ أنَّك سَابِقُهْ وتُرْخي على السُّوءِ السُّتُور … وإنِمَّا تقلب في عِلْم الإله خَلَائِقُهْ ألَا أيُّها الباكي على المَيْتِ (c) بعدَهُ … رُوَيْدَكَ لا تَعْجل فإنَّك لَاحقُه رُوَيْدَكَ لا تَنْسَ المَقَابِرَ والبِلَى … وطَعْم حُسَا المَوْت الّذي أنتَ ذَائقُه فما المَوْتُ إلَّا سَاعةٌ غير أنَّهُ (d) … نَهارٌ ولَيْلٌ بالمَنَايا تُسَاوِقُه إذا حَلّ من قد كُنْتَ تُدنيْهِ قَبْرَه … فما هو إلَّا الدَّفْن ثُمَّ تُفَارِقُه وما تخْطبُ السَّاعَات إلَّا على الفَتَى … تُغَافصُه طورًا وطورًا تُسَارِقُه فأيَّ هَوًى أو أيَّ لَهْو أصبْتَهُ … على لذَّة (e) إلَّا وأنْتَ مُفَارِقُه إذا اعْتَصَم المَخْلُوقُ من فِتَن … الهَوَى بخَالقهِ نَجَّاهُ منهُنَّ خالقُه ومَنْ هانَتِ الدُّنْيا عليه فإنَّنِي … ضَمِنْتُ لهُ (f) أنْ لا تُذَمَّ خَلَائِقُه ومَن ذَا الّذي يَخْشى من النَّاَسِ فَاقَةً … ورَزَّاق هذا الخَلْق ما عَاشَ رازقُه أيا نَفْسِ فارضَي بالإلهِ فإنَّهُ … مَغارِبُه لي عَرْضُهُ ومَشَارقُه أرَى صَاحِبَ الدُّنْيا مُقيْمًا بجَهْلهِ … على ثِقَةٍ من صَاحبٍ لا يُوَافِقُه هي الدَّارُ دارٌ تَسْتَذِلُّ عَزِيزَها … وإِن كان مغْشِيًّا عَظيْمًا سُرَادِقُه إذا نَطَق النّطاقُ فيها برغْبةٍ … تعَرَّفتَ فيها الذُّل حين تُنَاطقُه إذا كُنْتَ في دِيْن تمُتُّ بغَيره … وتزعمُهُ دِيْنًا فأنْتَ مُنَافِقُه تَفَاضَل أهْلُ الدِّين فيهِ غَدًا … كما تَفَاضَل في يَوْمِ الرِّهَانِ سَوَابقُه أخْبَرَنا أبو إسْحاق إبْراهيمُ بن عُثْمان الكَاشْغَرِيّ، وأبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّطيْف بن يُوسُف بن مُحَمَّد البَغْداديَّان بحَلَبَ، وأبو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بن ابي القَاسِم بن مُحَمَّد بن تَيْمِيَّة الحَرَّانيُّ بها، قالوا: أخْبَرَنا أبو الفَتْح مُحَمَّدُ بن عَبْد الباقِي بن البَطِّيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ أحْمَدُ بن عُمَر بن أبي الأشْعَث، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللَّه الحُسَينُ بن مُحَمَّد بن أحْمَد الحَلَبِيّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَبْدِ اللَّهِ أحْمَدُ بنُ عَطَاء الرُّوْذَبَارِيّ، قال: أنْشَدَنا أبو صالح عَبْدُ اللَّه بن صالح، أظُنُّهُ لأبي العَتَاهِيَةِ (¬١): [من مجزوء الكامل] المَرْءُ دُنْيا نَفْسِهِ فإذا … انْقَضَى فقَدِ انْقَضَتْ تَغْتالهُ في غَيِّهِ وتَعُـ … فكُن مُسْتَعِدًّا لرَيْب المَنُونِ … فكُلُّ الّذي هُوَ آتٍ قَرِيْبُ أَلَسْنَا نَرى (a) شَهَوَاتِ النُّفُو … سِ تَفْنَى وتَبْقَى علينا الذُّنُوبُ يخَافُ على نَفْسِهِ مَنْ يَتُوبُ … فكيفَ تُرَى حالُ مَنْ لا يَتُوبُ أخْبَرَنا أبو جَعْفَر بن جَعْفَر البَغْدَاديّ، قال: أخْبَرَنا أبي، قال: أخْبَرَنا أبو طَاهِر أحْمَد بن سَوَّار، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين بن رِزْمَة، قال: أخْبَرَنا أبو سَعيد السِّيْرَافيّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن مَنْصُور، قال: أنْشَدَني الزُّبَيْر لأبي العَتَاهِيَة في النَّاسِ (b): [من الطوبل] يا رَبّ إنَّ النَّاسَ لا يُنْصِفُونَني … فكيفَ وإنْ أنْصَفْتُهُم (c) ظَلَمُوني وإنْ كانَ لي شيءٌ تصَدُّوا لأخْذِهِ … وإنْ جئْتُ أبْغي شَيْئَهُم مَنَعُوني وإنْ نالَهُم بذْلي (b) فلا شُكْر عندَهُم … وإنْ أَنا لَم أبْذُل لهم شَتَمُوني وإنْ طَرَقتني نَكْبةٌ فَكِهُوا لها (e) … وإنْ صَحِبَتْني نِعْمَةٌ حَسَدُوني سَأمْنعُ قَلْبي أنْ يَحِنَّ إليهم … وأَحْجُبُ عنهم نَاظِري وجُفُونِي أخْبَرَنا ابن الفَضْل الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو سَعْد المَرْوَزيّ، إذْنًا إنْ لم يَكُن سَمَاعًا، قال: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحيم بن عليّ الشَّاهِد، بقِرَاءَتي عليه بأصْبَهَان، قال: أخْبَرَنا أبو عليّ الحَسَنُ بن أحْمَد بن الحَسَن الحَدَّادُ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيْم أحْمَدُ بن عَبْدِ اللَّه الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن إسْحاق، قال: حَدَّثَنَا أحْمَدُ بن مُحَمَّد الجَمَّال، قال: سَمِعْتُ الحَجَّاجَ البَارِدَ يَقُول: سَمِعْتُ الكِسَائِيَّ يُنْشد لأبي العَتَاهِيَة (¬١): [من البسيط] حتَّى متَى أنا في حَلٍّ وتَرْحالِ … وطُوْلِ سَعْيٍ بإدْبار وإقْبَالِ أُنَازعُ الدَّهْر ما أنْفَكُّ مُغْتربًا … عن الأحِبَّة لا يَدْرُونَ ما حَالي في مَشْرقِ الأرض طَوْرًا ثمّ مَغْرِبها … لا يَخْطُرُ المَوْتُ من حِرْصي على بَالي ولو قَنِعْتُ أتاني الرِّزْقُ في مَهَلٍ … إنَّ القَنُوع الغِنَى لا كَثْرةُ المَالِ أخْبَرَنا أبو القَاسِم عبدُ الصَّمَد بن مُحَمَّد بن أبي الفَضْل قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو مُحَمَّد طَاهِر بن سَهْل بن بِشْر الإسْفَرَاينِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحُسَين مُحَمَّد بن مَكِّيّ بن عُثْمان الأزْديّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن أحْمَد بن العبَّاسِ الإِخْمِيْمِيّ، قال: أنْشَدَنا مُحَمَّدُ بن يَزِيد لأبي العَتَاهِيَة (¬١): [من الوافر] عِيَالُ اللَّه أكْرمُهُمْ عليهِ … أبَثُّهُمُ المَكَارمَ في عِيَالهِ قال مُحَمَّدُ بن يزيد: أخَذَ أبو العَتَاهِيَةِ هذا القَوْل من الحَدِيْث الّذي رُوِي (¬٢): إنَّ الخَلْق عِيَالُ اللَّه، فأحبُّهُم إليه أنْفَعُهُم لعِيَالهِ. أخْبَرَنا أبو هاشِم الهاشِميّ، قال: أخْبَرَنا أبو شُجَاع عُمَر بن أبي الحَسَن مُحَمَّد بن عَبْد اللَّه البِسْطَامِيّ، قال: قَرَأتُ على أبي مَنْصُور بن خَيْرُون: أخْبركُم الخَطِيبُ أبو بَكْر (¬٣)، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بن أحْمَد بن رِزْق، قال: أخْبَرَنا عُثْمانُ بن أحْمَد، قال: حَدَّثَنَا مُحمّدُ بن أحْمد بن البَرَاءَ، قال: حَدَثَنَا أحْمَدُ بن عليّ بن مَرْزُوق، قال: دَخَلْتُ على أبي العَتَاهِيَةِ في مَرَضه الّذي ماتَ [فيه] (a)، وكان له صَدِيْقًا، وكان أبو العَتَاهِيَة قد أغْمَضَ عَيْنيه، قال: فقالوا لي: كَلِّمْهُ، فقُلتُ: يا أبا إسْحاق، فلمَّا سَمِعَ صَوْتي فَتَحَ عَيْنيهِ، فقُلتُ لَهُ: أَعْزِزْ على العُلَمَاء بمصْرعك. قال: فقال لي أبو العَتَاهِيَة (¬١): [من الطويل] سَتَمْضي مع الأيَّام كُلُّ مُصِيْبةٍ … وتُحْدِثُ أحْدَاثًا تُنَسِّي المَصَائِبَا (a) أنْبَأنَا أبو القَاسِم عبد الصَّمَد بن مُحَمَّد، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن أحْمَد الغَسَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أحْمَدُ بن عليّ (¬٢)، قال: أخْبَرَنا مُحَمَّد بن أحْمَد بن رِزْق، قال: أخْبَرَنا عُثْمان بنِ أحْمَد، قال: حَدَّثنَا مُحَمَّد بنُ أحْمَد بن البَرَاء، قال: أنْشَدَني -يعني أحْمَد بن عليّ بن مَرْزُوق- لأبي العَتَاهِيَة، وهو يَكيدُ بنَفْسه (¬٣): [من مجزوء الكامل] يا نَفْسُ قد مَثَّلْتُ حا … لي هَذِهِ لك مُنْذُ حِيْنِ وشَكَكْتِ أنِّي نَاصِحٌ … لكِ فاسْتَمَلْتِ إلى الظُّنُونِ فتأَمَّلِي ضعْفَ الحرَا … كِ وكَلِّهِ بعدَ السُّكُون وتيَقَّنِىِ أنَّ الّذي … بكِ منِ عَلَامَاتِ المَنُونِ أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْد الغَنِيّ بن سُلَيمان بن بَنِيْن بالقَاهِرَة، قال: أخْبَرَنا أبو عَبْد اللَّه مُحَمَّدُ بن حَمْد بن حَامِد، قال: أخْبَرنا أبو الحَسَن عليّ بن الحُسَين الفَرَّاءُ في كتابهِ، عنِ أبىِ إسْحاق الحَبَّال، وخَدِيجَة المُرَابطَة، قال الحَبَّال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم عَبْدُ الجَبَّار بن أحْمَد بن عُمَر المُقْرِئ، قال: أَخْبَرَنا أبو بَكْر الحَسَن بن الحُسَين بن بُنْدَار، وقالت خَديجَةُ: أخْبَرَنا أبو القَاسِم يَحْيَى بنُ أحْمَد بن عليّ بن الحُسَين بن بُنْدار، قال: حَدَّثَنَا جَدِّي، قالا: حَدَّثَنَا مَحْمُود بن مُحَمَّد بن الفَضْل، قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّه بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن سَعيد التِّرْمِذيّ، قال: قيل لأبي العَتَاهِيَة وهو يَمُوتُ: ما تَشْتَهي؟ قال: أشْتَهي أنْ يكون زَلْزَلُ عن يَميْني ومُخَارِقُ عن يَسَاري في حجر كُلّ واحدٍ منهما عُوْدٌ يدخلَان في وَتَرٍ واحدٍ ويُغَنِّياني بهذا البَيْتِ (¬١): [من الطويل] سَيُعْرَضُ عنِ ذِكْري وتُنْسَى موَدَّتي … ويَحْدُثُ بَعْدِي للخَلِيل خَلِيلُ أخْبَرَنا مُحَمَّد بن إبْرَاهيم بن مُسَلَّم، قال: أخْبَرَتْنا شُهْدَةُ بنتُ ابن (a) الإِبَرِيّ، قالت (b): أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللَّه بنُ أحْمَد النِّعَالِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن الحِنَّائِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو بن السَّمَّاكِ، قال: أَخْبَرَنا أبو القَاسِم بن إبْراهيم، قال: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بن أبي رَجَاء، قال: حَدَّثَني يَعْقُوبُ السَّوَّاقُ، قال: قال لي أبو العَتَاهِيَة، وقد حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، وسمعَ كَلَامًا ببابهِ، فقال: ما هذا الكَلَام؟ فاعْتلَلْتُ عليه بشيءٍ، فقال: لا، هؤلاء قَوْمٌ بَلَغَهُم أنِّي مَيِّتٌ فجاءُوا، فتَمثَّل بهذا البَيْت (¬٢): [من الوافر] وما زلْتَ تُنْعَي برجْم الظُّنُون (c) … وقد جَاءَتِ النَّعْيَةُ الصَّادِقَهْ أنْبَأنَا أبو القَاسِم بن مُحَمَّد القَاضِي (d)، قال: أخْبَرَنا أَبو الحَسَنِ الغَسَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْرٍ أحْمَد بن عليّ (¬٣)، قال: أخْبَرَنا إبْراهيمُ بن مَخْلَد إجَازَةً، قال: أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّه بن إسْحاق بن إبْراهيم البَغَويّ، قال: أخْبَرَنا الحَارِثُ بن مُحَمَّد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن سَعْد، قال: سَنَة إحْدَى عَشْرة ومَائتَيْن، فيها ماتَ أبو العَتَاهِيَةِ الشَّاعر يَوْم الاثْنَين لثَمانِ ليالٍ خَلَوْنَ من جُمَادَى الآخرة. وقال أبو بَكْر أحْمَدُ بن عليّ (¬٤): قَرَأتُ على الحَسَن بن أبي بَكْر، عن أحْمَدَ بن كَامِل القَاضِي، قال: ماتَ أبو العَتَاهِيَةِ إسْمَاعِيْلُ بن القَاسِم بن سوَيْد (e) بن كَيْسَان الجرَار، مَوْلَى عَنَزَة، فيما ذُكرَ، سَنَهَ ثلاث عَشرهَ ومَائتْين ببَغْدَاد. وقَالَ أبو بَكْر (¬١): ذَكَرَ مُحمَّدُ بن أبيِ العَتَاهِيَةِ أنَّ أبا العَتَاهِةِ وُلدَ في سَنَة ثلاثين ومائة، وأنَّهُ مات ببَغْدَاد، وقبرُه على نهْر عِيسَى قُبالُه قنَطَرَهَ الزَّيَّاتِين. نَقَلْتُ منِ خَطِّ صالح بن إبْراهمٍ بن رِشْدِينِ (a) المِصْرِيّ ما صُوْرتُه: يُقال إنَّ أبا العَتَاهِيَة ماتَ في خِلَافَة المأمُون سَنة ثلاث عَشرة ومَائتَيْن، مات أبو العَتَاهِيَة، وإبْراهيمُ المَوْصِلِىِّ، وأبو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيّ بمَدِينَة السَّلام في يَوْم واحدٍ. ونَقَلْتُ من أخْبَار أبي العَتَاهِيَة للآمِدِيّ، ونقَله كاتبهُ من خَطِّهِ: قال أبو سُوَيد عَبْدُ القَوِيّ بن مُحمَّد بن أبي العَتَاهِيَة: ماتَ أبو العَتَاهِيَةِ سَنَةَ عَشرٍ ومَائتَيْن. وقال أبو مُحَمَّد عَبْدُ اللَّه بن مُسلِم بن قُتَيْبَة (¬٢): مات أبو العَتَاهِيَة سَنَة خَمْسٍ ومَائتَيْن. ورَوَى غيرهما أنَّهُ مات سَنَة ثَمان عَشرة ومَائتَيْن في آخر خِلَافة المَأْمُون. ورُوي عن مُخَارِق المُغَنِّي، وكان من خُلْصَان أبىِ العَتَاهِيَة، أنَّهُ تُوفِّي في خِلَافَة المَأْمُون (a) سَنةَ ثَلاثَ عشرةَ ومَائتَيْن. ويُقَالُ: إِنَّهُ ماتَ هو، وإبْراهيم أبو إسْحاقَ المَوْصِليّ، وأبو عَمْرو الشَّيبَانِيّ بمَدِينَة السَّلام في يَوْم واحدٍ، وفي هذه السَّنَة ماتَ أبو عُبَيْدَة وقَد بَلغَ سنًّا نحوَ المائةِ، وقبرُه ببَغْدَاد قُباله قَنْطَرَة الزَّيَّاتين. وقد ذكرنا في أثْناء التَّرجَمَة عن أبي عُبيَدِ اللَّه (c) المَرْزُبانيّ أنَّهُ ماتَ ببَغْدَاد في سَنَة عَشرٍ ومَائتَيْن، وقيلِ: في سَنَة إحْدَى عَشرة، وقيل قَبْل ذلك وبعده، قال: والأوَّل أصَحُّ يعني سَنَة عَشر. أنْبَأنَا زَيْد بن الحَسَن الكِنْدِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور القَزَّاز، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر الخَطِيبُ (¬١)، قال: حَدَّثني عَبْدُ العَزيز بن عليّ الوَرَّاق، قال: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّه بن أحْمَد بن عليّ المُقْرِئ يقُول: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بن مَخْلَد العَطَّار يَقُول: سَمِعْتُ إسْحاق بن إبْراهيم البَغَويّ يقُول: قَرَأتُ على قَبْر أبي العَتَاهِيَة (¬٢): [من مجزوء الخفيف] أُذْنَ حَيٍّ تَسَمَّعِي … إسْمَعِي ثُمَّ عِي، وَعِي أنا رَهْنٌ بمَضْجَعي … فاحْذَرِي مثْلَ مَصْرَعِي عِشْتُ تِسْعِينَ حجَّةً … ثُمَّ فارقْتُ مَجْمَعِي (a) ليسَ زادٌ سِوَى التُّقَى … فَخُذِي منه أوْ دَعِي قُلتُ: وهذه الأبْيَاتُ ليسَتْ لأبي العَتَاهِيَة، لأنَّهُ على الاخْتِلَاف في مَوْلده ووَفَاته لم يَعِشْ تسعين حِجَّةً، والأبياتُ قَدِيْمَة العَصْر، رَوَاها مُحَمَّدُ بن أبي العَتَاهِيَة عن هِشَام الكَلْبيّ، أخْبَرَنا بها أبو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بن إِبْرَاهيم بن مُسَلَّم بن سَلْمان الإرْبِلِيّ، قال: أخْبَرَتْنا الكاتبِةُ شهدَةُ بنتُ ابن (a) الإِبَرِيّ قالت: أخْبَرَنا أبو عَبْدِ اللَّه بن أحْمَد (c) النِّعَالِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن الحِنَّائِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو عَمْرو بن السَّمَّاك، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم إسْحاق بن إبْراهيم بن سُنَيْن، قال: حَدَّثني مُحَمَّدُ بن أبي رَجَاء، قال: حَدَّثني مُحَمَّدُ بن أبي العَتَاهِيَة، قال: حَدَّثَنَا هِشَامُ الكَلبْيّ، عن أَبيِهِ، عن أبي صالح، عن ابن عبَّاسٍ، قال: أُصِيْبَ في الجَاهِلِيَّةِ جُمْجُمة (d) عليها مكتُوب: [من مجزوء الخفيف] أُذْنَ حَيٍّ تسمَّعِي … إسْمَعي ثُمّ عِي، وعِي أنا رَهْنٌ بمَصْرَعي … فاحْذَرِي مثْلَ مَصْرَعِي قال: فأتيتُ أبي فأخْبرتُه فاسْتَحْسَنَه، وزَادَني فيه بعضُ أصْحَابنا: ليسَ شيءٌ سِوَى التُّقَى … فَخُذِي منه أو دَعِي
Parsing and provenance details
Local passage ID
885076
Book record
shamela-1160
Source record
974152
Parser
shamela4_remaining_exact_title_span v1
Parser confidence
medium
Entry type
Uncertain
إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، أبو العتاهية — shamela-1160 · Hadith Research Library