page 1946, entry [718]Open original source
الإسْكَنْدَرُ المَلِكُ ذو القَرْنَيْن ابن فلغيُوس - وقيل: فليْقُوس - ابن الإسْكَنْدَر المَقَدُونِيّ اليُونَانِيّ (¬١) وقيل (¬٢): الإسْكَنْدَرُ بن فِلِيفُوس المَقَدُونِيّ (a). وقال بعضُهم إنّهُ رُوميّ، وأنَّهُ ابن دَارَا بن بَهْمَنَ المَلكِ ابنِ أَسْفَنْدباذَ الشَّدِيدِ بن نَشْتَاسب المَلِك. وقال بعضُهم: هو من الرُّوم واسْمه فيلفُوس بن مصْرَيْم بن هِرْمِس بن هَرْديس (b) بن ميطُون بن رُومي بن ليطي (c) بن يُوْنَان بن يَافِث بن ثوبه (d) بن سرجُون (a) بن رُومية بن بريط (b) بن تُوفِيْل (c) بن رُومي بن الأصْفَر بن اليفن بن العِيْص بن إسْحاق بن إبْراهيم النَّبِيّ ﷺ. وقيل: اسْمُه مَرْزَبَّا بن مرْدَفَه اليُونَانِيّ، من ولد يَوْنَن بن يَافِث بن نُوح ﵇. وقيل: هو ابن مكنُوس بن مطرنُوس (d). وقيل: اسْمُه هِرْمس - وقيل: هرديس - بن قَيطُون بن رُومي بن ليطي (e) بن كسُلُوخس. وقيل: اسْمه الصَّعْب بن القَرير (f) ذي يَرْعُوْش (g) بن همُان، واللهُ أعْلَمُ. تأدَّب بأَرُسْطُوطَالِيْس، وكان مُعلِّمَهُ. وإنَّما سُمِّي ذو القَرْنَيْن لأنَّهُ بلغَ المَشْرِقَ والمَغْربَ، وهو الّذي غَزَا دَارا بن دارا بن بهْمَن بن أسْفَندباد (h) بن نَشْتَاسف، وقيل إنَّهُ اجْتاز بحَلَبَ وفي صُحْبَتِه أَرُسْطَاطَالِسُ الحَكِيمُ، وقد ذَكَرنا ذلك فيما تقدَّم عن أَرُسْطُو في هذا الكتاب (¬١)، وكان اجْتيَازه لقِتَال دَارَا، وقيل إنَّهُ هو الّذي بن مَدِينَة مَلَطْيَة، ويُقال إنَّ قبرَهُ بقَرْيَةٍ من بَلَدِ كَفَرْ طَاب من عَمَل حَلَب يقال لها شَحْشَحَبُو (i)، وهو ظَاهِر عندَهم يَتَداولُ الخَلفُ عن السَّلَف ذلك، ويُقالُ إنَّهُ تُوفِّي بهذا المكان، وأنَّهُ أُخْرجت أمعَاؤُه وجميع ما في بَطْنه، فدُفِنَ في هذه القَرْيَة، ونُقِلَت جُثَّته في تَابُوِت إلى أُمِّه إلى الإسْكَنْدَرِيَّة (a)، وَسَنَذْكُر هَا هُنا شَيئًا من أمْره، ثمّ نَذْكر في حرْف الذَّال (¬١)، في ذي القَرْنيْن، نُبْذة من حَدِيثه، لأنَّ الله تعالَى سمَّاهُ في كتابهِ العزيز ذا القَرْنَيْن، في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (¬٢) إلى آخر الآيات الّتي ضَمَّها الله تعالى ذِكْرَهُ، ونَذْكر هذه القِصَّة في مَوضِعها (¬٣) إنْ شَاءَ اللهُ تعالَى. أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُرجَّا بن أبي الحَسَن بن هِبَةِ الله بن غَزَال الوَاسِطِيّ التَّاجِر، قال: أخْبَرَنا أبو طَالب مُحَمَّد بن عليّ بن أحْمَد الكَتَّانِيّ قِراءَةً عليهِ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بن أَحْمَد بن عَبْد الله العَجَمِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَخْلَد البزَّاز (b)، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن عليّ بن الحَسَن الصِّلْحِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن عُثْمان بن سَمْعَان الحافِظ، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن أسْلَم بن سَهْل بن أسْلَم الرَّزَّاز، قال: حدَّثنا مُحَمَّد بن وَزِير، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن صالح البِطِّيْخِيّ (c) الوَاسِطِيّ، قال: حَدَّثنا العبَّاسُ بن الفَضْل، عن القَاسِم بن عبد الرَّحْمن، عن مُحَمَّد بن عليّ، قال: كان لذي القَرْنَيْن صَدِيْقُ من المَلائِكَة يقال له زرفيَائِيْل، وكان لا يزالُ يتعَهَّدُهُ بالسَّلام، فقال له ذو القَرْنَيْن: هل تَعْلَوُ شيئًا يَزِيد في طُول العُمر فأزْدَادُ شُكْرًا وعِبادةً؟ فقال: ما لي بذلك من عِلْم، ولكن سأسْأل عن ذلك في السَّماء، فعَرجَ إلى السَّماءِ فلبثَ مَا شَاء الله أنْ يلبَثَ ثُمَّ هَبَطَ، فقال: إنّي سَألْتُ ممَّا سَألتَني فأُخْبرتُ أنَّ للهِ عَيْنًا في ظُلمْةٍ هي أشَدُّ بياضًا من اللَّبَن وأَحْلَى من الشُّهْد، مَنْ شَرب منها شَرْبةً لم يَمُت حتَّى يكون هو الّذي يَسألُ اللّهَ تعالَى المَوْتَ (a). أخْبَرَنا أبو الفَضْل بن أبي الحَسَن التَّاجر، قال: أخْبَرَنا أبو طَالِب الكَتَّانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو الفَضْل مُحَمَّد بن أحْمَد بن عَبْد الله، قال: أخْبَرَنا أبو الحَسَن بن مَخْلَد، قال: أخْبَرَنا أبو الحسَن الصِّلْحِيّ، قال: أَخْبَرَنا أبو بَكْر الحافظ، قال: حَدَّثَنَا يُوسُف بن يَعْقُوب، قال: حَدَّثَنَا سَعيد بن مَنْصُور، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْم، عن الفَضْل بن عَطِيَّة، عن عَطَاء، عن ابن عبَّاسٍ ﵁ أنَّ إبْراهيم صلَّى اللهُ عليه لقي ذَا القَرْنَيْن فصَافحَهُ. قَراتُ على تَاج الدِّين أبي اليُمْن زَيْد بن الحَسَن الكِنْديّ بداره بدِمَشق، قلت له: أخْبرك الشَّيخ أبو مُحَمَّد عبد الله بن علي بن مُحَمَّد المُقْرِئ، فأقَرَّ بهِ، قال: أخْبَرَنا أبو مَنْصُور مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أحْمَد بن الحُسَين بن عَبْد العَزِيْز، قال: أخْبَرَنا أبو الطَّيِّب مُحَمَّد بن أحْمَد بن خَلَف بن خَاقَان، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر مُحَمَّد بن الحَسَن بن دُرَيْد، ح. قال أبو مَنْصور: وحَدَّثَنَا القَاضِي أبو مُحَمَّد عبد اللهِ بن عليّ بن أيوب، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن الجَرَّاح الخَزَّازُ، واللَّفْظُ له، قال: أخْبَرَنا أبو بَكْر بن دُرَيْد، قال: وقيل للإسْكَندَر بِمَ نلْتَ هذه المَمْلكة العَظِيمَة على حَدَاثَةِ سنَّك؟ قال: باسْتمالَةِ الأعْدَاء وتَصْييرِهم أصْدِقَاءَ، وبتَعاهُدِ الأصْدِقَاء بالإحْسان إليهم. وقال ابنُ دُرَيْد: قَصد الإسْكَنْدَرُ مَوضِعًا ليُحاربَ أهلَهُ، فحاربَه النِّسَاءُ، فكفَّ عنهُنَّ وعن مُحاربتهنّ، وقال: هذا جَيْشٌ إنْ غَلبْناهُ لم يكُن لنا فيه فَخْر، وإنْ غَلَبننا (a) كانت الفَضِيحةَ آخرَ الدَّهْر. قال: وقال الإسْكَنْدَرُ: انتفَعْت بأعْدَائي أكثر ممَّا انتَفَعْتُ بِأصْدِقائي؛ لأنَّ أعْدائي كانُوا يُعيِّرونَني بالخَطَأ ويُنبِهونني عليه، وكان أصْدقائى يُزَيِّنُونَ لى الخَطَأ ويُشَجِّعونني عليه. أخْبَرَنا عَتِيق السَّلَمانِيّ، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِم الحافِظ (¬١)، ح. وحدَّثنا أبو الحَسَن بن أحْمَد، عن أبي المَعَالِي بن صَابِر، قالا: أخْبَرَنا أبو القَاسِم النَّسِيب، قال: أخْبَرَنا رَشَاء بن نَظِيف، ح. وأخْبَرَنا أبو القَاسِم بن سُلَيمان بن بَنِيْن، قال: أخْبَرَنا أبو القَاسِمِ البُوْصِيرِي، وأبو عَبْد الله بن حَمْد (b)، قالا: أخْبَرَنا أبو الحَسَن الفَرَّاء - قال ابنُ حمْد: إجَازَهً - قال: أخْبَرَنا عَبْدُ العَزِيْز بن الحَسَن، قالا: أخْبَرَنا الحَسَنُ بن إسْمَاعِيْل، قال: حَدَّثَنَا أحْمَد بن مَرْوَان (¬٢)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن مُوسَى القَطَّانُ، قال: حَدَّثَنا عَبْدُ الله بن جَعْفَر الرَّقِّيّ، قال: وَشَى وَاشٍ برَجُل إلى الإسْكَنْدَر، فمَال له: أَتُحبُّ أنْ نَقْبلَ منك فيه ما قلْتَ فيه على أنَّا نقبَلُ منه ما قال فيك؟ فقال: لا، فقال له: فكُفّ عن الشَّرِّ يُكَفُّ الشَّرُّ عنكَ. قَرَأتُ في كتاب التَّعْرِيْف (¬٣)، في ذِكْر اليُونَانِيِّين (c)، وهذا الكتاب تأليف صَاعِد بن أحْمَد بن صَاعِد الأنْدَلُسِيِّ، قال فيه: منهم الإسْكَنْدَرُ بن فيْلفُوس (d) المَقَدُونِيُّ، المَعْرُوفُ بذي القَرْنَيْن الّذي غَزَا دَارا بن دارَا مَلِكَ الفُرْس في عُقْرِ دَاره، فَثَلَّ عَرْشَهُ، ومزَّق مُلْكه، وفرَّق جَمْعَهُ، ثمّ تخَطَّاهُ قَاصِدًا إلى مُلُوك المَشْرِق من الهِنْد، والتُّرْكِ، والصِّيْنِ، فتغلَّبَ على بَعْضِهم، وانْقادَ له جميعُهم، وتلقَّوه بالهَدَايا الفَخْمَة، واسْتَكَفُّوه بالأتَاواتِ الجَزْلَة، ولم يزل مُتَردِّدًا في أقاصِي الهِنْد، وتُخُوم الصِّيْن، وسَائرِ أكْنافِ المَشْرِق (a)، حتَّى أجْمعَ (b) مُلُوكُ الأرْضِ طرًّا على الطَّاعَة (c) لسُلْطَانه، والخضُوع لعزَّتهِ، والإقْرار بأنَّهُ مَلِكُ الأقَاليْم، والاعْتراف بأنّهُ رَئيس الأرْض. وقَرأتُ بخَطِّ عَبْد السَّلام بن الحُسَين البَصْرِيّ المَعْرُوف بالوَاجْكَا من كتاب في ذِكْر فَضَائِلِ الفُرْس، وأنْسَابِ حُكَمائهم لم يُسَمّ مُؤَلِّفه، ولعلَّه من تأليفه، قال فيهِ: وقيل إنَّ رَجُلَين من أصْحَاب دَارَا من أهْل هَمَذَان طعنا دَارَا من خلْفه في الحرب، ثمّ هَرَبا إلى الإسْكَنْدَر فأخْبَراهُ، فقَتَلَهُما بقَتْلهما دَارَا، وصلَبَهُما لأنْ لا يُجْتَرَأَ على المُلُوك (¬١). قال: ثُمّ مَلَك الإسْكَنْدَر الرُّوميِّ، وقد قال بعضُ الفُرْس إنَّهُ ابنُ دَارَا بن بَهْمَن المَلِك بن أَسْفَنْدبَاذ الشَّدِيد بن نَشْتَاسب المَلِك، والفُرْس تُسَمِّيه الإسْكَنْدَر. قال مؤلِّف الكتاب: ولكنَّ الثَّبتَ عندنا أنَّ ذا القَرْنَيْن الإسْكَنْدَر كان من الرُّوم، وأنَّهُ فيْلفُوس بن مصْريم بن هِرْمس بن هردس (d) بن ميطُون بن رُومِي بن ليطي بن يُوْنَان بن يَافِث بن ثوبه (ح) بن سرجُون بن رومية بن بريط (f) بن تُوفِيْل بن رُوْمِي بن الأصْفَر بن اليفَن بن العِيْص بن إسْحاقَ بن إبْراهيم النَّبِيّ ﵇. قال: وكان الإسْكَنْدَرُ مُؤْمنًا، فبَلَغنا أنَّه لَم يَزَل يقتُلُ المُلُوكَ وأبناءَهُم والأشْرَافَ حتَّى دخَل بَابِل، فرأىَ أجْسَامَ أهل السَّوَاد وعقُولَهم، فكتَبَ إلى أُمِّه وإلى مُؤَدِّبهِ أرُسْطَاطِيلس (a) يُخْبرهمُا أنّهُ رَأى قَوْمًا لم يُرَ مثلهُم، فكتَبا إليهِ: إنَّ مثل هؤلاء لا يقتَل، ولكن كُفَّ عنهم، ومزِّق مُلْكَهم، فبلغَنا أنَّ الإسْكَنْدَر مَلَّكَ على السَّوَادِ ثَمانين مَلِكًا، وكذلك صنع بسَائر البِلَاد، وجعَل على مُلُوكِ السَّواد جَمِيعًا رجُلًا، وجَعَل على الجِبَال رَجُلًا، وعلى الرُّوم رَجُلًا، وعلى المَشْرِق رَجُلًا. قال: وبلَغنا أنَّ الإسْكَنْدَر كان جَوَّالًا في البِلاد لا دار له إلَّا أنّه لمَّا قتَلَ دَارَا المَلِكَ تزوَّج روسْتَك (b) ابنَتَهُ، وجلَسَ على سَريه ببَابِلَ، وهَدَم حُصُونَ الفُرْس ومُدنَهم وبيُوتَ النِّيْرَان، وأحْرَقَ دَوَاوين دَارَا، وقَتَل الهرَابِذَة، وأحْرَقَ كُتُب المجوسِيَّة. قال: وبَني الإسْكَنْدَرُ مَلَطْيَةَ، وماتَ الإسْكَنْدَرُ ببَابِل، فطُلِيَتْ جُثَّتُهُ بعَسَلٍ، وحُمِلَ إلى الإسْكَنْدَرِيَّةِ في تَابُوتِ ذَهَب فدُفِنَ، وإنَّما طُلِي بالعَسَل لأنْ لا يُنْتِن، وكان مُلكه أرْبَعَ عَشْرةَ سَنَةً، ولم يُعْقِب. قال: وبَني الإسْكَنْدَرُ الرُّوميُّ المَلِكُ مَدِينَةَ سَمَرْقندَ، ومَدِينَةَ هَرَاةَ، ومَدِينَةَ مَرْوٍ، والإسْكَنْدَرِيَّةَ الّتِي بمِصْرَ، وسرنْدِيْب الّتي على سَاحِل البَحْر، ومَدِينَة لروسْتَك امْرأته بناهَا ببَابِل، وبن ببَابِل (c) أيضًا مَدِينَة أخْرى، وبَن جَيّ مَدِينَة أصْبَهَان على تمْثالِ حَيَّةٍ، ومَدِينَة مَلَطْيَة وهي بأرض اليُونَانيِّيْن، وبني مَدِينَتَين بأرْض اليُونَانَيِّيْن، ومَدينَتَيْن في مَوضعٍ، ولا نعْلَم أنَّ أحدًا من مُلُوك الطَّوَائف بني شيئًا. وقَرَأتُ في كتاب تَوَارِيْخ الأُمَم، تأليف أبي عَبْد اللّهِ حَمْزَة بن الحَسَن الأصْبَهَانِيّ (¬١)، وذَكَر دَارَا بن دَارَا، فقال: في زَمان مُلْكِه تحرَّك بأرْض المَغْربِ الإسْكَنْدَر، وكانت لمُلُوكِ الفُرْس أتَاوة على مَنْ بالمَغْرب من القِبْط، والبَرْبَر، ومنْ بالشَّمَال من الرُّوم والسَّقْلب (a)، ومَنْ بِالشَّام وفِلَسْطين من الجَرَامقَة والجَرَاجم (b)، فلمَّا اسْتَوْلَى الإسْكَنْدَر على المُلْك، ووَرَدَ عليه من قِبَل دَارَا مَنْ يتَقَاضَاهُ الأتاوة، قال: قولُوا له: إنَّ الدَّجَاجةَ الّتي كانت إلى الآن تَبِيْضُ قد انقطَعَتْ عن البَيْضِ، فصار ذلك سَبَبًا لالْتِحام الشَّرّ بين دَارا والإسْكَنْدَر حتَّى قُتِلَ فيه دَارَا، وبَني - يعْني دَارَا - فَوْق نَصِيبِيْن مَدِينَة باسْمِه، وسمَّاها دَاران، وقد بقيَتْ إلى الآن وهي تُسمَّى دَارا (c). وقال (¬٢): لمَّا فرَغ الإسْكَنْدَرُ من قتل دَارَا، واسْتَولَى على بلادِ فارس، أسَاءَ السِّيْرَةَ، وأسْرَف في هراقَة الدِّماء، واجْتَمع في مُعْسَكره (d) من وجُوهِ الفُرْس وأشرَافها سَبْعةُ آلاف أسير مُقَرَّنين في الأصْفَادِ، يدعُو بهم (e) كُلّ يَوْمٍ، وَيقتُل منهم واحدًا وعشْرين أسِيْرًا، حتَّى بلغَ كَاشْغَر فأقامَ بها زُمَيِّنًا (f)، ثمّ قَفَل رَاجِعًا نحو بَابِل، فلمَّا بلغَ قُوْمِسَ مَرِضَ بها، وتَمادَتْ به (g) علَّتُه في طَريقه، فمات قَبْل أنْ يَصِل إلى بَابِل، وقد كان جَعَلَها تَلَّ تُرَاب. قال (¬٣): وفيما (h) ولَّدَهُ القُصَّاصُ من الأخْبار أنَّهُ فَي بأرْض إِيْرَانشَهْر (i) اثْنَتي عَشْرةَ مَدِينَةً سمَّاها كلّها الإسْكَنْدَرِيَّة، واحدةً بأصْبَهَان، وواحدةً بهَرَاة، وواحدةً بمَرْو، وواحدةً بسَمَرْقند، وواحدةً بالصُّغْد، وواحدةً ببَابِل، وواحدة بَمْيسَان، وأرْبَعًا بالسَّوَادِ. وليس للحَدِيْث أصْلٌ، لأنَّ الرَّجُل كان (a) مُخَرِّبًا ليس بنَّاءً. وقال (¬١): لمَّا فرَغ الإسْكَنْدَرُ من قَتْلِ الأشرَافِ وذوي الأقْدَارِ من الفُرْس، واسْتَولَى على تَخْريبِ المُدن والحُصُون، ووصَلَ إلى ما أراد، كَتَب إلى أَرُسْطَاطَالِيْس: إنِّي وَتَرْتُ جميعَ مَنْ بالمَشْرِق بقَتْلي مُلُوكَهم، وتَخْرِيبي معَاقلَهُم وحُصُونَهُم، وقد خَشِيْتُ أنْ يتَضَافَروا (b) من بَعْدي على قَصْدِ بلادِ المَغْرب، فهَمَمْتُ أنْ أتتَبَّع أوْلَادَ مَنْ قَتلْتُ من المُلُوك فأجْمَعَهُم وأُلْحقَهم بآبائهم، فما الرَّأيُ قِبَلَكَ؟ نَخَبَ إليهِ: إنَّك إنْ قَتَلْتَ أبناءَ المُلُوك أفْضَى (c) المُلْكُ إلى السِّفَلِ والأنذَالِ، والسِّفَلُ إذا مَلكُوا قَدَرُوا، وإذا قَدَرُوا طَغَوا وبَغَوا وظَلَوا واعْتَدَوا، وما يُخْشَى من معرَّتهم أفْظَعُ، والرَّأيُ أنْ تَجْمعَ أبناءَ المُلُوك فتُمَلِّك كُلّ واحدٍ منهم بَلَدًا واحِدًا، وكُورَةً (d) واحدةً من البُلْدان، فإنَّ كُلّ واحدٍ منهم يُشَاحُّ الآخرَ على ما في يَده، فيتوَلَّدُ (e) من أجْلِهِ العَدَاوَةُ والبَغْضَاءُ بينهم، فيقَعُ لهم من الشُّغْلِ بأنْفُسِهم ما لا يتفرَّغُونَ عنهُ إلى مَنْ نَأى عنهم من أهل المَغْرب. فعندها قسم الإسْكَنْدَر بلاد المَشْرِق على مُلُوك الطَّوَائف، ونَقَل عن بُلْدانهم عِلْمَ النُّجُوم والطِّبّ والفَلْسَفَة والحرَاثَة إلى بُلْدان المَغْرب، بعد أنْ حوَّلَها إلى اليُونانيَّةِ والقِبْطيَّةِ. فلمَّا هَلَك الإسْكَنْدَرُ، وحَصَلَت البِلادُ في أيْدي الطَّوَائف، رَفَعُوا الحَرْبَ والتَّجاذُبَ عمَّا (f) بينهم، فكان الواحدُ منهم (g) إنَّما يَغلبُ الآخر بالمَسَائِلِ العَويصَةِ، ففي أيَّامِهم وُضعَتِ الكُتُبُ الّتي هي في أيْدي النَّاس مثلُ: كتابِ مَرْوَكَ، وكتابِ سِنْدبَاذَ (a)، وكتابِ برسنيفاسَ (b)، وكتابِ شنماسَ (c)، وما أشْبَهَهَا (d) من الكُتُب الَّتي بَلَغَ عَدَدُها قَريبًا من سَبْعِين كتَابًا. فبَقُوا على هذا المِنْهَاج إلى أنْ مَلك منهم نيّفٌ وعشرون نَفرًا، خرَج في عدادهم مَنْ سَمَتْ به هِمَّتُه إلى الغَزْو، وكان عددُ أولئك الطَّوَائف تسعين مَلكًا، فكانوا كُلّهم يُعَظِّمُونَ مَنْ يمَلكُ العِرَاق، ويَنْزل طَيْسَفُون، وهى المَدَائِن، وكان إذا كاتبهم يبدأُ بنَفْسهِ. وقال حَمْزَة الأصْبَهَانِيّ (¬١): قَرَاتُ في كتاب مُصَنَّفٍ في أخْبَارِ اليُونَانيِّيْن، قد نسُبَ نقْلُه إلى حَبِيْبِ بن بهْرِيز (e) مِطْرَان المَوْصِل، أنَّ اليُونَانِيِّيْن كانوا يُؤرِّخُون في القَديم من وَقْتِ (f) خُرُوج يُوْنَان بن تُورس (g) عن أرضِ بَابِل إلى جانب المَغْرب، فبقُوا على هذا التَّأريْخ إلى أنْ ظَهَر الإسْكَنْدَر وغلَب المُلُوكَ، فذهَبَتْ يُوْنَان (h) وصَاروا حُشْوَةً (i) في الرُّوم. وكان سَبَبُ ظهُور الإسْكَنْدَر على المُلُوك أنَّهُ لمَّا مَضَى من مَوْلده ستُّ سِنين، خَرَج من بَلَدِه، ورَكب البَحْرَ، وفَتَح الجَزَائر، إلى أنْ بلغَ أرْضَ إفْرَنْجَة في أقْصَى المَغْرب، ثمّ رجَعَ من وجْهته تلكَ على طَريقِ إفْرِيقِيَّة مُنْحَطًّا على أرْض مِصْر، ومنها على (j) أرْض الشَّام، فقدَّر أنَّهُ لَم يَعْمل عَمَلًا، وسَمَت به (a) هِمَّتُه إلى جَانِب المَشْرِق (b)، وطَمعَ في الظَّفَر بمَمْلَكَةِ (c) الفُرْس، فلمَّا (d) قَرُب منها اتَّفَق له قتْل مَلِكها بوثُوب بعض حُمَاةِ ظَهْره عليه، فاسْتَولَى على مَمْلَكَة الفُرْس (e)، ثمّ تَجَرَّأ منها على قَصْدِ ما وراءها من أرْض الهِنْد، وأقاصِي المَشْرِق، فظَفر بالمواضع الّتي صَار إِليها، ثمّ رَجَعَ منها عائدًا إلى مَدِينَة بَابِل (f) العَتِيقة على (g) أنْ يُعيدها إلى العِمَارَة بعدما خرَّبها، وكانت في زَمان عمرانها (h) مَنْزِل مُلُوك الكَلْدَانيِّيْن، فلمَّا قَرُب منها ماتَ بسمّ سقَوْهُ إيَّاهُ وله اثْنَتان وثلاثُونَ سنةً فحَسْب، وقد كان في حياته تقدَّم إلى أهْل زمانهِ أنْ يُؤرِّخُوا بسني مُلْكه ويجعَلُوا ابتداءَهَا من أوَّل سَنَة سَبِع وعشرين من سِنيّ عُمره، ومنه كانوا يُؤرِّخُونَ كُتُبَهم، ثمّ أرَّخُوها بعد وفاته بسَنة ستٍّ من سِنيّ الإسْكَنْدَر وذلك من ابتْداءِ حرَكَته. وقَرَأتُ في جمُوع عَتِيق بخَطِّ بعضِ الأُدَبَاءِ خَبَرَ وَفَاةِ الإسْكَنْدَر مُخْتصَرًا، قال فيهِ: لمَّا اعْتَلَّ العِلَّة الّتي أَيِسَ فيها من نَفْسِه كتبَ إلى وَالدتهِ: اصْنعَي صَنِيْعًا وادْعِي إليه مَنْ لم تُصِبْهُ مُصِيْبَةٌ، فلمَّا وصَل الكتابُ بذلك إليها قالت: لقد عزَّاني الإسْكَنْدَرُ عن نَفْسهِ. ولمَّا مَضَى لسَبيله رثَاهُ النَّاسُ؛ فممَّا قالت الفَلَاسِفَةُ: قال أحَدُهُم: حرَّكَنا الإسْكَنْدَرُ بسُكُونه. وقال أَرُسْطُوطَالِيْس: صدرَ عنَّا الإسْكَنْدَرُ نَاطِقًا، وقَدِمَ علينا صَامتًا. وقال آخرُ: خَرَجنا إلى الدُّنْيا جَاهِلين، وأقمنا فيها غَافِلين، ونخرُج منها كارهيْنَ. وقال ميلَاطُوس: أيُّها السَّاعي المُعْتَصِبُ (¬١)، جَمَعْتَ ما خَانكَ عند الاحْتجاج، وتركَكَ عند الاحْتِياج، فلا قَرَابَةَ يزُورُكَ، ولا وَزِيرٌ يُنْقذُكَ. وقال فِيْلِيْمُونَ (a): هذا يَوْمٌ عظيمٌ أقْبلَ من شَرِّه ما كان مُدْبرًا، وأدْبَر (b) من خَيْره ما كان مُقْبِلًا، فَمن كان باكيًا على زَوَالِ مُلْكه فليَبْكِ. وحُمِلَ في تَابُوت من ذَهَب، فلمَّا رآهُ بعضُ الفَلَاسِفَةِ، قال: جَمَعْتَهُ حيًّا وجَمَعَكَ مَيْتًا. وقيل: إنَّ الّذي قال هذا أُمُّه. وقال آخر ما أزْهَدَ النَّاسَ فيك، وأرْغَبهم فيما أنْتَ فيهِ. ودُفِنَ بحِمْص ﵀. قُلتُ: وهذا يُوكِّدُ ما يتعَارفُه أهْلُ بِلَادِنا أنَّهُ مَقْبُور بشَحْشَبُو، قَرْيَةٌ من بَلَد كَفَرْ طَاب، لأنَّ كَفَرْ طَاب وحَلَبَ وناحيتها كانت مُضافَة إلى حِمْص من قديم الزَّمان إلى أنْ عَزَل يَزِيدُ بن مُعاوِيَة قِنَّسْرِيْن وعَمَلها وجَعَلهُ جُنْدًا على حدَة، وأفْرَده عن حِمْص (c). وقيل: إنَّ الّذي فَعَل ذلك مُعاوِيَة أبوه (¬٢)، واللهُ أعْلَمُ.